الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَيَا لَلَّهِ الْعَجَبَ! أَلَيْسَتِ الْكَوَائِنُ كُلُّهَا مُتَعَلِّقَةً بِالْأَسْبَابِ؟ أَوَلَيْسَ الرَّبُّ تَعَالَى - كُلَّ وَقْتٍ - يَسُوقُ الْمَقَادِيرَ إِلَى الْمَوَاقِيتِ الَّتِي وَقَّتَهَا لَهَا، وَيُظْهِرُهَا بِأَسْبَابِهَا الَّتِي سَبَّبَهَا لَهَا، وَيَخُصُّهَا بِمَحَالِّهَا مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا لَهَا؟ أَوَلَيْسَ قَدْ قَدَّرَ اللَّهُ الْمَقَادِيرَ، وَسَبَّبَ الْأَسْبَابَ الَّتِي تَظْهَرُ بِهَا، وَوَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ الَّتِي تَنْتَهِي إِلَيْهَا، وَنَصَبَ الْعِلَلَ الَّتِي تُوجَدُ لِأَجْلِهَا، وَجَعَلَ لِلْأَسْبَابِ أَسْبَابًا أُخَرَ تُعَارِضُهَا وَتُدَافِعُهَا؟ فَهَذِهِ تَقْتَضِي آثَارَهَا، وَهَذِهِ تَمْنَعُهَا اقْتِضَاءَهَا، وَتَطْلُبُ ضِدَّ مَا تَطْلُبُهُ تِلْكَ.
أَوَلَيْسَ قَدْ رَتَّبَ الْخَلْقَ وَالْأَمْرَ عَلَى ذَلِكَ، وَجَعَلَهُ مَحَلَّ الِامْتِحَانِ وَالِابْتِلَاءِ وَالْعُبُودِيَّةِ؟ أَوَلَيْسَ عِمَارَةُ الدَّارَيْنِ - أَعْنِي الْجَنَّةَ وَالنَّارَ - بِالْأَسْبَابِ وَالْعِلَلِ وَالْحِكَمِ؟ وَلَا حَاجَةَ بِنَا أَنْ نَقُولَ: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ الْأَسْبَابَ وَنَصَبَ الْعِلَلَ، فَإِنَّ ذِكْرَ هَذَا مِنْ بَابِ بَيَانِ الْوَاضِحَاتِ الَّتِي لَا يَجْهَلُهَا إِلَّا أَجْهَلُ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَقَلُّهُمْ نَصِيبًا مِنَ الْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ.
أَوَلَيْسَ الْقُرْآنُ - مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ - قَدْ عُلِّقَتْ أَخْبَارُهُ وَقِصَصُهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ، وَأَوَامِرُهُ وَنَوَاهِيهِ وَزَوَاجِرُهُ، وَثَوَابُهُ وَعِقَابُهُ: بِالْأَسْبَابِ، وَالْحِكَمِ وَالْعِلَلِ؟ وَعُلِّقَتْ فِيهِ الْمَعَارِفُ بِالْوَسَائِطِ، وَالْقَضَايَا بِالْحُجَجِ، وَالْعُقُوبَاتُ وَالْمَثُوبَاتُ بِالْجِنَايَاتِ وَالطَّاعَاتِ؟
أَوَلَيْسَ ذَلِكَ مُقْتَضَى الرِّسَالَةِ، وَمُوجَبَ الْمُلْكِ الْحَقِّ، وَالْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ؟
نَعَمْ، مَرْجِعُ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى الْمَشِيئَةِ الْإِلَهِيَّةِ الْمَقْرُونَةِ بِالْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعَدْلِ، وَالْمَصْلَحَةِ وَالْإِحْسَانِ، وَوَضْعِ الْأَشْيَاءِ فِي مَوَاضِعِهَا، وَتَنْزِيلِهَا فِي مَنَازِلِهَا، وَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي جَعَلَ لَهَا تِلْكَ الْمَوَاضِعَ وَالْمَنَازِلَ، وَالصِّفَاتِ وَالْمَقَادِيرَ، فَلَا تَلْبِيسَ هُنَاكَ بِوَجْهٍ مَا، وَإِنَّمَا التَّلْبِيسُ فِي إِخْرَاجِ الْأَسْبَابِ عَنْ مَوَاضِعِهَا وَمَوْضُوعِهَا وَإِلْغَائِهَا، أَوْ فِي إِنْزَالِهَا غَيْرَ مَنْزِلَتِهَا، وَالْغَيْبَةِ بِهَا عَنْ مُسَبِّبِهَا وَوَاضِعِهَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فَصْلٌ الثَّانِي تَلْبِيسُ أَهِلَ الْغَيْرَةِ عَلَى الْأَوْقَاتِ بِإِخْفَائِهَا]
فَصْلٌ
قَالَ: " وَالتَّلْبِيسُ الثَّانِي: تَلْبِيسُ أَهِلِ الْغَيْرَةِ عَلَى الْأَوْقَاتِ بِإِخْفَائِهَا، وَعَلَى الْكَرَامَاتِ بِكِتْمَانِهَا ".
إِطْلَاقُ " التَّلْبِيسِ " عَلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ أَوْلَى مِنْ إِطْلَاقِهِ عَلَى الدَّرَجَةِ الْأُولَى، فَإِنَّ
التَّلْبِيسَ فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ رَاجِعٌ إِلَى فِعْلِ الْعَبْدِ، وَفِي الْأَوْلَى إِلَى فِعْلِ الرَّبِّ، وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ تَسْمِيَةُ الدَّرَجَةِ الْأُولَى تَلْبِيسًا شَنِيعًا جِدًّا، وَطَّأَ لَهُ بِذِكْرِ قَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9] أَيْ لَا تَسْتَوْحِشْ مِنْ إِطْلَاقِ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَطْلَقَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِيهِ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ الْعَبْدَ يَقْوَى إِخْلَاصُهُ لِلَّهِ، وَصِدْقُهُ وَمُعَامَلَتُهُ، حَتَّى لَا يُحِبَّ أَنْ يَطَّلِعَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ عَلَى حَالِهِ مَعَ اللَّهِ وَمَقَامِهِ مَعَهُ، فَهُوَ يُخْفِي أَحْوَالَهُ غَيْرَةً عَلَيْهَا مِنْ أَنْ تَشُوبَهَا شَائِبَةُ الْأَغْيَارِ، وَيُخْفِي أَنْفَاسَهُ خَوْفًا عَلَيْهَا مِنَ الْمُدَاخَلَةِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ إِذَا غَلَبَهُ الْبُكَاءُ، وَعَجَزَ عَنْ دَفْعِهِ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مَا أَمَرَّ الزُّكَامَ! فَالصَّادِقُ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجْدُ وَالْحَالُ، وَهَاجَ مِنْ قَلْبِهِ لَوَاعِجُ الشَّوْقِ؛ أَخْلَدَ إِلَى السُّكُونِ مَا أَمْكَنَهُ، فَإِنْ غَلَبَ؛ أَظْهَرَ أَلَمًا وَوَجَعًا؛ يَسْتُرُ بِهِ حَالَهُ مَعَ اللَّهِ، كَمَا أَظْهَرَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ صلى الله عليه وسلم لِقَوْمِهِ أَنَّهُ سَقِيمٌ، حِينَ أَرَادَ أَنْ يُفَارِقَهُمْ، وَيَرْجِعَ بِذَلِكَ الْوَارِدِ وَتِلْكَ الْحَالِ إِلَى الْآلِهَةِ الْبَاطِلَةِ، فَيَجْعَلَهَا جُذَاذًا.
فَالصَّادِقُونَ يَعْمَلُونَ فِي كِتْمَانِ الْمَعَانِي، وَاجْتِنَابِ الدَّعَاوِي، فَظَوَاهِرُهُمْ ظَوَاهِرُ النَّاسِ، وَقُلُوبُهُمْ مَعَ الْحَقِّ تَعَالَى، لَا تَلْتَفِتُ عَنْهُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً، فَهُمْ فِي وَادٍ، وَالنَّاسُ فِي وَادٍ.
فَقَوْلُهُ: " تَلْبِيسُ أَهِلِ الْغَيْرَةِ عَلَى الْأَوْقَاتِ بِإِخْفَائِهَا "، يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَغَارُونَ عَلَى الْأَوْقَاتِ الَّتِي عَمَرَتْ لَهُمْ بِاللَّهِ، وَصَفَتْ لَهُمْ أَنْ يُظْهِرُوهَا لِلنَّاسِ، وَإِنِ اطَّلَعَ غَيْرُهُمْ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ قَصْدِهِمْ لِكَشْفِهَا وَإِظْهَارِهَا؛ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي طَرِيقِهِمْ فَلَا يَفْزَعُونَ إِلَى الْجَحْدِ وَالْإِنْكَارِ، وَشِكَايَةِ الْحَالِ، بَلْ يَسَعُهُمُ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْإِظْهَارِ وَالْجَحْدِ.
قَوْلُهُ: " وَعَلَى الْكَرَامَاتِ بِكِتْمَانِهَا "، يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَغَارُونَ عَلَى كَرَامَاتِهِمْ أَنْ يَعْلَمَ بِهَا النَّاسُ، فَهُمْ يُخْفُونَهَا أَبَدًا غَيْرَةً عَلَيْهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ فِي إِظْهَارِهَا مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ؛ مِنْ حُجَّةٍ أَوْ حَاجَةٍ، فَلَا يُظْهِرُونَهَا إِلَّا لِحُجَّةٍ عَلَى مُبْطِلٍ، أَوْ حَاجَةٍ تَقْتَضِي إِظْهَارَهَا.
قَوْلُهُ: " وَالتَّلْبِيسُ بِالْمَكَاسِبِ وَالْأَسْبَابِ مَعْنَاهُ، وَتَعْلِيقُ الظَّوَاهِرِ بِالشَّوَاهِدِ وَالْمَكَاسِبِ تَلْبِيسٌ عَلَى الْعُيُونِ الْكَلِيلَةِ وَالْعُقُولِ الْعَلِيلَةِ "، يَعْنِي: أَنَّ التَّلْبِيسَ الْمَذْكُورَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْعُيُونِ الْكَلِيلَةِ، أَيْ أَهْلِ الْإِحْسَاسِ الضَّعِيفِ، وَ " الْعُقُولُ الْعَلِيلَةُ " هِيَ الْمُنْحَرِفَةُ الَّتِي لَا تُدْرِكُ الْحَقَّ لِمَرَضٍ بِهَا.