المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الفصل الثاني: - لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح - جـ ١

[عبد الحق الدهلوي]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمات

- ‌تقديم بقلم: أ. د. عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ المُحْسِنِ التُّرْكِيِّ (الأمِيْنِ العَامِّ لِرَابِطَةِ العَالَمِ الإسْلَامِيِّ)

- ‌تَقْدِيْمٌ بِقَلَمِ: سَمَاحَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الرَّابِعِ الحَسَنِيِّ النَّدْوِيِّ رَئِيْسِ نَدْوَةِ العُلَمَاءِ بِالهِنْدِ

- ‌تَقدِيْمٌ بِقَلَمِ: أ. د. موَفَّقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ القَادِرِ مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ - جَامِعَةُ أُمِّ القُرَى

- ‌تَقْدِيمٌ بِقَلَمِ: فَضِيلَةِ الأُسْتَاذِ المُحَدِّثِ الفَقِيْهِ الشَّيْخِ مُحَمَّد تَقِي العُثْمَانِيِّ شَيْخِ الحَدِيثِ بِجَامِعَةِ دَارِ العُلُومِ كراتشي في باكستان

- ‌مُقَدِّمَةُ المُحَقّقْ

- ‌عَمَلي في هَذا الكِتَاب

- ‌تَرْجَمَةُ الإمَامِ المُحَدِّثِ عَبْدِ الحَقِّ البُخَارِيِّ الدِّهْلَوِيِّ

- ‌ كيف دخل الإسلام الهند:

- ‌ علم الحديث في القرن العاشر الهجري:

- ‌ اسمه ولقبه وأسرته ومولده ونشأته:

- ‌ تدريسه قبل سفره إلى الحجاز:

- ‌ ارتحاله لطلب العلم:

- ‌ ارتحاله إلى الحرمين الشريفين:

- ‌ عودة الشيخ المحدث من الحجاز إلى الهند:

- ‌ منهج الشيخ المحدث في الدعوة في هذه الظروف:

- ‌ شيوخه:

- ‌ اختيار الشيخ المحدث إسنادًا خاصًّا لرواية الحديث:

- ‌ اعتراف شيوخه برسوخه في العلم:

- ‌ الفرق بين منهج المحدث عبد الحق الدهلوي وبين منهج الإمام ولي اللَّه الدهلوي:

- ‌ وصايا الشيخ عبد الوهاب للشيخ المحدث:

- ‌ وصايا الشيخ أبي المعالي للشيخ المحدث:

- ‌ استكمال التربية والسلوك من الشيخ الكبير عبد الباقي النقشبندي المعروف بخواجه باقي باللَّه:

- ‌ الشيخ المحدث وعلاقته بالربانية:

- ‌ البركة في أعمال الشيخ المحدث:

- ‌ الشيخ المحدث بين التصنيف والتأليف:

- ‌ الشيخ المحدث ومآثره:

- ‌ علاقة الشيخ المحدث مع الإمام السرهندي:

- ‌ ثناء العلماء عليه:

- ‌ تلاميذه:

- ‌ خلفه:

- ‌ وفاته:

- ‌ وصول إسناده إلى الحرمين الشريفين:

- ‌ مؤلفاته

- ‌ أشعة اللمعات في شرح المشكاة:

- ‌ لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح:

- ‌ مصابيح السنة:

- ‌تَرْجَمَةُ صَاحِبِ المِشْكَاةِ

- ‌ مشكاة المصابيح:

- ‌ عدد أحاديثه:

- ‌ وصف النسخ المخطوطة:

- ‌ النسخة الأولى:

- ‌ النسخة الثانية:

- ‌ النسخة الثالثة:

- ‌ النسخة الرابعة:

- ‌ النسخة الخامسة:

- ‌ النسخة السادسة:

- ‌صور المخطوطات

- ‌مُقَدِّمَةُ اللّمَعَات

- ‌مُقَدِّمَةٌ فِي بَيَانِ بَعْضِ مُصْطَلَحَاتِ عِلْمِ الحدِيثِ مِمَّا يَكْفِيْ فِي شَرْحِ الكِتَابِ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيْلٍ وإِطْنَابٍ

- ‌[تَعْرِيف الحَدِيث]:

- ‌[الْمَرْفُوع]:

- ‌[الْمَوْقُوف]:

- ‌[الْمَقْطُوع]:

- ‌[الحَدِيث والأثر]:

- ‌[الْخَبَر والحَدِيث]:

- ‌[الرّفْع قِسْمَانِ صَرِيح وحكمي]:

- ‌[القولي الصَّرِيح]:

- ‌[الفِعْلِيّ الصَّرِيح]:

- ‌[التقريري الصَّرِيح]:

- ‌[القولي الْحكمِي]:

- ‌[الْفعْلِيّ الْحكمِي]:

- ‌[التقريري الْحكمِي]:

- ‌فصل

- ‌[السَّنَد]:

- ‌[الإِسْنَاد]:

- ‌ المتن

- ‌[الْمُتَّصِل]:

- ‌[الْمُنْقَطع]:

- ‌[الْمُعَلق]:

- ‌[تعليقات البُخَارِيّ]:

- ‌[حكم التَّعْلِيق بِصِيغَة الْمَعْلُوم والمجهول]:

- ‌[الْمُرْسل]:

- ‌[حكم الْمُرْسل]:

- ‌[المعضل]:

- ‌[الْمُنْقَطع]:

- ‌[طَرِيق معرفَة الانْقِطَاع]:

- ‌[المدلس]:

- ‌[تَعْرِيف التَّدْلِيس اصْطِلاحًا]:

- ‌[تَعْرِيف التَّدْلِيس لُغَة]:

- ‌[وَجه التَّسْمِيَة بِهِ]:

- ‌[حكم المدلِّس]:

- ‌[حكم التَّدْلِيس]:

- ‌[حكم رِوَايَة المدلس]:

- ‌[أَسبَاب التَّدْلِيس]:

- ‌[تَدْلِيس الأكابر]:

- ‌[المضطرب]:

- ‌[حكم المضطرب من الرِّوَايَات]:

- ‌[المدرج]:

- ‌ تَنْبِيه:

- ‌[الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى]:

- ‌[رِوَايَة اللَّفْظ أولى]:

- ‌[العنعنة]:

- ‌[المعنعَن]:

- ‌[شُرُوط العنعنة]:

- ‌[الْمسند]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌المنكر

- ‌[الشاذ لُغَة]:

- ‌[الشاذ اصْطِلَاحًا]:

- ‌[الْمَعْرُوف]:

- ‌[حكم الْمَعْرُوف وَالْمُنكر والشاذ وَالْمَحْفُوظ]:

- ‌[تَعْرِيف آخر للشاذ]:

- ‌[تَعْرِيف ثَالِث للشاذ]:

- ‌[الْمُعَلل]:

- ‌[المتابع]:

- ‌[فَائِدَة الْمُتَابَعَة]:

- ‌[دَرَجَات الْمُتَابَعَة]:

- ‌[مَتى يسْتَعْمل "مثله" و"نحوه

- ‌[شَرط الْمُتَابَعَة]:

- ‌[الشَّاهِد]:

- ‌[تَعْرِيف آخر للمتابع وَالشَّاهِد]:

- ‌[الاعْتِبَار]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌الصحيح

- ‌[الصَّحِيح لذاته]:

- ‌[الصَّحِيح لغيره]:

- ‌[الْحسن لذاته]:

- ‌[الضَّعِيف]:

- ‌[الْحسن لغيره]:

- ‌[النُّقْصَان المُعْتَبر فِي الْحسن]:

- ‌[الْعَدَالَة]:

- ‌ التقوى

- ‌المروءة

- ‌[عدل الرِّوَايَة أَعم من عدل الشَّهَادَة]:

- ‌[الضَّبْط]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[وُجُوه الطعْن الْمُتَعَلّقَة بِالْعَدَالَةِ]:

- ‌[1 - الْكَذِب]:

- ‌[الْمَوْضُوع]:

- ‌[حكم متعمد الْكَذِب]:

- ‌[المُرَاد بالموضوع]:

- ‌[مَسْأَلَة الحكم بِالْوَضْعِ ظنية]:

- ‌[2 - اتهام الرَّاوِي بِالْكَذِبِ]:

- ‌[الْمَتْرُوك]:

- ‌[حكم الْمُتَّهم بِالْكَذِبِ]:

- ‌[حكم من يكذب نَادرًا]:

- ‌[3 - الْفسق]:

- ‌[4 - جَهَالَة الرَّاوِي]:

- ‌[حكم الْمُبْهم]:

- ‌[5 - الْبِدْعَة]:

- ‌[حكم حَدِيث المبتدع]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[وُجُوه الطعْن الْمُتَعَلّقَة بالضبط]:

- ‌[1 - و 2 - فرط الْغَفْلَة وَكَثْرَة الْغَلَط]:

- ‌[3 - مُخَالفَة الثِّقَات]:

- ‌[4 - الْوَهم]:

- ‌[غموض علم الْعلَّة ودقته]:

- ‌[5 - سوء الْحِفْظ]:

- ‌[حكم سيئ الحِفْظ]:

- ‌[الْمُخْتَلِط]:

- ‌[حكم الْمُخْتَلط]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[الْغَرِيب]:

- ‌[الْعَزِيز]:

- ‌[الْمَشْهُور]:

- ‌[الْمُتَوَاتر]:

- ‌[الْفَرد]:

- ‌[الْفَرد النسبي]:

- ‌[الْفَرد الْمُطلق]:

- ‌[المُرَاد بِكَوْن الرَّاوِي اثْنَيْنِ أَو أَكثر]:

- ‌[لَا تنَافِي بَين الغرابة وَالصِّحَّة]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[الضَّعِيف]:

- ‌[مَرَاتِب الصَّحِيح وَالْحسن]:

- ‌[أصح الأَسَانِيد]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[اصْطِلَاحَات التِّرْمِذِيّ]:

- ‌[إِشْكَال اجْتِمَاع الغرابة وَالْحسن]:

- ‌[جَوَاب الإِشْكَال]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[الاحْتِجَاج بِالصَّحِيحِ وَالْحسن]:

- ‌[الاحْتِجَاج بالضعيف]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[صَحِيح البُخَارِيّ أَعلَى الصِّحَاح]:

- ‌[وَجه تَرْجِيح صَحِيح مُسلم عِنْد بعض المغاربة]:

- ‌[الْمُتَّفق عَلَيْهِ]:

- ‌[عدد الأَحَادِيث الْمُتَّفق عَلَيهَا]:

- ‌[دَرَجَات الصِّحَاح]:

- ‌[معنى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[البُخَارِيّ وَمُسلم لم يستوعبا الصِّحَاح]:

- ‌[مُسْتَدْرك الْحَاكِم]:

- ‌[صَحِيح ابْن خُزَيْمَة]:

- ‌[صَحِيح ابْن حبَان]:

- ‌[صَحِيح الْحَاكِم (الْمُسْتَدْرك)]:

- ‌[المختارة للمقدسي]:

- ‌[صِحَاح أُخْرَى]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[الْكتب السِّتَّة]:

- ‌[أَحَادِيث الْكتب الأَرْبَعَة]:

- ‌[اصْطِلَاح الْبَغَوِيّ]:

- ‌[كتاب الدَّارمِيّ]:

- ‌[مصَادر السُّيُوطِيّ فِي جمع الْجَوَامِع]:

- ‌[جمَاعَة من الأَئِمَّة المتقنين]:

- ‌مُقَدِّمَةُ المِشْكَاةِ

- ‌1 - كتاب الإيمان

- ‌ الفصل الأول:

- ‌ الفصل الثاني:

- ‌ الفصل الثالث:

- ‌1 - باب الكبائر وعلامات النفاق

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّل:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌2 - باب الوسوسة

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌3 - باب الإيمان بالقدر

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌4 - باب إثبات عذاب القبر

- ‌ الْفَصْل الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌5 - باب الاعتصام بالكتاب والسنة

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌(2) كِتَابُ العِلْمِ

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

الفصل: ‌ الفصل الثاني:

*‌

‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

161 -

[22] عَنْ رَبِيعَةَ الجُرَشِيِّ قَالَ: أُتِي نَبِيُّ اللَّه صلى الله عليه وسلم فَقِيلَ لَهُ: لِتَنَمْ عَيْنُكَ وَلْتَسْمَعْ أُذُنُكَ وَلْيَعْقِلْ قَلْبُكَ، قَالَ: "فَنَامَتْ عَيْنَايَ وَسَمِعَتْ أُذُنايَ وَعَقَلَ قَلْبِي، قَالَ: فَقِيلَ لِي: . . . . .

ــ

الفصل الثاني

161 -

[22] قوله: (ربيعة الجرشي) بضم الجيم وفتح الراء والشين المعجمة.

وقوله: (أتي نبي اللَّه) بصيغة المجهول، أي: أتت عليه ملائكة فقالوا له: (لتنم (1) عينك ولتسمع أذنك وليعقل قلبك) الكلمات الثلاث على صيغة الأمر الغائب، ومضمون هذا الحديث مضمون حديث جابر الخامس من أحاديث الفصل الأول، فيكون حاصل المعنى: أن العين وإن كانت نائمة لكن الأذن سامعة والقلب يقظان، فاضربوا به المثل فإنه يسمعه ويعقله، لكنها أوردت على صيغ الأمر، وأسندت إلى الجوارح قريبًا من قولهم: أبصرت بعيني، وكتبت بيدي، وفيه من المبالغة في حصول معانيها ما لا يخفى، فافهم.

وقوله: (فنامت عيني وسمعت أذناي وعقل قلبي) لعل إفراد العين لأن العينين لما نامتا عدمتا وصارتا في حكم الواحد؛ لأن الأعدام لا تمايز بينها، وتثنية الأذنين إشارة إلى كمال إدراكهما فرادى، وأما إفراد القلب فظاهر.

(1) قال الطيبي في شرح هذا الكلام (1/ 322): أي: لا تنظر بعينك إلى شيء، ولا تصغ بإذنك إلى شيء، ولا تجر شيئًا في قلبك، أي: كن حاضرًا حضورًا تامًّا لتفهم هذا المثل، فأجابه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأني قد فعلت ما تأمرني، والأوامر الثلاثة واردة على الجوارح ظاهرًا، وهي في الحقيقة له صلى الله عليه وسلم، انتهى.

ص: 478

سَيِّدٌ بَنَى دَارًا فَصَنَعَ فِيهَا مَأْدُبَةً، وَأَرْسَلَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ، وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَرَضِيَ عَنْهُ السَّيِّدُ، وَمَنْ لَمْ يُجبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَسَخِطَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ"، قَالَ: "فَاللَّهُ السَّيِّدُ، وَمُحَمَّدٌ الدَّاعِي، وَالدَّارُ الْإِسْلَامُ، وَالْمَاْدُبَةُ الْجَنَّةُ". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: 1/ 7].

162 -

[23] وَعَن أبي رَافِعٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ. . . . .

ــ

وقوله: (سيد بنى دارًا) المتبادر إلى الفهم أنهما مبتدأ وخبر، فيجعل التنوين للتعظيم لتخصيص المبتدأ رعايةً لقاعدة النحو، ولو اعتمدت على مذهب الرضي أن المدار على الفائدة لم يحتج إلى ذلك، وقد ذكرناه مكررًا، فتدبر.

وقوله: (والدار الإسلام) جعل في حديث جابر الباني رجلًا وههنا سيدًا، والمشبه بالباني هو اللَّه تعالى، لكن لم يبينه هناك لسوء الأدب، وبينه ههنا لعدمه، ثم إنه جعل الدار هناك الجنة فتكون المأدبة نعيمها، وهو ظاهر، وههنا الإسلام، وهو أيضًا صحيح باعتبار تمكنهم واستقرارهم فيه كما في الدار، والمأدبة على التقديرين: هي نعيم الجنة، فيكون المراد بقوله: والمأدبة الجنة، أي: نعيم الجنة.

162 -

[23](أبو رافع) قوله: (لا ألفين) بضم الهمزة، أي: لا أجدن، ألفاه: وجده.

وقوله: (متكئًا على أريكته)(1) الأريكة هي السرير في الحجلة -بفتحتين-

(1) قال القاري: يَعْنِي الَّذِي لَزِمَ الْبَيْتَ وَقَعَدَ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ. قِيلَ: الْمُرَادُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ التَّرَفُّهُ =

ص: 479

يَأْتِيهِ أَمْرٌ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي مَا وَجَدْنا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ". [حم: 6/ 8، د: 4605، ت: 2663، جه: 13، دلائل النبوة: 6/ 54].

163 -

[24] وَعَنِ الْمِقدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَلا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ،

ــ

مِنْ دُونِهِ سِتر، ولا يسمّى منفردًا أريكةً، وقيل: هو كل ما اتكئ عليه من سرير أو فراش أو مِنصَّة، كذا في (النهاية)(1).

وقوله: (يأتيه الأمر من أمري) أي: حكم من أحكامي، وهو يشمل الأمر والنهي.

وقوله: (لا أدري) أي: غير القرآن ولا أتبع غيره، أخبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن حال بعض أهل البدعة والترفه من أهل التكبر المتقاعدين عن العمل بالحديث الناطق بحكم لا يوجد في القرآن، الزاعمين بأن الأحكام منحصرة في القرآن، والمتمسكين بما يروى من قوله:(إذا سمعتم عني حديثًا فاعرضوه على كتاب اللَّه، فإن وافقه فاقبلوا، وإلا فردوه) وهذا الحديث موضوع عند المحدثين، قال الخطابي: وضعه الزنادقة، وقال صاحب (سفر السعادة): هو من أوضع الموضوعات، وقد أوردنا الكلام في شرحه، فليطلب ثمة.

163 -

[24](المقدام بن معدي كرب) قوله: (ومثله معه) يعني أحكامًا

= وَالدَّعَةُ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُتَكَبِّرِ الْمُتَجَبِّرِ الْقَلِيلِ الاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الدِّينِ. "مرقاة المفاتيح"(1/ 245).

(1)

"النهاية"(1/ 40).

ص: 480

أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّه كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ، أَلَا لَا يَحِلُّ. . . . .

ــ

تماثل القرآن في كونها وحيًا، غير أن الوحي نوعان: متلو يتعلق بألفاظه أحكام كصحة الصلاة به، وحرمة المس للمحدث والجنب، وغير متلو لا يكون كذلك، ومراتب الوحي وطرقه سنذكره في (كتاب الرؤيا).

وقوله: (ألا يوشك) في (القاموس)(1): وشك الأمر ككرم: سَرُعَ، وأوشك: أسرع السير، ويوشك لا تفتح شينه، أو لغة رديَّةٌ.

وقوله: (شبعان) وصفه به لأن الحامل له على هذا القول البطر والحماقة، ومن موجباته التنعم والترفه، والشبع يكنى به عن ذلك.

وقوله: (على أريكته) حال أو صفة ثانية.

وقوله: (إن ما حرم رسول اللَّه) هذا كلامه صلى الله عليه وسلم، وهو الأظهر، ووضع المظهر موضع المضمر لإدخال الرُّوع وتقويةً للداعي إلى الامتثال، كقول الخلفاء: أمير المؤمنين يأمرك بكذا.

وقيل: هو من كلام الراوي، ولهذا زيد في بعض النسخ لفظ صلى الله عليه وسلم، وهو بعيد، وقد خط على هذا اللفظ في النسخ المصححة، ثم في بعض النسخ كتب (إنما) متصلًا بمعنى ما وإلا، وفي بعضها:(وإن ما) منفصلًا وخبر (إن): (كما).

وقوله: (ألا لا يحل. . . إلخ) بيان لبعض الأمثلة لما ثبت بالسنة وليس في

(1)"القاموس المحيط"(ص: 881).

ص: 481

لَكُمْ الْحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَلَا كُلُّ ذِي نابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهَدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَعْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا،

ــ

القرآن.

وقوله: (ولا لقطة معاهد) اللقطة بضم اللام وفتح القاف اسم للمال الملقوط، والالتقاط أن يعثر على الشيء من غير قصد وطلب، وقيل: هو اسم للملتقِط كالضُحَكة، والملقوطُ بسكون القاف، والأول أكثر وأصح، وقيل: هو بفتح قاف وسكونها: الملقوط، بخلاف القياس فإن الفتح قياسًا للَّاقط، وبفتحتين أيضًا لغة، كذا في (مجمع البحار)(1).

والمعاهد يجوز كسر هائه وفتحها، والفتح أشهر وأكثر، [وهو] من كان بينه وبينك عهد، وأكثر ما يطلق في الحديث على الذمي، أي: لا يجوز أن يتملك لقطته الموجودة من ماله لأنه معصوم المال، والعهد يكون بمعنى اليمين والأمان والذمة والحفاظ ورعاية الحرمة والوصية، ولا تخرج الأحاديث عن أحدها، كذا في (مجمع البحار)(2).

وقوله: (إلا أن يستغني عنها صاحبها) قال الطيبي (3): معناه: إلا أن يتركها صاحبها لمن أخذها استغناءً عنها، وقيل: معناه إلا أن يكون شيئًا حقيرًا خسيسًا يستغنى عنه عادة، وقد يباح التصرف في اللقطة إذا كان شيئًا يسيرًا خسيسًا يستغنى عنه، وسيأتي تفاصيل أحكام اللقطة في بابها.

(1)"مجمع بحار الأنوار"(4/ 512).

(2)

"مجمع بحار الأنوار"(3/ 711)، وانظر:"النهاية"(3/ 613).

(3)

"شرح الطيبي"(1/ 325).

ص: 482

وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْلِهِ: "كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ". [د: 4604، دي: 1/ 114، جه: 12].

ــ

وقوله: (ومن نزل بقوم) هذا أيضًا مما حكم به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وليس له ذكر في القرآن، إلا أنه قد قيل: إنه ليس بمحرم، ولذا أخرجه من سياق المنهيات، ولم يقل: إنه لا يحل للمضيف أن لا يكرم ضيفه، بل مكروه وخارج عن سمت المروة؛ لأن قرى الضيف ليس بواجب، فعلى هذا كلمة (على) ليس للوجوب، بل المراد: على طريق السنة والاستحباب.

وقيل: كان واجبًا في أول الإسلام ولهذا قال: (فإن لم يقروه) بفتح الياء وضم الراء من قَرَى الضيفَ قِرًى بالكسر والقصر، والفتح والمد: أضافه.

وقوله: (فله أن يعقبهم) من الإعقاب، وقد يجعل من التعقيب أن يعقِّبهم ويجازيهم من صنيعهم، أي: يأخذ منهم بدلًا مما فاته، ثم نسخ لفرضية الزكاة.

وقال التُّورِبِشْتِي (1): قد كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يبعث السرايا، وكانوا سكان البوادي والمفاوز لا يقام لهم سوق، فشدد عليهم في القِرى ليقيموا للسرية الغاربة ما يبلغون به، ولعل الأمر بأخذ مقدار القِرى من مال المنزول به كان من جملة العقوبات التي شرعت في الأموال زجرًا للمتمردين، كالأمر بتحريق متاع الغالِّ، وأخذ نصف المال من مانعي الزكاة، انتهى.

وقيل: هذا في المضطر الذي لا يجد طعامًا ويخاف على نفسه التلف.

(1)"كتاب الميسر"(1/ 87).

ص: 483

164 -

[25] وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "أَيَحْسِبُ أحَدُكُمْ مُتَّكِأً عَلَى أَرِيكَتِهِ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلَّا مَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ، أَلَا وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ أَمَرْتُ وَوَعَظْتُ وَنَهَيْتُ عَنَ أَشْيَاءَ، إِنَّهَا لَمِثْلُ الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا بِإِذْنٍ، وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ، وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ. . . . .

ــ

164 -

[25](العرباض بن سارية) قوله: (وعن العرباض) بكسر العين المهملة وسكون الراء بعدها موحدة في آخره ضاد معجمة.

وقوله: (أيحسب) بفتح السين وبكسرها.

وقوله: (يظن) بدل من يحسب، وفيه من التأكيد ما لا يخفى.

وقوله: (عن أشياء) متعلق بـ (نهيت)، ومتعلَّق (أمرت ووعظت) محذوف، صرح بذكر متعلق (نهيت) اهتمامًا بذكره، وبيان تعدده وكثرته لهذا المنهيات دون ما وراءها، و (أو) في قوله:(أو أكثر) بمعنى الواو، ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم لم يبين له في هذا الوقت مقداره ولم يتعين فلذلك تردد، واللَّه أعلم.

وقوله: (وإن اللَّه لم يحل لكم) أي: على لساني (أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب)، ولا يخفى أن النهي عن دخول البيوت بغير إذن أهلها مذكور في القرآن بقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} [النور: 27] بمعنى تستأذنوا، لعله مخصوص ببيوت المؤمنين، أو الآية نزلت بعد حكمه صلى الله عليه وسلم، واللَّه أعلم. أو المراد أن مجموع هذا الكلام -أعني عدم إيذاء أهل الكتاب في المسكن والأهل والمال- معلوم من الحديث دون القرآن، أو لأن المال إلى حكم واحد، وهو عدم إيذائهم إذا أعطوا ما عليهم، وهذا الحكم ليس بمذكور في القرآن.

ص: 484

إِذَا أَعْطَوْكُمُ الَّذِي عَلَيْهِمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي إِسْنَادِهِ أَشْعَثُ بْنُ شُعْبَةَ المِصِّيصِي قَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ. [د: 3050].

165 -

[26] وَعَنْهُ: قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً،

ــ

وقوله: (إذا أعطوكم الذي عليهم) وهو الجزية، وإنما ذكرها بهذه العبارة دلالة على أن التعرض لأحد بعد أداء الواجب مما لا ينبغي ولا يجوز.

وقوله: (رواه أبو داود. . . إلخ) في نسخة الأصل ههنا بياض، ولكنه قد وقعت كتابته في المتن من الناسخين كما أشرنا إليه في شرح ديباجة الكتاب.

وقوله: (وأشعث) بالشين المعجمة والثاء المثلثة، و (المصيصي) بكسر ميم وشدة صاد مهملة أُولى، ويقال: بفتح ميم وخفة صاد نسبة إلى مدينة، وفي (القاموس) (1): المصيصة كسفينة: بلد بالشام ولا يشدد.

وقوله: (قد تكلم فيه) في (الكاشف)(2): أشعث بن شعبة روى عن إسرائيل وجماعة، وروى عنه أبو طاهر بن السرح وجماعة، وثِّق، وفي حاشيته: هو أبو أحمد المصيصي، قال أبو زرعة: لين، وذكره ابن حبان في (الثقات).

165 -

[26](عنه) قوله: (موعظة بليغة) قال البيضاوي (3) في تفسير قوله تعالى: {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: 63]: يبلغ منهم ويؤثر فيهم،

(1)"القاموس المحيط"(ص: 582).

(2)

"الكاشف"(رقم: 441).

(3)

"تفسير البيضاوي"(1/ 468).

ص: 485

ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا، فَقَالَ: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ،

ــ

والقول البليغ هو الذي يطابق مدلولُه المقصودَ به، وفي (القاموس) (1): ثناء أبلغ: مبالغ فيه، وشيء بالغ: جيد، والبليغ: الفصيح يبلغ بعبارته كُنْهَ ضميره، وعلى هذا يمكن أن يكون وصفُ الموعظة بالبليغة وصفًا للشيء بصفة صاحبه.

وقوله: (ذرفت منها العيون)(2) في (القاموس)(3): ذرف الدمع يَذْرِفُ ذَرْفًا وذَرَفَانًا [وذروفًا] وذريفًا وتَذرافًا: سال، وذرفت عينه: سال دَمْعُها، والعينُ دَمْعَها: أسالَتْهُ، والدَّمْعُ مَذْروفٌ وذَرِيفٌ، والمذَارِفُ: المَدَامِعُ.

وقوله: (ووجلت منها) أي: خافت منها (القلوب) يعني أن تلك الموعظة أثرت في الظاهر والباطن.

وقوله: (موعظة مودع) بلفظ اسم فاعل من التوديع، والمودِّع لا يترك من وصيته عند توديعه شيئًا.

وقوله: (بتقوى اللَّه والسمع والطاعة) إشارة إلى أن قبول حكم الأمراء وإطاعتَهم إنما يكون فيما يوافق حكم اللَّه ورسوله لا فيما يخالف.

(1)"القاموس المحيط"(ص: 719).

(2)

قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَرَفَتْ، أَيْ: سَالَتْ، وَإِسْنَادُهُ إِلَى الْعُيُونِ مُبَالَغَةٌ، وَفَائِدَةُ تَقدِيمِ ذَرَفَتْ عَلَى وَجِلَتْ وَحَقُّهُ التَّأْخِيرُ لِلإِشْعَارِ بِأَنَّ تِلْكَ الْمَوْعِظَةَ أَثَّرَتْ فِيهِمْ وَأَخَذَتْ بِمَجَامِعِهِمْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِلتأْخِيرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: وَجْهُهُ أَنَّ الظَّاهِرَ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ، يُسْتَدَلُّ بِالدَّمْعَةِ عَلَى الْخَشْيَةِ وَإِنْ كَانَتْ هِيَ مُوجِبَةً لِلدَّمْعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. "مرقاة المفاتيح"(1/ 251).

(3)

"القاموس المحيط"(ص: 748).

ص: 486

وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا: الصَّلَاةَ. [حم: 4/ 126 - 127، د: 4607، ت: 2676، جه: 43].

166 -

[27] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَطَّ لَنَا. . . . .

ــ

وقوله: (وإن كان عبدًا حبشيًا) فيه مبالغة على الفرض والتقدير، أو المراد: لو ولَّاه الخليفة وجب إطاعته.

وقوله: (فإن من يعش منكم بعدي. . . إلخ) وفي طاعة الأمراء أمن من الفتنة الناشئة من الاختلاف، وأراد بالخلفاء الراشدين الخلفاء الأربعة، ففيه أن بعضًا من سنته صلى الله عليه وسلم لا يَشتهر في زمانه وإن علمه الأفراد من صحابته، ثم يَشتهر في زمن الخلفاء الراشدين فيضاف إليهم، فربما يستذرع أحد إلى رد تلك السنن بإضافتها إليهم، فأطلق القول باتباع سنتهم سدًّا لهذا الباب، ومن هذا النوع منع عمر رضي الله عنه عن بيع أمهات الأولاد، وله نظائر كثيرة. فما حكموا به ولو باجتهادهم فهو سنة موافق لسنته صلى الله عليه وسلم، ولا يطلق عليه البدعة كما يفعله الفرقة الزائغة، والذين بعد الخلفاء في حكمهم إذا حكموا بالحق لا فيما ابتدعوا بأهوائهم.

و(النواجذ) أقصى الأضراس وتسمى أضراس الحلم لأنها تنبت بعد البلوغ، وهي أربعة في أقصى الأسنان، أو هي الأنياب، أو التي تلي الأنياب، أو هي الأضراس كلها، جمع ناجذ، والنجذ شدة العض، ويكنى به عن شدة التمسك.

166 -

[27](عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (خطّ لنا) أي: لأجلنا تمثيلًا وتفيهمًا

ص: 487

رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَطًّا، ثُمَّ قَالَ:"هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ"، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَالَ:"هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ". . . . .

ــ

(هذا سبيل اللَّه) وهو الاعتقاد الصحيح والعمل الصالح مع مراتب ودرجات فيها، (ثم خطّ خطوطًا عن يمينه وعن شماله) وهي الطرق الزائغة المائلة عن الطريق المستقيم والسبيل القويم التي اخترعتها أهل البدع والأهواء، لكنها لما كانت راجعة إلى الطريق الوسط ومجتمعة معها لم يكن سالكوها كفارًا؛ لرجوع هؤلاء إلى أصل الكتاب والسنة وكونهم مؤمنين بها، فالحق عدم تكفير أهل القبلة، وهذه بعينها توجد في الطرق المحسوسة، فترى واحدًا يسلك الطريق المستقيم المتوسط ولا ينحرف إلى يمين وشمال، وآخرين ينحرفون ويزيغون عنها، ثم يرجعون إلى الطريق الكبرى المستقيم قريبًا وبعيدًا، فهذا أمثال أهل البدع والأهواء من المسلمين، وأصل مقصدهم هو المقصد الذي يقصده سالك الصراط المستقيم لكن ضلوا في الطريق، ومثل الكافر كمن يمشي مستدبرًا للطريق المستقيم، فطريق الحق وراء ظهره، والمبتدع على جانب منه يمينًا أو شمالًا.

ثم إنه لم يذكر في الحديث عدد الخطوط التي على اليمين والشمال ولم يصرحوا به الشراح فيما رأينا سوى ما ذكر في (المدارك)(1) في تفسير قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] أنه روي أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خطّ خطًا مستقيمًا مستويًا، ثم قال:(هذا سبيل الرشد وصراط اللَّه فاتبعوه، ثم خطّ على كل جانب سمتة خطوط ممالة، ثم قال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه فاجتنبوها) وتلا هذه الآية، ثم يصير كل واحد من اثني عشر

(1)"مدارك التنزيل"(1/ 356).

ص: 488

وَقَرَأَ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} الآيَة [الأنعام: 153]. رَوَاهُ أحمَدُ وَالنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ. [حم: 1/ 435، 465، س في الكبرى: 11174، دي: 1/ 67].

ــ

طريقًا ستة طرق فيكون اثنين وسبعين، انتهى.

قلت: قد علم من الحديث افتراق الأمة ثلاثًا وسبعين فرقة لكن لا بهذا الطريق المذكور بأن يكون أصولها اثني عشر، ثم يصير كل منهم ستة، بل ذكر في (المواقف) (1): أن كبار الفرق ثمانية: المعتزلة والشيعة والخوارج والمرجئة والنجَّارية والجبرية والمشبِّهة والناجية، ثم جعل المعتزلة عشرين، والشيعة اثنين وعشرين، والخوارج عشرين، والمرجئة خمسًا، والنجارية ثلاثًا، ولم يفرق الجبرية والمشبِّهة، فهذه اثنان وسبعون، والفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة، فليس الأمر كما ذكر في (المدارك)، واللَّه أعلم.

فإن قلت: كيف يعلم سبيل اللَّه والسالك بها وسبل الشيطان والواقفون فيها؟

قلت: يعلم ذلك من نقل المتواتر والفحص عن أحوال السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم، وقد علم يقينًا أن هذه البدع في المذاهب والأقوال حدثت بعد الصدر الأول، والصحابة والتابعون لهم بإحسان لم يكونوا على ذلك وكانوا متبرئين عنها وعن أهلها، رادين عليهم مذاهبهم، رادعين لهم عنها، والمحدثون من أصحاب الكتب الستة وغيرها من الكتب المشهورة المعتمدة المعول عليها في الإسلام، والأئمة الفقهاء، وأرباب المذاهب الأربعة، ومن هم في طبقتهم، كانوا على ذلك، وأن الأشاعرة والماتريدية إنما أبدوا مذهب السلف وأثبتوها بدلائل عقلية ونقلية، ولذلك سُموا أهل السنة والجماعة؛ لأخذهم بما ثبت من سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وجرت عليه جماعة

(1)(3/ 651).

ص: 489

167 -

[28] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ". . . . .

ــ

الصحابة، وما نطق به الحديث النبوي من قوله:(الذين هم على ما أنا عليه وأصحابي) صادق عليهم، وهم المصدوق عليهم له؛ لأنهم مقتدون بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنه، ولا يتجاوزون عن ظواهر النصوص إلا لضرورة غير مسترسلين مع عقولهم وآرائهم، بخلاف من عداهم من المعتزلة ومن يحذو حذوهم ممن تشبث بالفلسفة واسترسل بآرائهم وأوهامهم.

وأن الأوائل من المشايخ الصوفية الزاهدين في الدنيا، المرتاضين في تزكية نفوسهم وتصفية قلوبهم، المجتهدين في السنة والاتباع، كلهم كانوا على هذا المذهب، ولقد ذكر صاحب (التعرف) (1) -وهو كتاب معتبر معتمد في مذهب الصوفية حتى قال الشيخ شهاب الدين السهروردي في شانه: لولا (التعرف) ما عرفنا التصوف- إجماع الصوفية على عقائد وأقوال هي بعينها مذهب السنة والجماعة.

وبالجملة: السواد الأعظم في دين الإسلام هو هذا المذهب عرف من نظر بعين الإنصاف وتجنب عن التعصب والاعتساف، واللَّه يقول الحق ويهدي السبيل.

167 -

[28](عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (لا يؤمن أحدكم) أي: لا يكمل إيمان أحد ولا يحصل له حقيقة الإيمان (حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به) في العمل والاعتقاد، فلا يغلِّب الهوى عند معارضة داعية الحق وداعية الهوى، ولم يقل: ينتفي هواه وينعدم الهوى، فإن ذلك ليس بممكن، وليس كمالًا، بل الكمال أن يكون باقيًا

(1) هو للشيخ أبي بكر محمد بن إبراهيم البخاري الكلاباذي، المتوفى سنة ثمانين وثلاث مئة، انظر:"كشف الظنون"(1/ 419).

ص: 490

رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةَ" وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي "أَرْبَعِينِهِ": هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَويْنَاهُ فِي "كِتَابِ الْحُجَّةِ" بإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. [شرح السنة: 1/ 212، 213، رقم: 104].

168 -

[29] وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمُيتَتْ بَعْدِي، فَإِنَّ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ أُجُورِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنِ ابْتَدَع بِدْعَةً ضَلَالَةً لَا يَرْضَاهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ كانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: 2677].

ــ

وتابعًا للحق وموافقًا ومسلِّمًا له وراضيًا به، كما دل عليه قوله:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، وقوله صلى الله عليه وسلم:(ذاق طعم الإيمان من رضي باللَّه ربًا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيًا)(1) وإن أُريد بالتبعية لما جئت به اعتقادُ حقِّيَّته صلى الله عليه وسلم جاز الحمل على نفي أصل الإيمان.

168، 169 - [29، 30](بلال بن الحارث المزني) قوله: (من أحيا سنة من سنتي) أي: أقامها وروجها وأيدها وقواها، والمراد بالسنة: الطريقة المسلوكة في الدين وشرائع الإسلام ولو كانت فرضًا وواجبًا، ولو حمل على المعنى المصطلح فله أيضًا وجه، إذ الفرائض ثابتة لا حاجة إلى الترغيب والتحريض على إحيائها، وإنما يناسب في السنن والفضائل وما يكون من شعار الدين مما يكمل ويَرُوج به الإسلام.

وقوله: (بدعة ضلالة) كأنه احتراز عن بعض البدع المستحسنة التي يقوى بها الدين كما مر من أقسام البدعة في أول الباب.

(1) أخرجه مسلم (34)، والترمذي (2623)، وأحمد في "مسنده"(1/ 208).

ص: 491

169 -

[30] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. [جه: 210].

170 -

[31] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا، وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ مِنَ الْحِجَازِ مِعْقَلَ الأُرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ،

ــ

170 -

[31](عمرو بن عوف) قوله: (إلى الحجاز) في (القاموس)(1): الحجاز: مكة والمدينة والطائف ومخاليفها لأنها حجزت بين نجد وتهامة، أو بين نجد والسراة.

وقوله: (كما تأرز الحية إلى حجرها) سبق شرحه في آخر الفصل الأول (2)، ثم إنه قد خصت المدينة المطهرة هناك والحجاز أعم وأشمل عن ذلك، فالمراد -واللَّه أعلم- أن الدين يأرز من البلاد إلى الحجاز، ثم فثم.

وقوله: (وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل) العقل الحصن والملجأ، فمعنى (ليعقلن): ليتحصَّنن ويلتجئن، والمعقل بكسر القاف إما اسم مكان أو مصدر ميمي، والأروية بالضم والكسر: أنثى الوعول (3)، كذا في (القاموس)(4)، وفي (مجمع البحار) (5): الأروية هي الشاة الجبلي وجمعها أَرْوَى،

(1)"القاموس المحيط"(ص: 471).

(2)

تحت حديث (160).

(3)

قال القاري: وخَصَّ الأُرْوِيَّةَ دُونَ الْوَعْلِ لأَنَّهَا أَقْدَرُ مِنَ الذَّكَرِ عَلَى التَّمَكُّنِ مِنَ الْجِبَالِ الْوَعِرَةِ. "مرقاة المفاتيح"(1/ 257).

(4)

"القاموس"(ص: 1187).

(5)

"مجمع بحار الأنوار"(1/ 70).

ص: 492

إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، وَهُمُ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: 2630].

171 -

[32] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي كَمَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ،

ــ

وقيل: هي أنثى الوعول، أو هي تيوس الجبل، وفي (الصراح) (1): أروية بالضم والتشديد بزكوهي.

والمعنى: ليلتجئن الدين الحجار ويتخذه ملجأ ومسكنًا إليه كما بدأ منه حين تظهر الفتن، ويستولي أهل الكفر على بلاد الإسلام، أو في آخر الزمان في زمان خروج الدجال كما سبق، فينضم الفرارون بدينهم إلى الحجاز، وقد سبق شرح قوله:(إن الدين بدأ غريبًا)[برقم: 159].

171 -

[32](عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (ليأتين على أمتي كما أتى) والمراد بـ (أمتي) إما أمة الإجابة أو أمة الدعوة، ولعل هذا أولى لأن اللَّه يحفظ المؤمنين من هذه الشنيعة المذكورة، ولكن الظاهر بل المتعيِّن إرادة أمة الإجابة في قوله:(تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة)، وأكثر ما يقع في الحديث على هذا الأسلوب أريد به أهل القبلة، واللَّه أعلم.

والكاف في (كما أتى) بمعنى مِثْلٍ فاعلُ (ليأتين)، وقيل: الفاعل مقدر، أي: أفعالٌ وارتكابٌ، حَذْفُ الفاعل مما لا يخلو عن شيء.

وقوله: (حذو النعل بالنعل) حذا النعل حذوًا: قدَّرها وقطعها، ويقال: حذوت

(1)"الصراح"(ص: 512).

ص: 493

حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَكَانَ فِي أُمُّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ، وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ. . . . .

ــ

النعل: إذا قدَّرت كلَّ واحدة من طاقاتها على صاحبتها ليكونا على سواء، وقد يجعل كناية عن المطابقة، وقد يقال: طابق النعل بالنعل.

وقوله: (من أتى أمه علانية) قيل: لعل المراد زوجة الأب، أراد القائل أن إتيان الوالدة بعيد لا يتحقق وجوده لمساعدة الطبيعة حكم الشريعة، بخلاف زوجة الأب لأنه بمجرد حكم الشريعة، ولا يذهب عليك أن هذا بمجرد الفرض والتقدير حتى قيل:(إنْ) ههنا بمعنى لو، إلا أن يقال: إن الفرض والتقدير أيضًا مما لا يتصور في الأم.

وقوله: (وتفترق أمتي) أي: أمة الإجابة، وقيل: ولو حمل على أمة الدعوة لكان أوجه، وأنت تعلم بعده جدًا، فإن فِرَق الكفر أكثر من هذا العدد بكثير، وقد يقال: الكفر كله ملة واحدة، وفيه أن الكلام في التفرق، فافهم.

ثم قيل: إنْ حمل على أصول المذاهب فهي أقل من هذا العدد، أو على ما يشمل الفروع فهي أكثر منه، وأجيب بأنه يجوز كون الأصول التي بينها مخالفة معتدة بها بهذا العدد، وقد يقال: لعلهم في وقت من الأوقات يبلغون هذا العدد وإن زادوا أو نقصوا في أكثر الأوقات، كذا قال العلامة الدواني، وبالجملة الظاهر أن المراد الاختلاف في الأصول.

وقوله: (كلهم في النار) أي: يستحقون دخولها لأجل الاعتقاد، وإلا فالفرقة الناجية قد تدخلها لأجل العمل، والقول بأن معصية الناجية مطلقًا مغفورة مما لا دليل

ص: 494

إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً"، قَالُوا: وَمن هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَا أَنَا عَلَيْهِ وأَصْحَابِي". رَوَاه التِّرْمِذِيُّ. [ت: 2641].

172 -

[33] وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ عَنْ مُعَاوِيَةَ: "ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ، وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ. . . . .

ــ

عليه، وقوله تعالى:{يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} [آل عمران: 129] عام، وكذا القول بكون المراد استقلال مكث الفرقة الناجية بالنسبة إلى سائر الفرق أيضًا بعيد، وكذا ما يقال: إن (كلهم في النار) إيجابٌ كلي، وقوله:(إلا ملة واحدة)(1) رفعه، وهو لا ينافي الإيجاب الجزئي، لا يخلو عن بعد، والوجه ما قلنا، وبه صرح المحققون.

وقوله: (ما أنا عليه وأصحابي) في جواب (ومن هي)، لأن المراد به الوصف كما في قوله تعالى:{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} ، ولأن تعريف أهل الملل حاصل بتعريف الملة، أو المراد: مَن كان على ما أنا عليه، وقد يقال: هذا إذا كان (ما) مخصوصة بغير العقلاء، وإن كان أعمّ فلا إشكال، كذا قيل، وفيه: أنَّا لو سلمنا أن (ما) يكون لمن يعقل لا يصح تركيب (ما أنا عليه) كما لا يخفى.

172 -

[33](معاوية) قوله: (وهي الجماعة) أي: تلك الفرقة مسماة بالجماعة لكونهم مجتمعين على كلمة الحق وما أجمع عليه المسلمون الذين هم على الهدى.

(1) في "التقرير": ثم في الرواية "كلها في النار إلا واحدة"، وفي رواية:"كلها في الجنة إلا واحدة"، والجمع بينها بأن المراد في الأول أمة الدعوة، والمراد بالثاني أمة الإجابة التي نجت بالحديث الأول، أو المراد بالهالكة في الحديث الأول الخالدة في النار وهي الكفرة، والكفر ملة واحدة، وبالهالكة في الحديث الثاني الهالكة ابتداءً، كذا في "فيصل التفرقة" (ص: 55، 73، 76).

ص: 495

تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الأَهْوَاءُ كمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ". [حم. 4/ 102، د: 4597].

173 -

[34] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي -أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ- عَلَى ضَلَالَةٍ،

ــ

وقوله: (تتجارى بهم تلك الأهواء) الهوى ما تدعو إليه النفس وشهوتها، والهوى من الهُوِيِّ بضم الهاء وكسر الواو وتشديد الياء بمعنى السقوط؛ لسقوط صاحبها وانكبابه إلى ما يهويه، يقال: جاراه مجاراة وجراءً وجرى معه، وأكثر ما يستعمل في الأقوال؛ لأن كل واحد من الصاحبين يجري مع الآخر، وسيأتي في (كتاب العلم):(من طلب العلم ليجاري به العلماء)، أي: يجري معهم بالمناظرة والجدال، والمراد سراية الأهواء في عروقهم ومفاصلهم، كما يسري الكَلَب بمحاحبه، والكلب بفتح اللام: داء يعتري الإنسان من عض الكلب، والكلِب بكسر اللام: الكلب الذي يأخذ شبه جنون فيكلب، أي: يأكل بلحوم الناس، فإذا عقر إنسانًا يستولي عليه شبه الماليخوليا لا يكاد يبصر الماء؛ وإذا أبصره فزع وربما مات عطشًا ولم يشرب، وهذه علة تستفرع مادتها على سائر البدن، وتسري في العروق والمفاصل، وتتولد منها أعراض ردية، وإذا عض هذا الشخص غيره عدا إليه، وإنما شبه حالهم بحال صاحب الكلب لاستيلاء الأهواء عليهم استيلاء تلك العلة على صاحبها وسرايتها فيه، ولما فيه من المضرة المعدية، ولتنفُّرهم من العلم وامتناعهم من قبوله مع شدة مساس حاجتهم إليه حتى يهلكوا جهلًا في مهواة البدعة وتيه الضلال، أعاذنا اللَّه من ذلك.

173 -

[34](ابن عمر) قوله: (إن اللَّه لا يجمع أمتي على ضلالة) وهذه خاصة ومنقبة خص اللَّه أمة محمد صلى الله عليه وسلم بها فضلًا منه ومنة، وقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا

ص: 496

وَيَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّار". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: 2167].

174 -

[35] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اتَّبِعُوا السَّوَادَ الأَعْظَمَ، فَإِنَّهُ مَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. [جه: 3950].

ــ

لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143].

وقوله: (يد اللَّه على الجماعة) كناية عن النصرة والعصمة للجماعة المتَّفِقَة من أهل الإسلام، وأنها في كنف اللَّه ووقايته، وهم بعيد من الأذى والخوف، وقيل: سكينة ورحمة مع المتفقين محفوظون من الأذى والخوف والاضطراب؛ فإذا تفرقوا زالت السكينة وأُوقِع بأسُهم بينهم، وفسدت الأحوال، والشذوذ: الانفراد والندور عن الجمهور، و (شذ) في الشرط مصحح بصيغة المعلوم، وفي الجزاء بها وبالمجهول، وكذا في الحديث الثاني.

174 -

[35](عنه) قوله: (اتبعوا السواد الأعظم) في (القاموس)(1): السواد الشخص، ومن البلدة قراها، والعدد الكثير، ومن الناس عامتهم، ومن القلب حبَّتُه، والمراد: الحث على اتِّباع ما عليه الأكثر من علماء المسلمين، قالوا: وهذا في عقائد، أما في الفروع فيجوز العمل بمن قلد مذهبه وإن لم يجمع عليه، نعم إذا جمع بين المذاهب فيما يمكن الجمع كان أولى وأحسن.

وقوله: (رواه)(2) في الأصل بياض، وكتب العلامة الجزري في الهامش: ابن ماجه من حديث أنس وابن أبي عاصم سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: (إن أمتي لا تجتمع

(1)"القاموس المحيط"(ص: 277).

(2)

أي: الحاكم من حديث ابن عمر، وقال: ولو حفظ خالد بن يزيد القرني هذا الحديث لحكمنا له بالصحة، وكذا قال الذهبي في "تلخيصه"، انظر:"المستدرك"(1/ 199).

ص: 497

175 -

[36] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبحَ وَتُمْسِيَ وَلَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ" ثُمَّ قَالَ: "يَا بُنَيَّ وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَحْبَّ سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجنَّة". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: 2678].

176 -

[37] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمُّتِي فَلَهُ أَجْرُ مِئَةِ شَهِيدٍ". رَوَاهُ.

177 -

[38] وَعَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حِينَ أَتَاهُ عُمَرُ فَقَالَ: إِنَّا نسْمَعُ أَحَادِيثَ. . . . .

ــ

على الضلالة، فإذا رأيتم اختلافًا كثيرًا فعليكم بالسواد الأعظم).

175 -

[36](أنس) قوله: (وليس في قلبك غش) الغش بالكسر: الغل والحقد.

176 -

[37](أبو هريرة) قوله: (فله أجر مئة شهيد) كناية عن لحوق غاية الجهد والمشقة في ذلك.

وقوله: (رواه البيهقي (1). . . إلخ)، في بعض النسخ ههنا بياض، وفي بعضها مكتوب في الأصل.

177 -

[38](جابر) قوله: (حين أتاه) ظرف لما يفهم من قوله: (عن النبي صلى الله عليه وسلم)

(1) في "الزهد الكبير"(207) عن ابن عباس، وأما عن أبي هريرة فرواه الطبراني في "الكبير"(20/ 50)، و"الأوسط" (رقم: 5414)، وقال الهيثمي في "المجمع" (1/ 103): رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه محمد بن صالح العدوي، ولم أر من ترجمه، وبقية رجاله ثقات.

ص: 498

مِنْ يَهُودَ تُعْحِبُنَا أَفَتَرَى أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ فَقَالَ: "أَمُتَهَوِّكُونَ أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ . . . . .

ــ

من معنى القول.

وقوله: (من يهود) في (مجمع البحار)(1): الهَود: التوبة، ومنه {إنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156]، قيل: ومنه لفظ اليهود وكان اسم مدح، ثم صار بعد نسخ شريعتهم لازمًا لهم، وإن زال عنه المدح، والهوادة السكون والمحاباة.

وقال البيضاوي (2): اليهود إما عربي من هاد: إذا تاب، سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل، وإما معرب يهوذا وكأنهم سموا باسم أكبر أولاد يعقوب.

وقال التُّورِبِشْتِي (3): يهود لا ينصرف، والسبب فيه العلمية والتأنيث؛ لأنه يجري في كلامهم مجرى القبيلة، وقال الزمخشري: والأصل في يهود ومجوس أن يستعمل بغير لام التعريف؛ لأنهما علمان خاصان لقومين والقبيلتين، وإنما جوز تعريفهما باللام لأنه أجري يهودي ويهود مجرى شعيرة وشعير.

وقوله: (أمتهوكون أنتم) في (القاموس)(4): هوك كفرح، والمتهوك: المتحير كالهوّاك كشداد، والساقط في هوة الردى، والهوكة بالضم: الحفوة، والتهوك: الوقوع في الشيء بغير مبالاة، والظاهر أن المراد في الحديث معنى التحير، أي: متحيرون أنتم في دين تام كامل لا يحتاج إلى غيره من الأديان حتى تأخذوه من أهل الكتاب.

(1)"مجمع بحار الأنوار"(5/ 190).

(2)

"تفسير البيضاوي"(1/ 100).

(3)

"كتاب الميسر"(1/ 39).

(4)

"القاموس المحيط"(ص: 882).

ص: 499

لَقَدْ جِئتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الْإِيمَانِ". [حم: 3/ 387، هب: 176].

178 -

[39] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا، وَعَمِلَ فِي سُنَّةٍ، وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ لَكَثِيرٌ فِي النَّاسِ؟ قَالَ: "وَسَيَكُونُ فِي قُرُونٍ بَعْدِي". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُ. [ت: 2520]

ــ.

وقوله: (لقد جئتكم بها) الضمير للملة، وإن لم يجر لها ذكر؛ لشهرتها.

وقوله: (بيضاء نقية) منصوبان على الحال، أي: طاهرة صافية خالصة عن الشك والشبهة والالتباس والاشتباه، ومصونة عن التبديل والتحريف، خالية عن التكاليف الشاقة، فماذا بعد لكم من العمى والتحير؟ .

وقوله: (ولو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي) فكيف بقومه وسائر الناس من ورائهم؛ لأن الشرائع كلها نسخت بشريعتي.

178 -

[39](أبو سعيد الخدري) قوله: (من أكل طيبًا) أي: حلالًا (وعمل في سنة) أي: لأجل سنة، أي: لأجل كونها سنة ليوافقها، أو جعل السنة ظرفًا مبالغة، ونكر (سنَّة) ليفيد التعميم، كقولهم: تمرة خير من جرادة.

وقوله: (بوائقه) البائقة: الداهية جاءت بالشر والخصومات، أي: شره وغايته.

وقوله: (إن هذا) أي. هذا الأمر الذي ذكر (اليوم) أي: في يومنا وزماننا (الكثير) وكيف يكون فيما بعده؟

(قال: وسيكون في قرون (1) بعدي) ولا ينقطع الخير عن أمتي قطعًا وإن تفاوتت

(1) قال القاري: فِي "الأَزْهَارِ": الْقَرْنُ أَهْلُ عَصْرٍ، وَقِيلَ: أَهْلُ كُلِّ مُدَّةٍ أَوْ طَبَقَةٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثُونَ =

ص: 500

179 -

[40] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: 2267].

180 -

[41] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ"، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الآيَةَ:{مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58]. . . . .

ــ

الحال كثرة وقلة، فتكثير (قرون) للتقليل، ويحتمل للتكثير لكثرته في نفسه وإن قلَّت بالإضافة، ويشبه أن يكون المراد: القرون الموسومة بخير القرون، ولكن هذه الصفات ليست مخصوصة، واللَّه أعلم.

179 -

[40](أبو هريرة) قوله: (إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به (1)) الحديث، قالوا: ورد هذا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا فالأوامر لا يسع تركها لأحد، ويحتمل أن يكون بما أمر به السنن والمندوبات سوى الفرائض والواجبات.

180 -

[41](أبو أمامة) قوله: (إلا أوتوا الجدل) محركة: اللدود في

= سَنَةٍ، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ، وَقِيلَ: ثَمَانُونَ. وَقِيلَ: مِئةٌ، اهـ. وَالأَصَحُّ أَنَّ الْقَرْنَ هَاهُنَا أَهْلُ الْعَصْرِ، فَإِنَّ كُلَّ عَصْر هُوَ أَبْعَدُ مِنْ زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَكُونُ الصُّلَحَاءُ فِيهِمْ أَقَلَّ مِمَّنْ قَبْلَهُمْ، وَلذَا قَالَ عليه الصلاة والسلام:"خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمُ" الْحَدِيثَ. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَفْيًا لِلِاسْتِعْجَابِ عَنْ أَصْحَابِهِ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ. كَذَا قِيلَ، وَأَقُولُ: وَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ حَمْدًا لِلَّهِ وَتَحَدُّثًا بِنِعَمِهِ، فَقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ غيْرُ مُخْتَصٌّ بِهَذَا الْقَرْنِ. "مرقاة المفاتيح"(1/ 264).

(1)

قال شيخنا نقلًا عن والده: إن المراد منه الكيفيات، كذا في "التقرير".

ص: 501

رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: 5/ 252، 256، ت: 3253، جه: 48].

181 -

[42] وَعَن أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: "لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ،

ــ

الخصومة والقدرة عليها، والمراد به هنا العناد والمراء والتعصب لترويج مذهبهم؛ لأنهم لو تركوا سبيل الهدى واختاروا الضلال سلكوا طريق الجدل، إذ له خاصية في ذلك بجريان عادة اللَّه تعالى.

وأول الآية: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا} [الزخرف: 57]، ولما نزل قوله تعالى:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] قال المشركون: رضينا أن تكون آلهتنا مع عيسى لأنه عبد، وذلك مضمون قوله تعالى:{وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} [الزخرف: 57] أي: يضجون فرحًا بما سمعوه، أو يصدون عن الحق ويعرضون، {وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} [الزخرف: 58] أي: عيسى، فإن كان في النار فليكن معه آلهتنا، أي: ما ضربوا هذا المثل إلا لأجل الجدال والخصومة لا لتميز الحق من الباطل؛ لعلمهم أن (ما) لغير العاقل فلا يتناول عيسى، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم على ما قيل- لابن الزِّبَعْرَى الذي جادله: ما أجهلك بلسان قومك، إن (ما) لما لا يعقل. {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58] شديد الخصومة.

181 -

[42](أنس) قوله: (لا تشددوا على أنفسكم) فإن التوسط والاقتصاد هو المحمود، وهو يدوم ويستقيم ويوصل إلى المقصود، والإكثار يورث الملال، والتشديد يضيع حق النفس وغيره، وخير العمل أدومه، وقد ورد: قليل العمل مع الدوام خير من كثيره مع عدمه، وقد نطقت به الأحاديث وهو السنَّة.

ص: 502

فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد: 27]. رَوَاهُ أَبُو داوُدَ. [د: 4904].

ــ

وقوله: (فتلك بقاياهم) قال الطيبي (1): تلك إشارة إلى ما في الذهن من تصور جماعة باقية من أولئك المشددين، والخبر بيان له.

وقوله: (في الصوامع والديار) الصوامع: جمع صومعة بفتح الميم: بيت للنصارى لدقةٍ في رأسها، والديار جمع دير، وهو خان النصارى، كذا في (القاموس)(2)، وفيه: الخان: الحانوت، أو صاحبه، وخان التجّار [معروف]، والحانوت دُكّان الخمّار، في (الصراح) (3): دير كليسائ رهبانان.

وقوله: (رهبانية ابتدعوها) منصوبة على شريطة التفسير، في (القاموس) (4): رهب كعلم رَهْبَةً ورُهْبًا بالضم وبالفتح وبالتحريك، ورُهْبانا بالضم ويحرك: خاف، والاسم الرَّهْبَى، ويضمّ [ويمدّان]، والراهب واحد رهبان النصارى، ومصدره: الرَّهْبة والرَّهْبانية، والرهبان قد يكون واحدًا، والجمع: رهابين ورَهابنة ورَهْبانون، و (لا رهبانية في الإسلام) هي كالاختصاء، واعتناق السلاسل، ولبس الْمُسوح، وترك اللحم، ونحوها.

وقال البيضاوي: هي المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس، منسوبة إلى الرهبان وهو جمع راهب كراكب وركبان (5). ولعله يريد أن الرُّهبانية بالضم منسوب إلى الرُّهبان، والفتح من تغيرات النسب، وإلا فركبان جمع راكب بالضم، قال في

(1)"شرح الطيبي"(1/ 344).

(2)

"القاموس المحيط"(ص: 681).

(3)

"الصراح"(ص: 178).

(4)

"القاموس المحيط"(ص: 99).

(5)

"تفسير البيضاوي"(5/ 272).

ص: 503

182 -

[43] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: حَلَالٍ، وَحَرَامٍ، وَمُحْكَمٍ، وَمُتَشَابِهٍ، وَأَمْثَالٍ، فَأَحِلُّوا الْحَلَالَ، وَحَرِّمُوا الْحَرَامَ، وَاعْمَلُوا بِالْمُحْكَمِ، وَآمِنُوا بِالْمُتَشَابِهِ، وَاعْتَبِرُوا بِالأَمْثَالِ". هَذَا لَفْظُ "الْمَصَابِيحِ". وَرَوَى البَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيْمَانِ" وَلَفْظُهُ: "فَاعْمَلُوا بِالْحَلَالِ، وَاجْتَنِبُوا الْحَرَامَ، وَاتَّبِعُوا الْمُحْكَم". [هب: 2392].

183 -

[44] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الأَمْرُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَاتَّبِعْهُ، وَأَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَاجْتَنِبْهُ،

ــ

(القاموس): راكب جمعه رُكّاب ورُكْبان ورُكوب بضمهن (1). والأظهر ما قال الطيبي (2): إن الرهبانية الفعلة المنسوبة إلى الرَّهْبان، وهو الخائف، فَعْلان من رَهِبَ، كخشيان من خشي، فتدبر.

ثم التشديد يكون بالفعل، وقد يكون بالتعمق في السؤال، كما فعل بنو إسرائيل في ذبح البقرة.

182 -

[43](أبو هريرة) قوله: (حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال) هذه تقسيمات يجتمع أقسامها وليست أقساما متباينة، فإن المحكم قد يكون الحلال والحرام، وقد يكون الاعتقاديات، فافهم.

183 -

[44](ابن عباس) قوله: (الأمر ثلاثة) أي: حكم اللَّه تعالى أو شأن المكلف، والظاهر أن مضمون هذا الحديث هو مضمون قوله صلى الله عليه وسلم:(الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما مشتبهات)، واللَّه أعلم.

(1)"القاموس المحيط"(ص: 98).

(2)

"شرح الطيبي"(1/ 345).

ص: 504