المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الفصل الأول: - لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح - جـ ١

[عبد الحق الدهلوي]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمات

- ‌تقديم بقلم: أ. د. عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ المُحْسِنِ التُّرْكِيِّ (الأمِيْنِ العَامِّ لِرَابِطَةِ العَالَمِ الإسْلَامِيِّ)

- ‌تَقْدِيْمٌ بِقَلَمِ: سَمَاحَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الرَّابِعِ الحَسَنِيِّ النَّدْوِيِّ رَئِيْسِ نَدْوَةِ العُلَمَاءِ بِالهِنْدِ

- ‌تَقدِيْمٌ بِقَلَمِ: أ. د. موَفَّقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ القَادِرِ مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ - جَامِعَةُ أُمِّ القُرَى

- ‌تَقْدِيمٌ بِقَلَمِ: فَضِيلَةِ الأُسْتَاذِ المُحَدِّثِ الفَقِيْهِ الشَّيْخِ مُحَمَّد تَقِي العُثْمَانِيِّ شَيْخِ الحَدِيثِ بِجَامِعَةِ دَارِ العُلُومِ كراتشي في باكستان

- ‌مُقَدِّمَةُ المُحَقّقْ

- ‌عَمَلي في هَذا الكِتَاب

- ‌تَرْجَمَةُ الإمَامِ المُحَدِّثِ عَبْدِ الحَقِّ البُخَارِيِّ الدِّهْلَوِيِّ

- ‌ كيف دخل الإسلام الهند:

- ‌ علم الحديث في القرن العاشر الهجري:

- ‌ اسمه ولقبه وأسرته ومولده ونشأته:

- ‌ تدريسه قبل سفره إلى الحجاز:

- ‌ ارتحاله لطلب العلم:

- ‌ ارتحاله إلى الحرمين الشريفين:

- ‌ عودة الشيخ المحدث من الحجاز إلى الهند:

- ‌ منهج الشيخ المحدث في الدعوة في هذه الظروف:

- ‌ شيوخه:

- ‌ اختيار الشيخ المحدث إسنادًا خاصًّا لرواية الحديث:

- ‌ اعتراف شيوخه برسوخه في العلم:

- ‌ الفرق بين منهج المحدث عبد الحق الدهلوي وبين منهج الإمام ولي اللَّه الدهلوي:

- ‌ وصايا الشيخ عبد الوهاب للشيخ المحدث:

- ‌ وصايا الشيخ أبي المعالي للشيخ المحدث:

- ‌ استكمال التربية والسلوك من الشيخ الكبير عبد الباقي النقشبندي المعروف بخواجه باقي باللَّه:

- ‌ الشيخ المحدث وعلاقته بالربانية:

- ‌ البركة في أعمال الشيخ المحدث:

- ‌ الشيخ المحدث بين التصنيف والتأليف:

- ‌ الشيخ المحدث ومآثره:

- ‌ علاقة الشيخ المحدث مع الإمام السرهندي:

- ‌ ثناء العلماء عليه:

- ‌ تلاميذه:

- ‌ خلفه:

- ‌ وفاته:

- ‌ وصول إسناده إلى الحرمين الشريفين:

- ‌ مؤلفاته

- ‌ أشعة اللمعات في شرح المشكاة:

- ‌ لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح:

- ‌ مصابيح السنة:

- ‌تَرْجَمَةُ صَاحِبِ المِشْكَاةِ

- ‌ مشكاة المصابيح:

- ‌ عدد أحاديثه:

- ‌ وصف النسخ المخطوطة:

- ‌ النسخة الأولى:

- ‌ النسخة الثانية:

- ‌ النسخة الثالثة:

- ‌ النسخة الرابعة:

- ‌ النسخة الخامسة:

- ‌ النسخة السادسة:

- ‌صور المخطوطات

- ‌مُقَدِّمَةُ اللّمَعَات

- ‌مُقَدِّمَةٌ فِي بَيَانِ بَعْضِ مُصْطَلَحَاتِ عِلْمِ الحدِيثِ مِمَّا يَكْفِيْ فِي شَرْحِ الكِتَابِ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيْلٍ وإِطْنَابٍ

- ‌[تَعْرِيف الحَدِيث]:

- ‌[الْمَرْفُوع]:

- ‌[الْمَوْقُوف]:

- ‌[الْمَقْطُوع]:

- ‌[الحَدِيث والأثر]:

- ‌[الْخَبَر والحَدِيث]:

- ‌[الرّفْع قِسْمَانِ صَرِيح وحكمي]:

- ‌[القولي الصَّرِيح]:

- ‌[الفِعْلِيّ الصَّرِيح]:

- ‌[التقريري الصَّرِيح]:

- ‌[القولي الْحكمِي]:

- ‌[الْفعْلِيّ الْحكمِي]:

- ‌[التقريري الْحكمِي]:

- ‌فصل

- ‌[السَّنَد]:

- ‌[الإِسْنَاد]:

- ‌ المتن

- ‌[الْمُتَّصِل]:

- ‌[الْمُنْقَطع]:

- ‌[الْمُعَلق]:

- ‌[تعليقات البُخَارِيّ]:

- ‌[حكم التَّعْلِيق بِصِيغَة الْمَعْلُوم والمجهول]:

- ‌[الْمُرْسل]:

- ‌[حكم الْمُرْسل]:

- ‌[المعضل]:

- ‌[الْمُنْقَطع]:

- ‌[طَرِيق معرفَة الانْقِطَاع]:

- ‌[المدلس]:

- ‌[تَعْرِيف التَّدْلِيس اصْطِلاحًا]:

- ‌[تَعْرِيف التَّدْلِيس لُغَة]:

- ‌[وَجه التَّسْمِيَة بِهِ]:

- ‌[حكم المدلِّس]:

- ‌[حكم التَّدْلِيس]:

- ‌[حكم رِوَايَة المدلس]:

- ‌[أَسبَاب التَّدْلِيس]:

- ‌[تَدْلِيس الأكابر]:

- ‌[المضطرب]:

- ‌[حكم المضطرب من الرِّوَايَات]:

- ‌[المدرج]:

- ‌ تَنْبِيه:

- ‌[الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى]:

- ‌[رِوَايَة اللَّفْظ أولى]:

- ‌[العنعنة]:

- ‌[المعنعَن]:

- ‌[شُرُوط العنعنة]:

- ‌[الْمسند]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌المنكر

- ‌[الشاذ لُغَة]:

- ‌[الشاذ اصْطِلَاحًا]:

- ‌[الْمَعْرُوف]:

- ‌[حكم الْمَعْرُوف وَالْمُنكر والشاذ وَالْمَحْفُوظ]:

- ‌[تَعْرِيف آخر للشاذ]:

- ‌[تَعْرِيف ثَالِث للشاذ]:

- ‌[الْمُعَلل]:

- ‌[المتابع]:

- ‌[فَائِدَة الْمُتَابَعَة]:

- ‌[دَرَجَات الْمُتَابَعَة]:

- ‌[مَتى يسْتَعْمل "مثله" و"نحوه

- ‌[شَرط الْمُتَابَعَة]:

- ‌[الشَّاهِد]:

- ‌[تَعْرِيف آخر للمتابع وَالشَّاهِد]:

- ‌[الاعْتِبَار]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌الصحيح

- ‌[الصَّحِيح لذاته]:

- ‌[الصَّحِيح لغيره]:

- ‌[الْحسن لذاته]:

- ‌[الضَّعِيف]:

- ‌[الْحسن لغيره]:

- ‌[النُّقْصَان المُعْتَبر فِي الْحسن]:

- ‌[الْعَدَالَة]:

- ‌ التقوى

- ‌المروءة

- ‌[عدل الرِّوَايَة أَعم من عدل الشَّهَادَة]:

- ‌[الضَّبْط]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[وُجُوه الطعْن الْمُتَعَلّقَة بِالْعَدَالَةِ]:

- ‌[1 - الْكَذِب]:

- ‌[الْمَوْضُوع]:

- ‌[حكم متعمد الْكَذِب]:

- ‌[المُرَاد بالموضوع]:

- ‌[مَسْأَلَة الحكم بِالْوَضْعِ ظنية]:

- ‌[2 - اتهام الرَّاوِي بِالْكَذِبِ]:

- ‌[الْمَتْرُوك]:

- ‌[حكم الْمُتَّهم بِالْكَذِبِ]:

- ‌[حكم من يكذب نَادرًا]:

- ‌[3 - الْفسق]:

- ‌[4 - جَهَالَة الرَّاوِي]:

- ‌[حكم الْمُبْهم]:

- ‌[5 - الْبِدْعَة]:

- ‌[حكم حَدِيث المبتدع]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[وُجُوه الطعْن الْمُتَعَلّقَة بالضبط]:

- ‌[1 - و 2 - فرط الْغَفْلَة وَكَثْرَة الْغَلَط]:

- ‌[3 - مُخَالفَة الثِّقَات]:

- ‌[4 - الْوَهم]:

- ‌[غموض علم الْعلَّة ودقته]:

- ‌[5 - سوء الْحِفْظ]:

- ‌[حكم سيئ الحِفْظ]:

- ‌[الْمُخْتَلِط]:

- ‌[حكم الْمُخْتَلط]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[الْغَرِيب]:

- ‌[الْعَزِيز]:

- ‌[الْمَشْهُور]:

- ‌[الْمُتَوَاتر]:

- ‌[الْفَرد]:

- ‌[الْفَرد النسبي]:

- ‌[الْفَرد الْمُطلق]:

- ‌[المُرَاد بِكَوْن الرَّاوِي اثْنَيْنِ أَو أَكثر]:

- ‌[لَا تنَافِي بَين الغرابة وَالصِّحَّة]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[الضَّعِيف]:

- ‌[مَرَاتِب الصَّحِيح وَالْحسن]:

- ‌[أصح الأَسَانِيد]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[اصْطِلَاحَات التِّرْمِذِيّ]:

- ‌[إِشْكَال اجْتِمَاع الغرابة وَالْحسن]:

- ‌[جَوَاب الإِشْكَال]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[الاحْتِجَاج بِالصَّحِيحِ وَالْحسن]:

- ‌[الاحْتِجَاج بالضعيف]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[صَحِيح البُخَارِيّ أَعلَى الصِّحَاح]:

- ‌[وَجه تَرْجِيح صَحِيح مُسلم عِنْد بعض المغاربة]:

- ‌[الْمُتَّفق عَلَيْهِ]:

- ‌[عدد الأَحَادِيث الْمُتَّفق عَلَيهَا]:

- ‌[دَرَجَات الصِّحَاح]:

- ‌[معنى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[البُخَارِيّ وَمُسلم لم يستوعبا الصِّحَاح]:

- ‌[مُسْتَدْرك الْحَاكِم]:

- ‌[صَحِيح ابْن خُزَيْمَة]:

- ‌[صَحِيح ابْن حبَان]:

- ‌[صَحِيح الْحَاكِم (الْمُسْتَدْرك)]:

- ‌[المختارة للمقدسي]:

- ‌[صِحَاح أُخْرَى]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[الْكتب السِّتَّة]:

- ‌[أَحَادِيث الْكتب الأَرْبَعَة]:

- ‌[اصْطِلَاح الْبَغَوِيّ]:

- ‌[كتاب الدَّارمِيّ]:

- ‌[مصَادر السُّيُوطِيّ فِي جمع الْجَوَامِع]:

- ‌[جمَاعَة من الأَئِمَّة المتقنين]:

- ‌مُقَدِّمَةُ المِشْكَاةِ

- ‌1 - كتاب الإيمان

- ‌ الفصل الأول:

- ‌ الفصل الثاني:

- ‌ الفصل الثالث:

- ‌1 - باب الكبائر وعلامات النفاق

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّل:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌2 - باب الوسوسة

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌3 - باب الإيمان بالقدر

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌4 - باب إثبات عذاب القبر

- ‌ الْفَصْل الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌5 - باب الاعتصام بالكتاب والسنة

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌(2) كِتَابُ العِلْمِ

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

الفصل: ‌ الفصل الأول:

*‌

‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

140 -

[1] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: 2697، م: 1718].

141 -

[2] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْي هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا،

ــ

قال العبد الضعيف: المناسب لهذا المقام أن يراد بها المعنى الأول كما لا يخفى.

الفصل الأول

140 -

[1](عائشة) قوله: (من أحدث في أمرنا) أي: في ديننا، أي: أحدث شيئًا لم يكن عليه من الكتاب والسنة سند صريحًا أو مستنبطًا، أو لم يحكم بصحته الكتاب، فيشمل الإجماع والقياس، والمراد ما كان مخالفًا مغيرًا لهما.

وقوله: (فهو) أي: من أحدث أو ما حدث مردود.

141 -

[2](جابر) قوله: (قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أما بعد. . . إلخ) كان يقول في الخطبة بعد الحمد والصلاة، قلّما تخلو خطبة منها، وكلمة (أما) قد يجيء لتفصيل ما أجمل، وقد يجيء للاستئناف كما في أول الكلام، ويقال: لقولهم: (أما بعد) فصل الخطاب، ويقال: إنه المراد بقوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} ، وقد سبق الكلام فيه في شرح خطبة الكتاب.

(والهدْي) الطريقة والسيرة، ويستعمل في السيرة الحسنة والطريقة المرضية، واللام للاستغراق. (وشر الأمور) روي منصوبًا، وقد يروى وهو الأكثر مرفوعًا على الابتداء.

ص: 445

وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 867].

142 -

[3] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَبْغَضُ النَّاسِ. . . . .

ــ

وقوله: (وكل بدعة ضلالة) قال القاضي عياض (1): كل ما أحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم فهو بدعة، والبدعة فعل ما لم يسبق إليه، فما وافق أصلًا من السنة يقاس عليها فهو محمود، وما خالف أصول السنن فهو ضلالة، ومنه:(كل بدعة ضلالة)، انتهى. يعني أن قوله:(كل بدعة ضلالة) عام مخصوص البعض.

وقد قسموا البدعة: بدعة هدى وبدعة ضلالة، فمن الأول ما كان تحت عموم ما ندب الشارع إليه، وحض عليه، فلا يذم لوعد الأجر عليه لحديث:(من سن سنة حسنة)، وفي ضده:(من بن سنة سيئة)، ومن الثاني ما كان بخلاف ما أمر به فيذم وينكر عليه، وما فعله الخلفاء الراشدون فهو أيضًا بدعة حسنة، بل في الحقيقة سنة لقوله صلى الله عليه وسلم:(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، و (اقتدوا باللذين من بعدي؛ أبي بكر وعمر).

وقسموها إلى ما هو واجب كعلم النحو، وحفظ غريب الكتاب والسنة، وسائر ما يتوقف عليه حفظ الدين، ومندوب كبناء الربط والمدارس، ومكروه كزخرفة المساجد وترويق المصحف على قول البعض، ومباح كالتبسط في أنواع الأطعمة والمباحات التي لم يكن في عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ومحرم كمذاهب سائر أهل البدع والأهواء مما يخالف السنة ويغيرها، والبدعة أكثر ما يستعمل عرفًا في مقام الذم والتهجين، فتدبر.

142 -

[3](ابن عباس) قوله: (أبغض الناس) أي: من المسلمين إذ ليسوا أبغض الناس كلهم حتى الكفار، وإنما كانوا أبغض لأنهم زادوا على أصل الذنب،

(1)"مشارق الأنوار"(1/ 126).

ص: 446

إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبٍ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقِّ لِيُهْرِيقَ دَمَهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 6882].

ــ

وهو مخالفة النهي قبحًا آخر، فيكون النهي أشد، وهو مبالغة في التغليظ، والإلحاد في اللغة الميل، وقد غلب في الميل عن الحق، والمراد بالإلحاد في الحرم ارتكاب ما نهى عنه فيه من الجناية بل المعصية مطلقًا، فإن ارتكاب الذنب في الحرم أشد بل يضاعف على مذهب ابن عباس، ولهذا كان مذهبه كراهة الإقامة بمكة، ففي الإلحاد في الحرم ارتكاب مع زيادة هتك حرمته.

وقوله: (ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية) أي: طريقها التي من شعارها مثل النياحة وضرب الخدود وشق الجيوب والتطير، وأمثال ذلك، وهي منهي عنها، ففيه ارتكاب المنهي عنه مع قبح فعل ما هو من عادة الجاهلية من المسلم، وهي زائدة، والنهي عنه أشد من هذه الحيثية.

وقوله: (ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه) الذنب ههنا القتل، والزيادة قصد الإهراق، أي: قتل لمجرد غرض إهراق الدم لا لغرض من الأغراض، وقتل النفس قبيح وإن كان لغرض، لكن ارتكابه لمجرد إهراق الدم المذموم بالذات أقبح، كأنه قصد محض ما نهي عنه وذاته، فافهم. أو يقال: القتل بغير حق مذموم لكونه ظلمًا، وكونه ظلمًا خاصًّا متضمنًا هدم بُنيان الرب زيادة على مطلق الظلم، ثم الظاهر من الابتغاء والطلب المذكورين ارتكاب القتل، وإن حمل على الظاهر يكون فيه مبالغة من جهة أنه إذا ترتب على الطلب والتمني فكيف بالمباشرة.

وقوله: (ليهريق دمه)، أي: ليريقه من الإراقة بمعنى الصب، وقد سبق تحقيق هذه اللفظة في آخر الفصل الثالث من (كتاب الإيمان) من حديث عمرو بن عبسة [برقم: 46]، فلا نعيده.

ص: 447

143 -

[4] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى". قِيلَ: وَمَنْ أَبَى؟ قَالَ: "مَن أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 7280].

144 -

[5] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ نَائِم، فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا فَاضْوِبُوا لَهُ مَثَلًا، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ،

ــ

143 -

[4](أبو هريرة) قوله: (كل أمتي) الظاهر أن المراد أمة الإجابة كما يدل عليه سياق الحديث، والمراد من أطاعني وتمسك بالكتاب والسنة دخل الجنة، ومن ابتدع واتبع هواه دخل النار، فالمراد بالمعصية ههنا البدعة، والمعصية وإن كانت بدعة بمعنى ما لم يكن في الدين لكن أكثر ما تطلق البدعة في عرف الشرع ما يكون في الاعتقاد أو في العمل أيضًا بشرط أن تكون هادمة لقاعدة مقررة مشهورة من الشرع، فلا تطلق على مطلق المعصية، ولا يقال لكل عاص: إنه مبتدع، فتدبر.

144 -

[5](جابر) قوله: (قال) أي: جابر حاكيًا عما سمعها عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

وقوله: (إن لصاحبكم هذا مثلًا) المراد لصاحبكم هو الرسول صلى الله عليه وسلم، والإشارة بهذا لكمال تميز ذاته الشريفة المتعينة المتميزة في الفضل والكمال، والمثل يجيء بمعنى الحال والصفة العجيبة الشأن.

وقوله: (فاضربوا له مثلًا) أي: اذكروا وبينوا له تلك الصفة العجيبة ليعرفها ويخبر بها أمته، كقوله تعالى:{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 45]، وقد يجيء اضرب متعديًا إلى مفعولين بتضمين معنى الجعل كقوله تعالى:{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ} [يس: 13].

وقوله: (قال بعضهم) أي: بعض الملائكة كيف نضرب له مثلًا، وهو لا يسمع

ص: 448

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نائِمَةٌ، وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ، وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهْهَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ، وَالْقلبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: الدَّارُ الْجَنَّةُ، وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ، فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه، وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمُحَمَّدٌ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 7281].

ــ

فإنه نائم، وقال بعضهم: إن تأثير نومه إنما هو في تعطل عينيه الشريفة عن إدراكها، وأما علمه بالقلب فباقٍ فيسمعه، كما جاء في الحديث:(تنام عيناي ولا ينام قلبي).

وقوله: (مثله كمثل رجل) هذا من التشبيه التمثيلي الذي هو تشبيهه هيئة منتزعة من مجموع بأخرى مثلها، كقوله:{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ} الآية [الكهف: 45]، كما حقق في علم البيان، إذ ليس المراد تشبيه صلى الله عليه وسلم برجل بل بداعي رجل كما يظهر من بيان التشبيه، و (المأدبة) طعام يدعى إليه الناس، ومنه حديث: القرآن مأدبة اللَّه، ومنه: إن للَّه مأدبة من لحوم الروم أي: تقتلون فتأكل من لحومهم السباع، والمشهور فيه ضم الدال ويجوز الفتح.

وقوله: (أولوها له) أي: فسروا هذه الحكاية والقصة العجيبة لصاحبكم، من آل الأمر إلى كذا أي: رجع إليه، ومنه قوله تعالى:{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7]، أي ما يرجع إليه من حقيقة معناه المراد يقينًا، وليس المراد التأويل بمعنى الصرف عن الظاهر، و (يفقهها) بالجزم ويجوز الرفع، و (فرق) روى صيغة الفعل من التفريق، وبلفظ المصدر نحو رجل عدل، والمراد أن صلى الله عليه وسلم يفرق ويميز بين المؤمنين والكافرين

ص: 449

145 -

[6] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا أُخْبِرُوا بِهَا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ أَحُدُهُمْ: . . . . .

ــ

بتصديقه وتكذيبه، ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة (فارقْ لِيطا) أي: يفرق بين الحق والباطل، كذا في (النهاية)(1).

145 -

[6](أنس) قوله: (جاء ثلاثه رهط) في (القاموس)(2): الرهط ويحرك: [قوم] الرجل، وقبيلته، ومن ثلاثة أو سبعة إلى عشرة، أو ما دون العشرة وما فيهم امرأة، لا واحد له من لفظه، والجمع أرهط وأراهط وأرهاط وأراهيط، ولا يتوهم أن الرهط إذا كان بمعنى القوم يكون المعنى ثلاثة أقوام؛ لأن المعنى ثلاثة رجال هم رهط، وإنما وقع تمييز ثلاثة لأنه في معنى الجمع، فافهم. وقال التُّورِبِشْتِي (3): قد وجدت في تعليقات أصحاب الحديث أن الرهط الثلاثة علي وعثمان بن مظعون وعبد اللَّه بن رواحة رضي الله عنهم، ولا أحققه رواية، وفي بعض الحواشي المقداد بدل عبد اللَّه ابن رواحة.

و(تقالوا) تفاعل من القلة، وقال التُّورِبِشْتِي: لم أجد هذا البناء بصيغته في شيء من كتب اللغة، وهو وارد في هذا الحديث، كان الرجل يتقالها أي: يستقلها هذا، وقد ذكر في (القاموس) (4): تقال الشيء واستقله: عدّه قليلًا، وذلك لاعتقادهم

(1)"النهاية"(3/ 439).

(2)

"القاموس المحيط"(ص: 615).

(3)

"كتاب الميسر"(1/ 78).

(4)

"القاموس المحيط"(ص: 945).

ص: 450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

أن وظائف عبادته صلى الله عليه وسلم تكون كثيرة لأنه أعبد الناس، ولم يتأنقوا النظر في الحال، أو قليله أكثر من كل كثير لكمال معرفته، وكمال قوة حضوره، وتمام إحسانه في العبادة، وذلك لوفور رحمته على الأمة وشفقته عليها، وأن فيه تعليم رعاية حقوق النفس والأهل والعيال، والاستقامة في رعاية الاعتدال، وإدامة العمل، والتكثير في العمل، والإفراط فيه ربما يفضي إلى العجب والفتور، ولقد أحسنوا في رعاية الأدب معه صلى الله عليه وسلم حيث لم ينسبوه إلى التقصير فقالوا: إنه معصوم فيسعه أن يقلل في العبادة، وأما نحن فمحتاجون إلى مغفرة الذنوب، وقد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

وفيه وجوه كثيرة ذكرها السيوطي في رسالة مفردة، وأحسن الوجوه وأصوبها أنها كلمة تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم من ربه غير أن يكون هناك ذنب، وأراد أن يستوعب في الآية على عبده جميع أنواع النعم الأخروية والدنيوية، والنعم الأخروية شيئان: سلبية وهي غفران الذنوب، وثبوتية وهي لا تتناهى، أشار إليها بقوله:{وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} [الفتح: 2]، والنعم الدنيوية شيئان: دينية أشار إليها بقوله: {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [الفتح: 2]، ودنيوية، وإن كانت ههنا المقصود بها الدين، وهي قوله تعالى:{وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} [الفتح: 3]، فانتظم بذلك قدر النبي صلى الله عليه وسلم بإتمام أنواع نعم اللَّه تعالى عليه المعرفة على غيره، ولهذا جعل غاية الفتح المبين الذي عظمه بإسناده إليه بنون التعظيم وجعله خاصًا بالنبي صلى الله عليه وسلم، انتهى.

وملخصه: إن هذه كلمة تشريف يشرف السيد عبده من غير أن يكون له ذنب يسنده إليه، فيقول: قد غفرت لك فما عليك مؤاخذة عندي، فكن مجموع الهم خليع العذار في خدمتي ومحبتي، فافهم، وباللَّه التوفيق.

ص: 451

أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ الآخَرُ: أَنَا أَصُومُ النَّهَارَ أَبَدًا وَلَا أفْطِرُ، وَقَالَ الآخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ فَقَالَ: "أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ للَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ،

ــ

وقوله: (أما أنا فأصلي) قد سبق (1) أن (أما) قد يجيء في أول الكلام للاستئناف فلا حاجة ههنا إلى تقدير شيء، ويجوز أن يجعل هنا للتفصيل فيقدر أما رسول اللَّه فلا حاجة له إلى الاستكثار لكونه مغفورًا، وأما أنا فلست مثله فلابد لي من الاستكثار، والظاهر عدم تقدير المعطوف عليه لعدم الواو.

وقوله: (فأصلي) أي: عهدت أن أصلي الليل كله أبدًا، أي: مدة عمري، أو يكون (أبدًا) بمعنى استيعاب أجزاء الليل فيكون في معنى كله.

وقوله: (أنا أعتزل النساء) فلا أتزوج كأنه لم يكن لذلك الرجل امرأة، فيكون المعنى: أنا أقصد اعتزال النساء فلا أنكح بعد أبدًا، وإن كانت له امرأة فالمعنى: أطلقهن فلا أتزوج بعده، فافهم.

وقوله: (أنتم الذين) بحذف همزة الاستفهام الإنكاري.

وقوله: (أما واللَّه إني لأخشاكم) أكد الحكم بكونه أخشى غاية تأكيد بأنواع مؤكدات، وهي: حرف التنبيه، لئلا يغفل السامع عن سماعه، والقسم وإن واللام والجملة الاسمية، (للَّه) إنما زيدت اللام لأن أفضل التفضيل لا يعمل في المفعول به بلا واسطة وإلا فخشي متعد بنفسه.

وقوله: (لكني أصوم وأفطر) يعني وإن كان يرى في الظاهر أن الكمال في

(1) في شرح خطبة الكتاب، وتحت حديث (140).

ص: 452

فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 5063، م: 1401].

146 -

[7] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ،

ــ

الخشية والتقوى يقتضي الإفراط في الرياضة والمجاهدة، لكن الأمر ليس في الحقيقة كذلك؛ لأن الكمال إنما هو في التوسط والاعتدال، أو لأن الرحمة والشفقة على الأمة يقتضي ذلك.

وقوله: (فليس مني) أي: ليس ذلك الشخص من أمتي أو ليس فعله ذلك من سنتي.

146 -

[7](عائشة) قوله: (صنع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شيئًا) في (القاموس)(1): صنع الشيء صنْعًا بالضم والفتح: عَمِله، (فرخص) الترخيص في اللغة عدم الاستقصاء، فالمعنى: عمل عملًا لم يستقص فيه بل تساهل أو رخص للأمة، وذلك لفعله ذلك العمل أو بالتصريح بذلك بعده، فافهم.

وقوله: (فتنزه عنه قوم) التنزه: التباعد، ومنه: مكان نَزِهٌ أي: متباعد من المكروه، وفي (الصراح) (2): نزهت بالضم دوري أز ناخوشي وبزمانى، وأصله من البعد، قال ابن السكيت: ومما يصنعه الناس في غير موضعه قولهم: خرجنا متنزهًا في الرياض، وإنما التنزه التباعد من المياه والأرياف، ويقال: فلان يتنزه عن الأقذار ويُنَزِّه نفسَها عنها، أي: يباعدها عنها، والنزاهة البعد عن السوء، وفلان كريم نزه

(1)"القاموس المحيط"(ص: 682).

(2)

"الصراح"(ص: 539).

ص: 453

فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً". مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 6101، م: 2356].

ــ

بعيد عن اللوم.

وقوله: (إني لأعلمهم باللَّه) يدل على عدم الفرق بين العلم والمعرفة بتخصيص الأول بالكليات، والثاني بالجزئيات، اللهم إلا أن يراد أعلمهم بأحكام اللَّه.

وقوله: (أصنعه) إما حال من الشيء أو صفة له؛ لأن اللام في الشيء للعهد الذهني إذ ليس الشيء المذكور للعهد الخارجي كما قال الطيبي (1)، وإن كان مقتضى إعادة النكرة معرفة ذلك بل المراد أي شيء كان مطلقًا، ولذا قال: أصنعه، ولم يقل: صنعته، وهذا المعنى أجيد وأفيد، فافهم.

وقوله: (وأشدهم له خشية)(2) اعلم أنه قد ذكر في كتب النحو أنه يتوصل في الفعل الذي يمتنع بناء أفعل منه كالمزيد من الثلاثي، والذي من الألوان والعيوب بنحو أشد، وأما أنه لا يتوصل به ولا يورد مثل هذا التركيب في غيره إذا أريد المبالغة فلا، وقد ذكر في قوله تعالى:{فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74] أنه إنما لم يقل: أقسى لما في (أشد) من المبالغة والدلالة على اشتداد القسوتين واشتمال المشبه على زيادة كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة، فمن قال: القياس أخشاهم؛ لأن التوصل بأشد إنما يكون في الفعل الممتنع بناء أفعل منه لم يأت بشيء.

(1)"شرح الطيبي"(1/ 303).

(2)

إِشَارَةٌ إِلَى الْقُوَّةِ الْعَمَلِيَّةِ، وَقَدَّمَ الْعِلْمَ عَلَى الْخَشْيَةِ لأَنَّهَا نَتِيجَتُهُ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا أَبْلَغُ مِنْ أَخْشَاهُمْ عَلَى الأَصْلِ فَإِنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ وَجُعِلَ أَشَدَّ، ثُمَّ فُسِّرَ بِخَشْيَةٍ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الأَشَدَّ نَفْسَهُ خَشْيَةٌ. "مرقاة المفاتيح"(1/ 229)، وقوله:"أعلمهم باللَّه" إشارة إلى القوة العلمية. "مرعاة المفاتيح"(1/ 242).

ص: 454

147 -

[8] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ وَهُمْ يُؤبِّرُونَ النَّخْلَ، فَقَالَ:"مَا تَصْنَعُونَ؟ ". . . . .

ــ

147 -

[8](رافع بن خديج) قوله: (وهم) أي: أهل المدينة (يؤبرون) في (القاموس)(1): أَبَرَ النخلَ والزرعَ، يأبُره ويأبِره، أَبْرًا وإِبَارًا وإبارَةً: أصلحه، كأَبّره، وفي (الصحاح) (2): أبر نخله وأبّره بالتشديد أي لقحه وأصلحه، ومنه سِكَّةٌ مأبورة، وتَأَبَّر النخيل: إذا قَبِلَ الإبار، وأتبرتُ منه: إذا سألته أن يأبُرَ النخل ويصلحه.

وفي (النهاية)(3): السكة: الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة: الملقحة، أبرت النخلة إبارًا أو تأبيرًا مشددًا ومخففًا، وقال النووي (4): يأبرون بكسر الباء وضمها بمعنى إدخال شيء من طلع الذكر في طلع الأنثى فيعلق بإذن اللَّه (5)، انتهى. وظهر مما نقلنا أن يأبر يجيء من المجرد من باب ضرب ونصر، ومن المزيد من باب التفعيل، والمصحح في النسخ بالتشديد من التفعيل.

وقال القاضي عياض في (مشارق الأنوار)(6): قوله: ويأبِرون النخل بضم الباء وكسرها مخففة، ونخل قد أبرت، وأَبَرَ نخلًا أي: يلقّحونها ويذكرونها، وقد جاء

(1)"القاموس المحيط"(ص: 321).

(2)

انظر: "الصحاح"(1/ 1).

(3)

"النهاية"(1/ 13).

(4)

"شرح صحيح مسلم"(15/ 117).

(5)

قال القاري: النَّخْلَةُ خُلِقَتْ مِنْ فَضْلَةِ طِينَةِ آدَمَ عَلَى مَا وَرَدَ، فَلَابُدَّ عَادَةَ فِي صَلَاحِ نَتَاجِهَا مِنِ اجْتِمَاعِ طَلْعِ الذَّكَرِ مَعَ طَلْعِ الأُنْثَى، كَمَا أَنَّهُ لَابُدَّ عَادَةً فِي تَخَلُّقِ ابْنِ آدَمَ مِنِ اجْتِمَاعِ مَنِيِّ الذَّكَرِ وَالأُنْثَى. "مرقاة المفاتيح"(1/ 230).

(6)

"مشارق الأنوار"(1/ 23).

ص: 455

قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ، قَالَ:"لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا" فَتَرَكُوهُ فَنَقَصَتْ، قَالَ: فَذَكرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ؛ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيي فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 2362].

148 -

[9] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا، فَقَالَ: يَا قَوْمِ! إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ،

ــ

مفسرًا بذلك في الحديث.

وقوله: (قالوا: كنا نصنعه) أي: من قبل قدومك، وهو عادتنا، وله فائدة ما، فإنه إذا لم نصنع ذلك نقصت، ولكنهم لم ينسبوا الفائدة تأدّبًا اكتفاءً في الجواب.

وقوله: (قال) صلى الله عليه وسلم: (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا) قال ذلك برأي منه من غير أن يوحى إليه في ذلك شيء، فإنه رأى أمرًا من أمور الجاهلية غير معقول تأثيره في الزيادة والنقصان من غير نظر إلى أن له خاصية بجريان العادة، ولذا لم يمنعهم عن ذلك جزمًا، يعني ليس لي بأمثال هذا من أمور الدنياوية التفات وغرض، إذ ليس مما يتعلق به سعادة الدنيا والآخرة، إنما منعتكم عنه بمقتضى ظاهر رأي، ولعلي أخطئ فيها بمقتضى البشرية، وإنما المهتم من شأني بيان الأمور المتعلقة بالدين، فإذا أمرتكم بشيء منها فخذوه واعملوا به، وأما إذا أوحي إلي في شيء فيجب العمل، فافهم.

148 -

[9](أبو موسى) قوله: (وإني أنا النذير العريان) وهو مثل سائر بين العرب قبل البعث، وإنما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم ضربًا للمثل لإفهامهم بَيِّنًا لكونه مشهورًا بينهم، وإنما خص النذير بالعريان مبالغة في الأنذار وحجة على صدق قوله؛ لأنه

ص: 456

فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا،

ــ

أبين للعين، وأغرب وأشنع عند المبصر، وذلك أن ربيئة القوم وعَيْنَهم يكون على مكانٍ عالٍ، فإذا رأى العَدُوَّ نزع ثوبه وألاح به لينذر قومه ويبقى عريانًا، قيل: كان عادتهم إذا رأوا الغارة يتعرى من ثيابه واحد منهم ويأخذ ثوبه يرفعه يديره حول رأسه إعلامًا بالغارة من بعيد، وروي بموحدة بدل مثناة بمعنى المُعرِب الفصيح أي: أنا النذير الفصيح بالإنذار لا يواري ولا يكني، فالمراد بالنذير العريان كل منذر بهذه الصفة.

وقوله: (فالنجاء النجاء) بالمد والقصر مصدر نجا ينجو: إذا أسرح، ونجاه من الأمر: إذا أخلص، ونصبه على الإغراء، ويجوز أن يكون على المصدر أي: انجوا النجاء، في (القاموس) (1): النجاء النجاء، ويقصران أي: أسرِع أسرِع، وقال القاضي عياض (2): أنا النذير، فالنجا مقصور مفتوح النون، كذا جاء في الحديث، يعني التخلص، وكذلك النجاة بالتاء، ويقال بالمد أيضًا، حكاهما أبو زيد وابن وَلّاد، والمد أشهر إذا أفردوه، فإذا كرروه فقالوا: النجا النجا، فالوجهان معروفان المد والقصر، قال أبو علي: النجاء السلامة ممدود لأنه مصدره وهو عندي بمعنى سبقت وفُزت، هذا كلامه.

وقوله: (فأدلجوا) بسكون الدال وقطع الهمزة وبوصلها وتشديد الدال، كلاهما روايتان، الأولى أقوى، قال القاضي عياض (3) في حديث:(عليكم بالدلجة): الدلجة

(1)"القاموس المحيط"(ص: 1227).

(2)

"مشارق الأنوار"(2/ 8).

(3)

"مشارق الأنوار"(1/ 407).

ص: 457

فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ. . . . .

ــ

بضم الدال وسكون اللام، كذا الرواية، وهي صحيحة، ويقال بفتح الدال وبضمها وبفتح اللام أيضًا، واختلف أرباب اللغة في هذا وفي الإدلاج هل يستعمل ذلك كله في الليل كله وبينهم اختلاف، فقيل: إن ذلك يستعمل في سير الليل كله، وإن الدُّلجة والدَّلجة سواء فيهما، وإنهما لغتان، وأكثرهم يقول: ادَّلج بتشديد الدال: سار آخر الليل، وأدلج بتخفيفها: الليل كله، يقال: ساروا دلجة بفتح الدال سير الليل كله، والادّلاج بتشديد الدال، والدلجة بضم الدال: سير آخره، وقال في (القاموس) (1): الدَّلَج محركة، والدلجة بالضم والفتح: السير من أول اليل، وقد أدلجوا، فإن ساروا من آخره: فادَّلجوا بالتشديد.

وقوله: (فانطلقوا على مهلهم) في (القاموس)(2): المهل يحرك، والمهلة بالضم: السكينة والرفق، ومهله تمهيلًا: أجله، وقال التُّورِبِشْتِي: المهل بالتحريك: التؤدّة والسكون، والإمهال والتمهيل: الإنظار، والاسم المهلة، وقال القاضي عياض (3):(على مهلهم) بفتح الميم والهاء، أي: تؤدتهم من غير استعجال للحوق العدو (4)، وقيل: على تقدمهم، ورواه بعضهم بسكون الهاء، وروى الطيبي (5) عن النووي في كتاب مسلم:(على مهلتهم) بضم الميم وإسكان الهاء وبتاء بعد اللام، واللَّه أعلم.

(1)"القاموس المحيط"(ص: 186).

(2)

"القاموس المحيط"(ص: 977).

(3)

"مشارق الأنوار"(1/ 636).

(4)

كذا في الأصول، وفي "المشارق": أي: على تؤدةٍ وغير استعجال لحفز العدو لهم.

(5)

"شرح الطيبي"(1/ 305).

ص: 458

وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 7283، م: 2283].

149 -

[10] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا، جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا،

ــ

وقوله: (واجتاحهم) أي: استأصلهم، من الجوح وهو الإهلاك والاستئصال كالإجاحة والاجتياح، ومنه الجائحة للشدة المجتاحة للمال، كذا في (القاموس)(1).

149 -

[10](أبو هريرة) قوله: (استوقد) بمعنى أوقد، والأول أبلغ لزيادة البناء ولوجود معنى الطلب.

وقوله: (نارًا) شبه بها الحدود التي هي محارم اللَّه تعالى ونواهيه التي يجب أن يجتنب عنها، وإظهارها بالبيان الواضح البين بإيقاده النار، ونشرها في العالم بإضاءتها.

قوله: (فلما أضاءت ما حولها) أي: حول النار، هذه رواية مسلم، وفي رواية البخاري:(ما حوله) كما في التنزيل، والضمير للمستوقد، ثم الغالب في الاستعمال أن تكون الإضاءة لازمة، ويجوز أن تكون متعدية، فإن جعلت متعدية كان ما حولها مفعولًا، وإن كانت لازمة كان فاعل (أضاءت) ما الموصولة، والتأنيث باعتبار كونها عبارة عن أماكن أو ضمير النار، و (ما حوله) ظرف ويقدر في؛ لأنه لما كان عبارة عن المكان، فكما تقدر في لفظ مكان قدر فيه، وقد يورد عليه أنه إنما يقدر في لفظ مكان لكثرته، ولا كثرة فيما كان بمعناه، ويجاب بأنه لما كان في معناه أعطي حكمه،

(1)"القاموس المحيط"(ص: 211).

ص: 459

وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ، فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ. . . . .

ــ

وإن اختلف كثرة وقلة، وقد يقال في قلة:(ما حوله) بمعنى المكان خفاء، فتدبر.

أو (ما) مزيدة و (حوله) ظرف، ويرد على الوجهين أنه ليست النار حاصلة حول نفسها أو حول المستوقد، وفي أمكنة حولها فكيف تضيء فيها؟ ، وأجيب بأن المراد دوران ضوئها لكنه جعل دوران الضوء بمنزلة دوران النار إسنادًا إلى السبب، والفراش بالفتح: الطير الذي يلقي نفسه في ضوء السراج، واحده فراشة، وقال الشُّمُنِّي: طائر يقع في السراج، وقال النووي (1): وهو ما يطير كالبعوض، وقيل: ما يراه كصغار البق يتهافت في النار.

وقوله: (وجعل) أي: الرجل (يحجزهن) أي: يمنعهن، من حجزه يحجزه حجزًا: منعه وكفّه، (ويغلبنه) أي: يغلب الدواب الرجل فلم يحجزن، (فيتقحمن فيها) أي: يقعن في النار من غير رؤية، من قحم في الأمر قحومًا: رمى نفسه فيه فجأة بلا روَّية، ووجه الشبه الجهل بعاقبة التقحم من الإحراق. (وأنا) في رواية البخاري:(فأنا)(آخذ) يروى بصيغة اسم الفاعل والفعل المضارع، والأول أشهر.

و(بحجزكم) بضم الحاء وفتح الجيم وبزاي: جمع حجزة كغرفة وغرف.

وقال في (القاموس)(2): الحجزة بضم الحاء: معقد الإزار من السراويل موضع التكة. وفي (مجمع البحار): بضم مهملة وسكون جيم (3). والمراد بالأخذ بالحجزة: المنع الشديد؛ لأن الذي يمنع صاحبه عن شيء يتمسك به ليكون المنع أقوى، خصوصًا

(1)"شرح صحيح مسلم"(15/ 50).

(2)

"القاموس المحيط"(ص: 471).

(3)

"مجمع بحار الأنوار"(1/ 447).

ص: 460

عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهَا". هَذِهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهَا وَقَالَ فِي آخِرِهَا: قَالَ: "فَذَلِكَ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، فَتَغْلِبُونِّي تَقَحَّمُونَ فِيهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 6483، م: 2284].

ــ

إذا أخذ بحجزته فإنه يمتنع عما منع منه حذرًا من انحلال عقدة الإزار وبدوِّ السوءة.

وقوله: (عن النار) أي: مانعًا عما يوجب دخول النار.

وقوله: (وأنتم تقحمون) أصله: تتقحمون، فحذفت التاء، وفي بعض النسخ: تقتحمون، والأول أصح رواية وأقوى دراية.

وقوله: (هلم عن النار) أي: قائلًا تعالوا إلي وابعدوا عن النار، وأصل هذه الكلمة على ما ذكر في (القاموس) (1): هَالُمّ مركبة من (ها) التنبيه ومن (لُمَّ) أمر من تلمّ، أي: لمَّ وضم نفسك إلينا، من الإلمام، فاستعملت استعمال البسيطة، يستوي فيه الواحد والجمع والتذكير والتأنيث عند الحجازيين، وتميم تُجريها مجرى رُدَّ، وأهل نجد يصرِّفونها وفيقولون: هلمّا وهلمّوا وهلمِّي وهلمُمْن، وقد توصَلُ باللام فيقال: هلمّ لك، وتُثَقَّل بالنون فيقال: هَلمَّنَّ، وفي المؤنث بكسر الميم، وفي الجمع بضمها، وفي التثنية هلمَّان للمذكر والمؤنث، وللنسوة هلمُمْنانِ، ويقول المجيب: إلام أَهَلُمُّ بفتح الهمزة والهاء وأصله: إلام أَلُمُّ، وتركت الهاء على ما كانت عليه.

وقوله: (فتغلبوني) بتشديد النون إدغامًا لنون الإعراب في نون الوقاية، ويجوز في المضارع مع نون الإعراب الإتيان بنون الوقاية وتركها، فيجوز (تغلبوني) بتخفيف النون لكن الرواية بتشديدها،

(1)"القاموس المحيط"(ص: 1079).

ص: 461

150 -

[11] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ مَا بَعَثنَي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ،

ــ

150 -

[11](أبو موسى) قوله: (من الهدى والعلم) الهدى مصدر بمعنى الهداية، وكأنه أشار إلى العمل، فالكمال منحصر في العلم والعمل بمقتضاه إن كان المقصود منه العمل.

وقوله: (كمثل الغيث الكثير) في تشبيهه بالغيث تلميح خفيٌّ إلى قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا} [الشورى: 28]، وقد كانوا كذلك في الجاهلية وأيام الفترة.

وقوله: (طائفة) بالرفع، أي: قطعة، و (طيبة) صفتها، أي: نظيفة غير خبيثة، والطيب من الأرض ما ينبت، وفي رواية البخاري:(وكانت منها نقية) بدون ذكر لفظ طائفة، ونقية بمعنى طيبة من النقاوة بالنون والقاف.

وقوله: (الكلأ) بالهمزة كجبل: العشب رطبه ويابسه (والعشب)(1) الكلأ الرطب، كذا في (الصحاح)، و (القاموس) (2). وفي (مشارق الأنوار) (3): الكلأ مهموز مقصور، وهو المرعَى والعشب رطبًا كان أو يابسًا عند أكثرهم، وقال ثعلب: الكلأ اليابس.

وفي (مجمع البحار)(4): الكلأ بفتحتين وهمزة مقصورة، وبالجملة الكلأ

(1) العشب والكلأ والحشيش اسم للنبات إلا أن الحشيش اسم لليابس منها.

(2)

"القاموس المحيط"(ص: 120)، و"الصحاح"(1/ 471).

(3)

"مشارق الأنوار"(1/ 551).

(4)

"مجمع بحار الأنوار"(4/ 435).

ص: 462

وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ،

ــ

مهموز سواء كان مخصوصًا باليابس أو أعم، وأما قول الطيبي (1): العشب والكلا مقصورًا مختصان بالرطب، والكلأ بالهمزة يقع على اليابس والرطب، فيفهم أنه جاء بألف مقصورة كعصًا بمعنى الرطب خاصة كالعشب، وهو محل نظر فإنه لم يُذكر في كتب اللغة إلا في باب الهمزة، فتدبر.

وأما العشب بضم العين وسكون الشين فمخصوص بالرطب بلا خلاف.

وقوله: (كانت منها أجادب) بالجيم والدال المهملة، وهو الصحيح روايةً والموجود في أصول النسخ، وقال القاضي عياض (2): كذا رويناه في الصحيحين بدال مهملة بلا خلاف. وقد أورد في (القاموس) هذا اللفظ من الحديث في مادة جدب بالجيم والدال المهملة، انتهى. جمع جدب بسكون الدال من غير قياس، وكان القياس أن يكون جمعه أَجْدُب لكنهم قد قالوا: محاسن جمع حُسْنٍ، وكان قياسه أن يكون جمع مَحْسَنٍ، وكذا مَشَابهٌ جمع شَبَهٍ وقياسه مَشْبَه، ومنه المَحامد جمع حَمْدٍ، وقيل: هي جمع محمدة، كذا في (المشارق).

وفي (النهاية)(3): كأنه جمع أَجْدُبٍ وأَجْدُب جَمْعُ جَدْبِ، مثل كَلْب وأَكْلُب وأكالب. فقال في (النهاية): الأجادب هي صلاب الأرض التي تُمسك الماء فلا تشربه سريعًا، وقيل: الأراضي التي لا نبات بها، مأخوذ من الجدب، وهو القحط، وغلط الخطابي، وقال: أجادب غلط وتصحيف، وكانه يريد أن اللفظ (أجارد) براء ودال،

(1)"شرح الطيبي"(1/ 309).

(2)

"مشارق الأنوار"(1/ 221)، و"القاموس المحيط" (ص: 75).

(3)

"النهاية"(1/ 242).

ص: 463

فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ،

ــ

وكذلك ذكره أهل اللغة [والغريب]، وقال الخطابي: وروي أحادب بالحاء المهملة، قلت: إنما الرواية بالجيم، وكذا في (الصحيحين)، انتهى كلام النهاية، وكأنه يريد بقوله في أجارد:(كذا ذكره أهل اللغة) ما قالوا: إن الجرد محركة فضاء لا نبات به، مكان جَرْدٌ وأَجْرَدُ، وجَرِدٌ كفَرِح، وأرض جرداء وجرِدَة كفَرِحَةٍ، كذا في (القاموس)(1)، ومنه: أهل الجنة جُردٌ مردٌ.

وقال القاضي عياض (2): الأجادب من الأرض ما لا ينبت الكلأ، وقد روى بعضهم هذا الحرف (أجاذب) بالذال المعجمة، وكذا ذكره الخطابي، وقال: هي صلاب الأرض التي تمسك الماء، وقال بعضهم:(أحازب) بالحاء والزاي وليس بشيء، وقد رواه بعضهم (أجارد) أي: مواضع منجردة من النبات جمع أجرد، ورواه بعضهم (إخاذات) بكسر الهمزة وبعدها خاء معجمة خفيفة وبين الألفين ذال معجمة وآخره تاء الجمع المؤنث، وكذا رواه أبو عبيد الهروي، وهي جمع إخاذة، وهي الغدير التي تمسك ماء السماء، انتهى كلام القاضي.

وقال التُّورِبِشْتِي: أوضح هذه الألفاظ من طريق الرواية الأجادب يعني بالجيم والدال، وأقواها من طريق اللغة أجارد -يعني بالجيم والراء والدال- غير أنها لا تثبت رواية.

وقوله: (فنفع اللَّه بها) أي: بالأجادب بسبب ما أمسكت من الماء، وفي بعض النسخ (به) أي: بالماء الذي فيها.

(1)"القاموس المحيط"(ص: 260).

(2)

"مشارق الأنوار"(1/ 221).

ص: 464

فَشَرِبُوا وَسقَوا وَزَرَعُوا، وأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةٌ أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلأً،

ــ

وقوله: (وزرعوا) قال القاضي (1): فسقوا ورعوا، كذا لكافتهم، وفي كتاب العلم في (البخاري):(وزرعوا) والأول أوجه، وفي رواية بعضهم:(ووعوا) وهو تصحيف ليس هذا موضعه.

وقوله: (قيعان) بكسر القاف جمع قاع، وهو المستوي الواسع، في وطاء من الأرض، وقيل: الأرض الملساء، وقيل: ما لا نبات فيها، وقيل: هي أرض فيها رمل، كذا قال الشيخ ابن حجر، وفي (القاموس) (2): القاع أرض سهلة مطمئنة، قد انفرجت عنها الجبال والآكام، والجمع القِيع والقِيعَة والقِيعان بكسرهن. وقال البيضاوي (3): والقاع الأرض المستوية.

قلت: قد فسره الحديث فقال: لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، وهو المراد في الحديث، وأما ما ذكر في (المشارق): القاع المستوي الصلب الواسع من الأرض، وقد يجتمع فيها الماء، وجمعه قيعان، فلا يخلو عن شيء لمخالفته لفظ الحديث، وأغرب من هذا ما ذكر في (مجمع البحار) عن (النهاية): القاع: المكان المستوي الواسع في وطأة من الأرض يعلوه ماء السماء فيمسكه وليستوي نباته (4)، إلا أن يقال: القاع هو المكان الواسع والأرض المستوية أعم من أن يجتمع فيه الماء وينبت الكلأ.

وقوله في الحديث: (لا تمسك ماءً لا تنبت كلأ) تقييد لا تفسير، وقد ذكر

(1)"مشارق الأنوار"(1/ 470).

(2)

"القاموس المحيط"(ص: 699).

(3)

انظر: "تفسير البيضاوي"(4/ 109).

(4)

انظر: "مجمع بحار الأنوار"(4/ 357)، و"النهاية"(4/ 132).

ص: 465

فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا. . . . .

ــ

المعنى المذكور في (النهاية) في حديث آخر وهو قوله: (تركتها -أي مكة- قد ابْيَضّ قاعُها)، فتدبر.

وقوله: (فذلك مثل) بفتحتين (من فقه في دين اللَّه) في (القاموس)(1): الفقه بالكسر: العلم بالشيء، والفهم له، والفطنة، وغَلَبَ على علم الدين لشرفه، وفقُه ككرُم وفرِح فهو فقيهٌ وفَقُهٌ، وهي فقيهة وفَقُهَةٌ، والجمع فقهاءُ وفَقَائِهُ، وفَاقَهَه في الدين: باحثه في العلم، وفَقَهَه كنصره: غلبه فيه.

وفي (مجمع البحار)(2): الفقه لغة: الفهم، فقه بالكسر: إذا فهم وعلم، وبالضم: إذا صار فقيها عالمًا، وجعله العرف خاصًا بعلم الشريعة، وتخصيصًا بعلم الفروع منها، والرواية في الحديث بالضم على المعنى الشرعي، وكسرها على اللغة، والأول أشهر، انتهى.

وقوله: (ولم يرفع بذلك رأسًا) كناية عن التكبر وعدم التوجه إليه والإقبال عليه.

اعلم أنه قد ذكر في الناس قسمين: من انتفع بالدين ومن لم ينتفع، وكذلك في الأرض المنتفع بها وغير المنتفع بها، وجعل المنتفع بها قسمين: المنبت وغير المنبت، فكذلك المنتفع بالدين يشمل قسمين: الأول العالم العامل المعلِّم، وهو كأرض طيبة شربت الماء فانتفعت في نفسها، وأنبتت فنفعت غيرها، والثاني العالم المعلِّم لكن لم

(1)"القاموس المحيط"(ص: 1151).

(2)

"مجمع بحار الأنوار"(4/ 168).

ص: 466

وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ". مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: 79، م: 2282].

151 -

[12] وَعَن عَائِشَةَ قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} وَقَرَأَ إِلَى: . . . . .

ــ

يعمل بنوافله أو لم يتفقه فيما جمع، وهو كأرض يستقر فيها الماء فينتفع الناس، ومن لم يرفع به رأسًا بأن تكبر ولم يلتفت إلى العلم ولم يسمعه، أو سمعه ولم يعمل به ولم يعلِّمه سواء دخل في الدين أو كفر به فهو كالسبخة التي لا تقبل الماء، هذا ما ذكر بعض شراح (البخاري).

قال العبد الضعيف عفا اللَّه عنه: ويمكن أن يقال: القسم الأول عبارة عمن تعلم واجتهد فيه واستنبط منه النكات والأسرار وشرحه وبينه كالفقهاء المجتهدين كالعشب والكلأ الذي يخرج من الأرض التي قبلت الماء وشربته، والثاني عمن تعلم وحفظ العلم وجمعه ووعاه وأخذ منه الناس فانتفعوا به كالمحدثين، واللَّه أعلم.

151 -

[12](عائشة) قوله: ({هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}) المراد بالمحكم ههنا ما اتضح معناه ولا تَعْرِض فيه شبهة من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى، فكأن عبارته أحكمت بأن حفظت عن الاحتمال والاشتباه والإجمال، وسمي المحكمات أم الكتاب، أي: أصله يردُّ ويرجع إليها غيرها؛ لأن المحتمل يرد إلى المتيقن، وقيل: أم الكتاب، أي: معظمه، يقال لمعظم الشيء: أُمه، وأفرد أمه لإرادة الجنس أو باعتبار كل واحد، والمراد بالمتشابه خلاف المحكم بهذا المعنى، فهو باعتبار اللفظ أشكل بغيره لمشابهة غيره، ومن حيث المعنى لا ينبئ ظاهره عن مراده، ويكون اشتباهه على أقسام: منها ما يرجع إلى الألفاظ المفردة للاشتراك، ومنها ما يرجع إلى جملة الكلام المركب لاختصار وقع فيه أو بسط وتطويل، أو لتقديم وتأخير في نظمه، ومنها ما يشبه من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها، أو

ص: 467

{وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، قَالَتْ: . . . . .

ــ

من جهة الشروط التي بها يصح الفعل، أو غير ذلك.

وبالجملة هو ما تطرق إليه الاشتباه والاحتمال بوجه من الوجوه، غير أن المتشابه منه ما يكون مشتبها بوجه ومبينًا بوجه آخر، ومنه ما يكون مشتبهًا على الإطلاق، والمتشابه من وجه يجوز للعلماء الفحص عنها بل يجب عليهم تبيينها، فهو متشابه بالنسبة إلى من لم يتقنه رواية ودراية، وعليه أن يتحذر من التعرض له، وأما المتشابه على الإطلاق فيجب الإيمان به، وترك التعرض للكيفية، والتوقي عن استعمال الرأي فيه، فمنه صفات اللَّه سبحانه التي لا تعرف كيفية لها، وأحوال القيامة التي لا سبيل إلى إدراكها بالقياس إلا أنها معرَّفة على لسان الشارع بمسميات الجنس، فيلزمه الوقوف على الحد الذي أوقفنا عليه، والتسليم لما يخبر به عن الغيب، فمن ابتغى التجاوز عن الحد المحدود في هذا القسم فهو من أهل الزيغ الذين يتبعون ما تشابه، قاله التُّورِبِشْتِي (1).

بل نقول: كل من اتبع المتشابه من الوجه الذي هو متشابهٌ بذلك الوجه فهو من الذين {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} أي: طلبِ أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس عن مناقضة المحكم بالمتشابه، {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} أي: طلبِ أن يؤوّلوه على ما يشتهونه، والأول يناسب حال المعاند، والثاني يلائم حال الجاهل، والمراد بالتأويل ههنا ما يَؤول إليه حقيقة معناه، والذي يجب أن يحمل عليه، {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ} بهذا المعنى {إِلَّا اللَّهُ} ، فالتأويل بهذا المعنى لا يعلم إلا اللَّه فيما ذكر من المتشابهات، والمقصود من إنزال المتشابهات ابتلاء قلوب العلماء وإظهار عجزهم ووقوفهم على

(1)"كتاب الميسر"(1/ 81).

ص: 468

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "فَإِذَا رَأَيْتَ -وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: رَأَيْتُمِ- الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 4547، م: 2665].

152 -

[13] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: هَجَّرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا،

ــ

حد العبودية لئلا يقعوا في الدلال.

فإن قلت: قد وصف الكتاب كله بالمحكم حيث قال تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1] ووصفه بكونه متشابهًا حيث قال: {كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزمر: 23]؟ قلنا: المراد بالإحكام هناك حفظه من فساد المعنى وركاكة اللفظ، وبالتشابه أنه يشبه بعضه بعضا في صحة المعنى وجزالة اللفظ، كذا قال البيضاوي (1). ولا يذهب عليك أنه لا يلزم من هاتين الآيتين الحكم على الكل بالإحكام والتشابه فلا تناقض، فتدبر، واللَّه أعلم.

وقوله: (فإذا رأيت) في أكثر الروايات بفتح التاء على الخطاب العام، وفي بعضها بكسرها خطابًا لعائشة رضي الله عنها، ورواية مسلم تؤيد الأول.

152 -

[13](عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (هجرت إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم) هجَّر وتهجَّر وأهجر: سار في الهاجرة، والهاجرة اشتداد الحر في نصف النهار، ويجيء بمعنى نصف النهار عند زوال الشمس من الظهر، أو من عند زوالها إلى العصر؛ لأن الناس يسكنون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا، والتهجير في قوله صلى الله عليه وسلم:(المتهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة).

(1)"تفسير البيضاوي"(1/ 319).

ص: 469

قَالَ: فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ، فَقَالَ:"إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 2666].

153 -

[14] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى النَّاسِ، فَحُرِّمَ مِنْ أجَلِ مَسْأَلَتِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 7289، م: 2358].

ــ

وقوله: (ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه) بمعنى التبكير إلى الصلاة، وهو المضي في أول أوقاتها، وليس من الهاجرة، كذا في (القاموس)(1)، وسيجيء تحقيقة في (باب الجمعة) إن شاء اللَّه تعالى.

وقوله: (باختلاف في الكتاب) المراد اختلاف يوقع في الفتنة والشك والشبهة في الدين مثل الاختلاف في نفس الكتاب، أو في معنى لا مدخل فيه للرأي، لا اختلاف العلماء في استنباط الأحكام منه، أو في العلوم التي هي مباديها ومقدماتها، فإن ذلك رحمة وسبب لتوسيع الدين، وما زال السلف على ذلك، وما نُهوا عنه بل مأمورون بذلك.

153 -

[14](سعد بن أبي وقاص) قوله: (إن أعظم المسلمين جرمًا) هذا تشديد وتغليظ لكون ضرره عامًّا باقيًا، والمراد السؤال من غير حاجة أو يكون تكلفًا وتعنتًا.

قوله: (في المسلمين) كلمة (في) أَجْلية، أي: في حقهم ومن جهتهم.

(1)"القاموس المحيط"(ص: 460).

ص: 470

154 -

[15] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 7].

155 -

[16] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابَ يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ،

ــ

154 -

[15](أبو هريرة) قوله: (دجالون كذابون) أي: كذابون المموهون، وأصل الدجل الخلط، دجَّل إذا لبَّس وموَّه، وسيجيء في بابه، أي: يلبِّسون ويرون أنفسهم علماء ومشايخ من أهل النصحية والصلاح، ثم يدعون الناس إلى مذاهبهم الباطلة وآرائهم الفاسدة، والمراد بالأحاديث أعم من أحاديث الرسول وغيرها، والمراد بعدم السماع المذكور عدمُ ثبوتها في الدين، وكونها بهتانًا وافتراء فيه.

وقوله: (فإياكم وإياهم) من قبيل قوله: وإياك والأسد.

وقوله: (لا يضلونكم) استئناف، كأنه قيل: ما فائدة الحذر؟ والخبر في معنى النهي، والمقصود التحفظ والاحتياط في أخذ الدين، والاحتراس والتوقي عن مخالطة أهل البدع وصحبتهم خصوصًا عن الداعين الملبسِّين منهم، وأما المنع والتحذير عن الغلو في علم الكلام فالظاهر أنه ليس من هذا الباب وليس موضع بيانه شرح هذا الحديث كما فعله الطيبي، بل أنسب بذلك الحديث الناطق بالزجر عن الاختلاف في الكتاب والجدال في الدين، كما لا يخفى.

155 -

[16](عنه) قوله: (بالعبرانية) العبري والعبراني بالكسر لغة اليهود، ولا يعرف إلى ما نسب، وقد ذكر في (القاموس) و (الصحاح) تحت لغته [ما] لا يظهر مناسبتُه لها، والسرياني لغة الإنجيل، ولا يعرف له أيضًا معنى محصل،

ص: 471

وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَ {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} " الآيَة [البقرة: 136]. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 7342].

156 -

[17] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 5].

157 -

[18] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ فِي أُمَّتِهِ. . . . .

ــ

واللَّه أعلم.

وقوله: (لا تصدقوا أهل الكتاب) لاحتمال التحريف، (ولا تكذبوهم) لاحتمال عدمه، وهذا إرشاد إلى وجوب التوقف في مواضع الاشتباه بخصوصياتها وعدم التوقف فيما هو متيقَّن كالأمر المشترك بينها.

وقوله: ({آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا}) إلى قوله: {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى} الآية.

156 -

[17](عنه) قوله: (كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع) يعني لو لم يكذب أحدًا ولكنه يحدث ما سمع من غير بحث وتفتيش أنه صدق أو كذب وتبيُّنٍ، حسبه هذا التحديث كذبًا؛ لأنه يقع في الكذب من حاله هذا، والغالب أن يكون بعضه كذبا البتة، والمقصود المنع عن التحديث بشيء لم يعلم صدقه.

وقوله: (رواه مسلم) وفي بعض النسخ: رواه البخاري، ولقد أخرج هذا الحديث في (جامع الأصول) في باب الكذب عن مسلم وأبي داود، واللَّه أعلم.

157 -

[18](ابن مسعود) قوله: (في أمته) يروى بهاء الضمير وبدونها، وهو

ص: 472

حَوَارِيُّونَ. . . . .

ــ

الأكثر والأصوب، كذا قال التُّورِبِشْتِي (1).

وقوله: (حواريون) جمع حواري فكأنه منسوب إلى الحَوَر بمعنى البياض الخالص، كذا قال المحقق التفتازاني في حاشية (الكشاف)، وقال القاضي عياض في (مشارق الأنوار) (2): منسوب إلى حَوَارٍ مخفف، وقد تضاف هذه الكلمة إلى ياء المتكلم كما في حديث:(لكل نبي حواريٌّ وحواريَّ الزبير) والياء حينئذ مكسورة أو مفتوحة، وأصله حواريي فحذف الياء اكتفاء بالكسرة، وقد تبدل فتحة للتخفيف، وحواريُّ الرجل خالصه وصفوته وناصره الذي خلص ونقي من كل عيب ونفاق لأن أصله البياض الخالص، ومنه يقال للحضريات، أي: النساء التي في الحضر دون البدو؛ لخلوص ألوانهن ونظافتهن ونقاوتهن من الدنس والدرن بخلاف البدويات.

وقيل: سمي الزبير به لأنه روجع في اختياره مرة بعد أخرى كالحُوَّارَى بضم الحاء وتشديد الواو وفتح الراء، وهو الدقيق الأبيض، وهو لباب الدقيق الذي نقِّي ونخل مرة بعد أخرى، وقد أرسله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لخبر القوم يوم الأحزاب.

وذهب كثير من أهل العلم أن الأصل في تسمية الناصر بالحواري: أن أصحاب عيسى عليه السلام كانوا قصارين، ويسمى القصار حواريًا؛ لأنه يحور الثياب، أي: يبيضها، فلما كانوا أنصاره دون الناس قيل لكل ناصر نبيه: حواري، تشبيهًا بأولئك.

وقيل: كانوا ملوكًا يلبسون الثياب البيض واللباس النظيف استنصر بهم عيسى عليه السلام، وقال بعضهم: إنما سموا حواريين؛ لأنهم كانوا يطهرون نفوسهم أو نفوس الناس عن

(1)"كتاب الميسر"(1/ 84).

(2)

"مشارق الأنوار"(1/ 338).

ص: 473

وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ،

ــ

دنس الجهل والذنوب بالعلم والدين، فسمي من سواهم بهذا الاسم تشبيهًا بهم.

ولا يخفى عليك أنه لا حاجة إلى نقل هذا الاسم على ناصري الأنبياء من ناصري عيسى، بل هو اسم لناصر الرجل وخالصه كما ذكر، وأصحاب عيسى أيضًا إنما سموا لأجل هذا المعنى، وهو موجود فيهم وفيمن سواهم على السواء، اللهم إلا أن يقال: اعتبار النقل الذي ارتكبه كثير من العلماء لأجل شهرتهم بهذا الاسم وغلبته فيهم، ومع ذلك هو تكلف، نعم لا يبعد أن يقال: الحواري اسم للناصر، وقد غلب على ناصر الأنبياء، فافهم.

وقوله: (وأصحاب يأخذون بسنته وبقتدون بأمره) كأنه عطف تفسيري للحوارين، وبيان لخلوصهم ونقاوتهم.

وقوله: (خلوف) جمع خَلْف بالسكون، وأما جمع خلف بالتحريك فأخلاف، وكلاهما بمعنًى في أصل اللغة، لكنه غلب بالتحريك على الخير، وبالتسكين على ضده، كما في قوله تعالى:{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} [مريم: 59] وفي (القاموس)(1): الخلف بالتحريك: الولد الصالح، فإذا كان فاسدًا أسكنت اللام، وربما استعمل كل منهما مكان الآخر.

وقوله: (ومن جاهدهم بقلبه) أي: أنكر واضطرب قلبه وتغير برؤية منكر، ويكون في حرج وعناد من ذلك.

(1)"القاموس المحيط"(ص: 744).

ص: 474

وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 50].

158 -

[19] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 2674].

159 -

[20] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا. . . . .

ــ

وقوله: (وليس وراء ذلك) إشارة إلى الإيمان في المرتبة الثالثة، والمعنى إذا ذُكِر ومضى ذكره كأنه صار بعيدًا، ويجوز أن يشار إليه باسم البعيد، ويحتمل أن يكون إشارة البعيد للتحقير وبُعده عن مقام الكمال، ويجوز أن يكون إشارة إلى المذكور كله، أي: ليس وراء هذه المراتب مرتبة من الإيمان، و (حبة خردل) كناية عن غاية القلة التي في حكم العدم لأن المراد بالإنكار الاضطراب والتغير، وإن أريد به مطلق الإنكار فعدمه يستلزم الرضا، وهو كفر، فيكون كناية من عدم الإيمان أصلًا، فافهم.

158 -

[19](أبو هريرة) قوله: (من دعا) أي: بقول أو فعل (إلى هدى) قليل حقير فكيف بكثير عظيم (كان له من الأجر مثل أجور من تبعه) وذلك أجر الإرشاد والهداية الواصل أثرُها إلى كل من فعله.

وقوله: (لا ينقص ذلك من أجورهم) لأن أجورهم لأجل العمل والمباشرة، وأجر الداعي لأجل الإرشاد والهداية، ولو فرض أنهما من جهة واحدة ففضل اللَّه واسع يعطي كل من شاء ما شاء من غير أن ينقص شيئًا، وهو على كل شيء قدير.

159 -

[20](عنه) قوله: (بدأ الإسلام غريبًا) في (القاموس)(1): بدأ

(1)"القاموس المحيط"(ص: 45).

ص: 475

وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ". . . . .

ــ

به كمنع: ابتدأ، والشيء: فعله ابتداء، ومن أرضه: خرج.

وقوله: (سيعود كما بدأ فطوبى للغرباء) في (مجمع البحار)(1): أي: كان الإسلام في أول أمره كوحيد لا أهل عنده لقلة المسلمين، (وسيعود) أي: يقلون في آخر الزمان، (فطوبى للغرباء) أي: للمسلمين في أوله وآخره لصبرهم على أذى الكفار ولزومهم الإسلام، قيل: معناه في المدينة، وظاهره العموم، ويفسر الغرباء بالنُّزَّاع من القبائل، وقيل: هم المهاجرون، انتهى.

وشرح هذا الكلام ما ذكره الطيبي (2) أن الإسلام إما أن يجري على الحقيقة، فالكلام على تشبيه بالغريب، فالوحدة والوحشة ترجع إلى الإسلام باعتبار ضعفه وقلة المسلمين، أو يراد بالإسلام المسلمون بقرينة الوصف بالغربة، فالوحدة والوحشة ترجع إلى المسلمين، وهم نُزَّاع القبائل، أي: غرباؤها، جمع نزيع بمعنى الغريب، والمهاجرون، وهذا وإن كان مجازًا فهو الظاهر المفهوم بالمتبادر، وقوله:(فطوبى للغرباء) ناظر إليه، وقول النووي: قيل: معناه في المدينة، يعني أن غربة الإسلام في المدينة أولًا وآخرًا؛ لأنه منها بدأ وبها تبوأ وإليها يعود، كما جاء في الحديث الآتي على تأويل، لكن الظاهر أن يراد غربته محمومًا في المدينة وفي كل البلاد، لأن الإسلام يبدأ في كلها غريبًا، ويعود في آخر الزمان غريبًا، وبما ذكرنا ظهر أن المراد بقوله:(فطوبى للغرباء) أي: المتمسكين بالإسلام حال قلته أولًا وآخرًا، وقد يسبق إلى الفهم أن المراد به الإشارة لمن تمسك به في آخر الزمان، فافهم.

(1)"مجمع بحار الأنوار"(4/ 20).

(2)

"شرح الطيبي"(1/ 321).

ص: 476

رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 145].

160 -

[21] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الإيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 1886، م: 147].

وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: "ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ" في "كتاب المناسك"، وحَدِيثَي مُعَاوِيَةَ وَجَابِرٍ:"لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي" و"لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي" في بَابِ ثَوابِ هَذِهِ الأُمَّةِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ــ

160 -

[21](عنه) قوله: (إن الإيمان ليأرز) في (القاموس)(1): أرز يأرز، مثلثة الراء، أُرُوزًا: انقبض، وتَجَمَّعَ، وثبت، فهو آرِزٌ وأَرُوزٌ، والحية: لاذت بجحرها، ورجعت إليه، وثبتت في مكانها، والمأرِز كمجلس: الملجأ، ولعل تخصيص هذه الدابة بالتشبيه بها؛ لأنها أشد أرزًا، أي: انضمامًا وانقباضًا وإسراعًا؛ ولأنها لا يمكن إخراجها عن جحرها بعد دخولها.

قال الطيبي (2): يحتمل أن يكون هذا إخبارًا عما كان في ابتداء الهجرة، ويحتمل أنه أخبر عن آخر الزمان حين يقل الإسلام.

قال العبد الضعيف: الأصح أنه إخبار عن زمان الدجال كما يدل عليه الأحاديث، واللَّه أعلم.

وقوله: (حديثي معاوية وجابر) لم يذكر هناك حديث جابر أصلًا.

(1)"القاموس المحيط"(ص: 466).

(2)

"شرح الطيبي"(1/ 321).

ص: 477