المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الفصل الثالث: - لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح - جـ ١

[عبد الحق الدهلوي]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمات

- ‌تقديم بقلم: أ. د. عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ المُحْسِنِ التُّرْكِيِّ (الأمِيْنِ العَامِّ لِرَابِطَةِ العَالَمِ الإسْلَامِيِّ)

- ‌تَقْدِيْمٌ بِقَلَمِ: سَمَاحَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الرَّابِعِ الحَسَنِيِّ النَّدْوِيِّ رَئِيْسِ نَدْوَةِ العُلَمَاءِ بِالهِنْدِ

- ‌تَقدِيْمٌ بِقَلَمِ: أ. د. موَفَّقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ القَادِرِ مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ - جَامِعَةُ أُمِّ القُرَى

- ‌تَقْدِيمٌ بِقَلَمِ: فَضِيلَةِ الأُسْتَاذِ المُحَدِّثِ الفَقِيْهِ الشَّيْخِ مُحَمَّد تَقِي العُثْمَانِيِّ شَيْخِ الحَدِيثِ بِجَامِعَةِ دَارِ العُلُومِ كراتشي في باكستان

- ‌مُقَدِّمَةُ المُحَقّقْ

- ‌عَمَلي في هَذا الكِتَاب

- ‌تَرْجَمَةُ الإمَامِ المُحَدِّثِ عَبْدِ الحَقِّ البُخَارِيِّ الدِّهْلَوِيِّ

- ‌ كيف دخل الإسلام الهند:

- ‌ علم الحديث في القرن العاشر الهجري:

- ‌ اسمه ولقبه وأسرته ومولده ونشأته:

- ‌ تدريسه قبل سفره إلى الحجاز:

- ‌ ارتحاله لطلب العلم:

- ‌ ارتحاله إلى الحرمين الشريفين:

- ‌ عودة الشيخ المحدث من الحجاز إلى الهند:

- ‌ منهج الشيخ المحدث في الدعوة في هذه الظروف:

- ‌ شيوخه:

- ‌ اختيار الشيخ المحدث إسنادًا خاصًّا لرواية الحديث:

- ‌ اعتراف شيوخه برسوخه في العلم:

- ‌ الفرق بين منهج المحدث عبد الحق الدهلوي وبين منهج الإمام ولي اللَّه الدهلوي:

- ‌ وصايا الشيخ عبد الوهاب للشيخ المحدث:

- ‌ وصايا الشيخ أبي المعالي للشيخ المحدث:

- ‌ استكمال التربية والسلوك من الشيخ الكبير عبد الباقي النقشبندي المعروف بخواجه باقي باللَّه:

- ‌ الشيخ المحدث وعلاقته بالربانية:

- ‌ البركة في أعمال الشيخ المحدث:

- ‌ الشيخ المحدث بين التصنيف والتأليف:

- ‌ الشيخ المحدث ومآثره:

- ‌ علاقة الشيخ المحدث مع الإمام السرهندي:

- ‌ ثناء العلماء عليه:

- ‌ تلاميذه:

- ‌ خلفه:

- ‌ وفاته:

- ‌ وصول إسناده إلى الحرمين الشريفين:

- ‌ مؤلفاته

- ‌ أشعة اللمعات في شرح المشكاة:

- ‌ لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح:

- ‌ مصابيح السنة:

- ‌تَرْجَمَةُ صَاحِبِ المِشْكَاةِ

- ‌ مشكاة المصابيح:

- ‌ عدد أحاديثه:

- ‌ وصف النسخ المخطوطة:

- ‌ النسخة الأولى:

- ‌ النسخة الثانية:

- ‌ النسخة الثالثة:

- ‌ النسخة الرابعة:

- ‌ النسخة الخامسة:

- ‌ النسخة السادسة:

- ‌صور المخطوطات

- ‌مُقَدِّمَةُ اللّمَعَات

- ‌مُقَدِّمَةٌ فِي بَيَانِ بَعْضِ مُصْطَلَحَاتِ عِلْمِ الحدِيثِ مِمَّا يَكْفِيْ فِي شَرْحِ الكِتَابِ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيْلٍ وإِطْنَابٍ

- ‌[تَعْرِيف الحَدِيث]:

- ‌[الْمَرْفُوع]:

- ‌[الْمَوْقُوف]:

- ‌[الْمَقْطُوع]:

- ‌[الحَدِيث والأثر]:

- ‌[الْخَبَر والحَدِيث]:

- ‌[الرّفْع قِسْمَانِ صَرِيح وحكمي]:

- ‌[القولي الصَّرِيح]:

- ‌[الفِعْلِيّ الصَّرِيح]:

- ‌[التقريري الصَّرِيح]:

- ‌[القولي الْحكمِي]:

- ‌[الْفعْلِيّ الْحكمِي]:

- ‌[التقريري الْحكمِي]:

- ‌فصل

- ‌[السَّنَد]:

- ‌[الإِسْنَاد]:

- ‌ المتن

- ‌[الْمُتَّصِل]:

- ‌[الْمُنْقَطع]:

- ‌[الْمُعَلق]:

- ‌[تعليقات البُخَارِيّ]:

- ‌[حكم التَّعْلِيق بِصِيغَة الْمَعْلُوم والمجهول]:

- ‌[الْمُرْسل]:

- ‌[حكم الْمُرْسل]:

- ‌[المعضل]:

- ‌[الْمُنْقَطع]:

- ‌[طَرِيق معرفَة الانْقِطَاع]:

- ‌[المدلس]:

- ‌[تَعْرِيف التَّدْلِيس اصْطِلاحًا]:

- ‌[تَعْرِيف التَّدْلِيس لُغَة]:

- ‌[وَجه التَّسْمِيَة بِهِ]:

- ‌[حكم المدلِّس]:

- ‌[حكم التَّدْلِيس]:

- ‌[حكم رِوَايَة المدلس]:

- ‌[أَسبَاب التَّدْلِيس]:

- ‌[تَدْلِيس الأكابر]:

- ‌[المضطرب]:

- ‌[حكم المضطرب من الرِّوَايَات]:

- ‌[المدرج]:

- ‌ تَنْبِيه:

- ‌[الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى]:

- ‌[رِوَايَة اللَّفْظ أولى]:

- ‌[العنعنة]:

- ‌[المعنعَن]:

- ‌[شُرُوط العنعنة]:

- ‌[الْمسند]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌المنكر

- ‌[الشاذ لُغَة]:

- ‌[الشاذ اصْطِلَاحًا]:

- ‌[الْمَعْرُوف]:

- ‌[حكم الْمَعْرُوف وَالْمُنكر والشاذ وَالْمَحْفُوظ]:

- ‌[تَعْرِيف آخر للشاذ]:

- ‌[تَعْرِيف ثَالِث للشاذ]:

- ‌[الْمُعَلل]:

- ‌[المتابع]:

- ‌[فَائِدَة الْمُتَابَعَة]:

- ‌[دَرَجَات الْمُتَابَعَة]:

- ‌[مَتى يسْتَعْمل "مثله" و"نحوه

- ‌[شَرط الْمُتَابَعَة]:

- ‌[الشَّاهِد]:

- ‌[تَعْرِيف آخر للمتابع وَالشَّاهِد]:

- ‌[الاعْتِبَار]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌الصحيح

- ‌[الصَّحِيح لذاته]:

- ‌[الصَّحِيح لغيره]:

- ‌[الْحسن لذاته]:

- ‌[الضَّعِيف]:

- ‌[الْحسن لغيره]:

- ‌[النُّقْصَان المُعْتَبر فِي الْحسن]:

- ‌[الْعَدَالَة]:

- ‌ التقوى

- ‌المروءة

- ‌[عدل الرِّوَايَة أَعم من عدل الشَّهَادَة]:

- ‌[الضَّبْط]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[وُجُوه الطعْن الْمُتَعَلّقَة بِالْعَدَالَةِ]:

- ‌[1 - الْكَذِب]:

- ‌[الْمَوْضُوع]:

- ‌[حكم متعمد الْكَذِب]:

- ‌[المُرَاد بالموضوع]:

- ‌[مَسْأَلَة الحكم بِالْوَضْعِ ظنية]:

- ‌[2 - اتهام الرَّاوِي بِالْكَذِبِ]:

- ‌[الْمَتْرُوك]:

- ‌[حكم الْمُتَّهم بِالْكَذِبِ]:

- ‌[حكم من يكذب نَادرًا]:

- ‌[3 - الْفسق]:

- ‌[4 - جَهَالَة الرَّاوِي]:

- ‌[حكم الْمُبْهم]:

- ‌[5 - الْبِدْعَة]:

- ‌[حكم حَدِيث المبتدع]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[وُجُوه الطعْن الْمُتَعَلّقَة بالضبط]:

- ‌[1 - و 2 - فرط الْغَفْلَة وَكَثْرَة الْغَلَط]:

- ‌[3 - مُخَالفَة الثِّقَات]:

- ‌[4 - الْوَهم]:

- ‌[غموض علم الْعلَّة ودقته]:

- ‌[5 - سوء الْحِفْظ]:

- ‌[حكم سيئ الحِفْظ]:

- ‌[الْمُخْتَلِط]:

- ‌[حكم الْمُخْتَلط]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[الْغَرِيب]:

- ‌[الْعَزِيز]:

- ‌[الْمَشْهُور]:

- ‌[الْمُتَوَاتر]:

- ‌[الْفَرد]:

- ‌[الْفَرد النسبي]:

- ‌[الْفَرد الْمُطلق]:

- ‌[المُرَاد بِكَوْن الرَّاوِي اثْنَيْنِ أَو أَكثر]:

- ‌[لَا تنَافِي بَين الغرابة وَالصِّحَّة]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[الضَّعِيف]:

- ‌[مَرَاتِب الصَّحِيح وَالْحسن]:

- ‌[أصح الأَسَانِيد]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[اصْطِلَاحَات التِّرْمِذِيّ]:

- ‌[إِشْكَال اجْتِمَاع الغرابة وَالْحسن]:

- ‌[جَوَاب الإِشْكَال]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[الاحْتِجَاج بِالصَّحِيحِ وَالْحسن]:

- ‌[الاحْتِجَاج بالضعيف]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[صَحِيح البُخَارِيّ أَعلَى الصِّحَاح]:

- ‌[وَجه تَرْجِيح صَحِيح مُسلم عِنْد بعض المغاربة]:

- ‌[الْمُتَّفق عَلَيْهِ]:

- ‌[عدد الأَحَادِيث الْمُتَّفق عَلَيهَا]:

- ‌[دَرَجَات الصِّحَاح]:

- ‌[معنى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[البُخَارِيّ وَمُسلم لم يستوعبا الصِّحَاح]:

- ‌[مُسْتَدْرك الْحَاكِم]:

- ‌[صَحِيح ابْن خُزَيْمَة]:

- ‌[صَحِيح ابْن حبَان]:

- ‌[صَحِيح الْحَاكِم (الْمُسْتَدْرك)]:

- ‌[المختارة للمقدسي]:

- ‌[صِحَاح أُخْرَى]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[الْكتب السِّتَّة]:

- ‌[أَحَادِيث الْكتب الأَرْبَعَة]:

- ‌[اصْطِلَاح الْبَغَوِيّ]:

- ‌[كتاب الدَّارمِيّ]:

- ‌[مصَادر السُّيُوطِيّ فِي جمع الْجَوَامِع]:

- ‌[جمَاعَة من الأَئِمَّة المتقنين]:

- ‌مُقَدِّمَةُ المِشْكَاةِ

- ‌1 - كتاب الإيمان

- ‌ الفصل الأول:

- ‌ الفصل الثاني:

- ‌ الفصل الثالث:

- ‌1 - باب الكبائر وعلامات النفاق

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّل:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌2 - باب الوسوسة

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌3 - باب الإيمان بالقدر

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌4 - باب إثبات عذاب القبر

- ‌ الْفَصْل الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌5 - باب الاعتصام بالكتاب والسنة

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌(2) كِتَابُ العِلْمِ

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

الفصل: ‌ الفصل الثالث:

وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلين". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "كِتَابِ الْمَدْخَلِ" مُرْسَلًا (1). [هق: 10/ 209].

وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرٍ: "فَإِنَّمَا شِفَاءُ العيِّ السُّؤالُ" فِي "بَاب التَّيَمُّمِ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالى.

*‌

‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

249 -

[52] عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الإِسْلَامَ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ. . . . . .

ــ

بالباطل لفظًا أو معنى، أي: تأويلًا وصرفًا عن الظاهر، وغلا في الأمر غلوًّا: جاوز حَدّه، أي: المتجاوزين في أمر الدين عما حد له وبين.

وقوله: (انتحال المبطلين) انتحله وتنحله: ادعاه لنفسه، وهو لغيره من شعر أو قول، وهو الكناية عن الكذب، كذا في بعض الشروح، وقوله:(من حديث بقية بن الوليد عن معاذ) هكذا في أكثر نسخ (المشكاة)، وفي بعضها: عن معان بالنون، وفي (الكاشف) (2): معان بن رفاعة روى عنه بقية بن الوليد، وتحقيقه في أسماء الرجال.

الفصل الثالث

249 -

[52](الحسن) قوله: (درجة واحدة) مبالغة في قرب منزلتهم من النبيين،

(1) قوله: "رواه" بعده بياض بالأصل، وَأَلْحَقَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ، وَفِي نُسْخَةٍ: فِي كِتَابِ الْمَدْخَلِ مِنْ حَدِيثِ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَليدِ عَنْ مُعَانٍ. انظر: "مرقاة المفاتيح"(1/ 323). قوله: "مرسلًا" لا يوجد هذا اللفظ في المصرية، ولا تعرض له القاري، ولكن ذكر رواية توهم الاتصال، ورواية توجب الانقطاع، كذا في "التقرير".

(2)

"الكاشف"(رقم: 5513).

ص: 590

فِي الْجَنَّةِ". رَوَاهُ الدَّارمِيّ. [دي: 1/ 112].

250 -

[53] وَعَنْهُ مُرْسَلًا قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَحَدُهُمَا كَانَ عَالِمًا يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيرَ، وَالآخِرُ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"فَضْلُ هَذَا الْعَالِمِ الَّذِي يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ عَلَى الْعَابِدِ الَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: 1/ 97 - 98].

251 -

[54] وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "نِعْمَ الرَّجُلُ الْفَقِيهُ فِي الدِّينِ إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ نَفَعَ،

ــ

ولذا أكد بواحد، ويمكن أن يكون وجهه -واللَّه أعلم- أنه قائم مقام الأنبياء في إبلاغ العلم وإحياء الدين، لكنه فرع وتابع لهم، فيكون أحط بدرجة منهم، ومع ذلك ينبغي أن يكون المراد الدرجة في إبلاغ العلم وثوابه لا في جميع الدرجات والمراتب.

250 -

[53](عنه) قوله: (والآخر يصوم النهار ويقوم الليل) وهو أيضًا عالم دون الأول أو مثله، بل أكثر منه، ولكن لم يشتغل بالعلم، بل صرف أوقاته إلى العبادة، كما قررنا سابقًا.

251 -

[54](علي) قوله: (نعم الرجل الفقيه في الدين) الفقيه مخصوص بالمدح، و (في الدين) متعلق بـ (الفقيه).

وقوله: (إن احتيج) استئناف أو صفة للفقيه، ومعنى الحديث -واللَّه أعلم-: أن من شأن العالم وما يليق بحاله أن لا يحوج نفسه إلى الخلق طمعًا في صحبتهم واختلاطهم ومنافعهم، ولا ينقطع عنهم مطلقًا بأن لا يفيدهم بالعلم ويحرمهم عنه،

ص: 591

وَإِنِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ أَغْنَى نَفْسَهُ". رَوَاهُ رَزِينُ.

252 -

[55] وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدِّثِ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنِ، فَإِنْ أَكْثَرْتَ فَثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ، وَلَا أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِي الْقَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ. . . . .

ــ

بل إن احتاج الناس إليه بأن اضطروا إليه، ولم يكن هناك عالم سواه فيسألوه عن العلم ليفيدهم ويعلمهم، دخل فيهم للإفادة ونفعهم بالعلم؛ لئلا يضلوا ويهلكوا، (وإن استغني عنه) بأن لا يلتجئوا ويضطروا إليه وكان هناك من يكفيهم في التعليم (أغنى نفسه) ولم يداخلهم ولا يتذلل لهم، بل يستغني عنهم وبشتغل بالعبادة وبالعلم أيضًا بمطالعة الكتاب والسنة والتصنيف ونحوهما.

252 -

[55](عكرمة) قوله: (كل جمعة) المراد بالجمعة الأسبوع.

وقوله: (فإن أبيت) أي: أبيت عن الاقتصار على هذا القدر وأردت الزيادة.

وقوله: (ولا تمل) أمر من الإملال يعني الإيقاع في الملالة، يقال: أملّني وأملّ عليّ: أبرمني.

وقوله: (هذا القرآن) الإشارة للتعظيم.

وقوله: (ولا ألفينك) أي لا أجدنك أي: لا تأتيهم على هذه الجملة فأجدك عليها، ذكر اللازم وإرادة الملزوم.

وقوله: (تأتي) حال من الضمير المنصوب لا مفعول ثان؛ لأن ألفى بمعنى وجد الذي بمعنى صادف لا بمعنى علم، يدل عليه كلام (القاموس) (1): ألفاه: وجده، وتلافاه: تدارك لتفسير تلافاه بمعنى تدارك.

(1)"القاموس"(ص: 1222).

ص: 592

فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلَّهُمْ، وَلَكِنْ أَنْصِتْ، فَإِذَا أَمَرُوكَ فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ، وَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ، فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِك. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 6337].

ــ

وقوله: (فتقص) و (فتقطع) مرفوعان عطفًا على (تأتي)، وفي بعض النسخ وقعا منصوبين على جواب النهي، والوجه هو الأول.

وقوله: (فتملهم) منصوب بتقدير (أن) جوابًا للنهي.

وقوله: (فإذا أمروك) أي: طلبوا العلم منك.

وقوله: (وانظر السجع) المصحح في النسخ بصيغة الأمر من النظر، قال الطيبي (1): المعنى تأمل في السجع الذي ينافي إظهار الاستكانة والتضرع والتخشع فاجتنبه، فإنه أقرب إلى الإجابة، وقد يفهم من بعض الشروح أنه جعله من الإنظار بمعنى الإمهال والتأخير أي اتركه.

وقوله: (فاجتنبه) تأكيد له، وهذا صحيح إن صحت الرواية، واللَّه أعلم.

وقوله: (عهدت) أي: عرفت وعلمت، في (القاموس) (2): العهد: الالتقاء والمعرفة، وفي (الصحاح) (3): عهدي به قريب، أي: علمي ومعرفتي به.

وقوله: (لا يفعلون ذلك) أي: السجع والتكلف فيه، وفي الرواية:(إلا ذلك) بزيادة حرف الاستثناء، فذلك إشارة إلى ترك السجع، كذا في بعض الشروح.

(1)"شرق الطيبي"(1/ 405).

(2)

"القاموس"(ص: 289).

(3)

"الصحاح"(2/ 2).

ص: 593

253 -

[56] وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ فَأَدْركَهُ كَانَ لَهُ كِفْلَانِ مِنَ الأَجْرِ، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ كَانَ لَهُ كفْلٌ مِنَ الأَجْرِ". رَوَاهُ الدِّارِمِيُّ. [دي: 1/ 96].

254 -

[57] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتهِ عِلْمًا عَلِمَهُ ونَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ،

ــ

253 -

[56](واثلة بن الأسقع) قوله: (من طلب العلم فأدركه) يجوز أن يكون هذا بيان حال المجتهد كما ورد أنه إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، وأن يكون بيان حال سائر طلبة العلم من أصحاب التحصيل بأنه إن حصل العلم كان له أجر العلم وأجر المشقة، وإن لم يحصل فأجر المشقة ثابت، كما في المجتهد، و (الكفل) بالكسر: الحظ والنصيب.

254 -

[57](أبو هريرة) قوله: (إن مما يلحق المؤمن) المستتر في (يلحق) راجع إلى (ما)، و (المؤمن) مفعول، والظاهر أن (من) تبعيضية، ويصح معنى البعضية باعتبار كل واحد، وحاصله اعتبار الحمل قبل العطف، فلا ينافي الحصر في الأشياء المذكورة.

وقوله: (علمه) بالتخفيف، وفي بعض النسخ بالتشديد، والأول أظهر، وسيأتي بعد في حديث أنعى وبقرينة (ونشره) لئلا يكون تكرارًا، إلا أن يراد بنشر التعليم إكثاره وإشاعته.

وقول: (وولدًا) بالواو والبواقي بـ (أو)، ولعل النكتة فيه الإشارة [إلى] أنه لو جمع التعليم والولد بأن يعلم الولد كان أولى وأحرى ليكون دعاؤه للوالد أفضل

ص: 594

أو مُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعُبِ الإيمَانِ". [جه: 242، شعب: 3174].

255 -

[58] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ عز وجل أَوْحَى إِلَيَّ أَنَّهُ مَنْ سَلَكَ مَسْلَكًا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ سَهَّلْتُ لَهُ طَرِيقَ الْجَنَّةِ، وَمَنْ سَلَبْتُ كَرِيمَتَيْهِ أَثَبْتُهُ عَلَيْهِمَا الْجَنَّةَ،

ــ

وأقرب إجابة.

وقوله: (ورثه) بالتشديد أي: تركه إرثًا، وقيل: وقفه في حال حياته، وكل هذه المذكورات راجعة إلى صدقة جارية، فلا ينافي الحصر في الثلاثة كما سبق.

وقوله: (حياته) في حكم العطف التفسيري إشارة إلى أن التصدق لو كان في حال الحياة وإن لم يكن صحيحًا ما لم يبلغ الروح الحلقوم، ويكون الصحة مرجوة معتبر كما جاء في الحديث:(ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا)(1)، فافهم.

وقوله: (تلحقه) يحتمل أن يكون متعلقًا بالكل، كرره تأكيدًا، أي: يلحق ثواب الأشياء الستة المذكورة المؤمن من بعد موته، ويحتمل أن يكون متعلقة بالصدقة، كرره بعد التعميم اهتمامًا بشأنها، والظاهر من كلام بعض الشارحين تعلقه بالصدقة بمعنى إن شرط أن يبقى عين المتصدق به بعد موته، كذا في شرح الشيخ، يعني لتكون صدقة جارية.

255 -

[58](عائشة) قوله: (كريمتيه) أي: عينيه الكريمتين عليه، في

(1) أخرجه البخاري (1419، 2748)، ومسلم (1032)، وأبو داود (2867)، والنسائي (3611).

ص: 595

وَفَضْلٌ فِي عِلْمٍ خَيْرٌ مِنْ فَضْلٍ فِي عِبَادَةٍ، وَمِلَاكُ الدِّينِ الْوَرَعُ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: 5367].

256 -

[59] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَدَارُسُ الْعِلْمِ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ خَيْرٌ من إحْيَائِهَا. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: 1/ 82، 149].

ــ

(القاموس)(1): كريمتك: أنفك، وكل جارحة شريفة كالأذن واليد، والكريمتان: العينان، و (الملاك) بفتح الميم وكسره: قوامه الذي يملك به، كذا في (القاموس) (2). وفي (مجمع البحار) (3): هو بالكسر والفتح قوام الشيء ونظامه وما يعتمد عليه فيه، وكسر ميمه رواية، وفتحها لغة، و (الورع)(4) التقوى كذا في (القاموس)(5)، وقد يفرق بينهما بأن التقوى اجتناب الحرام، والورع اتقاء الشبهة، وقد يعكس.

256 -

[59](ابن عباس) قوله: (خير من إحيائها) إحياء ساعة من الليل أو كله، واللَّه أَعلم، وإحياء الليل إما بمعنى إضافة المصدر إلى المفعول كأن الليل ميت والعبادة فيه إحياء له، فإن حياة الوقت كونه محلًا لعبادة اللَّه وموته بعدمه، أو بمعنى (في) أيِّ إحياء النفس في الليل، فكأن القائم بالليل حيي والنائم ميت.

(1)"القاموس"(ص: 1063).

(2)

"القاموس"(ص: 879).

(3)

"مجمع بحار الأنوار"(4/ 628).

(4)

قال القاري: الْمُرَادُ بالْوَرَعِ التَّقْوَى عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالشُّبُهَاتِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ (2/ 705): وَالْوَرَعُ في الأَصْلِ الْكَفُّ عَنِ الْمَحَارِمِ والتَّحَرُّجُ منه، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلكَفِّ عَنِ الْمُبَاحِ وَالْحَلَالِ. قُلْتُ: لَعَلَّ مُرَادَهُ الْمُبَاحُ وَالْحَلَالُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الشُّبْهَةِ وَإِلَّا فَتَرْكُهَا زِيادَة عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ لَا يُسَمَّى وَرَعًا بَلْ يُسَمَّى زُهدًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. "مرقاة المفاتيح"(1/ 327).

(5)

"القاموس"(ص: 771).

ص: 596

257 -

[60] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ فِي مَسْجدِهِ فَقَالَ: "كِلَاهُمَا عَلَى خَيْرٍ وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ، أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ إِليْهِ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ. وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقهَ أَوِ الْعِلْمَ وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ فَهُمْ أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا"، ثمَّ جَلَسَ فِيهِمْ. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: 1/ 99 - 100].

ــ

257 -

[60](عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (مر بمجلسين) أي: بقومين جالسين في مكانين، أحدهما كانوا ذاكرين داعين، وثانيهما مذاكرين في العلم، أو المجلس محمول على حقيقته، والمراد بهؤلاء أهل المجلس.

وقوله: (يرغبون إليه) أي يبتهلون ويتضرعون ويسألون، في (القاموس) (1): رغب فيه: أراده، وعنه: لم يرده، واليه: ابتهل، والطيبي (2) قدر في وضمنه معنى التوسل، وقال: أي يرغبون فيما عند اللَّه من الثواب متوسلين إليه، ولا حاجة إلى ذلك، وحمل العبارة على الظاهر أنسب وأولى.

وقوله: (فإن شاء أعطاهم)(3) فمطلوبهم في احتمال ومقتصر على أنفسهم، وفائدة عمل الآخرين بآخر متعد إلى غيرهم.

وقوله: (أو العلم) شك من الراوي.

(1)"القاموس"(ص: 97).

(2)

انظر: "شرح الطيبي"(1/ 407).

(3)

قال القاري (1/ 328): فِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ أَوْجَبُوا الثَّوَابَ فَاسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ، انتهى. والمعنى: أن نفعهم مختص بهم، ونفع العلماء متعدٍّ، فالثواب فيهن أرجى، كذا في "التقرير".

ص: 597

258 -

[61] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا حَدُّ الْعِلْمِ الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ الرَّجُلُ كَانَ فَقِيهًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا فِي أَمْرِ دِينَهَا بَعَثَهُ اللَّهُ فَقِيهًا، وَكُنْتُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَة شَافِعًا وَشَهِيدًا".

ــ

258 -

[61](أبو الدرداء) قوله: (ما حد العلم الذي. . . إلخ) في (القاموس)(1): الحد: الحاجز بين الشيئين، ومنتهى الشيء، وتمييز الشيء عن الشيء، والظاهر أن المراد في الحديث المعنى الأخير كما دل عليه كلام الطيبي (2) حيث قال: حد الشيء الوصف المحيط بمعناه المميز عن غيره، ويحتمل إيراد المعنى الأول، فإن ما ذكر حد حاجز، أي: فاصل بين الفقيه وغيره، أو المعنى الثاني بأن يراد منتهى قدر كفايته، فافهم.

وقوله: (من حفظ على أمتي (3)) معنى الحفظ ههنا أن ينقل الأحاديث الأربعين إلى المسلمين وإن لم يحفظها ولا عرف معناها (4)، وتحقيق معنى هذا الحديث والكلام

(1)"القاموس"(ص: 264).

(2)

"شرح الطيبي"(1/ 407).

(3)

أَيْ: شَفَقَةً عَلَيْهِمْ أَوْ لأَجْلِ انْتِفَاعِهِمْ. "مرقاة المفاتيح"(1/ 328).

(4)

كذا ذكره النووي، وقال القاري: فِي قَوْلِهِ: وَلَا عَرِفَ مَعْنَاهَا نَظَرٌ لأَنَّهُ لَا يُلَائِمُ الْمَقَامَ الَّذِي هُوَ حَدُّ الْعِلْمِ إِذِ الْفِقْهُ هُوَ الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ وَالْفَهْمُ لَهُ وَغَلَبَ عَلَى عِلْمِ الدِّينِ لِشَرَفِهِ وَإِلَّا فَالْحَامِلُ غَيْرُ فَقِيهٍ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ طَابَقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى كَأَنَّهُ قِيلَ مَعْرِفَةُ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا بِأَسَانِيدِهَا مَعَ تَعْلِيمِهَا النَّاسَ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْرِفَةَ أَسَانِيدِهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، ثُمَّ قَالَ أَو نقول: هو من أسلوب الحكيم، أي: لا تسأل عن حد الفقه فإنه لا جدوى فيه، وكن فقيهًا فإن الفقيه من أقامه اللَّه تعالى لنشر العلم =

ص: 598

259 -

[62] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "هَلْ تَدْرُونَ مَنْ أَجْوَدُ جُودًا؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "اللَّهُ تَعَالَى أَجْوَدُ جُودًا، ثُمَّ أَنَا أَجْوَدُ بَنِي آدَمَ، وَأَجْوَدُهُمْ مِنْ بَعْدِي رَجُلٌ عَلِمَ عِلْمًا فَنَشَرَهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمِيرًا وَحْدَهُ، أَو قَالَ: أُمَّةً وَاحِدَةً".

260 -

[63] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: . . . . .

ــ

في صحته وضعفه يطلب من (الأربعين) للنووي، وشرح الشيخ ابن حجر.

259 -

[62](أنس) قوله: (من أجود جودًا؟ ) الجود بضم الجيم: البذل مالًا كان المبذول أو علمًا، والأجود إما من الجودة بفتح الجيم ضد الرداءة، أي: من الذي جوده أحسن وأبلغ، أو من الجود على الإسناد المجازي نحو جد جده.

وقوله: (وأجوده) هكذا في أكثر النسخ، والضمير لـ (بني آدم) بتأويل الإنسان، وفي بعض النسخ:(أجودهم) وهذا أظهر.

وقوله: (يأتي يوم القيامة أميرًا وحده) أي: كملك عظيم معه جماعة لاجتماع الفضائل والكمالات في ذاته، أو كالأمة الواحدة كما في الرواية الأخرى نحو قوله تعالى:{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل: 120]، في (القاموس) (1): الأمير: الملك، والأمة: الجيل من كل شيء، والرجل الجامع للخير، والإمام.

260 -

[63](عنه) قوله: (منهومان) في (القاموس)(2): النهم محركة والنهامة

= وتعليمه الناس ما ينفعهم في دينهم ودنياهم من العلم والعمل، اهـ. "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح"(1/ 328).

(1)

"القاموس"(ص: 324، 994).

(2)

"القاموس"(ص: 1073).

ص: 599

مَنْهُومٌ فِي الْعِلْمِ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ، وَمَنْهُومٌ فِي الدُّنْيَا لَا يَشْبَعُ مِنْهَا". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي "شُعَبِ الإِيْمَانِ" وَقَالَ: قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: هَذَا مَتْنٌ مَشْهُورٌ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. [شعب: 1597، 1632، 979].

261 -

[64] وَعَنْ عَوْنٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ صَاحِبُ الْعِلْمِ وَصَاحِبُ الدُّنْيَا، وَلَا يَسْتَوِيَانِ، أَمَّا صَاحِبُ الْعِلْمِ فَيَزْدَادُ رِضًى لِلرَّحْمَنِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الدُّنْيَا فَيَتَمَادَى فِي الطُّغْيَانِ.

ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7]، قَالَ: وَقَالَ: الآخَرُ {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: 1/ 96].

ــ

كسحابة: إفراط الشهوة في الطعام، وأن لا تمتلئ عين الآكل (1) ولا يشبع، والنهمة: الحاجة، وبلوغ الهمة والشهوة في الشيء.

261 -

[64](عون) قوله: (يتمادى) أي: يذهب إلى الغاية، والمدى كفتى: الغاية.

وقوله: (أن رآه) أي: لأن رآه، والرؤية بمعنى العلم.

وقوله: (قال) أي قال عون: (قال) ابن مسعود رضي الله عنه.

وقوله: (الآخر) أي الاستشهاد الآخر على زيادة منهوم العلم رضًا للرحمن، فقوله: الآخر مرفوِع، وقد ينصب على أنه مفعول (قال)، والتقدير ذكر الاستشهاد الآخر.

(1) في الأصول: "عن الأكل"، وهو تحريف.

ص: 600

262 -

[65] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ أُنَاسًا مِنْ أُمَّتِي سَيَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ وَيَقْرَؤُوْنَ الْقُرْآن يَقُولُونَ: نَأْتِي الأُمَرَاءَ فَنُصِيبُ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَنَعْتَزِلُهُمْ بِدِينِنَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ، كَمَا لَا يُجْتَنَى مِنَ الْقَتَادِ إِلَّا الشَّوْكُ، كَذَلِكَ لَا يُجْتَنَى مِنْ قُرْبِهِمْ إِلَّا -قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ: كَأَنَّهُ يَعْنِي- الْخَطَايَا". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: 255].

263 -

[66] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْم صَانوُا الْعِلْمَ، وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ، لَسَادُوا بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لأَهْلِ الدُّنْيَا لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ، فَهَانوُا عَلَيْهِمْ، سَمِعْتُ نبَيَّكُمْ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: . . . . .

ــ

262 -

[65](ابن عباس) قوله: (ولا يكون ذلك) كان تامة أي: لا يوجد ولا يصح ولا يستقيم الجمع بين التفقه في الدين والتقرب إلى الأمراء، ولا ينتج قربهم إلا الخسار والمضار كما لا يتحصل من (القتاد)، وهو شجر ذو شوك لا ثمر له (إلا الشوك) والجراحة والألم، وحذف المستثنى في جانب المشبه لفهمه من الكلام السابق، ولتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن، وإشارة إلى أنه يتضمن مضارّ لا تعدّ ولا تحصى ولا يكتنه كنهها.

وقوله: (كأنه) أي: النبي صلى الله عليه وسلم يعني بالاستثناء المحذوف الخطايا، وخص بالخطايا اهتمامًا بذكر المضار الدينية، وإلا فالاستثناء يعم المضار الدينية والدنيوية، والخطايا داخلة فيها.

263، 264 - [66، 67](عبد اللَّه بن مسعود، وابن عمر) قوله: (لسادوا به أهل زمانهم) أي: لفاقوا وعزوا بسبب صون العلم جميع أهل زمانه من أهل الدين والدنيا، وذلك لأن سنة اللَّه جارية على أن من حفظ حرمة العلم حفظ اللَّه حرمته، ومن

ص: 601

"مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ [فِي] أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ في أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: 257].

264 -

[67] وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ" عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ: مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ. . . إِلَى آخِرِهِ. [شعب: 1744].

265 -

[68] وَعَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ، وَإِضَاعَتُهُ أَنْ تُحَدِّثَ بِهِ غَيْرَ أَهْلِهِ". . . . .

ــ

أضاعها أضاعه اللَّه، فنسأل اللَّه العافية.

وقوله: (من جعل الهموم هَمًّا واحدًا) الهم: القصد، همّ به في نفسه أي قصد.

وقوله: (همّ آخرته) بدل من (هَمًّا)(ومن تشعبت به) أي: تفرقت، والباء إما للتعدية أو للملابسة، و ([فِي] أحوال الدنيا) بدل من الهموم، ولم يقل هموم الدنيا إشارة إلى تحوله وتقلبه من حال إلى حال، وتفرق قلبه وتشعب باله وخروجه من مقام الجمع والطمأنينة.

وقوله: (في أيِّ أوديتها) أي: أودية الهموم أو الدنيا وأحوالها، والمآل واحد، أي: لعله يهلك ويموت في حالة السوء ويختم له بسوء العاقبة، أعاذنا اللَّه من ذلك.

265 -

[68](الأعمش) قوله: (آفة العلم النسيان) تنبيه عن الاجتناب عن مباشرة الأسباب التي توجب النسيان من اقتراف الذنوب وارتكاب الخطايا وتشعب الهموم ومشاغل النفس والدنيا، والنسيان ضد الحفظ، وهو السهو بمعنى، وقد يفرق، وستعرفه في (باب سجود السهو) إن شاء اللَّه تعالى.

وقوله: (إضاعته) ضاع يضيع ضيعًا ويكسر وضيعة وضياعًا بالفتح: هلك.

ص: 602

رَوَهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا. [دي: 1/ 158].

266 -

[69] وَعَنْ سُفْيَانَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ لِكَعْبٍ: مَنْ أَرْبَابُ الْعِلْمِ؟ قَالَ: الَّذِي يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ. قَالَ: فَمَا أَخْرَجَ الْعِلْمَ مِنْ قُلُوبِ الْعُلَمَاءِ؟ قَالَ: الطَّمَعُ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: 1/ 140].

ــ

266 -

[69](سفيان) قوله: (من أرباب العلم؟ ) في (القاموس)(1): رب كل شيء: مالكه ومستحقه أو صاحبه، ولهذا فسره الطيبي (2) بقوله: أي من الذي ملك العلم أو رسخ فيه، وقد يجيء الرب بمعنى المربي والمدبر والمهتمم، والتربية زيادة في الشيء بالتدريج، وفي الحديث:(ألك نعمة تربها)(3) أي: تحفظها وتراعيها وتربيها، ويمكن حمل الحديث على هذا المعنى، فإن العلم وأنواره يزيد ويتم ويصير محفوظًا من آفة النسيان، ويصفو ويتحلى بالعمل الصالح، وفي الحقيقة نور العلم والإيمان ونور العمل تتعاكسان في الترقي والإزدياد.

وقوله: (فما أخرج العلم من قلوب العلماء؟ ) أي: بعثهم على ترك العمل الذي به صاروا أربابًا للعلم فانعزلوا وانسلخوا عنه، نعوذ باللَّه من الحور بعد الكور، قال اللَّه تعالى:{وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} [الأعراف: 176]، قال سيدي الشيخ أبو العباس المرسي (4): ما رأيت العز الأكبر إلا في رفع الهمة عن الخلق،

(1)"القاموس"(ص: 94).

(2)

"شرح الطيبي"(1/ 413).

(3)

أخرجه مسلم (2567) ولفظه: "هل لك عليه من نعمه تربها"، وأحمد في "مسنده" (2/ 462) ولفظه:"هل له عليك من نعمه تربها".

(4)

"لطائف المنن"(ص: 87).

ص: 603

267 -

[70] وَعَنِ الأَحْوَصِ بن حَكِيمِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الشَّرِّ،

ــ

وقال رضي الله عنه: اشتريت في ابتداء أمري من رجل كان يعرفني شيئًا بنصف درهم، ولما كان قليلًا وقع في خاطري أنه لا يأخذ مني الثمن، فسمعت هاتفًا يقول: السلامة في الدين بترك الطمع في المخلوقين، وقال: صاحب الطمع لا يشبع أبدًا، ألا ترى أن حروفها كلها مجوفة، فإنه يصد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو أفضل الأعمال، وخصها بالعلماء فإنه لا يقدر على ذلك مع الطمع، وقيل: الطمع يصير الأسود ذبابًا، ثم الطمع توقع حصول مال من أحد يشك في وصوله منه، أما إذا كان جازمًا بوصوله لحق عليه كالخادم من المخدوم الذي عينه مشاهرة مثلًا فلا طمع، وكذا إذا كان بسبب يقيني، ويقرب من ذلك توقعه من صديق يغلب ظنه بعقد الأخوة والتزامه لذلك.

وكان شيخنا الشيخ عبد الوهاب المتقي يقول: لما كنا في المركب راحلين إلى مكة فنزلناه بجزيرة مكران كما هو العادة أتانا نفر من العرب في زي الصلاح والمروة فاستفتونا وقالوا: إنا إذا حان موسم المراكب في بلدنا نستشرف حصول الخير من أهلها، هل هذا من الطمع والاستشراف الذي يكرهه القوم؟ فقلنا في جوابهم: عسى أن لا يكون من ذلك، فإن وصول المراكب في حقكم في الموسم كنزول المطر في موسمه، فمن انتظر المطر في موسمه لا يكون استشرافًا، فكذلك مجيء المراكب ونزولها لا يكون استشرافًا، واللَّه أعلم.

267 -

[70](الأحوص بن حكيم) قوله: (سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشر) أي شر الناس لا الأعمال.

ص: 604

فَقَالَ: "لَا تَسْأَلُونِي عَنِ الشَّرِّ وَسَلُونِي عَنِ الْخَيْرِ" يَقُولُهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: "أَلَا إِنَّ شَرَّ الشَّرِّ شِرَارُ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّ خَيْرَ الْخَيْرِ خِيَارُ الْعُلَمَاءِ". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: 1/ 104].

268 -

[71] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: "إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ: . . . . .

ــ

وقوله: (لا تسألوني عن الشر) أظهر صلى الله عليه وسلم الكراهة عن ذكر أشرار الناس ووسمهم بذلك، وكرر ذلك، ثم لما لم يكن بد من بيانه وجواب سؤالهم (قال: ألا إن شر الشر شرار العلماء) المراد بالشر المضاف معنى التفضيل، وبالمضاف إليه إما معنى التفضيل أو الصفة فإنه يجيء بمعناهما، ثم إنه صلى الله عليه وسلم لم يكتف ببيان شر الناس بل ذكر خيارهم أيضًا تلافيًا لما اعتراه من الكراهة بذكر الأشرار، وإنما كان الأمر كما ذكره صلى الله عليه وسلم؛ لأن العلماء قدوة الناس وأمراؤهم، وسائر الناس كالرعايا، ففسادهم بفسادهم (1)، وصلاحهم بصلاحهم، كالقلب بالنسبة إلى الجسد، قالوا: فساد الرعية بفساد الأمراء، وفساد الأمراء بفساد العلماء.

268 -

[71](أبو الدرداء) قوله: (إن من أشر الناس) قال صاحب (القاموس)(2): أشر لغة في شر قليلة أو رديئة، وقال الطيبي (3):(من) زائدة، ولا يخفى عليك أنه إن أخذ التفضيل حقيقيًا فلا يكون إلا فرد واحد، وإن أخذ إضافيًّا فيمكن أن يصدق على متعدد، أو يعتبر التفضيل في الجماعات، فيكون جماعة من الناس أشر من جماعات

(1) قوله: "بفسادهم" ثبت في (د)، وسقط في (ب) و (ر).

(2)

"القاموس"(ص: 386).

(3)

"شرح الطيبي"(1/ 414).

ص: 605

عَالِمٌ لَا ينْتَفع بِعِلْمِهِ". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: 1/ 82].

269 -

[72] وَعَن زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ: هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الإِسلَامَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ، وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ، وَحُكْمُ الأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ. رَوَاهُ الدِّارِمِيُّ. [دي: 1/ 71].

ــ

أخر، ويكون العلماء بعضًا منها، فيجوز أن يثبت (من) تبعيضية، فافهم.

وقوله: (لا ينتفع بعلمه) بصيغة المعلوم، أي: لا يعمل بعلمه حتى ينتفع هو بنفسه وإن كان ينفع الناس، وقد يضبط بصيغة المجهول، أي: لا ينتفع الناس لعدم التعليم والتدريس والتصنيف، أو لعدم أمره إياهم بالمعروف ونهيه عن المنكر.

269 -

[72]: (زياد بن حدير) قوله: (ابن حدير) بالحاء والدال المهملتين على صيغة التصغير.

وقوله: (ما يهدم الإسلام) في (القاموس)(1): الهدم: نقض البناء، وكسر الظهر، ويناسب الحملى على المعنى الأول إثبات البناء للإسلام في قوله صلى الله عليه وسلم:(بني الإسلام على خمسة)، ويمكن حمله على المعنى الثاني بطريق الاستعارة بالكناية، فإن بالعلماء يتقوى ظهر الإسلام، وبهم يستظهر أهله، فإذا زلّوا وداهنوا يضعف أمره، وينكسر ظهره وظهر أهله، وكذا جدال المنافق بالكتاب والسنة، والمراد به ما يشتمل جدال المبتدعة بالشبهة الواهية، والتأويلات الباطلة، وكذا حكم أمراء الجور والظلمة (2)، والزائغين عن الحق، التابعين لشهواتهم وأهوائهم الذين يضلون الناس، ويأمرونهم بما يضلهم، وزلة العالم هو المقدم في ذلك، عافانا اللَّه.

(1)"القاموس المحيط"(ص: 1077).

(2)

كذا في (ب)، وفي (د):"الظلم".

ص: 606

270 -

[73] وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: "الْعِلْمُ عِلْمَانِ: فَعِلْمٌ فِي الْقَلْبِ فَذَاكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ، وَعِلْمٌ عَلَى اللِّسَانِ فَذَاك حُجَّةُ اللَّهِ عز وجل عَلَى ابْنِ آدَمَ". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: 1/ 102].

ــ

270 -

[73](الحسن) قوله: (فعلم في القلب) الفاء للتفصيل، والمراد بعلم في القلب ما ظهر أثره ونوره في القلب بأن يعمل به وجرى على مقتضاه، وبـ (علم على اللسان) ما هو بخلاف ذلك، وقد يحمل على علمي الظاهر والباطن (1)، وهما علم المعاملة وعلم المكاشفة، والمعنى الأول أنسب بقوله: وعلم على اللسان، واللَّه أعلم.

قال الشيخ ابن عطاء اللَّه في (كتاب الحكم)(2): العلم النافع: هو الذي ينبسط في الصدر شعاعه، ويكشف عن القلب قناعه.

وقال الشيخ أبو عبد اللَّه محمد بن علي الحكيم الترمذي: العلم النافع هو الذي قد تمكن في الصدر وتصور، وذلك أن النور إذا أشرق في القلب تصورت الأمور حسنها وسيئها، ووقع بذلك ظل في الصدر فهو صورة الأمور فيأتي حسنها ويجتنب سيئها، فذلك هو العلم النافع من نور القلب خرجت تلك العلائم إلى الصدر وهي علامات الهدى، والعلم الذي يتعلمه فذلك علم اللسان، إنما هو شيء قد استودع

(1) قال القاري: لَكِنْ فِيهِ أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ شَيْءٌ مِنْ عِلْمِ الْبَاطِنِ إِلَّا بَعْدَ التَّحَقُّقِ بإِصْلَاحِ الظَّاهِرِ كَمَا أَنَّ عِلْمَ الظَّاهِرِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِإِصْلَاحِ الْبَاطِنِ، وَلذَا فَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ: مَنْ تَفَقَّهَ وَلَمْ يَتَصَوَّفْ فَقَدْ تَفَسَّقَ، وَمَنْ تَصَوَّفَ وَلَمْ يَتَفَقَّهْ فَقَدْ تَزَنْدَقَ، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ تَحَقَّقَ، وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ: هُمَا عِلْمَانِ أَصْلِيَّانِ لَا يَسْتَغْنِي أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ بِمَنْزِلَةِ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ مُرْتَبِطٌ كُلٌ مِنْهُمَا بِالآخَرِ، كَالْجِسْمِ وَالْقَلْبِ لَا يَنْفَكُّ أَحَدٌ عَنْ صَاحِبِهِ. "مرقاة المفاتيح"(1/ 335).

(2)

"الحكم العطائية"(4/ 222).

ص: 607

271 -

[74] وَعَنْ أَبيِ هُرَيرَةَ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ فِيكُمْ،

ــ

الحفظ، والشهوة غالبة عليه قد أحاطت به وأذهبت بظلمتها ضوءه، وقال بعضهم: العلم النافع علم الوقت وصفاء القلب، والزهد في الدنيا، وما يقرب من الجنة، وما يبعد عن النار، والخوف، والرجاء، وآفات النفوس وطهارتها، وهو النور المشار إليه بقوله:(إنه نور يقذفه اللَّه في قلب من شاء) دون علم اللسان والمعقول والمنقول.

وقال صاحب (الحكم)(1): خير علم ما كانت الخشية معه، وقال: العلم إن قارنته الخشية فلك وإلا فعليك، وقال في (لطائف المنن) (2): وشاهد العلم الذي هو مطلوب اللَّه تعالى الخشية للَّه، وشاهد الخشية موافقة الأمر، أما علم يكون معه الرغبة في الدنيا، والتملق لأربابها، وصرف الهمة لاكتسابها (3)، والجمع والادخار والمباهات والاستكثار وطول الأمل ونسيان الآخرة، فما أبعد من هذا العلم علمه من أن يكون ورثة الأنبياء، ثم معيار الخشية وتحقيق العلم باللَّه إنما هو عدم المبالاة بغيره في إقبال وإدبار، رزقنا اللَّه.

271 -

[74](أبو هريرة) قوله: (حفظت من رسول اللَّه) في أكثر الروايات (عن)، وفي بعضها (من)، وهذا أظهر لأنه صريح في تلقيه منه صلى الله عليه وسلم بلا واسطة، والظاهر من حال أبي هريرة بل من حال الصحابي مطلقًا كذلك.

وقوله: (وعاءين) بياءين في بعض النسخ، وفي بعضها بهمزة وياء وهذا أظهر،

(1)"الحكم العطائية"(4/ 234، 242).

(2)

"لطائف المنن"(ص: 17).

(3)

كذا في الأصول، وفي "اللطائف":"إلى اكتسابها".

ص: 608

وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ، يَعْنِي مَجْرَى الطَّعَامِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 120].

ــ

وفي بعض الروايات: (وعاءين من العلم) أراد الكناية عن محل العلم وجمعه فاستعار له الوعاء، كذا في (مجمع البحار)(1)، وقال الطيبي (2): شبه نوعي العلم بالظرفين لاحتواء كل منهما ما لم يحتو به الآخر، وقال: لعل المراد بالأول علم الأحكام والأخلاق، والثاني علم الأسرار المصون عن الأغيار المختص بالعلماء باللَّه من أهل العرفان، وذلك ليس بخارج من الدين، لكنه دقيق وخارج عن فهم العوام، وقيل: أراد به أخبار الفتن وفساد الدين على يد أغيلمة من قريش، وكان يقول: لو شئت إن أسميهم بأسمائهم، أو الأحاديث التي فيها آسامي أمراء الجور وأحوالهم وذمهم، وكان أبو هريرة يكني عن بعضه ولا يصرح به خوفًا على نفسه كقوله:(أعوذ باللَّه من إمارة الستين وإمارة الصبيان) يشير إلى إمارة يزيد بن معاوية، لأنها كانت سنة ستين، واستجاب اللَّه دعاءه فمات قبلها بسنة.

أقول: إن كان مراد هذا القائل نفي علم الأسرار والحقائق التي لا يفهمه العوام ويخص بالعلماء باللَّه من أهل العرفان لدقتها وغموضها بحيث لو ذكر عند العوام أنكروها وذموا قائلها فمكابرة، إذ لا بد أن يكون لكل ظاهر باطن، ولكل شريعة حقيقة، والحقيقة هو حقيقة الشريعة لا شيء يباينها ويخالفها، وإن كان مقصوده أن حديث أبي هريرة محمول على شيء آخر من أخبار الفتن وأمراء الجور بقرينة ما يفهم بقرينة الحال كما ذكر فله وجه، واللَّه أعلم.

(1)"مجمع بحار الأنوار"(5/ 92).

(2)

"شرح الطيبي"(1/ 416).

ص: 609

272 -

[75] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لَا تَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 4809، م: 2798].

273 -

[76] وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تأْخُذُونَ دِينَكُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [مق: 1/ 12].

ــ

272 -

[75](عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (فإن من العلم أن تقول لما لم تعلم) بالفوقانية، وفي نسخة بالتحتانية، وإنما كان ذلك من العلم؛ لأن تميز المعلوم من المجهول نوع من العلم، وهذا معنى ما قيل: لا أدري نصف العلم.

وقوله: (وما أنا من المتكلفين) أي: المتصفين بما ليسوا من أهله، تكلفت الشيء: تجسسته على مشقة، والمتكلف المتعرض لما لا يعنيه، وفي حديث عمر رضي الله عنه: نهينا عن التكلف (1). أراد كثرة السؤال والبحث عن أشياء غامضة، وقرأ رضي الله عنه قوله تعالى:{وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 31] فسئل عنه، فلما لم يدر قال: ما هذا إلا تكلف يعني أنه معلوم أنه اسم لشيء من جنس المطاعم والأمتعة، فالبحث عن علمه بالتعيين تكلف تركه أولى.

273 -

[76](ابن سيرين) قوله: (إن هذا العلم) أي: علم الحديث وما جاء من عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (دين) أي يبتني عليه الدين ويثبت (فانظروا عمن تأخذون دينكم) حث على الاهتمام بحال الراوي في رعاية الوثوق والديانة والحفظ والورع حتى

(1) أخرجه البخاري (ح: 7293).

ص: 610

274 -

[77] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ اسْتَقِيمُوا فَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، وَإِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 8282].

ــ

لا يؤخذ من كل من يروى، قال سيدي أبو عبد اللَّه بن عباد: أوصيك بوصية لا يعقلها إلا من عقل وجرب، ولا يهملها إلا من غفل وحجب، وهي أن لا تأخذوا هذا العلم مع متكبر ولا صاحب بدعة ولا مقلد، فأما الكبر فطابع يمنع من فهم الآيات والعبر، والبدعة في البلايا الكبر، والتقليد يمنع من بلوغ الوطر ونيل الظفر (1).

274 -

[77](حذيفة) قوله: (يا معشر القراء) أي: الذين يحفظون القرآن بألسنتهم فقط، كذا في شرح الشيخ (2)، وقيل: المراد بالقراء العلماء بالكتاب والسنة المقصرون في العمل بذلك.

وقوله: (فقد سبقتم) روي بصيغة المعلوم فهو خطاب لمن أدرك أوائل الإسلام، فإنهم لما تمسكوا بالكتاب والسنة سبقوا إلى كل خير؛ لأن من جاء بعدهم وإن عمل بعملهم لم يصل إلى ما وصلوا من سبقهم إلى الإسلام، وقد يروى بالمجهول أي: فقد سبقكم المتصفون بتلك الاستقامة إلى اللَّه، وقال القاضي عياض في (المشارق) (3):(فقد سبقتم) كذا عند ابن السكن بفتح السين والباء، ولغيره (سبقتم) بضم السين على ما لم يسم فاعله، والأول الصواب بدليل سياق الحديث وقوله بعد:(وإن أخذتم يمينًا وشمالًا فقد ضللتم).

(1) انظر: "روح المعاني"(5/ 271).

(2)

انظر: "فتح الباري"(2/ 193).

(3)

"مشارق الأنوار"(2/ 347).

ص: 611

275 -

[78] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جُبِّ الْحَزَنِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا جُبُّ الْحَزَنِ؟ قَالَ: "وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُ جَهَنَّمُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَ مِئَةِ مَرَّةٍ"، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَدْخُلُهَا؟ قَالَ: "الْقُرَّاءُ الْمُرَاؤُونَ بِأَعْمَالِهِمْ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ وَزَادَ فِيهِ:"وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْقُرَّاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ يَزُورُونَ الأُمَرَاءَ"، قَالَ الْمُحَارِبِيُّ (1): يَعْنِي الْجَوْرَةَ. [ت: 2383، جه: 256].

ــ

275 -

[78](أبو هريرة) قوله: (من جب الحزن) في (القاموس)(2): الجب بالضم: البئر أو مما وجد لا مما حفره الناس، في (الكشاف) (3): الجب البئر لم تطو، وأطلق في الحديث على الوادي لكونه مقعرًا كالبئر.

وقوله: (يتعوذ منه جهنم) وفي بعض النسخ: (تتعوذ) بالتاء وهو الأظهر، وفي بعضها:(تعوذ) بحذف التاء، وهو كناية عن غاية قبحه وشناعته، أو المراد حقيقة التعوذ، وقد أسند إلى جهنم القول والتغيظ والشكاية، واللَّه تعالى قادر على كل شيء.

وقوله: (ومن يدخلها) الضمير للوادي باعتبار المعنى، وفي (تتعوذ منه) باعتبار اللفظ، وقد يجيء الواو في أول الكلام من غير عطف على شيء، أو هو عطف على مقدر، أي: ذلك شيء عظيم، فمن يستحقها ومن يدخلها.

وقوله: (يزورون الأمراء) أي: لأجل دنياهم طمعًا لا للأمر بالمعروف أو دفعًا

(1) هو عبد الرحمن بن محمد بن زياد أبو محمد الكوفي، أحد رواة الحديث، كما في "سنن ابن ماجه"(256).

(2)

"القاموس"(ص: 74).

(3)

"الكشاف"(3/ 147).

ص: 612

276 -

[79] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى مِنَ الإِسْلَامِ إِلَّا اسْمُهُ، وَلَا يَبْقَى مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ، مَسَاجِدُهُم عَامِرَةٌ وَهِيَ خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى، عُلَمَاؤُهُمْ شَرُّ مَنْ تَحْتَ أَدِيم السَّمَاءِ، مِنْ عِنْدِهِمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَة وَفِيهِمْ تَعُودُ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: 1763].

ــ

لشرهم، أعاذنا اللَّه.

276 -

[79](علي) قوله: (أن يأتي على الناس) أتى بعلى إفادة لمعنى التضرر ولمعنى الاستعلاء والغلبة بأن يأتي الزمان عليهم من غير اختيارهم، بل من جهة فساد العلماء والأمراء وأسباب أخر، وفي هذا مبالغة في بيان فساده.

وقوله: (إلا رسمه) الرسم: الأثر أو بقية الأثر، والمراد برسم القرآن تجويد حروفه وإتقان ألفاظه من غير تفكر في معانيه والعمل بمقتضاه.

وقوله: (مساجدهم عامرة) يجتمعون فيها ولكن لا للعبادة والذكر وتدريس العلوم لوجه اللَّه، فهي خراب من الهدى، وخال عنه لعدم وجوده بعدم وجود الهادي، والخراب ضد العمران اسم جنس أو جمع، والأديم من السماء والأرض ما ظهر.

وقوله: (من عندهم تخرج الفتنة) بإعانة الظلمة.

وقوله: (وفيهم تعود) بتسليط اللَّه إياهم عليهم، والعود يتعدى بـ (إلى)، والعدول إلى (في) لإفادة معنى التمكن والاستقرار، أي: يعود ويرجع ضررها إليهم متمكنًا ومستقرًا فيهم، ولقد رأينا هذا في زماننا، وإلى اللَّه المشتكى وبه المستغاث، وهو المستعان وعليه التكلان.

ص: 613

277 -

[80] وَعَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا فَقَالَ: "ذَاكَ عِنْدَ أَوَانِ ذَهَابِ الْعِلْمِ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ، وَنَحْنُ نَقْرَأ الْقُرْآنَ وَنُقْرِئُهُ أَبْنَاءَنَا، وَيُقْرِئُهُ أَبْنَاؤُنَا أَبْنَاءَهُم إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ:"ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ زِيَادُ إِنْ كُنْتُ لأُرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ، أَوَلَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ لَا يَعْمَلُونَ بِشَيْءٍ مِمَّا فِيهِمَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنهُ نَحوه. [حم: 4/ 160، 218، جه: 4048، ت: 2653].

278 -

[81] وَكَذَا الدَّارمِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ. [دي: 1/ 77].

279 -

[82] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ، تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ، تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ، فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ،

ــ

277، 278 - [80 - 81](زياد بن لبيد، وأبو أمامة) قوله: (شيئًا) أي: شيئًا عظيمًا من الفتن.

وقوله: (إن كنت لأراك من أفقه رجل) إن مخففة من المثقلة وعلامته اللام و (كنت)، و (أراك) بضم الهمزة بمعنى أظن، و (من) زائدة، ويجوز أن يكون تبعيضية، و (رجل) بمعنى رجال.

279 -

[82](ابن مسعود) قوله: (تعلموا الفرائض) أي: الأحكام المفروضة أو أنصباء المواريث.

وقوله: (إني امرؤ مقبوض) أي: متوفى لكوني بشرًا، أو لانقضاء الحاجة بتمام

ص: 614

وَالْعِلْمُ سَيَنْقَبِضُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ حَتَّى يَخْتَلِفَ اثْنَانِ فِي فَرِيضَةٍ لَا يَجدَانِ أَحَدًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ. [دي: 1/ 72 - 73، قط: 4/ 134].

280 -

[83] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ عِلْمٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ كَمَثَلِ كَنْزٍ لَا يُنْفَقُ مِنْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارمِيُّ. [حم: 2/ 499، دي: 1/ 134].

ــ

أمر الدين، و (سينقبض) في بعض النسخ من الانقباض (1)، وفي بعضها من الانتقاص، والأول أقوى رواية وأنسب معنى بالسياق.

وقوله: (في فريضة) فضلًا عن سنة ونفل.

280 -

[83](أبو هريرة) قوله: (مثل علم لا ينتفع) بصيغة المجهول بدلالة تشبيهه بالكنز، والكنز الذي لا ينفق في حكم العدم، كذلك العلم الذي لا يعلم ولا يعمل به وإن كان كمالًا في نفسه، وزيادة قوله:(في سبيل اللَّه) لمناسبة تشبيه العلم، أو لأن إنفاق المال إنما يكون معتبرًا إذا كان في سبيل اللَّه، فافهم.

تم (كتاب العلم) بعون اللَّه وتوفيقه ويتلوه: (كتاب الطهارة).

تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني إن شاء اللَّه تعالى، وأوله:(كتاب الطهارة).

وصلى اللَّه تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وبارك وسلم تسليمًا كثيرًا.

* * *

(1) كذا في الأصول، والظاهر: و"سينقبض" من الانقباض، وفي بعض النسخ:"سيقبض" مجهول مجرد. انظر: "مرقاة المفاتيح"(2/ 199).

ص: 615