المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل توحيد العامة الذي يصح بالشواهد] - مدارج السالكين - ط الكتاب العربي - جـ ٣

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌[فَصْلُ مَنْزِلَةِ الْهِمَّةِ]

- ‌[حَقِيقَةُ الْهِمَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ دَرَجَاتُ الْهِمَّةِ]

- ‌[الدَّرَجَةُ الْأُولَى هِمَّةٌ تَصُونُ الْقَلْبَ عَنْ وَحْشَةِ الرَّغْبَةِ فِي الْفَانِي]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ هِمَّةٌ تُورِثُ أَنَفَةً مِنَ الْمُبَالَاةِ بِالْعِلَلِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ هِمَّةٌ تَتَصَاعَدُ عَنِ الْأَحْوَالِ وَالْمُعَامَلَاتِ]

- ‌[فَصْلٌ مَنْزِلَةُ الْمَحَبَّةِ]

- ‌[حَقِيقَةُ الْمَحَبَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ حَدُّ الْمَحَبَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ رُسُومٌ وَحُدُودٌ قِيلَتْ فِي الْمَحَبَّةِ]

- ‌[فصل أسباب المحبة]

- ‌[فَصْلٌ مَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَمَحَبَّةُ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي مَرَاتِبِ الْمَحَبَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ الْمَحَبَّةُ تَعَلُّقُ الْقَلْبِ بَيْنَ الْهِمَّةِ وَالْأُنْسِ]

- ‌[فَصْلٌ الْمَحَبَّةُ أَوَّلُ أَوْدِيَةِ الْفَنَاءِ]

- ‌[فَصْلٌ مَا دُونَ الْمَحَبَّةِ مِنَ الْمَقَامَاتِ]

- ‌[فَصْلٌ الْمَحَبَّةُ هِيَ سِمَةُ الطَّائِفَةِ وَعُنْوَانُ الطَّرِيقَةِ]

- ‌[فَصْلٌ دَرَجَاتُ الْمَحَبَّةِ]

- ‌[الدَّرَجَةُ الْأُولَى مَحَبَّةٌ تَقْطَعُ الْوَسَاوِسَ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ مَحَبَّةٌ تَبْعَثُ عَلَى إِيثَارِ الْحَقِّ عَلَى غَيْرِهِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ مَحَبَّةٌ خَاطِفَةٌ]

- ‌[فَصْلٌ مَدَارُ شَأْنِ السَّالِكِينَ الْمُسَافِرِينَ إِلَى اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الْمَحَبَّةِ الثَّالِثَةِ]

- ‌[فَصْلٌ مَنْزِلَةُ الْغَيْرَةِ]

- ‌[حَقِيقَةُ الْغَيْرَةِ]

- ‌[فَصْلٌ الْغَيْرَةُ سُقُوطُ الِاحْتِمَالِ ضَنًّا وَالضِّيقُ عَنِ الصَّبْرِ نَفَاسَةً]

- ‌[فَصْلٌ دَرَجَاتُ الْغَيْرَةِ]

- ‌[الدَّرَجَةُ الْأُولَى غَيْرَةُ الْعَابِدِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ غَيْرَةُ الْمُرِيدِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ غَيْرَةُ الْعَارِفِ]

- ‌[فَصْلٌ مَنْزِلَةُ الشَّوْقِ]

- ‌[حَقِيقَةُ الشَّوْقِ]

- ‌[فَصْلٌ الشَّوْقُ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْمَحَبَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ الشَّوْقُ يُرَادُ بِهِ حَرَكَةُ الْقَلْبِ وَاهْتِيَاجُه لِلِقَاءِ الْمَحْبُوبِ]

- ‌[فَصْلٌ الشَّوْقُ هُبُوبُ الْقَلْبِ إِلَى غَائِبٍ]

- ‌[فَصْلٌ دَرَجَاتُ الشَّوْقِ]

- ‌[الدَّرَجَةُ الْأُولَى شَوْقُ الْعَابِدِ إِلَى الْجَنَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ شَوْقٌ إِلَى اللَّهِ عز وجل]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ الشَّوْقُ الْخَالِصُ]

- ‌[فَصْلٌ الْقَلَقُ]

- ‌[حَقِيقَةُ الْقَلَقِ]

- ‌[دَرَجَاتُ الْقَلَقِ]

- ‌[الدَّرَجَةُ الْأُولَى قَلَقٌ يُضَيِّقُ الْخُلُقَ وَيُبَغِّضُ الْخَلْقَ وَيُلَذِّذُ الْمَوْتَ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ قَلَقٌ يُغَالِبُ الْعَقْلَ وَيُخَلِّي السَّمْعَ وَيُطَاوِلُ الطَّاقَةَ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ قَلَقٌ لَا يَرْحَمُ أَبَدًا وَلَا يَقْبَلُ أَمَدًا وَلَا يُبْقِي أَحَدًا]

- ‌[فَصْلٌ الْعَطَشُ]

- ‌[حَقِيقَةُ الْعَطَشِ]

- ‌[فَصْلٌ دَرَجَاتُ الْعَطَشِ]

- ‌[الدَّرَجَةُ الْأُولَى عَطَشُ الْمُرِيدِ إِلَى شَاهِدٍ يَرْوِيهِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ عَطَشُ السَّالِكِ إِلَى أَجَلٍ يَطْوِيهِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ عَطَشُ الْمُحِبِّ إِلَى جَلْوَةٍ مَا دُونَهَا سَحَابُ عَلَّةٍ]

- ‌[فَصْلٌ مَنْزِلَةُ الْوَجْدِ]

- ‌[حَقِيقَةُ الْوَجْدِ]

- ‌[فَصْلٌ دَرَجَاتُ الْوَجْدِ]

- ‌[الدَّرَجَةُ الْأُولَى وَجْدٌ عَارِضٌ يَسْتَفِيقُ لَهُ شَاهَدُ السَّمْعِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ وَجْدٌ تَسْتَفِيقُ لَهُ الرُّوحُ بِلَمْعِ نُورٍ أَزَلِيٍّ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ وَجْدٌ يَخْطِفُ الْعَبْدَ مِنْ يَدِ الْكَوْنَيْنِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّهْشُ]

- ‌[حَقِيقَةُ الدَّهْشِ]

- ‌[دَرَجَاتُ الدَّهْشِ]

- ‌[الدَّرَجَةُ الْأُولَى دَهْشَةُ الْمُرِيدِ عِنْدَ صَوْلَةِ الْحَالِ عَلَى عِلْمِهِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ دَهْشَةُ السَّالِكِ عِنْدَ صَوْلَةِ الْجَمْعِ عَلَى رَسْمِهِ]

- ‌[الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ دَهْشَةُ الْمُحِبِّ عِنْدَ صَوْلَةِ الِاتِّصَالِ عَلَى لُطْفِ الْعَطِيَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي مَنْزِلَةِ الْهَيَمَانِ]

- ‌[حَقِيقَةُ الْهَيَمَانِ]

- ‌[دَرَجَاتُ الْهَيَمَانِ]

- ‌[الدَّرَجَةُ الْأُولَى هَيَمَانٌ فِي شِيَمِ أَوَائِلِ بَرْقِ اللُّطْفِ عِنْدَ قَصْدِ الطَّرِيقِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ هَيَمَانٌ فِي تَلَاطُمِ أَمْوَاجِ التَّحْقِيقِ عِنْدَ ظُهُورِ بَرَاهِينِهِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ هَيَمَانٌ عِنْدَ الْوُقُوعِ فِي عَيْنِ الْقِدَمِ وَمُعَايَنَةِ سُلْطَانِ الْأَزَلِ]

- ‌[فَصْلٌ الْبَرْقُ]

- ‌[حَقِيقَةُ الْبَرْقِ]

- ‌[دَرَجَاتُ الْبَرْقِ]

- ‌[الدَّرَجَةُ الْأُولَى بَرْقٌ يَلْمَعُ مِنْ جَانِبِ الْعِدَةِ فِي عَيْنِ الرَّجَاءِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ بَرْقٌ يَلْمَعُ مِنْ جَانِبِ الْوَعِيدِ فِي عَيْنِ الْحَذَرِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ بَرْقٌ يَلْمَعُ مِنْ جَانِبِ اللُّطْفِ فِي عَيْنِ الِافْتِقَارِ]

- ‌[فَصْلُ مَنْزِلَةِ الذَّوْقِ]

- ‌[حَقِيقَةُ الذَّوْقِ]

- ‌[فَصْلٌ بَابُ الذَّوْقِ]

- ‌[فَصْلٌ الذَّوْقُ أَبْقَى مِنَ الْوَجْدِ وَأَجْلَى مِنَ الْبَرْقِ]

- ‌[فَصْلٌ دَرَجَاتُ الذَّوْقِ]

- ‌[الدَّرَجَةُ الْأُولَى ذَوْقُ التَّصْدِيقِ طَعْمَ الْعِدَةِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ ذَوْقُ الْإِرَادَةِ طَعْمَ الْأُنْسِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ ذَوْقُ الِانْقِطَاعِ طَعْمَ الِاتِّصَالِ]

- ‌[فَصْلٌ مَنْزِلَةُ اللَّحْظِ]

- ‌[حَقِيقَةُ اللَّحْظِ]

- ‌[دَرَجَاتُ اللَّحْظِ]

- ‌[الدَّرَجَةُ الْأُولَى مُلَاحَظَةُ الْفَضْلِ سَبْقًا]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ مُلَاحَظَةُ نُورِ الْكَشْفِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ مُلَاحَظَةُ عَيْنِ الْجَمْعِ]

- ‌[فَصْلُ مَنْزِلَةِ الْوَقْتِ]

- ‌[حَقِيقَةُ الْوَقْتِ]

- ‌[فَصْلٌ مَعَانِي الْوَقْتِ]

- ‌[الْمَعْنَى الْأَوَّلُ وَقْتُ وَجْدٍ صَادِقٍ]

- ‌[فَصْلٌ الْمَعْنَى الثَّانِي اسْمٌ لِطَرِيقِ سَالِكٍ]

- ‌[فَصْلٌ الْمَعْنَى الثَّالِثِ: الْوَقْتُ الْحَقُّ]

- ‌[فَصْلٌ مَنْزِلَةُ الصَّفَاءِ]

- ‌[حَدُّ الصَّفَاءِ]

- ‌[دَرَجَاتُ الصَّفَاءِ]

- ‌[الدَّرَجَةُ الْأُولَى صَفَاءُ عِلْمٍ يُهَذِّبُ لِسُلُوكِ الطَّرِيقِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ صَفَاءُ حَالٍ يُشَاهَدُ بِهِ شَوَاهِدُ التَّحْقِيقِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ صَفَاءُ اتِّصَالٍ]

- ‌[فَصْلٌ مَنْزِلَةُ السُّرُورِ]

- ‌[فَصْلٌ ذِكْرُ السُّرُورِ فِي الْقُرْآنِ]

- ‌[فَصْلٌ حَدُّ السُّرُورِ]

- ‌[دَرَجَاتُ السُّرُورِ]

- ‌[الدَّرَجَةُ الْأُولَى سُرُورُ ذَوْقٍ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ سُرُورُ شُهُودٍ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ سُرُورُ سَمَاعِ الْإِجَابَةِ]

- ‌[فَصْلٌ مَنْزِلَةُ السِّرِّ]

- ‌[حَقِيقَةُ السِّرِّ]

- ‌[فَصْلٌ أَصْحَابُ السِّرِّ ثَلَاثُ طَبَقَاتٍ]

- ‌[الْأُولَى طَائِفَةٌ عَلَتْ هِمَمُهُمْ وَصَفَتْ قُصُودُهُمْ]

- ‌[فَصْلٌ الثَّانِيَةُ طَائِفَةٌ أَشَارُوا عَنْ مَنْزِلٍ وَهُمْ فِي غَيْرِهِ وَوَرُّوا بِأَمْرٍ وَهُمْ لِغَيْرِهِ]

- ‌[فَصْلٌ الثَّالِثَةُ طَائِفَةٌ أَسَرَهُمُ الْحَقُّ عَنْهُمْ فَأَلَاحَ لَهُمْ لَائِحًا أَذْهَلَهُمْ عَنْ إِدْرَاكِ مَا هُمْ فِيهِ]

- ‌[فَصْلٌ مَنْزِلَةُ النَّفَسِ]

- ‌[فَصْلٌ حَقِيقَةُ النَّفَسِ]

- ‌[فَصْلٌ الْأَنْفَاسُ ثَلَاثَةٌ]

- ‌[الْأَوَّلُ نَفَسٌ فِي حِينِ اسْتِتَارٍ]

- ‌[فَصْلٌ الثَّانِي نَفَسٌ فِي حِينِ التَّجَلِّي]

- ‌[فَصْلٌ الثَّالِثُ نَفَسٌ مُطَهَّرٌ بِمَاءِ الْقُدْسِ]

- ‌[فَصْلُ الْغُرْبَةِ]

- ‌[حَقِيقَةُ الْغُرْبَةِ]

- ‌[أَنْوَاعُ الْغُرْبَةِ]

- ‌[الْأَوَّلُ غُرْبَةُ أَهْلِ اللَّهِ وَأَهْلِ سُنَةِ رَسُولِهِ بَيْنَ هَذَا الْخَلْقِ]

- ‌[فَصْلٌ الثَّانِي غُرْبَةُ أَهْلِ الْبَاطِلِ]

- ‌[فَصْلٌ الثَّالِثُ غُرْبَةٌ مُشْتَرَكَةٌ لَا تُحْمَدُ وَلَا تُذَمُّ]

- ‌[فَصْلٌ دَرَجَاتُ الِاغْتِرَابِ]

- ‌[الدَّرَجَةُ الْأُولَى الْغُرْبَةُ عَنِ الْأَوْطَانِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ غُرْبَةُ الْحَالِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ غُرْبَةُ الْهِمَّةِ]

- ‌[فَصْلُ الْغَرَقِ]

- ‌[حَقِيقَةُ الْغَرَقِ]

- ‌[دَرَجَاتُ الْغَرَقِ]

- ‌[الدَّرَجَةُ الْأُولَى اسْتِغْرَاقُ الْعِلْمِ فِي عَيْنِ الْحَالِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ اسْتِغْرَاقُ الْإِشَارَةِ فِي الْكَشْفِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ اسْتِغْرَاقُ الشَّوَاهِدِ فِي الْجَمْعِ]

- ‌[فَصْلُ الْغَيْبَةِ]

- ‌[حَقِيقَةُ الْغَيْبَةِ]

- ‌[دَرَجَاتُ الْغَيْبَةِ]

- ‌[الدَّرَجَةُ الْأُولَى غَيْبَةُ الْمُرِيدِ فِي تَخَلُّصِ الْقَصْدِ عَنْ أَيْدِي الْعَلَائِقِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ غَيْبَةُ السَّالِكِ عَنْ رُسُومِ الْعِلْمِ وَعِلَلِ السَّعْيِ وَرُخَصِ الْفُتُورِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ غَيْبَةُ الْعَارِفِ عَنْ عُيُونِ الْأَحْوَالِ وَالشَّوَاهِدِ وَالدَّرَجَاتِ فِي عَيْنِ الْجَمْعِ]

- ‌[فَصْلُ التَّمَكُّنِ]

- ‌[حَقِيقَةُ التَّمَكُّنِ]

- ‌[دَرَجَاتُ التَّمَكُّنِ]

- ‌[الدَّرَجَةُ الْأُولَى تَمَكُّنُ الْمُرِيدِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ تَمَكُّنُ السَّالِكِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ تَمَكُّنُ الْعَارِفِ]

- ‌[فَصْلُ الْمُكَاشَفَةِ]

- ‌[فَصْلُ الْمُشَاهَدَةِ]

- ‌[مَنْ يَنْتَفِعُ بِكَلَامِ اللَّهِ]

- ‌[حَقِيقَةُ الْمُشَاهَدَةِ]

- ‌[دَرَجَاتُ الْمُشَاهَدَةِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الْأُولَى مُشَاهَدَةُ مَعْرِفَةٍ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ مُشَاهَدَةُ مُعَايَنَةٍ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ مُشَاهَدَةُ جَمْعٍ]

- ‌[فَصْلُ الْمُعَايَنَةِ]

- ‌[حَقِيقَةُ الْمُعَايَنَةِ]

- ‌[فَصْلٌ أَنْوَاعُ الْمُعَايَنَةِ]

- ‌[فَصْلُ الْحَيَاةِ]

- ‌[حَقِيقَةُ الْحَيَاةِ]

- ‌[الْحَيَاةُ الْمَقْصُودَةُ هُنَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ]

- ‌[فَصْلٌ الْحَيَاةُ الْأُولَى حَيَاةُ الْعِلْمِ مِنْ مَوْتِ الْجَهْلِ وَهِيَ عَشْرُ مَرَاتِبَ]

- ‌[فَصْلٌ الْحَيَاةُ الثَّانِيَةُ حَيَاةُ الْجَمْعِ مِنْ مَوْتِ التَّفْرِقَةِ]

- ‌[فَصْلٌ الْحَيَاةُ الثَّالِثَةُ حَيَاةُ الْوُجُودِ]

- ‌[فَصْلُ الْقَبْضِ]

- ‌[فَصْلُ الْبَسْطِ]

- ‌[فَصْلُ السُّكْرِ]

- ‌[حَدُّ السُّكْرِ]

- ‌[فَصْلٌ أَسْبَابُ السُّكْرِ]

- ‌[فَصْلٌ عَلَامَاتُ السُّكْرِ]

- ‌[فَصْلُ الصَّحْوِ]

- ‌[فَصْلُ الِاتِّصَالِ]

- ‌[فَصْلُ الِانْفِصَالِ]

- ‌[حَقِيقَةُ الِانْفِصَالِ]

- ‌[فَصْلٌ وُجُوهُ الِانْفِصَالِ]

- ‌[فَصْلُ الْمَعْرِفَةِ]

- ‌[حَقِيقَةُ الْمَعْرِفَةِ]

- ‌[فَصْلٌ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ]

- ‌[فَصْلٌ دَرَجَاتُ الْمَعْرِفَةِ]

- ‌[الدَّرَجَةُ الْأُولَى مَعْرِفَةُ الصِّفَاتِ وَالنُّعُوتِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ مَعْرِفَةُ الذَّاتِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ مَعْرِفَةٌ مُسْتَغْرِقَةٌ فِي مَحْضِ التَّعْرِيفِ]

- ‌[فَصْلٌ الْفَنَاءُ]

- ‌[حَقِيقَةُ الْفَنَاءِ]

- ‌[دَرَجَاتُ الْفَنَاءِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الْأُولَى فَنَاءُ الْمَعْرِفَةِ فِي الْمَعْرُوفِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ فَنَاءُ شُهُودِ الطَّلَبِ لِإِسْقَاطِهِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ الْفَنَاءُ عَنْ شُهُودِ الْفَنَاءِ]

- ‌[فَصْلٌ الْبَقَاءُ]

- ‌[حَدُّ الْبَقَاءِ]

- ‌[دَرَجَاتُ الْبَقَاءِ]

- ‌[فَصْلٌ التَّحْقِيقُ]

- ‌[فَصْلٌ التَّلْبِيسُ]

- ‌[عَدَمُ مُنَاسَبَةِ اسْمِ الْبَابِ]

- ‌[فَصْلٌ حَقِيقَةُ التَّلْبِيسِ]

- ‌[فَصْلٌ التَّلْبِيسُ اسْمٌ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ]

- ‌[الْأَوَّلُ تَلْبِيسُ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ بِالْكَوْنِ عَلَى أَهْلِ التَّفْرِقَةِ]

- ‌[فَصْلٌ الثَّانِي تَلْبِيسُ أَهِلَ الْغَيْرَةِ عَلَى الْأَوْقَاتِ بِإِخْفَائِهَا]

- ‌[الثَّالِثُ تَلْبِيسُ أَهْلِ التَّمْكِينِ عَلَى الْعَالَمِ]

- ‌[فَصْلٌ مَبْنَى الْبَابِ عَلَى مَحْوِ الْأَسْبَابِ وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهَا وَالْوُقُوفِ مَعَهَا]

- ‌[فَصْلٌ الْوُجُودُ]

- ‌[حَقِيقَةُ الْوُجُودِ]

- ‌[فَصْلٌ تَكَلَّمَ الْفَلَاسِفَةُ وَالْمُتَكَلِّمُونَ وَالِاتِّحَادِيَّةُ فِي الْوُجُودِ بِمَا هُوَ أَبْعَدُ شَيْءٍ عَنِ الصَّوَابِ]

- ‌[فَصْلٌ حَدُّ الْوُجُودِ]

- ‌[فَصْلٌ التَّجْرِيدُ]

- ‌[حَقِيقَةُ التَّجْرِيدِ]

- ‌[فَصْلٌ دَرَجَاتُ التَّجْرِيدِ]

- ‌[الدَّرَجَةُ الْأُولَى تَجْرِيدُ عَيْنِ الْكَشْفِ عَنْ كَسْبِ الْيَقِينِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ تَجْرِيدُ عَيْنِ الْجَمْعِ عَنْ دَرْكِ الْعِلْمِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ تَجْرِيدُ الْخَلَاصِ مِنْ شُهُودِ التَّجْرِيدِ]

- ‌[فَصْلٌ التَّفْرِيدُ]

- ‌[حَدُّ التَّفْرِيدِ]

- ‌[فَصْلٌ تَفْرِيدُ الْإِشَارَةِ إِلَى الْحَقِّ]

- ‌[تَفْرِيدُ الْإِشَارَةِ بِالْحَقِّ]

- ‌[فَصْلٌ تَفْرِيدُ الْإِشَارَةِ عَنِ الْحَقِّ]

- ‌[فَصْلٌ الْجَمْعُ]

- ‌[حَدُّ الْجَمْعِ]

- ‌[دَرَجَاتُ الْجَمْعِ]

- ‌[الْجَمْعُ غَايَةُ مَقَامَاتِ السَّالِكِينَ]

- ‌[فَصْلٌ نِهَايَةُ السَّالِكِينَ تَكْمِيلُ مَرْتَبَةِ الْعُبُودِيَّةِ صَرْفًا]

- ‌[فَصْلٌ التَّوْحِيدُ]

- ‌[التَّوْحِيدُ أَوَّلُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ]

- ‌[فَصْلٌ الْإِفْرَادُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْجُنَيْدُ]

- ‌[فَصْلٌ انْقِسَامُ الطَّوَائِفِ فِي التَّوْحِيدِ وَتَسْمِيَةُ كُلِّ طَائِفَةٍ بَاطِلَهُمْ تَوْحِيدًا]

- ‌[فَصْلٌ أَنْوَاعُ التَّوْحِيدِ الَّذِي دَعَتْ إِلَيْهِ الرُّسُلُ]

- ‌[مَرَاتِبُ التَّوْحِيدِ]

- ‌[فَصْلٌ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَائِمًا بِالْقِسْطِ]

- ‌[فَصْلٌ مَزَاعِمُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ]

- ‌[فَصْلٌ شَهَادَتُهُ سُبْحَانَهُ تَتَضَمَّنُ بَيَانَهُ لِلْعِبَادِ وَدَلَالَتَهُمْ وَتَعْرِيفَهُمْ بِمَا شَهِدَ بِهِ]

- ‌[فَصْلٌ الِاسْتِشْهَادُ عَلَى الرِّسَالَةِ بِشَهَادَةِ اللَّهِ لَهُ]

- ‌[فَصْلٌ مِنْ شَهَادَتِهِ سُبْحَانَهُ مَا أَوْدَعَهُ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ مِنَ التَّصْدِيقِ الْجَازِمِ بِكَلَامِهِ وَوَحْيِهِ]

- ‌[فَصْلٌ ضِمْنُ الشَّهَادَةِ الْإِلَهِيَّةِ الثَّنَاءُ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ الشَّاهِدِينَ بِهَا وَتَعْدِيلِهِمْ]

- ‌[فَصْلٌ تَفْسِيرُ شَهَادَةِ أُولِي الْعِلْمِ]

- ‌[فَصْلٌ تَوْحِيدُ الْعَامَّةِ الَّذِي يَصِحُّ بِالشَّوَاهِدِ]

- ‌[فَصْلٌ تَوْحِيدُ الْخَاصَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ الصُّعُودُ عَنْ مُنَازَعَاتِ الْعُقُولِ حَقٌّ لَا يَتِمُّ التَّوْحِيدُ وَالْإِيمَانُ إِلَّا بِهِ]

- ‌[فَصْلٌ الْفَرْقُ الْإِيمَانِيُّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِمَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ]

- ‌[فَصْلٌ الْجَمْعُ الصَّحِيحُ هُوَ جَمْعُ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَجَمْعُ تَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ التَّوْحِيدُ الَّذِي اخْتَصَّهُ الْحَقُّ لِنَفْسِهِ وَاسْتَحَقَّهُ لِقَدْرِهِ]

الفصل: ‌[فصل توحيد العامة الذي يصح بالشواهد]

اللَّهِ أَصْلًا، بَلْ يَبْقَى الْعَبْدُ مُوَالِيًا لِرَبِّهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، يُحِبُّ مَنْ أَحَبَّ وَمَا أَحَبَّ، وَيُبْغِضُ مَنْ أَبْغَضَ وَمَا أَبْغَضَ، وَيُوَالِي مَنْ يُوَالِي، وَيُعَادِي مَنْ يُعَادِي، وَيَأْمُرُ بِمَا يَأْمُرُ بِهِ، وَيَنْهَى عَمَّا نَهَى عَنْهُ.

[فَصْلٌ تَوْحِيدُ الْعَامَّةِ الَّذِي يَصِحُّ بِالشَّوَاهِدِ]

فَصْلٌ

قَوْلُهُ: " وَهَذَا تَوْحِيدُ الْعَامَّةِ، الَّذِي يَصِحُّ بِالشَّوَاهِدِ ".

قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا تَوْحِيدُ خَاصَّةِ الْخَاصَّةِ، الَّذِي لَا شَيْءَ فَوْقَهُ، وَلَا أَخَصَّ مِنْهُ، وَأَنَّ الْخَلِيلَيْنِ أَكْمَلُ النَّاسِ فِيهِ تَوْحِيدًا، فَلْيَهْنَ الْعَامَّةَ نَصِيُهُمْ مِنْهُ.

قَوْلُهُ " يَصِحُّ بِالشَّوَاهِدِ " أَيْ بِالْأَدِلَّةِ وَالْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ، وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِهِ وَشَرَفِهِ أَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ، وَنَادَتْ عَلَيْهِ الشَّوَاهِدُ، وَأَوْضَحَتْهُ الْآيَاتُ وَالْبَرَاهِينُ، وَمَا عَدَاهُ فَدَعَاوَى مُجَرَّدَةٌ، لَا يَقُومُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ، وَلَا تَصِحُّ بِشَاهِدٍ، فَكُلُّ تَوْحِيدٍ لَا يَصِحُّ بِشَاهِدٍ فَلَيْسَ بِتَوْحِيدٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَوْحِيدٌ أَكْمَلَ مِنَ التَّوْحِيدِ الَّذِي يَصِحُّ بِالشَّوَاهِدِ، وَالْآيَاتِ، وَتَوْحِيدُ الْقُرْآنِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: " هَذَا هُوَ التَّوْحِيدُ الظَّاهِرُ الْجَلِيُّ، الَّذِي نَفَى الشِّرْكَ الْأَعْظَمَ ".

فَنَعَمْ، لَعَمْرُ اللَّهِ، وَلِظُهُورِهِ وَجَلَائِهِ أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، وَأَمَرَ اللَّهُ بِهِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مِنْ عِبَادِهِ، وَأَمَّا الرَّمْزُ وَالْإِشَارَةُ وَالتَّعْقِيدُ، الَّذِي لَا يَكَادُ أَنْ يَفْهَمَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا بِجَهْدٍ وَكُلْفَةٍ فَلَيْسَ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَلَا دَعَوْا إِلَيْهِ، فَظُهُورُ هَذَا التَّوْحِيدِ وَانْجِلَاؤُهُ وَوُضُوحُهُ، وَشَهَادَةُ الْفِطَرِ وَالْعُقُولِ بِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ أَنَّهُ أَعْلَى مَرَاتِبِ التَّوْحِيدِ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ، وَلِذَلِكَ قَوِيَ عَلَى نَفْيِ الشِّرْكِ الْأَعْظَمِ، فَإِنَّ الشَّيْءَ كُلَّمَا عَظُمَ لَا يَدْفَعُهُ إِلَّا الْعَظِيمُ، فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا التَّوْحِيدِ لَدَفَعَ اللَّهُ بِهِ الشِّرْكَ الْأَعْظَمَ، وَلِعَظَمَتِهِ وَشَرَفِهِ؛ نُصِبَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَأُسِّسَتْ عَلَيْهِ الْمِلَّةُ، وَوَجَبَتْ بِهِ الذِّمَّةُ، وَانْفَصَلَتْ بِهِ دَارُ الْكُفْرِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَانْقَسَمَ بِهِ النَّاسُ إِلَى سَعِيدٍ وَشَقِيٍّ،

ص: 450

وَمُهْتَدٍ وَغَوِيٍّ، وَنَادَتْ عَلَيْهِ الْكُتُبُ وَالرُّسُلُ.

قَوْلُهُ " وَإِنْ لَمْ يَقُومُوا بِحُسْنِ الِاسْتِدْلَالِ " يَعْنِي: هُوَ مُسْتَتِرٌ فِي قُلُوبِ أَهْلِهِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهُمْ لَا يُحْسِنُ الِاسْتِدْلَالَ عَلَيْهِ تَقْرِيرًا وَإِيْضَاحًا، وَجَوَابًا عَنِ الْمُعَارِضِ، وَدَفْعًا لِشُبَهِ الْمُعَانِدِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُحْسِنُونَ ذَلِكَ، وَهَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى وُجُودِ التَّوْحِيدِ فِي قُلُوبِهِمْ، فَمَا كُلُّ مَنْ وَجَدَ شَيْئًا وَعَلِمَهُ وَتَيَقَّنَهُ أَحْسَنَ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَيْهِ، وَيُقَرِّرَهُ، وَيَدْفَعَ الشُّبَهَ الْقَادِحَةَ فِيهِ، فَهَذَا لَوْنٌ وَوُجُودُهُ لَوْنٌ، وَلَكِنْ لَابُدَّ - مَعَ ذَلِكَ - مِنْ نَوْعِ اسْتِدْلَالٍ قَامَ عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى شُرُوطِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي يُنَظِّمُهَا أَهْلُ الْكَلَامِ وَغَيْرُهُمْ وَتَرْتِيبِهَا، فَهَذِهِ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي التَّوْحِيدِ - لَا فِي مَعْرِفَتِهِ وَالْعِلْمِ بِهِ، وَلَا فِي الْقِيَامِ بِهِ عَمَلًا وَحَالًا - فَاسْتِدْلَالُ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِهِ، وَلَا يُحْصِي أَنْوَاعَ الِاسْتِدْلَالِ وَوُجُوهَهُ وَمَرَاتِبَهُ إِلَّا اللَّهُ، فَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ، وَلِكُلِّ عِلْمٍ صَحِيحٍ وَيَقِينٍ دَلِيلٌ يُوجِبُهُ، وَشَاهِدٌ يَصِحُّ بِهِ، وَقَدْ لَا يُمْكِنُ صَاحِبَهُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ عَجْزًا وَعِيًّا، وَإِنْ عَبَّرَ عَنْهُ فَقَدْ لَا يُمْكِنُهُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِاصْطِلَاحِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَلْفَاظِهِمْ، وَكَثِيرًا مَا يَكُونُ الدَّلِيلُ الَّذِي عُرِفَ بِهِ الْحَقُّ أَصَحَّ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَدِلَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَمُقَدِّمَاتِهَا، وَأَبْعَدَ عَنِ الشُّبَهِ، وَأَقْرَبَ تَحْصِيلًا لِلْمَقْصُودِ، وَإِيصَالًا إِلَى الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ.

بَلْ مَنِ اسْتَقْرَأَ أَحْوَالَ النَّاسِ رَأَى أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ - أَوْ أَكْثَرَهُمْ - أَعْظَمُ تَوْحِيدًا، وَأَكْثَرُ مَعْرِفَةً، وَأَرْسَخُ إِيمَانًا مِنْ أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَأَرْبَابِ النَّظَرِ وَالْجِدَالِ، وَيَجِدُ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَدِلَّةِ وَالْآيَاتِ الَّتِي يَصِحُّ بِهَا إِيمَانُهُمْ مَا هُوَ أَظْهَرُ وَأَوْضَحُ وَأَصَحُّ مِمَّا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَهَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي نَدَبَ اللَّهُ عِبَادَهُ إِلَى النَّظَرِ فِيهَا، وَالِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى تَوْحِيدِهِ، وَثُبُوتِ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَصِدْقِ رُسُلِهِ هِيَ آيَاتٌ مَشْهُودَةٌ بِالْحِسِّ، مَعْلُومَةٌ بِالْعَقْلِ، مُسْتَقِرَّةٌ فِي الْفِطَرِ، لَا يَحْتَاجُ النَّاظِرُ فِيهَا إِلَى أَوْضَاعِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْجَدَلِ، وَاصْطِلَاحِهِمْ، وَطُرُقِهِمُ الْبَتَّةَ، وَكُلُّ مَنْ لَهُ حِسٌّ سَلِيمٌ، وَعَقْلٌ يُمَيِّزُ بِهِ يَعْرِفُهَا وَيُقِرُّ بِهَا، وَيَنْتَقِلُ مِنَ الْعِلْمِ بِهَا إِلَى الْعِلْمِ بِالْمَدْلُولِ، وَفِي الْقُرْآنِ مَا يَزِيدُ عَلَى عَشَرَاتِ أُلُوفٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَمَنْ لَمْ يَحْفَظِ الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ إِذَا سَمِعَهَا وَفَهِمَهَا وَعَقَلَهَا انْتَقَلَ ذِهْنُهُ مِنْهَا إِلَى الْمَدْلُولِ أَسْرَعَ انْتِقَالٍ وَأَقْرَبَهُ.

وَبِالْجُمْلَةِ: فَمَا كُلُّ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا أَمْكَنَهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَيْهِ، وَلَا كُلُّ مَنْ أَمْكَنَهُ الِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ يُحْسِنُ تَرْتِيبَ الدَّلِيلِ وَتَقْرِيرَهُ، وَالْجَوَابَ عَنِ الْمُعَارِضِ، وَالشَّوَاهِدُ الَّتِي ذَكَرَهَا: هِيَ الْأَدِلَّةُ، كَالِاسْتِدْلَالِ بِالْمَصْنُوعِ عَلَى الصَّانِعِ، وَالْمَخْلُوقِ عَلَى

ص: 451

الْخَالِقِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقُرْآنِ الَّذِي لَا تَوْحِيدَ أَكْمَلُ مِنْ تَوْحِيدِهِ.

قَوْلُهُ: " بَعْدَ أَنْ يَسْلَمُوا مِنَ الشُّبْهَةِ، وَالْحَيْرَةِ، وَالرِّيبَةِ "، الشُّبْهَةُ: الشُّكُوكُ الَّتِي تُوقِعُ فِي اشْتِبَاهِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، فَيَتَوَلَّدُ عَنْهَا الْحَيْرَةُ وَالرِّيبَةُ، وَهَذَا حَقٌّ، فَإِنَّ هَذَا التَّوْحِيدَ لَا يَنْفَعُ إِنْ لَمْ يَسْلَمْ قَلْبُ صَاحِبِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْقَلْبُ السَّلِيمُ الَّذِي لَا يُفْلِحُ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِهِ، فَيَسْلَمُ مِنَ الشُّبَهِ الْمُعَارِضَةِ لِخَبَرِهِ، وَالْإِرَادَاتِ الْمُعَارِضَةِ لِأَمْرِهِ، بَلْ يَنْقَادُ لِلْخَبَرِ تَصْدِيقًا وَاسْتِيقَانًا، وَلِلطَّلَبِ إِذْعَانًا وَامْتِثَالًا.

قَوْلُهُ: " بِصِدْقِ شَهَادَةٍ صَحَّحَهَا قَبُولُ الْقَلْبِ "، أَيْ سَلِمُوا مِنَ الشُّبْهَةِ وَالْحَيْرَةِ وَالرِّيبَةِ: بِصِدْقِ شَهَادَةٍ تَوَاطَأَ عَلَيْهَا الْقَلْبُ وَاللِّسَانُ، فَصَحَّتْ شَهَادَتُهُمْ بِقَبُولِ قُلُوبِهِمْ لَهَا، وَاعْتِقَادِهِمْ صِحَّتَهَا، وَالْجَزْمَ بِهَا، بِخِلَافِ شَهَادَةِ الْمُنَافِقِ الَّتِي لَمْ يَقْبَلْهَا قَلْبُهُ، وَلَمْ يُوَاطِئْ عَلَيْهَا لِسَانُهُ.

قَوْلُهُ: " وَهُوَ تَوْحِيدُ الْعَامَّةِ الَّذِي يَصِحُّ بِالشَّوَاهِدِ، قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ هَذَا هُوَ التَّوْحِيدُ الَّذِي دَعَتْ إِلَيْهِ الرُّسُلُ، وَنَزَلَتْ بِهِ الْكُتُبُ، وَاتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الشَّرَائِعُ، ثُمَّ بَيَّنَ مُرَادَهُ بِالشَّوَاهِدِ أَنَّهَا الرِّسَالَةُ وَالصَّنَائِعُ، فَقَالَ: " وَالشَّوَاهِدُ: الْأَدِلَّةُ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَالرِّسَالَةُ أَرْشَدَتْ إِلَيْهَا، وَعُرِفَتْ بِهَا، وَمَقْصُودُهُ: أَنَّ الشَّوَاهِدَ نَوْعَانِ: آيَاتٌ مَتْلُوَّةٌ، وَهِيَ الرِّسَالَةُ، وَآيَاتٌ مَرْئِيَّةٌ، وَهِيَ الصَّنَائِعُ.

قَوْلُهُ: " وَيَجِبُ بِالسَّمْعِ، وَيُوجَدُ بِتَبْصِيرِ الْحَقِّ، وَيَنْمُو عَلَى مَشَاهِدِ الشَّوَاهِدِ ".

هَذِهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ، إِحْدَاهَا: مَا يَجِبُ بِهِ، وَالثَّانِيَةُ: مَا يُوجَدُ بِهِ، وَالثَّالِثَةُ: مَا يَنْمُو بِهِ.

فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فَاخْتَلَفَ فِيهَا النَّاسُ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَجِبُ بِالْعَقْلِ، وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ، وَالسَّمْعُ مُقَرِّرٌ لِمَا وَجَبَ بِالْعَقْلِ مُؤَكِّدٌ لَهُ، فَجَعَلُوا وَجُوبَهُ وَالْعِقَابَ عَلَى تَرْكِهِ ثَابِتَيْنِ بِالْعَقْلِ، وَالسَّمْعُ مُبَيِّنٌ وَمُقَرِّرٌ لِلْوُجُوبِ وَالْعِقَابِ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ فِي مَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ.

ص: 452

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَثْبُتُ بِالْعَقْلِ، لَا هَذَا وَلَا هَذَا، بَلْ لَا يَجِبُ بِالْعَقْلِ فِيهَا شَيْءٌ، وَإِنَّمَا الْوُجُوبُ بِالشَّرْعِ، وَلِذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ عَلَى تَرْكِهِ، وَهَذَا قَوْلُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى نَفْيِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ، وَالْقَوْلَانِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةِ.

وَالْحَقُّ: أَنَّ وُجُوبَهُ ثَابِتٌ بِالْعَقْلِ وَالسَّمْعِ، وَالْقُرْآنُ عَلَى هَذَا يَدُلُّ، فَإِنَّهُ يَذْكُرُ الْأَدِلَّةَ وَالْبَرَاهِينَ الْعَقْلِيَّةَ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَيُبَيِّنُ حُسْنَهُ وَقُبْحَ الشِّرْكِ عَقْلًا وَفِطْرَةً، وَيَأْمُرُ بِالتَّوْحِيدِ وَيَنْهَى عَنِ الشِّرْكِ، وَلِهَذَا ضَرَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْأَمْثَالَ، وَهِيَ الْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ، وَخَاطَبَ الْعِبَادَ بِذَلِكَ خِطَابَ مَنِ اسْتَقَرَّ فِي عُقُولِهِمْ وَفِطَرِهِمْ حُسْنُ التَّوْحِيدِ وَوُجُوبُهُ، وَقُبْحُ الشِّرْكِ وَذَمُّهُ، وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ بِالْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29] وَقَوْلِهِ {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 75 - 76] وَقَوْلِهِ {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 73] إِلَى أَضْعَافِ ذَلِكَ مِنْ بَرَاهِينِ التَّوْحِيدِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي أَرْشَدَ إِلَيْهَا الْقُرْآنُ وَنَبَّهَ عَلَيْهَا.

وَلَكِنْ هَاهُنَا أَمْرٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْعِقَابَ عَلَى تَرْكِ هَذَا الْوَاجِبِ يَتَأَخَّرُ إِلَى حِينِ وُرُودِ الشَّرْعِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] وَقَوْلُهُ {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا} [الملك: 8] وَقَوْلُهُ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: 59] وَقَوْلُهُ {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام: 131]

ص: 453

فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ ظَالِمُونَ قَبْلَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَأَنَّهُ لَا يُهْلِكُهُمْ بِهَذَا الظُّلْمِ قَبْلَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فَالْآيَةُ رَدٌّ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ مَعًا، مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَثْبُتُ الظُّلْمُ وَالْقُبْحُ إِلَّا بِالسَّمْعِ، وَمَنْ يَقُولُ: إِنَّهُمْ مُعَذَّبُونَ عَلَى ظُلْمِهِمْ بِدُونِ السَّمْعِ، فَالْقُرْآنُ يُبْطِلُ قَوْلَ هَؤُلَاءِ وَقَوْلَ هَؤُلَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 47] فَأَخْبَرَ: أَنَّ مَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ قَبْلَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ سَبَبٌ لِإِصَابَتِهِمْ بِالْمُصِيبَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ قَبْلَ إِرْسَالِ الرَّسُولِ الَّذِي يُقِيمُ بِهِ حُجَّتَهُ عَلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] وَقَالَ تَعَالَى {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ - أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ - أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} [الأنعام: 155 - 157] وَقَوْلُهُ {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} [الزمر: 56]- إِلَى قَوْلِهِ - {بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [الزمر: 59] وَهَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، يُخْبِرُ أَنَّ الْحُجَّةَ إِنَّمَا قَامَتْ عَلَيْهِمْ بِكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ، كَمَا نَبَّهَهُمْ بِمَا فِي عُقُولِهِمْ وَفِطَرِهِمْ: مِنْ حُسْنِ التَّوْحِيدِ وَالشُّكْرِ، وَقُبْحِ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ.

وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُسْتَوْفَاةً مِنْ كِتَابِ مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ وَذَكَرْنَا هُنَاكَ نَحْوًا مِنْ سِتِّينَ وَجْهًا، تُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ نَفَى الْقُبْحَ الْعَقْلِيَّ، وَزَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَفْعَالِ مَا يَقْتَضِي حُسْنَهَا وَلَا قُبْحَهَا، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ بِعَيْنِ مَا نَهَى عَنْهُ، وَيَنْهَى عَنْ عَيْنِ مَا أَمَرَ بِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، لَا بِحُسْنٍ هَذَا وَقُبْحِ هَذَا، وَأَنَّهُ لَوْ نَهَى عَنِ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ وَالشُّكْرِ لَكَانَ قَبِيحًا، وَلَوْ أَمَرَ بِالشِّرْكِ وَالْكُفْرِ وَالظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ لَكَانَ حَسَنًا، وَبَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُخَالِفٌ لِلْعُقُولِ وَالْفِطَرِ، وَالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.

وَالْمَقْصُودُ: الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِ الشَّيْخِ " وَيَجِبُ بِالسَّمْعِ "، وَأَنَّ الصَّوَابَ وُجُوبُهُ

ص: 454

بِالسَّمْعِ وَالْعَقْلِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ جِهَةُ الْإِيجَابِ، فَالْعَقْلُ يُوجِبُهُ: بِمَعْنَى اقْتِضَائِهِ لِفِعْلِهِ، وَذَمِّهِ عَلَى تَرْكِهِ، وَتَقْبِيحِهِ لِضِدِّهِ، وَالسَّمْعُ يُوجِبُهُ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَيَزِيدُ: إِثْبَاتَ الْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ، وَالْإِخْبَارَ عَنْ مَقْتِ الرَّبِّ تَعَالَى لِتَارِكِهِ، وَبُغْضِهِ لَهُ، وَهَذَا قَدْ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَقَرَّرَ قُبْحُ الشَّيْءِ وَفُحْشُهُ بِالْعَقْلِ، وَعُلِمَ ثُبُوتُ كَمَالِ الرَّبِّ جل جلاله بِالْعَقْلِ أَيْضًا: اقْتَضَى ثُبُوتُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ: عِلْمَ الْعَقْلِ بِمَقْتِ الرَّبِّ تَعَالَى لِمُرْتَكِبِهِ، وَأَمَّا تَفَاصِيلُ الْعِقَابِ، وَمَا يُوجِبُهُ مَقْتُ الرَّبِّ مِنْهُ: فَإِنَّمَا يُعْلَمُ بِالسَّمْعِ.

وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ حُسْنُ التَّوْحِيدِ وَقُبْحُ الشِّرْكِ مَعْلُومًا بِالْعَقْلِ، مَسُتَقِرًّا فِي الْفِطَرِ، فَلَا وُثُوقَ بِشَيْءٍ مِنْ قَضَايَا الْعَقْلِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ مِنْ أَجَلِّ الْقَضَايَا الْبَدِيهِيَّاتِ، وَأَوْضَحِ مَا رَكَّبَ اللَّهُ فِي الْعُقُولِ وَالْفِطَرِ، وَلِهَذَا يَقُولُ سُبْحَانَهُ عَقِيبَ تَقْرِيرِ ذَلِكَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ وَيَنْفِي الْعَقْلَ عَنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَيُخْبِرُ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ يَعْتَرِفُونَ فِي النَّارِ: أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَسْمَعُونَ وَلَا يَعْقِلُونَ، وَأَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ مُوجَبِ السَّمْعِ وَالْعَقْلِ، وَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] وَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّ سَمْعَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ وَأَفْئِدَتَهُمْ لَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ شَيْئًا، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي حَقِّ مَنْ خَرَجَ عَنْ مُوجَبِ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ وَالْفِطْرَةِ الصَّحِيحَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى " انْظُرُوا " وَ " اعْتَبِرُوا " وَ " سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا " فَائِدَةٌ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: عُقُولُنَا لَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ إِخْبَارِكَ، فَمَا هَذَا النَّظَرُ وَالتَّفَكُّرُ وَالِاعْتِبَارُ وَالسَّيْرُ فِي الْأَرْضِ؟ وَمَا هَذِهِ الْأَمْثَالُ الْمَضْرُوبَةُ، وَالْأَقْيِسَةُ الْعَقْلِيَّةُ وَالشَّوَاهِدُ الْعِيَانِيَّةُ؟ أَفَلَيِسَ فِي ذَلِكَ أَظْهَرُ دَلِيلٍ عَلَى حُسْنِ التَّوْحِيدِ وَالشُّكْرِ؟

وَقُبْحُ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ مُسْتَقِرٌّ فِي الْعُقُولِ وَالْفِطَرِ، مَعْلُومٌ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ حَيٌّ، وَعَقْلٌ سَلِيمٌ، وَفِطْرَةٌ صَحِيحَةٌ؟ قَالَ تَعَالَى {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [الزمر: 27] وَقَالَ تَعَالَى {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] وَقَالَ تَعَالَى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37] وَقَالَ تَعَالَى {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]

ص: 455

وَقَالَ تَعَالَى {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 219] وَقَالَ تَعَالَى {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101] وَقَالَ تَعَالَى {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 25] .

وَمِنْ بَعْضِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ: مَا أَبْقَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ آثَارِ عُقُوبَاتِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَآثَارِ دِيَارِهِمْ، وَمَا حَلَّ بِهِمْ، وَمَا أَبْقَاهُ مِنْ نَصْرِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ وَإِعْزَازِهِمْ، وَجَعْلِ الْعَاقِبَةِ لَهُمْ، قَالَ تَعَالَى {وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ} [العنكبوت: 38] وَقَالَ فِي ثَمُودَ {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [النمل: 52] وَقَالَ فِي قَوْمِ لُوطٍ {إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 34] وَقَالَ تَعَالَى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} [الحجر: 75] وَقَالَ تَعَالَى فِي قَوْمِ لُوطٍ {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الصافات: 137] وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَذْكُرُ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ مَا أَوْقَعَ بِالْمُشْرِكِينَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُقُوبَاتِ، وَيَذْكُرُ إِنْجَاءَهُ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ يَقُولُ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 8] فَيَذْكُرُ شِرْكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا بِهِ الْهَلَاكَ، وَتَوْحِيدَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا بِهِ النَّجَاةَ، ثُمَّ يُخْبِرُ أَنَّ فِي ذَلِكَ آيَةً وَبُرْهَانًا لِلْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ يَذْكُرُ مَصْدَرَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَنَّهُ عَنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، فَصُدُورُ هَذَا الْإِهْلَاكِ عَنْ عِزَّتِهِ، وَذَلِكَ الْإِنْجَاءِ عَنْ رَحْمَتِهِ، ثُمَّ يُقَرِّرُ فِي آخِرِ السُّورَةِ نُبُوَّةَ رَسُولِهِ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ أَحْسَنَ تَقْرِيرٍ، وَيُجِيبُ عَنْ شُبَهِ الْمُكَذِّبِينَ لَهُ أَحْسَنَ جَوَابٍ، وَكَذَلِكَ تَقْرِيرُهُ لِلْمَعَادِ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْحِسِّيَّةِ، فَضَرَبَ الْأَمْثَالَ وَالْأَقْيِسَةَ،

ص: 456

فَدَلَالَةُ الْقُرْآنِ سَمْعِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ.

فَصْلٌ

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:

قَوْلُهُ: " وَيُوجَدُ بِتَبْصِيرِ الْحَقِّ، وُجُوبُ الشَّيْءِ شَرْعًا لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَهُ حِسًّا، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ مَا يُوجَدُ بِهِ بَعْدَ ذِكْرِ مَا يَجِبُ بِهِ، وَهُوَ تَبْصِيرُ الْحَقِّ تَعَالَى، وَمُرَادُهُ: التَّبْصِيرُ التَّامُّ الَّذِي لَا تَخْتَلِفُ عَنْهُ الْهِدَايَةُ، وَإِلَّا فَقَدْ يُبْصِرُ الْعَبْدُ الْحَقَّ وَلَا تُوجَدُ مِنْهُ الْهِدَايَةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] فَهُوَ - سُبْحَانَهُ - بَصَّرَهُمْ، فَآثَرُوا الضَّلَالَ عَلَى الْهُدَى، وَقَالَ تَعَالَى {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} [العنكبوت: 38] وَقَالَ تَعَالَى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] وَقَالَ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] فَهَذَا التَّبْصِيرُ لَمْ يُوجِبْ وُجُودَ الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يُرِدْ وُجُودَهَا وَإِنَّمَا أَرَادَ وُجُودَ مُجَرَّدِ الْبَصِيرَةِ، فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.

وَأَمَّا التَّبْصِيرُ التَّامُّ: فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْهِدَايَةِ، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَنَا أَنْ نَسْأَلَهُ إِيَّاهُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَقَالَ فِيهِ أَهْلُ الْجَنَّةِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: 43] وَقَالَ تَعَالَى {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يونس: 25] فَعَمَّ بِدَعْوَتِهِ الْبَيَانَ وَالدَّلَالَةَ، وَخَصَّ بِهِدَايَتِهِ التَّوْفِيقَ وَالْإِلْهَامَ، فَلَوْ قَالَ الشَّيْخُ: وَيُوجَدُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ بَعْدَ تَبْصِيرِهِ، لَكَانَ أَحْسَنَ، وَلَعَلَّهُ هُوَ مُرَادُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ:

قَوْلُهُ: " وَيَنْمُو عَلَى مُشَاهَدَةِ الشَّوَاهِدِ " وَهَذَا أَيْضًا يَحْتَاجُ إِلَى أَمْرٍ آخَرَ، وَهُوَ الْإِجَابَةُ لِدَاعِي الْحَقِّ، فَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ مُشَاهَدَةِ الشَّوَاهِدِ فِي نُمُوِّهِ {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105] يَمُرُّ عَلَيْهَا الْعَبْدُ وَلَا يَنْمُو بِهَا وَلَا يَزِيدُ، بَلْ يَنْقُصُ إِيمَانُهُ وَتَوْحِيدُهُ، فَإِذَا أَجَابَ الدَّاعِي وَتَبَصَّرَ فِي الشَّوَاهِدِ نَمَا تَوْحِيدُهُ، وَقَوِيَ

ص: 457