الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
124 -
[46] وَعَنْ أُمِّ سَلمَةَ قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّه، لَا يَزَالُ يُصِيبُكَ فِي كُلِّ عَامٍ وَجَعٌ مِنَ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ الَّتِي أَكَلْتَ، قَالَ:"مَا أَصَابَنِي شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا وَهُوَ مَكْتُوبٌ عَلَيَّ وَآدَمُ فِي طِينَتِهِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: 3546].
* * *
4 - باب إثبات عذاب القبر
ــ
يعني أن من قدر اللَّه وقضى بكونه بليدًا أو كيسًا ألبتة لا يصير على خلاف ما قدر، بخلاف ما يرى في الحال كيسًا أو بليدًا فارتاض واجتهد وصار على خلاف ما كان فهو ليس مما نحن فيه، إذ المقدر هناك ما صار عليه، وقد أنكره بعض الناس قائلًا بأن الأخلاق لا تتبدل ولا يتهذب بالرياضة، وهذا غلط بحكم الشريعة والتجربة، فافهم (1).
124 -
[46](أم سلمة) قوله: (وآدم في طينته) كناية عن التقدير، في (القاموس) (2): الطين معروف، وبهاءٍ: القطعة منه، والخِلقة، والجِبِلة.
4 -
باب إثبات عذاب القبر
لما أنكر بعض المبتدعة من أكثر المعتزلة وبعض الروافض عذاب القبر، وكان ثابتًا بالأحاديث المشهورة التي تبلغ الحد المشترك منها مبلغ التواتر، وكان سلف الصالح متفقين على ذلك قبل ظهور المخالفين، اهتم المؤلف بإثباته وعقد له بابًا على حدة كالإيمان بالقدر أثبته لذلك.
(1) قال القاري: وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّبْدِيلَ الأَصْلِيَّ الذَّاتِيَّ غَيْرُ مُمْكِنٍ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ، وَأَمَّا التَّبْدِيلُ الْوَصْفِيُّ فَهُوَ مُمْكِنٌ بَلِ الْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَيُسَمَّى تَهْذِيبُ النَّفْسِ وَتَحْسِينُ الأَخْلَاقِ. "مرقاة المفاتيح"(1/ 201).
(2)
"القاموس المحيط"(ص: 1119).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والعذاب كالنكال بناء ومعنًى، يقال: أعذب عن الشيء ونكل عنه: إذا أمسك عنه، وإنما سمي العذاب سواء كان عذابًا؛ لأنه يمسك الإنسان عن العصيان ويروعه عنه، أو يمسك عن النعمة والرحمة ويروعه عن ذلك، ومنه الماء العذب لأنه يقمع العطش ويروعه، والألم إن كان قادحًا أي ثقيلًا فعذاب سواء كان جزاء للعمل أو لا، رادعًا للجاني عن المعاودة أو لا، وإن كان جزاء فعقاب، وان كان رادعًا فنكال، فالعقاب أخص من العذاب، والنكال أخص من العقاب، والعذاب أعم منهما، والألم أعم من الكل.
وقيل: العذاب مشتق من العذبة، وهي القذاة، وماء ذو عذب أي: كثير القذى، فكما أن القذاة تنغض الماء كذلك العذاب ينغض العيش، وأيضًا يقال: أعذب حوضك أي: انزع ما فيه من القذى، فكذلك العذاب ينزع من الجاني ما فيه من الجناية، وقيل: من العذوبة؛ لأن عذاب كل أحد يستعذبه عدوه، فعذاب الكافرين مما يستعذبه المؤمنون.
والمراد بالقبر ههنا عالم البرزخ، وهو عالم بين الدنيا والآخرة له تعلق بكل منهما، وليس المراد به الحفرة التي يدفن فيها الميت، فرب ميت لا يدفن كالغريق والمحروق والمأكول في بطن الحيوانات يعذب وينعم ويسأل، وإنما خص العذاب بالذكر للاهتمام، ولا قائل بالفصل، ولأن العذاب أكثر لكثرة الكفار والعصاة، وقد يراد بعذاب القبر حال للعبد في البرزخ مطلقًا سواء كان تنعيمًا أو تعذيبًا، وصار اسمًا لتلك الحالة تغليبًا.
واختلف في أن الميت يعذب بإحيائه في القبر أو بجعل الروح في مقابلته أو بنوع آخر مما يعلمه اللَّه ولا نعلمه، والأظهر الأصوب أنه بالإحياء وإعادة الروح،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهو ظاهر الأحاديث، ثم اختلف في كيفية الإحياء فقيل: إنه يعاد الروح في جملته، وقيل: في أقل جزء يحتمل الحياة والعقل، قال الحليمي: فإن صح فلا جزء أولى به من القلب الذي هو ينبوع الحياة ومحل العقل، وقيل: كل من مات وتفرقت أجزاؤه، فإن اللَّه يعلق روحه بجزئه الأصلي الباقي من أول عمره إلى آخره المستمر على حالتي النمو والذبول، لأن اللَّه تعالى عالم بها كلها حسب ما هو عليها، ويعلم مواقعها ومحالها كما في الحشر، والبينة عندنا ليست شرطًا للحياة، ويكفي في صحة الاعتقاد أن تعتقد أن الحق تعالى يحدث فيه الإدراك بأي وجه يريد، واللَّه أعلم.
ثم في تصديق عذاب القبر وأمثال هذا طرق متعدة ذكر الإمام الغزالي في (الإحياء)(1)، وقال: اعلم أن لك ههنا ثلاث مقامات في التصديق بأمثال هذا، أحدها: وهو الأظهر والأصح والأسلم: أن يصدق بأن الحية مثلًا موجودة في الخارج، وهي تلدغ الميت، ولكنا لا نشاهد ذلك، فإن هذه العين لا تصلح لمشاهدة الأمور الملكوتية، وكل ما يتعلق بالآخرة فهو من عالم الملكوت، أما ترى أن الصحابة كيف كانوا يؤمنون بنزول جبرئيل وما كانوا يشاهدونه ويؤمنون بأنه صلى الله عليه وسلم يشاهده، فإن كنت لا تؤمن بهذا فتصحيح الإيمان بالملائكة أهم عليك، وإن آمنت به وجوزت أن يشاهد النبي صلى الله عليه وسلم ما لا تشاهده الأمة فكيف لا تجوز هذا في الميت؟
والمقام الثاني: أن تتذكر أمر النائم بأنه يرى في نومه حية تلدغه، وهو يتألم بذلك حتى تراه في نومه يصيح ويعوق جبينه، وقد ينزعج من مكانه، كل ذلك يدركه من نفسه ويتأذى به كما يتأذى اليقظان، وهو يشاهده وأنت ترى ظاهره ساكنًا ولا ترى
(1)"إحياء علوم الدين"(4/ 500 - 504).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حواليه حية، والحية موجودة في حقه، والعذاب حاصل ولكنه في حقك غير مشاهد، وقد يرى اليقظان أيضًا أشياء كما في حالة البرسام وغيره، ولا يريها من حوله، وإذا كان العذاب ألم اللدغ فلا فرق بين حية تتخيل أو تشاهد.
المقام الثالث: أن الحية بنفسها لا تؤلم بل الذي يلقاك منها هو السم، ثم السم ليس هو الألم بل عذابك في الأثر الذي يحصل فيك من السم، فلو حصل مثل ذلك الأثر من غير سم لكان ذلك العذاب قد توفر، وكان لا يمكن تعريف ذلك النوع من العذاب إلا بأن يضاف إلى السبب الذي يفضي إليه في العادة، والصفات المهلكات تنقلب مؤذيات ومؤلمات في النفس عند الموت، فيكون آلامها كآلام لدغ الحيات من وجود الحيات.
فإن قلت: ما اتضح من هذه المقامات الثلاثة؟ فاعلم أن من الناس من يثبت الأول وينكر ما بعده، ومنهم من أنكر الأول وأثبت الثاني، ومنهم من لم يثبت إلا الثالث، وإنما الحق الذي انكشف لنا بطريق الاستبصار أن ذلك كله في حيز الإمكان، وأن من أنكر بعض ذلك فهو لضيق حوصلته وجهله باتساع قدرته سبحانه وعجائب تدبيره في ملكه من أفعال اللَّه تعالى ما لم يأنس به ولم يعاينه، وذلك جهل وقصور، بل هذه الطرق الثلاثة ممكن والتصديق بها واجب، وربما عبد يعاقب بنوع واحد من هذه الأنواع، وربما عبد يجتمع فيه الأنواع الثلاثة هذا هو الحق فصدق به، انتهى كلام الإمام، ويجب أن يعلم أن ما ذكره إنما هو في عذاب القبر وأمثاله لا في أمور الآخرة كلها من الحشر والنشر والجنة والنار فإنها متحققة موجودة في الخارج قطعًا يجب اعتقادها كذلك لا بمحض التخيل والتمثيل.