الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فَصْلٌ التَّوْحِيدُ]
[التَّوْحِيدُ أَوَّلُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ]
قَالَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ: (بَابُ التَّوْحِيدِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ} [آل عمران: 18] التَّوْحِيدُ: تَنْزِيهُ اللَّهِ عز وجل عَنِ الْحَدَثِ، وَإِنَّمَا نَطَقَ الْعُلَمَاءُ بِمَا نَطَقُوا بِهِ، وَأَشَارَ الْمُحَقِّقُونَ بِمَا أَشَارُوا بِهِ فِي هَذَا الطَّرِيقِ: لِقَصْدِ تَصْحِيحِ التَّوْحِيدِ، وَمَا سِوَاهُ مِنْ حَالٍ أَوْ مَقَامٍ؛ فَكُلُّهُ مَصْحُوبٌ بِالْعِلَلِ.
قُلْتُ: التَّوْحِيدُ أَوَّلُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ، وَأَوَّلُ مَنَازِلِ الطَّرِيقِ، وَأَوَّلُ مَقَامٍ يَقُومُ فِيهِ السَّالِكُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى: قَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59] وَقَالَ هُودٌ لِقَوْمِهِ: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 65] وَقَالَ صَالِحٌ لِقَوْمِهِ: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 73] وَقَالَ شُعَيْبٌ لِقَوْمِهِ: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 85] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] .
فَالتَّوْحِيدُ: مِفْتَاحُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِرَسُولِهِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه وَقَدْ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ - «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ: عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَإِذَا شَهِدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» ، وَلِهَذَا
كَانَ الصَّحِيحُ: أَنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لَا النَّظَرُ، وَلَا الْقَصْدُ إِلَى النَّظَرِ، وَلَا الشَّكُّ - كَمَا هِيَ أَقْوَالٌ لِأَرْبَابِ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ.
فَالتَّوْحِيدُ: أَوَّلُ مَا يَدْخُلُ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَآخِرُ مَا يَخْرُجُ بِهِ مِنَ الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ دَخَلَ الْجَنَّةَ» ، فَهُوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ، وَآخِرُ وَاجِبٍ، فَالتَّوْحِيدُ: أَوَّلُ الْأَمْرِ وَآخِرُهُ.
قَوْلُهُ: " التَّوْحِيدُ: تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ الْحَدَثِ "، هَذَا الْحَدُّ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّوْحِيدِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، وَيَنْجُو بِهِ الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ، وَيَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَيَخْرُجُ مِنَ الشِّرْكِ، فَإِنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ جَمِيعِ الْفِرَقِ، وَكُلُّ مَنْ أَقَرَّ بِوُجُودِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ أَقَرَّ بِهِ، فَعُبَّادُ الْأَصْنَامِ، وَالْمَجُوسُ، وَالنَّصَارَى، وَالْيَهُودُ، وَالْمُشْرِكُونَ - عَلَى اخْتِلَافِ نِحَلِهِمْ - كُلُّهُمْ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَنِ الْحَدَثِ، وَيُثْبِتُونَ قِدَمَهُ، حَتَّى أَعْظَمُ الطَّوَائِفِ عَلَى الْإِطْلَاقِ شِرْكًا، وَكُفْرًا وَإِلْحَادًا، وَهُمْ طَائِفَةُ الِاتِّحَادِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ، وَهُوَ قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ، وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَدَثِ، وَلَمْ تَزَلِ الْمُحْدَثَاتُ تَكْتَسِي وُجُودَهُ، تَلْبَسُهُ وَتَخْلَعُهُ.
وَالْفَلَاسِفَةُ - الَّذِينَ هُمْ أَبْعَدُ الْخَلْقِ عَنِ الشَّرَائِعِ وَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ - يُثْبِتُونَ وَاجِبَ الْوُجُودِ قَدِيمًا مُنَزَّهًا عَنِ الْحَدَثِ.
وَالْمُشْرِكُونَ - عُبَّادُ الْأَصْنَامِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى - يُثْبِتُونَ قَدِيمًا مُنَزَّهًا عَنِ الْحَدَثِ.
فَالتَّنْزِيهُ عَنِ الْحَدَثِ حَقٌّ، وَلَكِنْ لَا يُعْطِي إِسْلَامًا وَلَا إِيمَانًا، وَلَا يُدْخِلُ فِي شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا يُخْرِجُ مِنْ نِحَلِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَمِلَلِهِمُ الْبَتَّةَ، وَهَذَا الْقَدْرُ لَا يَخْفَى عَلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَمَحَلُّهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ مَحَلُّهُ.
وَمَعَ هَذَا فَقَدْ سُئِلَ سَيِّدُ الطَّائِفَةِ الْجُنَيْدُ عَنِ التَّوْحِيدِ؟ فَقَالَ: هُوَ إِفْرَادُ الْقَدِيمِ عَنِ الْمُحْدَثِ، وَالْجُنَيْدُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ دَعْوَى التَّوْحِيدِ، وَلَا مَقَامُهُ وَلَا حَالُهُ، وَلَا