المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الفصل الثاني: - لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح - جـ ١

[عبد الحق الدهلوي]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمات

- ‌تقديم بقلم: أ. د. عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ المُحْسِنِ التُّرْكِيِّ (الأمِيْنِ العَامِّ لِرَابِطَةِ العَالَمِ الإسْلَامِيِّ)

- ‌تَقْدِيْمٌ بِقَلَمِ: سَمَاحَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الرَّابِعِ الحَسَنِيِّ النَّدْوِيِّ رَئِيْسِ نَدْوَةِ العُلَمَاءِ بِالهِنْدِ

- ‌تَقدِيْمٌ بِقَلَمِ: أ. د. موَفَّقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ القَادِرِ مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ - جَامِعَةُ أُمِّ القُرَى

- ‌تَقْدِيمٌ بِقَلَمِ: فَضِيلَةِ الأُسْتَاذِ المُحَدِّثِ الفَقِيْهِ الشَّيْخِ مُحَمَّد تَقِي العُثْمَانِيِّ شَيْخِ الحَدِيثِ بِجَامِعَةِ دَارِ العُلُومِ كراتشي في باكستان

- ‌مُقَدِّمَةُ المُحَقّقْ

- ‌عَمَلي في هَذا الكِتَاب

- ‌تَرْجَمَةُ الإمَامِ المُحَدِّثِ عَبْدِ الحَقِّ البُخَارِيِّ الدِّهْلَوِيِّ

- ‌ كيف دخل الإسلام الهند:

- ‌ علم الحديث في القرن العاشر الهجري:

- ‌ اسمه ولقبه وأسرته ومولده ونشأته:

- ‌ تدريسه قبل سفره إلى الحجاز:

- ‌ ارتحاله لطلب العلم:

- ‌ ارتحاله إلى الحرمين الشريفين:

- ‌ عودة الشيخ المحدث من الحجاز إلى الهند:

- ‌ منهج الشيخ المحدث في الدعوة في هذه الظروف:

- ‌ شيوخه:

- ‌ اختيار الشيخ المحدث إسنادًا خاصًّا لرواية الحديث:

- ‌ اعتراف شيوخه برسوخه في العلم:

- ‌ الفرق بين منهج المحدث عبد الحق الدهلوي وبين منهج الإمام ولي اللَّه الدهلوي:

- ‌ وصايا الشيخ عبد الوهاب للشيخ المحدث:

- ‌ وصايا الشيخ أبي المعالي للشيخ المحدث:

- ‌ استكمال التربية والسلوك من الشيخ الكبير عبد الباقي النقشبندي المعروف بخواجه باقي باللَّه:

- ‌ الشيخ المحدث وعلاقته بالربانية:

- ‌ البركة في أعمال الشيخ المحدث:

- ‌ الشيخ المحدث بين التصنيف والتأليف:

- ‌ الشيخ المحدث ومآثره:

- ‌ علاقة الشيخ المحدث مع الإمام السرهندي:

- ‌ ثناء العلماء عليه:

- ‌ تلاميذه:

- ‌ خلفه:

- ‌ وفاته:

- ‌ وصول إسناده إلى الحرمين الشريفين:

- ‌ مؤلفاته

- ‌ أشعة اللمعات في شرح المشكاة:

- ‌ لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح:

- ‌ مصابيح السنة:

- ‌تَرْجَمَةُ صَاحِبِ المِشْكَاةِ

- ‌ مشكاة المصابيح:

- ‌ عدد أحاديثه:

- ‌ وصف النسخ المخطوطة:

- ‌ النسخة الأولى:

- ‌ النسخة الثانية:

- ‌ النسخة الثالثة:

- ‌ النسخة الرابعة:

- ‌ النسخة الخامسة:

- ‌ النسخة السادسة:

- ‌صور المخطوطات

- ‌مُقَدِّمَةُ اللّمَعَات

- ‌مُقَدِّمَةٌ فِي بَيَانِ بَعْضِ مُصْطَلَحَاتِ عِلْمِ الحدِيثِ مِمَّا يَكْفِيْ فِي شَرْحِ الكِتَابِ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيْلٍ وإِطْنَابٍ

- ‌[تَعْرِيف الحَدِيث]:

- ‌[الْمَرْفُوع]:

- ‌[الْمَوْقُوف]:

- ‌[الْمَقْطُوع]:

- ‌[الحَدِيث والأثر]:

- ‌[الْخَبَر والحَدِيث]:

- ‌[الرّفْع قِسْمَانِ صَرِيح وحكمي]:

- ‌[القولي الصَّرِيح]:

- ‌[الفِعْلِيّ الصَّرِيح]:

- ‌[التقريري الصَّرِيح]:

- ‌[القولي الْحكمِي]:

- ‌[الْفعْلِيّ الْحكمِي]:

- ‌[التقريري الْحكمِي]:

- ‌فصل

- ‌[السَّنَد]:

- ‌[الإِسْنَاد]:

- ‌ المتن

- ‌[الْمُتَّصِل]:

- ‌[الْمُنْقَطع]:

- ‌[الْمُعَلق]:

- ‌[تعليقات البُخَارِيّ]:

- ‌[حكم التَّعْلِيق بِصِيغَة الْمَعْلُوم والمجهول]:

- ‌[الْمُرْسل]:

- ‌[حكم الْمُرْسل]:

- ‌[المعضل]:

- ‌[الْمُنْقَطع]:

- ‌[طَرِيق معرفَة الانْقِطَاع]:

- ‌[المدلس]:

- ‌[تَعْرِيف التَّدْلِيس اصْطِلاحًا]:

- ‌[تَعْرِيف التَّدْلِيس لُغَة]:

- ‌[وَجه التَّسْمِيَة بِهِ]:

- ‌[حكم المدلِّس]:

- ‌[حكم التَّدْلِيس]:

- ‌[حكم رِوَايَة المدلس]:

- ‌[أَسبَاب التَّدْلِيس]:

- ‌[تَدْلِيس الأكابر]:

- ‌[المضطرب]:

- ‌[حكم المضطرب من الرِّوَايَات]:

- ‌[المدرج]:

- ‌ تَنْبِيه:

- ‌[الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى]:

- ‌[رِوَايَة اللَّفْظ أولى]:

- ‌[العنعنة]:

- ‌[المعنعَن]:

- ‌[شُرُوط العنعنة]:

- ‌[الْمسند]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌المنكر

- ‌[الشاذ لُغَة]:

- ‌[الشاذ اصْطِلَاحًا]:

- ‌[الْمَعْرُوف]:

- ‌[حكم الْمَعْرُوف وَالْمُنكر والشاذ وَالْمَحْفُوظ]:

- ‌[تَعْرِيف آخر للشاذ]:

- ‌[تَعْرِيف ثَالِث للشاذ]:

- ‌[الْمُعَلل]:

- ‌[المتابع]:

- ‌[فَائِدَة الْمُتَابَعَة]:

- ‌[دَرَجَات الْمُتَابَعَة]:

- ‌[مَتى يسْتَعْمل "مثله" و"نحوه

- ‌[شَرط الْمُتَابَعَة]:

- ‌[الشَّاهِد]:

- ‌[تَعْرِيف آخر للمتابع وَالشَّاهِد]:

- ‌[الاعْتِبَار]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌الصحيح

- ‌[الصَّحِيح لذاته]:

- ‌[الصَّحِيح لغيره]:

- ‌[الْحسن لذاته]:

- ‌[الضَّعِيف]:

- ‌[الْحسن لغيره]:

- ‌[النُّقْصَان المُعْتَبر فِي الْحسن]:

- ‌[الْعَدَالَة]:

- ‌ التقوى

- ‌المروءة

- ‌[عدل الرِّوَايَة أَعم من عدل الشَّهَادَة]:

- ‌[الضَّبْط]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[وُجُوه الطعْن الْمُتَعَلّقَة بِالْعَدَالَةِ]:

- ‌[1 - الْكَذِب]:

- ‌[الْمَوْضُوع]:

- ‌[حكم متعمد الْكَذِب]:

- ‌[المُرَاد بالموضوع]:

- ‌[مَسْأَلَة الحكم بِالْوَضْعِ ظنية]:

- ‌[2 - اتهام الرَّاوِي بِالْكَذِبِ]:

- ‌[الْمَتْرُوك]:

- ‌[حكم الْمُتَّهم بِالْكَذِبِ]:

- ‌[حكم من يكذب نَادرًا]:

- ‌[3 - الْفسق]:

- ‌[4 - جَهَالَة الرَّاوِي]:

- ‌[حكم الْمُبْهم]:

- ‌[5 - الْبِدْعَة]:

- ‌[حكم حَدِيث المبتدع]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[وُجُوه الطعْن الْمُتَعَلّقَة بالضبط]:

- ‌[1 - و 2 - فرط الْغَفْلَة وَكَثْرَة الْغَلَط]:

- ‌[3 - مُخَالفَة الثِّقَات]:

- ‌[4 - الْوَهم]:

- ‌[غموض علم الْعلَّة ودقته]:

- ‌[5 - سوء الْحِفْظ]:

- ‌[حكم سيئ الحِفْظ]:

- ‌[الْمُخْتَلِط]:

- ‌[حكم الْمُخْتَلط]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[الْغَرِيب]:

- ‌[الْعَزِيز]:

- ‌[الْمَشْهُور]:

- ‌[الْمُتَوَاتر]:

- ‌[الْفَرد]:

- ‌[الْفَرد النسبي]:

- ‌[الْفَرد الْمُطلق]:

- ‌[المُرَاد بِكَوْن الرَّاوِي اثْنَيْنِ أَو أَكثر]:

- ‌[لَا تنَافِي بَين الغرابة وَالصِّحَّة]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[الضَّعِيف]:

- ‌[مَرَاتِب الصَّحِيح وَالْحسن]:

- ‌[أصح الأَسَانِيد]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[اصْطِلَاحَات التِّرْمِذِيّ]:

- ‌[إِشْكَال اجْتِمَاع الغرابة وَالْحسن]:

- ‌[جَوَاب الإِشْكَال]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[الاحْتِجَاج بِالصَّحِيحِ وَالْحسن]:

- ‌[الاحْتِجَاج بالضعيف]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[صَحِيح البُخَارِيّ أَعلَى الصِّحَاح]:

- ‌[وَجه تَرْجِيح صَحِيح مُسلم عِنْد بعض المغاربة]:

- ‌[الْمُتَّفق عَلَيْهِ]:

- ‌[عدد الأَحَادِيث الْمُتَّفق عَلَيهَا]:

- ‌[دَرَجَات الصِّحَاح]:

- ‌[معنى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[البُخَارِيّ وَمُسلم لم يستوعبا الصِّحَاح]:

- ‌[مُسْتَدْرك الْحَاكِم]:

- ‌[صَحِيح ابْن خُزَيْمَة]:

- ‌[صَحِيح ابْن حبَان]:

- ‌[صَحِيح الْحَاكِم (الْمُسْتَدْرك)]:

- ‌[المختارة للمقدسي]:

- ‌[صِحَاح أُخْرَى]:

- ‌فَصْلٌ

- ‌[الْكتب السِّتَّة]:

- ‌[أَحَادِيث الْكتب الأَرْبَعَة]:

- ‌[اصْطِلَاح الْبَغَوِيّ]:

- ‌[كتاب الدَّارمِيّ]:

- ‌[مصَادر السُّيُوطِيّ فِي جمع الْجَوَامِع]:

- ‌[جمَاعَة من الأَئِمَّة المتقنين]:

- ‌مُقَدِّمَةُ المِشْكَاةِ

- ‌1 - كتاب الإيمان

- ‌ الفصل الأول:

- ‌ الفصل الثاني:

- ‌ الفصل الثالث:

- ‌1 - باب الكبائر وعلامات النفاق

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّل:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌2 - باب الوسوسة

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌3 - باب الإيمان بالقدر

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌4 - باب إثبات عذاب القبر

- ‌ الْفَصْل الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌5 - باب الاعتصام بالكتاب والسنة

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌(2) كِتَابُ العِلْمِ

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

الفصل: ‌ الفصل الثاني:

*‌

‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

94 -

[16] وَعَن عبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ،

ــ

يعلق أمرهم بما علم اللَّه منهم كما قدمناه، ومنهم من يقول: إنهم مع آبائهم وأمهاتهم في النار كما هم يتبعونهم في كفرهم في هذه الدار، ومنهم من يقول: إن المولود لو مات قبل أن يبلغ الاختيار زال عنه ولاية الأبوين فيزول عنه ما كان فيه من تغيير الدين، فيرجع إلى ما كان عليه من أصل الفطرة، فيصير بذلك من أهل الجنة، ومنهم من يقول: إنهم لما علموا ما يتابعون به، ولم يجترحوا ما يعاقبوا عليه، ولا مقر في الآخرة إلا في إحدى الدارين، وإحداهما ينفيها العدل والأخرى يقتضيها الفضل، فيقول: إنهم يدخلون الجنة لا على سبيل الاستقلال بل يكونون لأهلها كخدام الملوك في قصورهم ومنازلهم، ومنهم من يقول: إنهم كائنون بين الجنة والنار لا منعمين ولا معذبين.

قلت: والقول المبني على قاعدة أصول الدين هو أن لا يقطع في أمرهم بشيء وما عداه فإنه إما مستنبط بالرأي والقياس، وإما مأخوذ من الأخبار الواهنة، وأمثال ذلك لا يتلقى إلا من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم بالنقل الذي ينقطع العذر دونه، ولم يوجد هنالك فوجب التوقف، واللَّه أعلم، هذا كلام الشيخ التُّورِبِشْتِي نقلته بعبارته مفيد في هذا المقام يذهب بالإجمال في هذا الباب، واللَّه أعلم بالصواب.

الفصل الثاني

94 -

[16](عبادة بن الصامت) قوله: (إن أول ما خلق اللَّه القلم)(1) هو

(1) يَعْنِي بَعْدَ الْعَرْشِ وَالْمَاءِ، فَالأَوَّلِيَّةُ إِضَافِيَّةٌ، وَالأَوَّلُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ النُّورُ الْمُحَمَّدِيُّ عليه =

ص: 377

فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَقَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ، فَكَتَبَ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الأَبَدِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. [ت: 2155].

ــ

بالرفع، وقد يروى بالنصب، فإن صحت كان على لغة من ينصب خبر إن، وقيل: بتقدير كان، وقد قيل بالوجهين في قوله: يَا لَيْتَ أَيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا.

وقوله: (فكتب ما كان) إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم باعتبار حاله وزمانه، وليس حكاية عما أمر القلم بكتابته، وإلا لقيل: ما يكون؛ لأنه ليس في ذلك الوقت شيء مضى، ويمكن أيضًا أن يقال: إن كتابة المقادير كان فيما لا يزال قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان حينئذ عرشه على الماء مخلوقًا قبله، فيكون المراد بما كان: ما هو قبل الكتابة مما كان بعد العرش والماء، وقد سبق توجيهه في الفصل الأول (1)، أو نقول: ما كان وما يكون كناية عن الكل من غير أن يكون المراد ما سبق وما يأتي.

وقوله: (هذا حديث غريب إسنادًا) اعلم أن المحدثين تكلموا في حديث: (أول ما خلق اللَّه العقل)، وقالوا: إنه موضوع، وقال السيوطي: له أصل صالح خلافًا لمن قال بوضعه، وقد ذكرنا طرق ذلك وما يتعلق به من الكلام في (شرح سفر السعادة)، وقال الشيخ ابن حجر العسقلاني (2): حديث: (أول ما خلق اللَّه القلم) أثبت من حديث العقل، ويظهر من هذه العبارة أن في هذا الحديث أيضًا مقالًا، واللَّه أعلم.

= الصلاة والسلام. "مرقاة المفاتيح"(1/ 168).

(1)

انظر: الحديث (79).

(2)

انظر: "فتح الباري"(6/ 289).

ص: 378

95 -

[17] وَعَن مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية [الأعراف: 172]، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسْأَلُ عَنْهَا فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ،

ــ

95 -

[17](مسلم بن يسار) قوله: (ثم مسح) المسح إمرار اليد على الشيء، والماسح إما ملك مأمور بذلك، فأسند إلى اللَّه تعالى لأنه الآمر كما في قولهم: بنى الأمير المدينة، وقوله تعالى:{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ} [الزمر: 42] والمتوفي هو الملك، أو مسح بمعنى قدر، من مسح بمعنى ذرع، في (القاموس) (1): المسح الذَّرْعُ، كالمِساحة بالكسر، وهو أيضًا مجاز ومؤول وهو من المتشابهات، وفي ذكر لفظ اليمين تنبيه على تخصيص آدم بالكرامة والفضيلة، وكلتا يدي الرحمن يمين، ويحتمل أن يكون اليمين بمعنى القوة، في (القاموس) (2): اليمين ضد اليسار، والبركة، والقوة.

ثم اعلم أن الكلام في هذا المقام كثير، وخلاصته: أن بعض المفسرين فسروا الآية بأن المراد بأخذ الذرية من ظهور بني آدم إخراجهم من أصلابهم نسلًا وتوالدًا على مر الزمان وإشهادهم على أنفسهم وأخذ الإقرار منهم بقوله: {لَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] وإقرارهم بذلك بقولهم {بَلَى} تمثيل وتخييل، ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على الربوبية والواحدانية، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم

(1)"القاموس المحيط"(ص: 333).

(2)

"القاموس المحيط"(ص: 1143).

ص: 379

وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ"، فقَالَ رَجُلٌ: . . . .

ــ

وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم، وقال:{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} وكأنهم قالوا: {بَلَى} أنت ربنا شهدنا على أنفسنا وأقررنا بربوبيتك ووحدانيتك.

قال صاحب (الكشاف)(1): وباب التمثيل واسع في كلام اللَّه ورسوله وفي كلام العرب، ولم يفسروا الآية بقصة إخراج الذرية من ظهر آدم كالذر، وإحيائهم وإعطائهم العقل والنطق، وإقرارهم بذلك قولًا في يوم الميثاق كما جاء في الأخبار، والباعث لهم على هذه القصة ظاهر لفظ الآية؛ لأنه لو كان المراد ذلك لقيل: وإذ أخذنا من آدم من ظهره ذريته، وكما أن ظاهر لفظ الآية كان فيما فسروها به كذلك لا شك أن ظاهر لفظ الحديث في الذرية من ظهر آدم كما هو القصة المشهورة في يوم الميثاق، فيكون بينه وبين الآية منافاة، فأجاب الإمام الرازي (2) بأنه لا منافاة؛ لأن الآية ساكتة عن إخراج الذرية من صلب آدم لا تدل على ثبوته ولا على نفيه، بل إنما تدل على إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالتناسل، وإثبات الحجة عليهم، ولكن قصة إخراج الذرية من ظهر آدم وأخذ الميثاق منهم أيضًا ثابتة بدلالة الأخبار والأحاديث فلا منافاة.

بقي الكلام في توجيه كون الحديث جوابًا عن سؤال السائل عن الآية، والظاهر منه أن يكون الحديث تفسيرًا للآية، وبيانًا للمراد منها، فقيل في ذلك: إن المراد من {بَنِي آدَمَ} في الآية آدم وأولاده، كأنه صار اسمًا للنوع كما قيل في قوله صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد

(1)"الكشاف"(2/ 310).

(2)

انظر: "تفسير الرازي"(15/ 402).

ص: 380

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ولد آدم) أن المراد به نوع الإنسان، فيشتمل آدم وأولاده لحديث:(آدم ومن دونه تحت لوائي)، واقتصر في الحديث على (آدم) اكتفاءً بذكر الأصل عن الفرع، فيكون المراد من الآية والحديث كليهما الإخراج بالتوليد والإشهاد بنصب الدلائل وتركيب العقول، فيصح كون الحديث جوابًا عن السؤال عن الآية وتفسيرًا لها، ولهذا التوجيه مع ما فيه من ارتكاب التكلف وإن أمكن جريانه في هذا الحديث، لكن حديث أبي هريرة وكذا حديث ابن عباس الآتيان في الفصل الثالث (برقم: 118 و 121) يضعفان هذا التوجيه؛ لأنهما صريحان في إخراج الذرية من ظهر آدم ونشرهم بين يديه إلى آخر ما يقال في قصة يوم الميثاق.

وقد يقال: إن ذينك الحديثين لا تعلق لهما بالآية، ولم يذكرا في جواب السؤال عنها، فهما محمولان على قصة يوم الميثاق، أما هذا الحديث المذكور ههنا في جواب السائل عن الآية فليس صريحًا في القصة المذكورة فليكن محمولًا على ما فسروا به الآية، وهذا القول ضعيف؛ لأن الظاهر أن الأحاديث الواردة في هذا الباب محمولة على محل واحد كما لا يخفى.

وغاية ما يقال: إن ههنا إخراجين وميثاقين: أحدهما في عالم الغيب، والآخر في عالم الشهادة، والأول إخراج الذرية من ظهر آدم ونشرهم بين يديه وأخذ الإقرار منهم، وهو قالي أخبر به في الأحاديث، والثاني من ذرية بني آدم نسلًا، وهو حالي بنصب الدلائل أخبر به بالآية.

والجواب: الحديث في مقابلة السؤال عن الآية وقع على طريقة الأسلوب الحكيم كأنه قال: الميثاق المسؤول عنه ظاهر مكشوف لا حاجة إلى السؤال عنه،

ص: 381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

لكن ههنا ميثاق آخر خفي عن العقول فاسألوا عن ذلك واسمعوا جوابه، وفائدة اختيار هذا الأسلوب ههنا توكيد الميثاقين والإقامة على عهدين، هذا تحقيق كلامهم، وحاصله حمل الآية على ما فسروا به، وحمل الحديث إما عليه أو جعل الجواب على الأسلوب الحكيم، واعلم أيضًا أن التفسير المذكور للآية أصله من صاحب (الكشاف) بل من المعتزلة كلهم وتبعهم غيرهم، ولهذا قال الإمام: أطبق المعتزلة على أنه لا يجوز تفسير الآية بالحديث، وهو بناء على مذهب القدر؛ لأن هذه الأحاديث تثبت سبق القضاء والتقدير، ولا نزاع في جواز تفسيرها بما فسروا ولكنه ليس بواجب بل فسرها بعض علماء السنة والجماعة بما يوافق هذه الأحاديث على ما هو قصة يوم الميثاق.

وأما قولهم: لو كان المراد إخراجهم من ظهر آدم لما قال: {مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} ، بل يجب أن يقول: من ظهره ذريته، فجوابه أن المراد آدم وذريته، وإنما ذكر إخراج الذراري من أصلاب أولاده لا ذراري نفسه؛ لأنه لا حاجة إلى ذكر إخراج الذراري من صلب آدم؛ لأنه ظاهر لكونه أبا البشر كلهم، ولأن الكلام في الاحتجاج على الأولاد من اليهود وغيرهم، ويعضده ما رواه الواحدي عن الكسائي أنه قال: لم يذكر ظهر آدم، وإنما أخرجوا جميعًا من ظهره؛ لأن اللَّه تعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء فاستغنى عن ذكر ظهر آدم، لما علم أنهم كلهم بنوه وأخرجوا من ظهره، كذا ذكر الطيبي في شرح (الكشاف)(1).

(1) اسمه "فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب"، له مخطوطة في الخزانة الأزهرية، انظر:"الأعلام"(2/ 256).

ص: 382

فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ، اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُدْخِلُهُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ، اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلُهُ بِهِ النَّارَ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ط: 3337، ت: 3075، د: 4705].

96 -

[18] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَفِي يَدَيْهِ كِتَابَانِ،

ــ

وقوله: (ففيم العمل؟ ) في بمعنى اللام، أو المراد في أي شيء يفيد العمل؟ ولا يخفى أنه لا يتجه هذا السؤال بعد قوله صلى الله عليه وسلم:(وبعمل أهل الجنة يعملون) إلا أن يراد ففيم العمل بالتكليف، وهو أيضًا ليس بشيء فإن اللَّه قد كلف وأمر ونهى، فما السؤال بعد ذلك إلا على اللَّه سبحانه، ولا يسأل عما يفعل، وله حكم ومصالح وأسرار لا يعلمها إلا هو، وقد مر بيانه مرارًا.

96 -

[18](عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (وفي يديه كتابان) قال أهل الظاهر من العلم: إنه مجاز وتمثيل وتعبير عن المعنى بالصورة مبالغةً في تحققه وتيقنه، وقال أهل الباطن منه وأرباب المكاشفة: إنه حق ومحمول على الحقيقة لا مجاز فيه أصلًا. قال الإمام الغزالي: امتياز الخواص من العوام بأن ما يحصل للعامة من العلوم بالكسب والتعلم يحصل للخواص من غير تعلم وكسب بل من عند اللَّه العليم الحكيم، وذلك هو العلم اللدني، وبأن ما يراه العامة في المنام يراه الخواص في اليقظة.

وقال الشيخ التُّورِبِشْتِي (1) في شرح الحديث بعد ما نفى استبعاد حمله على الحقيقة

(1)"كتاب الميسر"(1/ 62).

ص: 383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

لقدرة اللَّه سبحانه واستعداد النبي صلى الله عليه وسلم لذلك: قد سمعت من اشتهر -أظن أن المراد به الإمام الغزالي واللَّه أعلم- في زماننا بالرسوخ في علم النظر، ثم أيد من مكاشفات الصوفية بما يعز مثله في الشاهد يقول: من لم يعتقد أن للَّه عبادًا يشاهدون في حال اليقظة ما لا يمكن لغيرهم أن يراه إلا في حالة النوم لم يهتد إلى حقيقة الإيمان بالنبوة، وإذا كان من حق الإيمان أن لا يقابل أمثال ذلك في أتباع الأنبياء بالنكير، ولا يستبدع الاطلاع على مثل هذه الأحوال والمكاشفة بنظائر هذه الآية في حق خواص الأمة، فكيف بمن هو سيد المرسلين وأعلاهم رتبة وأغزرهم علمًا وأوفرهم حظًا؟ صلى الله عليه وسلم أفضل صلاة صلاها على نبي من أنبيائه.

وأما قول الراوي: (خرج إلينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وفي يديه كتابان) فإنه أخبر بما يقتضيه ظاهر قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مبالغةً في التصديق بما يقول، واستقصاءً في تحقيق ما يخبر عنه، وهذا هو حق اليقين في أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وواجب الأدب على السامع في استماع ما ينتهى منه إليه، ومن أوتي بصيرة في أمر الدين، فليكن وثوقه بما يخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم أعرق من وثوقه بما يراه ويشاهده، انتهى.

وهذا الكلام حق صادر من عين اليقين وحقيقة الإيمان رحم اللَّه قائله، وأما قوله في الراوي: إنه أخبر بما يقتضيه ظاهر قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مبالغة في التصديق بما يقول، فظاهر الأمر كما قال، ولكن يمكن أن رآه الراوي أيضًا بإراءة النبي صلى الله عليه وسلم وإطلاعه إياه على ذلك، كيف وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من خواص الأمة، وقدوة العارفين، وقد ينقل أن بعضهم كانوا يرون بعض المغيبات في المشهود في مجلسه صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان، وبعضهم رأى جبرئيل في غير صورة دحية كعائشة وابن عباس.

ص: 384

فَقَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الكِتَابَانِ؟ " قُلْنَا: لَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا، فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى:"هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِم وقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا"،

ــ

وقوله صلى الله عليه وسلم: (أتدرون ما هذان الكتابان؟ ) ظاهره أنهم كانوا يرون الكتابين ولا يدرون ما فيها، واللَّه أعلم.

وقوله: (إلا أن تخبرنا) أي: لا نعلمه في وقت من الأوقات إلا وقت أخبارك، وحاصله: أنا لا نقدر على العلم به إلا بأخبارك، وهو طلب واستخبار عنه صلى الله عليه وسلم بذلك.

وقوله: (فقال للذي)(1) أي لأجله كما في قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [الأحقاف: 11]، قال النحويون: إن اللام بمعنى عن، والخطاب ليس مع المؤمنين وإلا لكان الظاهر أن يقول: ما سبقتم، وقيل: الخطاب مع بعض المؤمنين والضمير لبعض آخر منهم.

وقوله: (وأسماء آبائهم وقبائلهم) تعيينًا لهم سواء كان آباؤهم وقبائلهم من أهل الجنة أو من أهل النار، وهم أيضًا مكتويون ومكتوب أسماء آبائهم وقبائلهم، فافهم.

وقوله: (ثم أجمل على آخرهم) أي: أوقع الإجمال على آخرهم على ما هو عادة أهل الحساب، يقال: أجملت الحساب: رددته إلى الجملة، ويقال له: فذلك بفتح فسكون وفتح؛ لأنه يقال: فذلك كذا، كما يقال: عشرة واثنان وثمانية فذلك عشرون كما في قوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} .

وقوله: (فلا يزاد فيهم ولا ينقص) متفرع على اليقين وإيقاع الإجمال المفيدَين

(1) قال القاري: وَقِيلَ: قَالَ بِمَعْنَى أَشَارَ فَاللَّامُ بِمَعْنَى "إِلَى". "مرقاة المفاتيح"(1/ 172).

ص: 385

ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: "هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرهِمْ، فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا"، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، وَإنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدَيْهِ. . . .

ــ

لغاية الضبط والتعيين.

وقوله: (فقال: سدّدوا وقاربوا) أي: مالكم تذكرون القدر واعملوا وسددوا أعمالكم. في (القاموس)(1): سدّده تسديدًا: قَوَّمه، ووفَّقَه للسداد أي: الصواب من القول والعمل، واستدّ: استقام، وأَسَدَّ: أصابَ السدادَ أو طلبه، والسَّدَدُ: الاستقامة كالسداد. وفي (مجمع البحار)(2): (سدّدوا وقاربوا) أي: اطلبوا بأعمالكم السداد والاستقامة، وهو القصد في الأمر والعدل فيه، وقال:(سدّدوا) أي: اطلبوا السداد أي: الصواب بين الإفراط والتفريط، وإن عجزتم عنه فقاربوا أي اقربوا منه، وروي (قربوا) أي: غيركم إليه، وقيل: قاربوا أي: اطلبوا قربة اللَّه، وقيل: قاربوا تأكيد للتسديد.

وقوله: (ثم قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيديه) أي: أشار بهما، والقول يستعمل مجازًا في كثير من الأفعال، قال بيده، وقال برأسه، وقال برجله، أي: أشار، وهذا اللفظ كثير في الأحاديث.

(1)"القاموس المحيط"(ص: 274).

(2)

"مجمع بحار الأنوار"(3/ 53).

ص: 386

فَنَبَذَهُمَا، ثُمَّ قَالَ:"فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ الْعِبَادِ، {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} "[الشورى: 7]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. [ت: 2141].

97 -

[19] وَعَنْ أبِي خِزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا، وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ، وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ قَالَ:"هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّه". رَوَاهُ. . . .

ــ

وقوله: (فنبذهما) أي: أشار بيديه إلى وراء ظهره كناية عن أن هذا الأمر قد فرغ، فصار بمنزلة ما تخلفه وراء ظهرك، كذا قال الشراح. وفي (القاموس) (1) النبذ: طرحك الشيء أمامك أو وراءك، أو عام، والفعل كضرب.

97 -

[19](أبو خزامة) قوله: (عن أبي خزامة)(2) بكسر المعجمة وبالزاي، قال:(أرأيت رقًى) أي: أخبرني عن رقًى، وهو جمع رقية على وزن ظلمة، وهي العوذة من ضرب. (نسترقيها) أي: نسترقي بها، وسيجيء في (كتاب الطب والرقى) حكمها منعًا وإباحة، (وتقاة) وقى يقي وقيًا ووقايةً: صانه، والوَقاء وبكسر، والوقاة مثلثة: ما وقيت به، وقد تبدل واؤه تاءً. (تنقيها) أي: نتقي بها، وثلاثتها منصوبة بنزع الخافض.

وقوله: (هي من قدر اللَّه) يعني أن القدر شامل للأسباب والمسببات والشرائط

(1)"القاموس المحيط"(ص: 319).

(2)

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ فَرُوِيَ عن أبِي خِزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي خُزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَالأَوَّلُ أَصَحُّ، وَفِي اسْمِ الرَّاوِي أَبِي خِزَامَةَ خِلَافٌ لِلْمُحَدِّثِينَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ أَبُو خِزَامَةَ بْنِ يَعْمُرَ أَحَدُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ سَعْدٍ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْهُ الزُّهْرِيُّ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ. "مرقاة المفاتيح"(1/ 174).

ص: 387

أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: 3/ 421، ت: 2065، جه: 3437].

98 -

[20] وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِي الْقَدَرِ، فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْنتَيْهِ حَبُّ الرُّمَّانِ، فَقَالَ:"أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ؟ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الأَمْرِ، عَزَمْتُ عَلَيْكُم عَزَمْتُ عَلَيْكُم أَلَّا تَتَنَازَعُوا فِيهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: 2133].

99 -

[21] ورَوَى ابْنُ مَاجَه فِي الْقَدَرِ نَحْوَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. [جه: 3437].

100 -

[22] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ. . . .

ــ

والمشروط بها، ولا يخرج عن حيطته شيء، وهذا كسؤال الصحابة بعد سماع خبر القضاء والقدر (ففيم العمل)، وجوابه صلى الله عليه وسلم:(اعملوا فكل ميسر لما خلق له).

98، 99 - [20، 21](أبو هريرة) قوله: (فقئ) على صيغة المجهول من فقأ العين والبشرة ونحوهما كمنع: كسرها، و (وجنتيه) تثنية وجنة مثلثة وككلمة ومحركة: ما ارتفع من الخدين، و (عزمت عليكم) أي: أقسمت، في (القاموس) (1): عزم على الأمر: أراد فعله وقطع عليه، أَوْ جَدَّ في الأمر، وعلى الرجل: أقسم.

100 -

[22](أبو موسى) قوله: (من قبضة) في (القاموس)(2): القبضة وضمُّه

(1)"القاموس المحيط"(ص: 1048).

(2)

"القاموس المحيط"(ص: 600).

ص: 388

قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، مِنْهُمُ الأَحْمَرُ وَالأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: 4/ 400، 406، ت: 2955، د: 4693].

101 -

[23] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ،

ــ

أكثر: ما قَبَضْتَ عليه من شيء، والظاهر أنه متعلق بخلق، ومن ابتدائية وتعلقه بآدم، وكون (من) بيانية -وجوزها الطيبي- بعيد جدًا، (قبضها) أي: أمر الملك بقبضها.

وقوله: (والسهل والحزن والخبيث والطيب) في (القاموس)(1): السهل، وككتف: كل شيء إلى اللين، ومن الأرض: ضد الحزن، وهو ما غلظ من الأرض، والخبيث ضد الطيب، انتهى. والخبيث في الأرض أن يكون سبخة غير منبتة، والطيب ضده، وهذه الأربع من الصفات الباطنة، والأربعة الأول من الظاهرة.

101 -

[23](عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (إن اللَّه خلق خلقه في ظلمة) الحديث، قال التُّورِبِشْتِي (2): يحتمل أن يكون المراد منه بالخلق ههنا الثقلين وهما الجن والإنس، ويحتمل أن يكون المراد منه الإنس.

وقوله: (في ظلمة)، أي: كائنين فيها، والمراد بالظلمة: ما جبلوا عليه من الأهواء المضلة والشهوات الْمُرْدِيَة من النفس الأمارة.

وقوله: (من نوره) أي: نوره الذي خلقه، قال اللَّه تعالى:{وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1] فالإضافة إلى اللَّه إضافة إبداع واختراع على سبيل التكريم كما في قوله

(1)"القاموس المحيط"(ص: 935).

(2)

"كتاب الميسر"(1/ 65).

ص: 389

فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ فَلِذَلِك أَقُولُ: جَفَّ الْقلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: 2/ 176، 197، ت: 2642].

ــ

تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} فمن شاء اللَّه هدايته وأصابه من ذلك النور قبله، واعتبر بالآيات واستدل بها بالنظر الصحيح اهتدى، ومن لم يشأ هدايته وحرم من ذلك النور ضل وارتدى، والمراد بإلقاء النور ما بيّن لهم من الحجج النيرة والآيات الباهرة، وإلى مثل هذا المعنى أشير بقوله تعالى:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور: 35] الآية، وقوله سبحانه:{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا} [الأنعام: 122]، وقوله تعالى:{أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [الزمر: 22] ونحوها من الآيات، هذا حاصل كلام التُّورِبِشْتِي، والطيبي مع تنقيح ومحو وإثبات فيه.

قال الطيبي (1): ويمكن أن يحمل قوله: (خلقه) على خلق الذر المستخرج في الأزل من صلب آدم، وهذا كما يتراآى أي في بادئ النظر، ليس كما ينبغي لأنه إذ ذاك ظهر الإقرار وأثّرت الأنوار في الكل، فلا يناسب خلقهم في ظلمة وإصابته بعضًا وإخطاؤه آخرين على أن قوله:(في الأزل) ليس بصحيح؛ لأنه وقع بعد خلق آدم بنعمان وادٍ بعرفات، وهكذا وقع في عباراتهم بل واقع في أكثر الأذهان إلا أن يقال: إن ذلك الإقرار بطوع من البعض، وهم الذين ألقي عليهم نور الهداية، وبكره من بعضهم وهم المبقون في الظلمة والمخطؤون النور؛ لأن المراد بالأزل فيها زمان سابق على ظهور التوالد والتناسل بين بني آدم، والحق أن المراد من خلقه هو وقت الولادة من إلقاء النور هو زمان إظهار الشرائع وإعطاء التوفيق للاهتداء.

(1)"شرح الطيبي"(1/ 253).

ص: 390

102 -

[24] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينكَ" فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: "نَعَمْ؛ إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: 2140، جه: 3834].

ــ

وبالجملة: في الحديث دلالة على أن الإنسان خلق على حالة لا ينفك عن الظلمة إلا من أصابه النور الملقى عليه، لكن يتوهم الإشكال في تطبيقه بحديث الفطرة، ولا إشكال لأن حديث الفطرة كما حقق إنما يدل على كون الإنسان متهيأ متمكنًا من إصابة الهدى إن تفكر بالنظر الصحيح وتأمل في الآيات والشواهد، ومع ذلك خلق في ظلمات النفس والطبيعة، وهذا الحديث إنما يدل على أن إصابة الهدى بالنظر إنما هو بمشيئة اللَّه وتوفيقه تعالى وإلقاء نور الهداية في قلبه، وليس مستقلًا مستبدًا بإصابة الهدى، فمن شاء وَفَّقَه للنظر الصحيح وألقى نور الهداية كما هو مقتضى الفطرة الروحانية، ومن لم يشأ لم يوفقه وأوقعه في ظلمة الضلال والغواية كما هو مقتضى النفس والطبيعة الجسمانية.

وبالجملة هذا الحديث تنبيه على سابقة التقدير، وعلم اللَّه ومشيئته تعالى، والفطرة -كما نبهنا- هنالك غير السابقة، فلا تنافي بين الحديثين، فتأمل.

102 -

[24](أنس) قوله: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي) أضاف القلب إلى ذاته الكريمة تعريضًا لأصحابه، والمقصود الأصلي الدعاء لهم، لأنه صلى الله عليه وسلم مأمون العاقبة بلا شبهة، وكذا الحال في جميع ما وقع مثله في الأدعية المأثورة، ولهذا قال أنس رضي الله عنه:(فهل تخاف علينا)، إلا أنه لما أضافه ظاهرًا إليه قال: ثبت، وأضاف في حديث

ص: 391

103 -

[25] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ الْقَلْبِ كَرِيشَةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ يُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: 4/ 408].

ــ

عبد اللَّه بن عمرو المذكور في الفصل الأول إلى الأصحاب صريحًا فقال: (صرف قلوبنا)، ومعنى الحديثين واحد، وما وقع بينهما من اختلاف في تقديم الدعاء وذكر اسم الجلالة وفي أصابع اللَّه وذكر الدين ههنا، وتأخير الدعاء وذكر اسم الرحمن وذكر طاعتك هناك فمن باب التفنن، مع أنه يمكن أن يكون نقلًا بالمعنى وقع من كل واحد من الصحابة روايته على ما اتفق، وتعرض الطيبي (1) لبيان نكتة هذا الاختلاف بما لا يخلو عن خفاء، واللَّه أعلم.

103 -

[25](أبو موسى) قوله: (مثل القلب) أي: حاله العجيبة (2) في تقلبها وتغيرها وتأثيرها بما يرد عليه من الحوادث والخواطر والأحوال، (كريشة) الريشة بالكسر: المطر، وجمعه رياش وأرياش، و (فلاة) بالفتح: المفازة لا ماء فيها، و (بأرض فلاة) بتنوين أرض وبإضافتها، كلاهما روايتان، والإضافة بيانية، والمراد بالرياح هي التي تهب إلى جوانب مختلفة.

وقوله: (ظهرًا لبطن) اللام بمعنى (إلى) مفعول مطلق، أي: يقلبها هذا النوع من التقليب، أو حال من الضمير المنصوب في (يقلبها) أي: مختلفة، وقال الطيبي (3): بدل البعض من ضمير (يقلبها)، ومضمون الحديث: أن القلوب بين الأصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء أي: بقضائه وقدره.

(1)"شرح الطيبي"(1/ 254).

(2)

كذا في (ب)، وفي (ر): حالته التعجيه.

(3)

"شرح الطيبي"(1/ 255).

ص: 392

104 -

[26] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ: يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، وَيُؤْمِنُ بِالْمَوْتِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَيُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: 2145، جه: 81].

105 -

[27] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الإِسْلَامِ نَصِيبٌ: الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ

ــ

104 -

[26](علي) قوله: (يشهد) تفصيل لقوله: (حتى يؤمن بأربع) كان الظاهر بأن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه، لكنه ذكر لفظ الشهادة دلالة على أن النطق باللسان أيضًا ركن، ففيه دليل على أن الإيمان تصديق مع الإقرار.

وقوله: (بعثني بالحق) حال مؤكدة أي: قد بعثني، أو خبر بعد خبر إن ذكره تأكيدًا للرسالة، ولا يلزم أن ينطق بهذه اللفظ؛ لأن الإقرار بالرسالة يستلزمه، وكذا الإيمان بالكتب والملائكة.

وقوله: (يؤمن بالموت) ثاني الأربع، والمراد موت الدنيا، أي فناؤها وهلاكها بجميع أجزائها، أو المراد أن يعتقد أن الموت بحكم اللَّه لا بالطبيعة وفساد المزاج، (والبعث بعد الموت) ثالثها، والرابع (يؤمن بالقدر) يعني أن الكل بقضاء اللَّه وقدره، ودل الحديث على أن إنكار القدر كفر، ولو أريد نفي الإيمان الكامل لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وكذلك الحديث الآتي وهو قوله صلى الله عليه وسلم.

105 -

[27](ابن عباس) قوله: (صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية) في (القاموس)(1): الصنف بالكسر والفتح: النوع والضرب،

(1)"القاموس المحيط"(ص: 764).

ص: 393

وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: 2149].

ــ

والمرجئة من الإرجاء، وهو التأخير، يقال: أرجأ الأمر: أخّره، وترك الهمزة لغة فيه كقوله تعالى:{وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ} [التوبة: 106] مؤخّرون حتى ينزل اللَّه فيهم ما يريد، ومنه سُمّيت المرجئة، كذا في (القاموس)(1).

وقال التُّورِبِشْتِي (2): قال ابن قتيبة: المرجئة هم الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل؛ لأنهم يقدمون القول ويؤخرون العمل، وتحقيق مذهبهم أنهم لا يعتبرون العمل في الإيمان أصلًا لا جزءًا ولا كمالًا، وقد وجدنا الأكثرين من أهل المعرفة بالملل والنحل ذكروا أن المرجئة هم الفرقة الجبرية الذين يقولون بأن العبد لا فعل له، وإضافة الفعل إليه بمنزلة إضافته إلى الجمادات كما يقال: جرى النهر ودارت الرحى، والجبرية بالتحريك وتسكين الباء لغة فيها، والمتكلمون يسمون المجبرة، وكانت القدرية في الزمان الأول ينسبون من خالفهم إلى الإرجاء، حتى غلط في ذلك جمع من أصحاب الحديث فألحقوا هذا النَّبَزَ بجمع من علماء السلف ظلمًا وعدوانًا، وإنما سميت المجبوة مرجئة لأنهم يؤخرون أمر اللَّه فيرتكبون الكبائر، انتهى. ويسمي صاحب (الكشاف) أهل السنة والجماعة مرجئة، تاب اللَّه عليه.

وأما القدرية فينسبون إلى القدر بالتحريك، وقال التُّورِبِشْتِي: ولك أن تسكن الدال، ومذهبهم أن العبد خالق لأفعاله والأمر مستأنف من غير سبق قضاء وقدر، فنسبتهم إلى القدر لأجل إنكارهم القدر، وهم يقولون بأن المثبتين له أحق بهذا الاسم نظرًا إلى ظاهر اللفظ، ولكن الأحاديث صريحة في أن هذا اللفظ اسم لمن أنكره،

(1)"القاموس المحيط"(ص: 52).

(2)

"كتاب الميسر"(1/ 66).

ص: 394

106 -

[28] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "يَكُونُ فِي أُمَّتِي خَسْفٌ وَمَسْخٌ،

ــ

فهذان الحديثان وأمثالهما صريحة في تكفيرهم، لكن الصواب أن لا نتسارع إلى تكفير أهل الأهواء المتأولين؛ لأنهم لا يقصدون بذلك اختيار الكفر ولا يرضون به، وقد تمسكوا بالكتاب والسنة ويذلوا جهدهم في إصابة الحق فأخطؤوا، والتكفير لا يطلق إلا بعد البيان الجلي، والفرق ما بين لزوم الكفر والتزامه، وهذا القول هو مذهب المحققين من علماء الأمة نظرًا واحيتاطًا، وقد نهينا عن تكفير أهل القبلة (1)، وكل ما وقع في شأنهم مما يدل على التكفير، فهو من باب الزجر والتشديد والمبالغة في التضليل والمجاز والتمثيل، كيف! وقد تكلّم بعضُ النقاد في أحاديث وردت في شأن هذه الفِرَق، وقالوا: لم تصح وكلّها ضعيفة، نعم لها طرق متعددة متعاضدة، واللَّه أعلم.

106 -

[28](ابن عمر) قوله: (يكون في أمتي خسف ومسخ) في (القاموس)(2): خسف المكان يخسف خسوفًا: ذهب في الأرض، وخسف اللَّه بفلان الأرض: غَيَّبه فيها، ومسخه كمنعه: حَوّل صورته إلى أخرى أقبح منها، فهو مسخ ومسيخ، والحديث دل على وقوع المسخ والخسف في هذه الأمة، وقد ورد الحديث بوقوعه في آخر الزمان كما سيجيء في (باب الملاحم) من (كتاب الفتن)، والظاهر أن المراد أمة الدعوة، وقيل: الكلام خرج مخرج الشرطية، أي: إن كان يكون فيهم (3)،

(1) قال التفتازاني في "المقاصد": مخالف الحق من أهل القبلة ليس بكافر ما لم يخالف ما هو ضروريات الدين كحدوث العالم وحشر الأجساد. انظر: "إكفار الملحدين"(ص: 15) ففيه بحث نفيس.

(2)

"القاموس المحيط"(ص: 251، 742).

(3)

وفي "التقرير": جاء في الرواية أن الخسف لا يكون في هذه الأمة، فجمع بأن المراد بعدم =

ص: 395

وَذَلِكَ فِي الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، ورَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ (1). [د: 4613، ت: 2152].

107 -

[29] وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الْقَدَرِّيةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ،

ــ

واللَّه أعلم.

107 -

[29](عنه) قوله: (القدرية مجوس هذه الأمة (2)) أي: يشبهون بهم لأنهم أحدثوا في الإسلام مذهبًا يضاهي مذهب المجوس في إضافة أفعال العباد

= الكون العموم، وقيل: المراد هنا بالخسف: سواد القلب، وبالمسخ: سواد الوجه. قال الطيبي: من باب الشرطية. والتُّورِبِشْتِي: من باب التغليظ. وقيل: الخسف: الانهيار من الصراط، والمسخ: سواد الوجه، كلاهما في يوم القيامة. ويحتمل أن يكون دعاء. وقال الخطابي: يجوز أن يكون الخسف فيه أيضًا. وانظر: "المرقاة"(1/ 181).

(1)

قال القاري: عَدَّهُ فِي "الْخُلَاصَةِ" مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ، لَكِنْ قَالَ فِي "جَامِعِ الأُصُولِ": أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. قَالَ صَاحِبُ "الأَزْهَارِ": حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَكَتَبَ مَوْلَانَا زَادَهْ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي زَمَانِنَا أَنَّهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَيْضًا أَنَّ رُوَاتَهُ مَجْهُولُونَ، كَذَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ، وَقَالَ الْفَيْرُوزَآبَادِيُّ: لَا يَصِحُّ فِي ذَمِّ الْمُرْجِئَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ حَدِيثٌ، وَفِي "الْجَامِعِ الصَّغِيرِ" بَعْدَ ذِكْرِهِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ، وَالْخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي "الأَوْسَطِ" عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي "الْحِلْيَةِ" عَنْ أَنَسٍ. "مرقاة المفاتيح"(1/ 181). وهذا الحديث موجود بلفظه في النسخة المطبوعة لسنن الترمذي بالهند ونسخة أحمد محمد شاكر، ولكن قد ذكر بعض العلماء أن هذا الحديث لم يوجد في النسخة الخطية، ولم يذكره المزي في "تحفة الأشراف"، ولكن المثبت مقدم على النافي.

(2)

أي: أمة الإجابة. "المرقاة"(1/ 182).

ص: 396

إِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: 2/ 86، 125، د: 4691].

108 -

[30] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ وَلَا تُفَاتِحُوهُم" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: 4710، 4720].

ــ

إليهم ووقوعها بقدرتهم وخلقهم، كإثبات المجوس إلهين (1) قادرين، وقال بعض العلماء: إنهم أسوء حالًا من المجوس لإثباتهم شركاء لا يعد ولا يحصى.

وقوله: (إن مرضوا فلا تعودوهم (2)، وإن ماتوا فلا تشهدوهم) أي: لا تراعوا حقوق الإسلام في حقهم في الحياة والممات.

108 -

[30](عمر) قوله: (لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم) أي: لا تحاكموهم، مفاعلة من الفتح بمعنى الحكم كما في قوله تعالى:{رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا} [الأعراف: 89] أي: احكم على وجه، ويقال للقاضي: فتّاح، والفتح يجيء بمعنى الحكم، فلا حاجة إلى جعله من الفتاحة، نعم هو أيضًا يجيء بمعنى الحكم كالفتح، قال في (القاموس) (3): الفتح: الحكم بين خصمين كالفتاحة بالضم والكسر، وفي (النهاية) (4): في اسمه تعالى يقال: الفتاح أي: يفتح أبواب الرزق والرحمة لعباده،

(1) لأنهم القَائِلونَ: إنَّ خَالِق الْخَيْرِ يَزْدَان، وَخَالِق الشَّرِّ أَهْرمَنْ؛ أَي: الشَّيْطَانُ، وَقِيلَ: الْمَجُوسُ يَقُولُونَ: الْخَيْرُ مِنْ فِعْلِ النُّورِ، وَالشَّرُّ مِنْ فِعْلِ الظُّلْمَةِ، كَذَلِكَ الْقَدَرِيَّةُ يَقُولُونَ: الْخَيْرُ مِنَ اللَّهِ، وَالشَّرُّ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَمِنَ النَّفْسِ. "مرقاة المفاتيح"(1/ 182).

(2)

في "التقرير": في هذه الرواية تُكلّم، إن صحت الرواية فهو زجر على القول الأول، ولا مانع في جعل أمثال هذه الرواية تشديدًا.

(3)

"القاموس المحيط"(ص: 226).

(4)

"النهاية"(3/ 406).

ص: 397

109 -

[31] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّه وَكُلُّ نَبِيٍّ يُجَابُ: . . . .

ــ

أو الحاكم بينهم، من فتح الحاكم بين الخصمين: إذا حكم بينهما، وقيل: لا تبدؤوهم بالمجادلة والمناظرة، ولا تبحثوا معهم عن الاعتقاد، فإنهم يوقعونكم في الشك والشبهة.

وفيه: أن الإسلام سَدّ باب المجادلة مع أهل الأهواء المتعصبة فإنها تضر في الاعتقاد كما وقع للمتكلمين، نسأل اللَّه السلامة، نعم يجب رد أهل البطالة لا على وجه المجادلة بل بالرفق واللين، وهو المراد بقوله تعالى:{وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].

ويحتمل أن يكون المراد -واللَّه أعلم-: ولا تبتدؤوهم بالكلام والمباسطة معهم، وهذا أنسب بقوله:(لا تجالسوهم)، وأشد وأغلظ في ترك مصاحبتهم واختيار مجانبتهم فضلًا عن البحث والقيل والقال.

109 -

[31](عائشة) قوله: (ستة لعنتهم لعنهم اللَّه وكل نبي يجاب) ستة مبتدأ و (لعنتهم) صفته و (الزائد) خبره، أو خبره محذوف أي: في الرجال أو في الأمة ونحوه، والزائد خبر محذوف أي: أحدها، ولو ذهبنا إلى مقالة الرضي أن بناء صحة وقوع النكرة مبتدأ على الإفادة لقلنا:(ستة) مبتدأ و (لعنتهم) خبره، وقوله:(لعنهم اللَّه)، إما دعائية أو خبرية مستأنفة بتقدير فماذا بعد أو لم ذا، والثاني أظهر.

و(كل نبي مجاب) إما حالية أو معترضة بين المبتدأ والخبر، أو بين البيان والمبين، ولو قرئ (مجاب) بالجر صفة لنبي لجاز أن يعطف قوله:(وكل نبي) على فاعل (لعنتهم) لوجود الفصل، ولكنه لم تثبت الرواية بالجر، وأيضًا يلزم منه أن لا يكون

ص: 398

الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ، وَالْمُتَسَلِّطُ بِالْجَبَرُوتِ لِيُعِزَّ مَنْ أَذَلَّهُ اللَّه وَيُذِلَّ مَنْ أَعَزَّهُ اللَّه، وَالْمُسْتَحِلُّ لِحَرَمِ اللَّهِ،

ــ

بعض الأنبياء مجاب الدعوة، كذا قالوا، هذا وقد وقع في بعض النسخ:(ولعنهم اللَّه) بالواو فيكون عطفًا على جملة (لعنتهم)، و (يجاب) بدل (مجاب)، والظاهر من سياق الكلام على هذا التقدير أن يكون قوله:(وكل نبي) عطفًا على فاعل (لعنتهم)، أو على فاعل (لعنهم)، و (يجاب) صفة نبي، وتكرار الفعل في المعطوف الأول للاهتمام، ويدفع المحذور المذكور للتوصيف بأنه لا يجب أن تكون الصفة للتقييد والتخصيص، فتدبر.

والمراد بـ (الزائد في كتاب اللَّه) من يُدخل في كتاب اللَّه ما ليس منه، أو من يحرف لفظه أو معناه، وقال التُّورِبِشْتِي (1): أي في القرآن أو في حكم اللَّه، وهو أن يدخل في جملته ما ليس منه، والظاهر أن ضمير في جملته يرجع إلى أحد الأمرين المذكورين من القرآن أو الحكم، وإرادة الحكم من الكتاب صحيح من كتب بمعنى فرض، وهو كثير، ولكن تخصيصه القرآن بالذكر غير مناسب، والأولى التعميم ليشتمل أهل الكتاب حرفوا كتابهم، وبـ (المستلط) أمراء الجور والظلم، و (الجبروت) فعلوت من التجبر بمعنى التكبر أي: ادعاء الكبر وشدته، واللام في (ليعز) إما للتعليل فهو قيد اتفاقي؛ لأن الغالب والعادة على أن التجبر يكون لهذا الغرض لا لتقييد الحكم بذلك، حتى إنه لو تجبر لا لهذا الغرض جاز التسلط، أو للعاقبة وهو أجود كما في قوله تعالى:{لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص: 8].

وقوله: (والمستحل لحرم اللَّه) أي: مكة وما حولها من الأرض المعينة، وهو

(1)"كتاب الميسر"(1/ 69).

ص: 399

وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَالتَّارِكُ لِسُنَّتِي". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمدْخَلِ" ورَزِينٌ فِي كِتَابِهِ. [هب في الشعب (1): 3850، ت: 2080].

ــ

الذي يفعل فيه ما يحرم فعله فيه من الاصطياد ونحوه، وعند الشافعية: المدينة أيضًا حرم تجري أحكام الحرم فيه، وعندنا وعند مالك (2): هي حرم بمعنى رعاية الاحترام لا جريان الأحكام، وتصح إضافته إلى اللَّه لأنه بتحريمه صار حرامًا، والعجب من الطيبي تخصيصه بمكة إلا أن يكون عندهم روايتان، وقد ضبط في النسخ (حرم) بضمتين على أنها جمع حرمة، قال التُّورِبِشْتِي: وهو تصحيف ممن لا مهارة لهم بهذا العلم.

والعترة: نسل الرجل ورهطه وعشيرته الأدنون ممن مضى وغبر، والمستحل من عترة الرسول صلى الله عليه وسلم ما حرم اللَّه: من يفعل بهم ذلك كإيذائهم وترك تعظيمهم والتقصير في أداء حقوقهم، والمستحل بهذا المعنى عاصٍ، فلعنته من باب الزجر والتشديد، وأما من اعتقده حلالًا فكافر بالإجماع، وتخصيص ذكر الحرم والعترة مع أن المستحلّ لكل ما حرم اللَّه مستحق للزجر والعقوبة سواء كان حرم اللَّه تعالى وعترة الرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أو غيرهما لزيادة الاهتمام والتأكيد في التحريم والمبالغة في الوصفية لشرفهما واجتماع حق التعظيم والحرمة معًا، فواجب على المكلف القيام بحفظهما والاهتمام بالاجتناب عما يخل بحرمتهما أقصى الغاية، فعلى هذا كانت (من) في (من عترتي) ابتدائية متعلقة بـ (المستحل) بتضمين معنى الأخذ.

(1) أما عزو الحديث إلى "المدخل" للبيهقي فلم يوجد، وهو موجود في "شعب الإيمان".

(2)

قال الموفق: وَيَحْرُمُ صَيْدُ الْمَدِينَةِ وَشَجَرُهَا وَحَشِيشُهَا. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحْرُمُ؛ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحَرَّمًا لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيَانًا عَامًّا، وَلَوَجَبَ فِيهِ الْجَزَاءُ، كَصَيْدِ الْحَرَمِ. "المغني" لابن قدامة (3/ 323)، وانظر:"أوجز المسالك"(15/ 607).

ص: 400

110 -

[32] وَعَنْ مَطَرِ بْنِ عُكَامِسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا قَضَى اللَّهُ لِعَبْدٍ أَنْ يَمُوتَ بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ إِلَيْهَا حَاجَةً". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: 5/ 227، ت: 2146].

111 -

[33] وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ذَرَارِيُّ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: "مِنْ آبَائِهِمْ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِلَا عَمَلٍ؟ قَالَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كانُوا عَامِلِينَ". قُلْتُ: فَذَرَارِي الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: "مِنْ آبَائِهِمْ". قُلْتُ: بِلَا عَمَلٍ؟ قَالَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كانُوا عَامِلِينَ". رَوَاهُ أَبُو دَوُدَ. [د: 4712].

ــ

وقال الطيبي (1): يجوز أن يكون (من) بيانية وأن يراد بـ (المستحل) من يستحل من أولاد الرسول صلى الله عليه وسلم شيئًا من المحرمات، وفيه استبعاد وقوعه منهم كما ورد في شأن أزواجه صلى الله عليه وسلم {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30]، وأما التارك للسنة استخفافًا وقلة مبالاة فكافر، وتاركها تهاونًا وتكاسلًا لا عن استخفاف عاصٍ إذا داوم على ذلك، وأما تركها أحيانًا فليست بمعصية.

110 -

[32](مطر بن عكامس) قوله: (وعن مطر بن عكامس) مطر بفتحتين وعكامس بضم المهملة وكسر الميم آخره سين مهملة.

وقوله: (جعل له إليها حاجة) فيذهب إليها باختياره فيموت هناك.

111 -

[33](عائشة) قوله: (قال: اللَّه أعلم بما كانوا عاملين) إشارةٌ إلى القدر وردٌّ لتعجب عائشة من ذلك، يعني لا تتعجبي من ذلك، فإن الأطفال وإن لم يكن

(1)"شرح الطيبي"(1/ 261).

ص: 401

112 -

[34] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الوَائِدَةُ وَالْمَوْءُوْدَةُ فِي النَّارِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: 4717] وَالتِّرْمِذِيُّ (1).

ــ

لهم عمل بالفعل لكنه يمكن أن يكون عمل في علم اللَّه تعالى وقدره لهم، فافهم، وقد سبق الكلام فيه في الفصل الأول [برقم: 93].

112 -

[34](ابن مسعود) قوله: (الوائدة والموءودة في النار) وأد بنته يئدها وَأْدًا: دفنها حية، فهي وئيدة وموءودة، وكانت العرب في جاهليتهم يدفنون البنات حية، وإنما خص الوائدة بالذكر لأن أكثر ما كان الوأد من النساء، واستشكل الحديث بأن الوائدة تصح كونها في النار لكفرها وفعلها فما بال الموءودة لم تكفر، ولم تعمل سوءًا؟ فاضطروا في جوابه إلى توجيهات.

فقيل: إن الموءودة في النار لكونها من أطفال المشركين، ففيه إثبات القدر كما مرّ في أحاديث أخر، وبهذا الاعتبار أورد محيي السنة هذا الحديث في هذا الباب، ومن لم يقل بأن أطفال المشركين في النار أوّله بأن المراد بالوائدة القابلة وبالموءودة الموءودة لها وهي الأم فحذفت الصلة (2)، فإن القابلة التي كانت تئد بأمر الأم.

وقيل: ورد الحديث في مادة مخصوصة (3) فلا يقاس عليها ما عداها، فإن اللَّه يحكم في عباده ما يشاء، وهو على تقدير إن ثبت، ملحق بحديث الغلام الذي قتله

(1) كذا في نسخة وليس في سائر النسخ الموجودة، وهي خطأ من النساخ.

(2)

إِذْ كَانَ مِنْ دَيْدَنِهِمْ -العرب- أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَخَذَهَا الطَّلْقُ حَفَرُوا لَهَا حُفْرَةً عَمِيقَةً فَجَلَسَتِ الْمَرْأَةُ عَلَيْهَا، وَالْقَابِلَةُ وَرَاءَهَا تَرْقُبُ الْوَلَدَ، فَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا أَمْسَكَتْهُ، وَإِنْ وَلَدَتْ أُنْثَى أَلْقَتْهَا فِي الْحُفْرَةِ، وَأَهَالَتِ التُّرَابَ عَلَيْهَا. "مرقاة المفاتيح"(1/ 186).

(3)

وَهِيَ أَنَّ ابْنَيْ مُلَيْكَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَاهُ عَنْ أُمٍّ لَهُمَا كَانَتْ تَئِدُ، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام بذلك الجواب. "مرقاة المفاتيح"(1/ 186).

ص: 402