المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الدرجة الأولى: مكاشفة تدل على التحقيق الصحيح - مدارج السالكين - ط عطاءات العلم - جـ ٤

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌ الدّرجة الأولى: سرورُ ذوقٍ ذهبَ بثلاثة أحزانٍ:

- ‌الحزن الأوّل: حزنٌ أورثَه خوفُ الانقطاع

- ‌الحزن الثّالث: (حزنٌ بعثَتْه وحشةُ التّفرُّق)

- ‌(الدّرجة الثّانية: سرورُ شهودٍ، كشَفَ حجابَ العلم

- ‌(الدّرجة الثّالثة: سرورُ سماع الإجابة

- ‌ منزلة(1)السِّرِّ

- ‌ الثانية: صفاء القصد

- ‌ الثّالثة: صحّة السُّلوك

- ‌الطّبقة الثّالثة: طائفةٌ أسرَهم الحقُّ عنهم

- ‌النّفَس الثاني: نفَسٌ في حين التجلِّي

- ‌النّفَس الثّالث: نفَسٌ مطهّرٌ بماء القدس

- ‌ الدّرجة الأولى: الغربة عن الأوطان

- ‌(الدّرجة الثّانية: غُربة الحال

- ‌(الدّرجة الثّالثة: غُربة الهمّة

- ‌ الدّرجة الأولى: استغراق العلم في عين الحال

- ‌(الدّرجة الثّانية: استغراق الإشارة في الكشف

- ‌(الدّرجة الثّالثة: استغراق الشّواهد في الجمع

- ‌(الدّرجة الثّانية:

- ‌(الدّرجة الثّالثة:

- ‌ الدّرجة الأولى: تمكُّن المريد

- ‌(الدّرجة الثّانية: تمكُّن السّالك

- ‌(الدّرجة الثّالثة: تمكُّن العارف

- ‌ الدّرجة الأولى: مكاشفةٌ تدلُّ على التّحقيق الصّحيح

- ‌ الدّرجة الأولى: مشاهدة معرفةٍ

- ‌(الدرجة الثانية: مشاهدة معاينةٍ

- ‌(الدّرجة الثّالثة: مشاهدة جَمْعٍ

- ‌ الحياة الأولى: حياة العلم من موت الجهل

- ‌المرتبة الأولى: حياة(2)الأرض بالنّبات

- ‌المرتبة الثانية: حياة النُّموِّ والاغتذاء

- ‌المرتبة السّادسة: حياة الإرادة والهمّة والمحبة

- ‌ سببُ تخلُّفِ النّفس عن طلب هذه الحياة

- ‌(الحياة الثّانية: حياة الجمع من موت التّفرقة

- ‌(الحياة الثّالثة: حياة الوجود. وهي حياةٌ بالحقِّ

- ‌(الدرجة الثانية: اتِّصال الشُّهود

- ‌(الدرجة الثالثة: اتِّصال الوجود

- ‌(الثاني: انفصالٌ عن رؤية الانفصال

- ‌(الثالث: انفصالٌ عن اتِّصال

- ‌ الدرجة الأولى: معرفة الصِّفات والنُّعوت

- ‌ الفرق بين الصِّفة والنّعت

- ‌ كلُّ شركٍ في العالم فأصله التعطيل

- ‌القاعدة الثالثة: تعريف الحال بعد الوصول

- ‌الثالث: عدم تشبيهها بما للمخلوق

- ‌(الدرجة الثانية: معرفة الذات، مع إسقاط التفريق بين الصِّفات والذات

- ‌(الدرجة الثالثة: معرفةٌ مستغرقةٌ في محض التعريف

- ‌ الدرجة الأولى:

- ‌(الدرجة الثانية:

- ‌(الدرجة الثالثة:

- ‌(الدّرجة الثّالثة: أن لا يُناسِمَ رسمُك سبْقَه)

- ‌الثاني: وجود الحقِّ وجود عينٍ»

- ‌الثالث: وجود مقام اضمحلال رسمِ الوجود فيه

- ‌(الدّرجة الأولى: تجريد عين الكشف عن كسب اليقين)

- ‌(الدرجة الثانية: تجريد عين الجمع عن درك العلم)

- ‌(الدرجة الثالثة: تجريد الخلاص من شهود التجريد)

- ‌ تفريد الإشارة بالحقِّ

- ‌«الجمع» ينقسم إلى صحيح وباطل

- ‌المسألة الثّانية: قوله: (ويوجد بتبصير الحقِّ)

- ‌المسألة الثّالثة: قوله: (وينمو على مشاهدة الشّواهد)

- ‌الالتفاتُ إلى الأسباب ضربان: أحدهما شركٌ، والآخر عبوديّةٌ وتوحيدٌ

- ‌فصلقوله: (والصُّعود عن منازعات العقول)

الفصل: ‌ الدرجة الأولى: مكاشفة تدل على التحقيق الصحيح

دون حقيقته، والتّعلُّق الكامل أن يتعلّق به وجوده، فلذلك قال:(بلوغ ما وراء الحجاب وجودًا).

قال الشيخ

(1)

: (وهو على ثلاث درجاتٍ؛‌

‌ الدّرجة الأولى: مكاشفةٌ تدلُّ على التّحقيق الصّحيح

، وهي لا تكون

(2)

مستدامةً، فإذا كانت حينًا دون حينٍ، لم

(3)

يعارضها تفرُّقٌ، غير أنّ الغين ربّما شابَ مقامَه، على أنّه قد بلغ مبلغًا لا يَلتفِته

(4)

قاطعٌ، ولا يَلْوِيه سببٌ، ولا يَقْتطِعُه حظٌّ، وهي درجة القاصد. فإذا استدامت فهي الدّرجة الثّانية).

المكاشفة الصّحيحة: علومٌ يُحدِثها الرّبُّ تعالى في قلب العبد، ويُطلِعه بها على أمورٍ تخفى على غيره، وقد يُواليها سبحانه، وقد يُمسِكها عنه بالغفلة عنها، يُوارِيها عنه بالغَيْن الذي يَغشى قلبَه وهو أرقُّ الحجب، أو بالغَيْم وهو أغلظُ منه، أو بالرَّانِ وهو أشدُّها.

فالأوّل: يقع للأنبياء، كما قال النّبيُّ صلى الله عليه وسلم:«إنّه لَيُغَانُ على قلبي، وإنِّي لأستغفر الله في كل يوم أكثرَ من سبعينَ مرّةً»

(5)

.

والثّاني: يكون للمؤمنين.

(1)

المصدر نفسه.

(2)

كذا في النسخ: «لا تكون» . وفي «المنازل» و «شرح التلمساني» : «أن تكون» . وسيتكلم عليها المؤلف عند الشرح.

(3)

في ش، د:«ولم» .

(4)

«المنازل» : «لا يلفته» مع الإشارة إلى أن في بعض النسخ «لا يلتفته» .

(5)

أخرجه مسلم (2702) من حديث الأغرّ المزني رضي الله عنه. وفيه «مئة مرة» بدلًا من «أكثر من سبعين مرة» .

ص: 110

والثّالث: لمن غلبت عليه الشِّقوة، قال تعالى:{كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14]. قال ابن عبّاسٍ وغيره: هو الذّنب بعد الذّنب يُغطِّي القلبَ حتّى يصير كالرَّانِ عليه

(1)

.

والحُجُب عشرة:

حجابُ

(2)

التّعطيلِ ونفيِ حقائق الأسماء والصِّفات، وهو أغلظُها، فلا يُهيَّأُ لصاحب هذا الحجاب أن يعرف الله، ولا يصل إليه البتّةَ، إلا كما يتهيَّأ للحجر أن يصعد إلى فوق.

الثاني: حجاب الشِّرك، وهو أن يتعبَّد قلبه لغير الله.

الثالث: حجاب البدعة القوليّة، كحُجُب أهل الأهواء والمقالاتِ الفاسدة على اختلافها.

الرابع: حجاب البدعة العمليّة، كحجاب أهل السُّلوك المبتدعين في طريقهم وسلوكهم.

الخامس: حجاب أهل الكبائر الباطنة، كحجاب أهل الكبر والعُجْب والرِّياء والحسد والفخر والخيلاء ونحوها.

السادس: حجاب أهل الكبائر الظّاهرة، وحجابهم أرقُّ من حجاب إخوانهم من أهل الكبائر الباطنة، مع كثرة عباداتهم وزهاداتهم واجتهادهم،

(1)

«تفسير البغوي» (4/ 460). وانظر: «تفسير الطبري» (24/ 202)، و «الدر المنثور» (15/ 300).

(2)

في ت قبلها: «حجاب الكفر والشرك» . وهو الثاني فيما يلي.

ص: 111

فكبائر هؤلاء أقرب إلى التّوبة من كبائر أولئك، فإنّها قد صارت مقاماتٍ لهم لا يتحاشون من إظهارها وإخراجها في قوالب عبادةٍ ومعرفةٍ، فأهل الكبائر الظّاهرة أدنى إلى السّلامة منهم، وقلوبهم خيرٌ من قلوبهم.

السابع: حجاب أهل الصّغائر.

الثامن: حجاب أهل الفضلات، والتّوسُّعِ في المباحات.

التاسع: حجاب أهل الغفلة عن استحضار ما خُلِقوا له وأُرِيد منهم، وما لله عليهم من دوامِ ذكره وشكره وعبوديّته.

العاشر: حجاب المجتهدين من السالكين المُشمِّرين في السّير عن المقصود.

فهذه عَشْرُ حُجُبٍ بين القلب وبين الله سبحانه، تحول بينه وبين هذه الشأن. وهذه الحجب تنشأ من أربعة عناصِرَ: عنصر النّفس، وعنصر الشّيطان، وعنصر الدُّنيا، وعنصر الهوى، فلا يمكن كشفُ هذه الحجب مع بقاء أصولها وعناصرها في القلب البتّةَ.

وهذه الأربعة تُفسِد القول والعمل والقصد والطّريق بحسب غلبتها وقلّتها، فتقطع طريقَ القول والعمل والقصد أن يصل إلى القلب، وما وصل منه إلى القلب قطعتْ عليه الطّريقَ أن يصل إلى الرّبِّ، فبين القول والعمل وبين القلب مسافةٌ يسافر فيها العبد إلى قلبه ليرى عجائب ما هناك، وفي هذه المسافة قُطَّاع الطّريق المذكورون، فإن حاربهم وخلص العمل إلى قلبه دار فيه، وطلبَ النُّفوذَ من هناك إلى الله، فإنّه لا يستقرُّ دون الوصول إليه {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم: 42]. فإذا وصل إلى الله سبحانه أثابه عليه مزيدًا

ص: 112

في إيمانه ويقينه ومعرفته وعقله، وجمَّلَ به ظاهره وباطنه، فهداه به لأحسن الأخلاق والأعمال، وصرف به عنه سيِّئ الأخلاق والأعمال، وأقام سبحانه من ذلك العمل للقلب جندًا يحارب به قُطَّاعَ طريق الوصول إليه. فيحارب الدُّنيا بالزُّهد فيها وإخراجها من قلبه، ولا يضرُّه أن تكون في يده وبيته وقوّةُ يقينِه بالآخرة. ويحارب الشّيطان بترك الاستجابة لداعي الهوى، فإنّ الشّيطان مع الهوى لا يفارقه. ويحارب الهوى بتحكيم الأمر المطلق والوقوف معه، بحيث لا يبقى له هوًى فيما يفعله ويتركه

(1)

. ويحارب النّفس بقوّة الإخلاص.

هذا كلُّه إذا وجد العمل مَنفذًا من القلب إلى الرّبِّ سبحانه، وإن دار فيه ولم يجد مَنفذًا وَثَبَتْ عليه النّفسُ، فأخذتْه وصيَّرتْه جندًا لها، فصالت به وعلَتْ وطغَتْ، فتراه أزهدَ ما يكون، وأعبدَ ما يكون، وأشدَّه اجتهادًا، وهو أبعدُ ما يكون عن الله، وأصحابُ الكبائر أقربُ قلوبًا إلى الله منه، وأدنى إلى الخلاص.

فانظر إلى السَّجّاد العبّاد الزّاهد الذي بين عينيه أثر السُّجود، كيف أورثه طغيانُ عمله أن أنكر على النّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأورثَ أصحابَه احتقارَ المسلمين، حتّى سَلُّوا عليهم سيوفهم، واستباحوا دماءهم

(2)

.

وانظر إلى الشِّرِّيب السِّكِّير الذي كان كثيرًا ما يُؤتى به إلى النّبيِّ صلى الله عليه وسلم،

(1)

«ويحارب الهوى

ويتركه» مكرر في ش، د.

(2)

يشير إلى ذي الخويصرة التميمي وأصحابه من الخوارج، وقد أخرجه البخاري (3610)، ومسلم (1064) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

ص: 113

فيحدُّه على الشّراب، كيف قامت به قوّةُ إيمانه ويقينه، ومحبّته لله ورسوله، وتواضعه وانكساره لله، حتّى نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لعنته

(1)

.

فظهر بهذا أنّ طغيان المعاصي أسلمُ عاقبةً من طغيان الطّاعات.

وقد روى الإمام أحمد في كتاب «الزُّهد»

(2)

أنّ الله سبحانه أوحى إلى موسى صلى الله عليه وسلم: يا موسى، أَنذِر الصِّدِّيقين، فإنِّي لا أضعُ عدلي على أحدٍ إلّا عذَّبتُه من غيرِ أن أظلمَه، وبَشِّرِ الخطّائين، فإنّه لا يتعاظمني ذنبٌ أن أغفره.

فلنرجع إلى شرح كلامه.

فقوله: (مكاشفةٌ تدلُّ على التّحقيق الصّحيح)، كلٌّ يدّعي أنّ التّحقيق الصّحيح معه.

وكلٌّ يدَّعُون وصالَ ليلى

ولكن لا تُقِرُّ لهم بذاكا

(3)

وليس التّحقيق الصّحيح إلّا المطابق لما عليه الأمر في نفسه، وهو في العلم: الكشفُ المطابق لما أخبرتْ به الرُّسل، وفي الإرادة: الكشفُ المطابق

(1)

أخرج البخاري (6780) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلًا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله، وكان يُلقَّب حمارًا، وكان يُضحِك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلَده في الشراب، فأُتِي به يومًا فأمرَ به فجُلِد، فقال رجل من القوم: اللهمَّ العنْه، ما أكثرَ ما يُؤتى به! فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«لا تلعنوه، فوالله ما علمتُ أنه يحبُّ الله ورسولَه» .

(2)

رقم (376). وفيه: «أوحى إلى داود: يا داود

». وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (6/ 57) من طريق أحمد.

(3)

أنشده المؤلف في «الرسالة التبوكية» (ص 27)، والسبكي في «طبقات الشافعية» (8/ 222، 9/ 37). وهو من عائر الشعر الذي لم ينسب لقائل معيّن.

ص: 114

لمراد الرّبِّ الدِّينيِّ من عبده. وقولنا «الدِّينيُّ» احترازٌ من مراده الكونيِّ، فإنّ كلّ ما في الكون مُوجَب هذه الإرادة.

فالكشف الصّحيح: أن يعرف الحقّ الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبَه معاينةً لقلبه، وتتجرَّد إرادةُ القلب له، فتدور معه وجودًا وعدمًا، هذا هو التّحقيق الصّحيح، وما خالفه فغرورٌ قبيحٌ.

قوله: (وهي أن تكون مستدامةً)، هكذا رأيته في نسخٍ، وفي أخرى:«وهي لا تكون مستديمةً» ، وكأنّ هذا الثّاني أصحُّ؛ لأنّ سياق الكلام يدلُّ على ذلك، وأنّها غير مستدامةٍ في الدّرجة الأولى، فإذا استدامت صارت في الدّرجة الثّانية، وبذلك يحصل الفرق بين الدّرجتين، وإلّا فلو كانت مستدامةً فيهما كانت الدّرجتان واحدةً.

قوله: (فإذا كانت حينًا دون حينٍ، ولم يُعارضها تفرُّقٌ).

يعني: فهي الدّرجة الأولى، بشرط أن لا يقطعَ حكْمَها تفرُّقٌ، ولهذا قال: لا يُعارضها، ولم يقل: لا يعرِض لها، فإنّ التّفرُّق لا بدَّ أن يعرض، لكن لا يعارضها ويقاومها بحيث يُزِيلها، فإنّ العارض إذا عرض للقلب كرهه ومحاه وأزاله بسرعةٍ.

وأمّا المُعارض فإنّه يُزِيل الحاصلَ ويَخلُفه، فيصير الحكم له.

فلذلك قال: (غيرَ أنّ الغَينَ ربّما شابَ مقامَه، على أنّه قد بلغ مبلغًا

) إلى آخره. يعني: أنّ لوازم البشريّة لا بدَّ له منها، ولو لم يكن إلّا أخفّها، وهو الحجاب الرّقيق الذي يَعرِض لقلبه وهو الغَيْن، لكنّه لا يضرُّه لأنّه قد بلغ مبلغًا (لا يلتفِتُه قاطعٌ)، أي: لا تُوجِب له القواطعُ التفاتَ قلبه عن مقامه إليها،

ص: 115

بل إذا لَحظَها

(1)

بقلبه فرَّ منها، كما يفرُّ الظّبي من الكلب إذا أحسَّ به.

(ولا يَلوِيه سببٌ)، أي: لا يُعوِّج قصدَه للحقِّ سببٌ من الأسباب، ولا يردُّه عنه.

قوله: (ولا يقطعه حظٌّ)، أي: لا يقطعه عن بلوغ مقصوده حظٌّ من الحظوظ النّفسيّة. والقاصد في هذه الدّرجة: هو الذي قد ظفِرَ بالقصد الذي لا يلقى سببًا إلّا قطعه، ولا حائلًا إلّا منعَه، ولا تحاملًا إلّا سهّله. فهذه درجة القاصد، فإذا استدامتْ وتمكَّن فيها السّالكُ فهي الدّرجة الثّانية.

قال الشيخ

(2)

: (وأمّا الدّرجة الثّالثة: فمكاشفةُ عينٍ، لا مكاشفة علمٍ، وهي مكاشفةٌ لا تَذَرُ سِمةً تشير إلى التذاذٍ، وتُلجِئ إلى توقُّفٍ، أو تُنزِل على ترسُّم، وغاية هذه المكاشفة المشاهدة).

إنّما كانت هذه الدّرجة مكاشفةَ عينٍ لغلبة نور الكشف على القلب، فنزلتْ هذه المكاشفة من القلب، وحلَّتْ منه محلَّ العلم الضّروريِّ الذي لا يمكن جحده ولا تكذيبه، بل صارت للقلب بمنزلة المرئيِّ للبصر والمسموع للأذن والوجدانيّات للنّفس. وكما أنّ المشاهدة بالبصر لا تصحُّ إلّا مع صحّة القوّة المدركة، وعدمِ الحائل من جسمٍ أو ظلمةٍ، وانتفاء البعد المُفرِط، فكذلك المكاشفة بالبصيرة تستلزم صحّة القلب، وعدمَ الحائل والشّاغل، وقربَ القلب ممّن يكاشفه بأسراره.

وليس مراد الشّيخ في هذا الباب: الكشف الجزئيّ المشترك بين

(1)

ش: «لحضها» . والتصويب من هامشها.

(2)

«المنازل» (ص 93).

ص: 116

المؤمنين والكفّار والأبرار والفجَّار، كالكشف عمَّا في دار العبد، أو في يده، أو تحت ثيابه، أو ما حملَتْ به امرأته بعد انعقاده ذكرًا أو أنثى، وما غاب عن العيان من أحوال البلد الشّاسع ونحو ذلك، فإنّ ذلك يكون من الشّيطان تارةً، ومن النّفس تارةً، ولذلك يقع من الكفّار، كالنصارى وعابدي النِّيران والصُّلبان، فقد كاشفَ ابنُ صيّادٍ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بما أضمره له وخَبَأه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إنّما أنت من إخوان الكهَّان»

(1)

. فأخبر أنّ ذلك الكشف من جنس كشف الكهّان، وأنّ ذلك قدره. وكذلك مسيلمة الكذّاب مع فرط كفره كان يُكاشف أصحابَه بما فعله أحدهم في بيته وما قال لأهله، يخبره به شيطانُه ليُغوِي الناس

(2)

. وكذلك الأسود العَنْسيُّ

(3)

، والحارث المتنبِّي الدِّمشقيُّ

(4)

الذي خرج في دولة عبد الملك بن مروان، وأمثال هؤلاء ممّن لا يُحصِيهم إلّا الله. ورأينا نحن وغيرنا منهم جماعةً، وشاهد النّاس من كشف الرُّهبان عُبّادِ الصليب ما هو معروفٌ.

والكشف الرحمانيُّ من هذا النوع: هو مثل كشف أبي بكرٍ لمّا قال

(1)

إنما قاله لحمل بن النابغة الهذلي لما تكلَّم بسجع، كما في حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري (5758)، ومسلم (1681). أما ابن صيَّاد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:«اخْسأ فلن تَعْدُوَ قدرك» ، كما في حديث ابن عمر الذي أخرجه البخاري (1354)، ومسلم (2930).

(2)

انظر: «تاريخ الطبري» (3/ 281 وما بعدها)، و «البداية والنهاية» (9/ 458 وما بعدها).

(3)

انظر: «دلائل النبوة» للبيهقي (5/ 335، 336)، و «فتح الباري» (8/ 93).

(4)

انظر: «البداية والنهاية» (12/ 285 وما بعدها).

ص: 117

لعائشة: إنَّ امرأته حاملٌ بأنثى

(1)

، وكشف عمر وقد قال: يا ساريةُ الجبلَ

(2)

، وأضعاف هذا من كشف أولياء الرّحمن.

والمقصود: أنّ مراد القوم بالكشف في هذا الباب أمرٌ وراء ذلك، وأفضلُه وأجلُّه أن يُكْشَف للسّالك عن طريق سلوكه ليستقيم عليها، وعن عيوب نفسه ليصلحها، وعن ذنوبه ليتوب منها. فما أكرم الله الصّادقين بكرامةٍ أعظمَ من هذا الكشف، وجعلهم منقادين له عاملين بمقتضاه، فإذا انضمّ هذا الكشف إلى كشف تلك الحُجُب المتقدِّمة عن قلوبهم، سارت القلوب إلى ربِّها مَسيرَ الغيث استدبرتْه الرِّيحُ.

فلنرجعْ إلى شرح كلامه.

فقوله: (الدّرجة الثّالثة: مكاشفة عينٍ، لا مكاشفة علمٍ)، أي: متعلَّق هذه المكاشفة عين الحقيقة، بخلاف مكاشفة العلم، فإنّ متعلَّقها الصُّورة الذِّهنيّة المطابقة للحقيقة الخارجيّة. فكشفُ العلم: أن يكون مطابقًا لمعلومه،

(1)

روى مالك في «الموطأ» (2189) ــ ومن طريقه البيهقي (6/ 170) ــ وابن سعد في «الطبقات» (3/ 194، 195) عن عائشة أن أبا بكر قال لها قبل وفاته بشأن الميراث: «وإنما هما أخواكِ وأختاكِ، فاقتسِموه على كتاب الله» . قالت عائشة: فقلتُ: يا أبتِ، إنما هي أسماء، فمن الأخرى؟ فقال أبو بكر:«ذو بطنِ بنتِ خارجة، أُراها جارية» . قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (22/ 298): «فكانت ذو بطنِ بنت خارجة جاريةً أتتْ بعده، فسُمِّيت أم كلثوم، وأما بنت خارجة فهي زوجته. وكان قول أبي بكر ظنًّا كاليقين» . ورواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (30/ 424، 425، 61/ 276).

(2)

أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (6/ 370)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (2537)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (20/ 24) وغيرهم عن ابن عمر رضي الله عنهما وحسَّنه الحافظ في «الإصابة» (4/ 177).

ص: 118

وكشف العيان: أن يصير المعلوم مشاهَدًا للقلب، كما تُشاهِد العينُ المرئيَّ.

ومن ظنَّ من القوم أنّ كشف العين ظهورُ الذّات المقدّسة لعيانه حقيقةً فقد غلِطَ أقبحَ الغلط، وأحسنُ أحواله: أن يكون صادقًا ملبوسًا عليه، فإنّ هذا لم يقع في الدُّنيا لبشرٍ قطُّ، وقد مُنِع منه كليم الرّحمن.

واختلف السّلف والخلف: هل حصل هذا لسيِّد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه؟ فالأكثرون على أنّه لم يَرَه سبحانه، وحكاه عثمان بن سعيدٍ الدّارميُّ

(1)

إجماعًا من الصّحابة، فمن ادّعى كشف العيان البصريِّ عن الحقيقة الإلهيّة فقد وهم وأخطأ. وإن قال: إنّما هو كشف العيان القلبيِّ، بحيث يصير سبحانه كأنّه مرئيٌّ للعبد، كما قال النّبيُّ صلى الله عليه وسلم:«اعبُدِ الله كأنّكَ تراه»

(2)

= فهذا حقٌّ، وهو قوّة يقينٍ ومزيدُ علمٍ فقط.

نعم؛ قد يظهر له نورٌ عظيمٌ، فيتوهّم أنّ ذلك نور الحقيقة، وأنّها تجلَّتْ له، وذلك غلطٌ أيضًا، فإنّ نور الرّبِّ تعالى لا يقوم له شيءٌ، ولمّا ظهر للجبل منه أدنى شيءٍ ساخَ الجبلُ وتدكدكَ. وقال ابن عبّاسٍ في قوله تعالى:{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] قال: ذاك نوره الذي هو نوره، إذا تجلّى به لم يقُمْ له شيءٌ

(3)

.

هذا النُّور الذي يظهر للصّادق هو نور الإيمان الذي أخبر الله عنه في

(1)

في «النقض على المريسي» (2/ 738 ط. الرشد).

(2)

أخرجه البخاري (50) ، ومسلم (9) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(3)

أخرجه الترمذي (3279)، والطبري في «تفسيره» (22/ 22)، وابن أبي حاتم (4/ 1363)، والحاكم في «المستدرك» (2/ 316) وغيرهم.

ص: 119

قوله: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور: 35]. قال أبيُّ بن كعبٍ: مثل نوره في قلب المؤمن

(1)

. فهذا نورٌ يضاف إلى الربِّ ويقال: هو

(2)

نور الله، كما أضافه سبحانه إلى نفسه. والمراد: نور الإيمان جعله الله له خلقًا وتكوينًا، كما قال تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ} [النور: 40].

وهذا النُّور إذا تمكَّن في القلب وأشرق فيه فاضَ على الجوارح، فيُرى أثره في الوجه والعين، ويظهر في القول والعمل، وقد يقوى حتّى يشاهده صاحبه عيانًا، وذلك لاستيلاء أحكام القلب عليه وغَيبةِ أحكام النّفس. والعين شديدة الارتباط بالقلب، تُظهِر ما فيه، فتقوى مادّة النُّور في القلب، ويغيب صاحبه بما في قلبه عن أحكام حسِّه، بل وعن أحكام العلم، فينتقل من أحكام العلم إلى أحكام العيان.

وسرُّ المسألة: أنّ أحكام الطّبيعة والنّفس شيءٌ، وأحكام القلب شيءٌ، وأحكام الرُّوح شيءٌ، وأنوار العيان شيءٌ، وأنوار استيلاء معاني الصِّفات والأسماء على القلب شيءٌ، ونور الذّات المقدّسة شيءٌ وراء ذلك كلِّه.

فهذا الباب يغلَطُ فيه رجلان؛ أحدهما: غليظ الحجاب، كثيف الطّبع، والآخر: قليل العلم، يلتبس عليه ما في الذِّهن بما في الخارج، ونور المعاملات بنور ربِّ الأرض والسّماوات، {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُّورٍ} .

(1)

في «تفسير البغوي» (3/ 345) أنه قول ابن مسعود. أما أبي بن كعب فكان يقرأ (مثل نورِ من آمن به)، وهو عبد جُعل الإيمان والقرآن في صدره. وانظر:«تفسير الطبري» (17/ 298)، وابن أبي حاتم (8/ 2593)، و «المستدرك» للحاكم (2/ 399، 400).

(2)

د: «له» .

ص: 120

قوله: (ولا مكاشفة حالٍ)، مكاشفة الحال: هي المواجيد التي يجدها السالك بوارداته، حتّى يبقى الحكم لقلبه وحاله.

قوله: (وهي مكاشفةٌ لا تَذَر سِمةً تشير إلى التذاذه)، يريد: أنّ هذه المكاشفة تمحو رسومَ المكاشف، فلا يبقى منه ما يحسُّ بلذّةٍ، فإنّ الأحوال والمواجيد لها لذّةٌ عظيمةٌ، أضعاف اللّذّة الحسِّيّة، فإنّ لذَّاتها

(1)

روحانيّةٌ قلبيّةٌ، والمكاشفة العينيّة تُغيِّب المكاشفَ عن إدراك تلك اللّذّة. والسِّمة هي العلامة، فالمعنى: أنّ هذه المكاشفة لا تَذَرُ له

(2)

علامةً تدلُّه على لذّةٍ.

قوله: (أو تُلجِئ إلى توقُّفٍ)

(3)

، يعني: لا تَذَرُ منه بقيّةً تُلجِئه إلى وقفةٍ، فإنّ البقيّة التي تبقى على السّالك من نفسه هي التي تُلجِئه إلى التّوقُّف في سيره.

قوله: (ولا تُنزِل على ترسُّم)، أي: لا تُنزِل هذه المكاشفة على من بقي فيه رسمٌ، فإنَّ رسمه حجابٌ بينه وبين هذه المكاشفة، فإنّها بمنزلة نور الشمس، فلا تنزل في بيتٍ عليه سقفٌ حائلٌ، فإنّ الرسم عند القوم هو الحجاب بينهم وبين مطلوبهم، والرسم هو النفس وأحكامها وصفاتها.

وهذه المكاشفة إذا قويت واستحكمت صارت مشاهدةً، ولذلك قال:(وغاية هذه المكاشفة هو مقام المشاهدة).

* * * *

(1)

«لذاتها» مكررة في ش، د.

(2)

د: «لا تدركه» .

(3)

ش، د:«موقف» .

ص: 121

فصل

قال صاحب «المنازل»

(1)

: (باب المشاهدة. قال الله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37]).

قلت: جعل الله سبحانه كلامه ذكرى، ينتفع بها مَن جمعَ هذه الأمور الثّلاثة:

أحدها: أن يكون له قلبٌ حيٌّ واعٍ، فإذا فقد هذا القلب لم ينتفع بالذِّكرى.

الثاني: أن يُصغي سَمْعَه فيُميله كلَّه نحو المخاطب له، فإن لم يفعل لم ينتفع بكلامه.

الثالث: أن يحضر قلبه وذهنه عند المكلِّم له وهو الشّهيد؛ أي الحاضر غير الغائب، فإن غاب قلبه وسافر في موضعٍ آخر لم ينتفع بالخطاب.

وهذا كما أنَّ المبصر لا يدرك حقيقة المرئيِّ إلَّا إذا كانت له قوّةٌ باصرةٌ، وحدَّقَ بها نحو المرئيِّ، ولم يكن قلبه مشغولًا بغير ذلك. فإن فقد القوّة المبصرة، أو لم يُحدِّق نحو المرئيِّ، أو حدَّقَ نحوه وقلبُه كلُّه في موضعٍ آخر= لم يدركه، فكثيرًا

(2)

ما يمرُّ بك إنسانٌ أو غيره، وقلبك مشغولٌ بغيره، فلا تَشعُر بمروره. فهذا الشّأن يستدعي صحّة القلب وحضوره، وكمال الإصغاء.

(1)

(ص 93).

(2)

د: «فكثير» .

ص: 122

فصل

قال الشيخ

(1)

: (المشاهدة: سقوط الحجاب بتًّا) أي: قطعًا، بحيث لا يبقى منه شيءٌ، والمشاهدة هي المُسقِطة للحجاب، أو التي تكون عند سقوط الحجاب، وليست هي نفس سقوط الحجاب، لكن عبّر عن الشّيء بلازمه، فإنّ سقوط الحجاب يلازم حصول المشاهدة.

قوله

(2)

: (وهي فوق المكاشفة)، هذا يدلُّك على أنّ مراد الشّيخ ومن وافقه من أهل الاستقامة بالمكاشفة والمشاهدة: قوّة اليقين، ومزيد العلم، وارتفاع الحجب المانعة من ذلك، لا نفسُ معاينة الحقيقة، فإنّ المكاشفة لو كانت هي معاينة الحقيقة لَمَا كان فوقها مرتبةٌ أخرى.

وإنّما كانت المشاهدة عنده فوق المكاشفة لِما ذكره من قوله

(3)

: (إنَّ المكاشفة ولاية النعت، وفيه شيءٌ من بقايا الرسم، والمشاهدة ولاية العين والذات).

يريد: أنّ المكاشفة تتعلّق بالصِّفات الإلهيّة، فولايتها ولاية النُّعوت والأوصاف؛ أي: سلطانها وما يتعلّق به هو النُّعوت والصِّفات، وسلطانُ المشاهدة وما يتعلّق به هو نفس الذّات الجامعة للنُّعوت والصِّفات، فلذلك كانت فوقها وأكملَ منها.

والفرق بين ولاية النّعت وولاية العين والذّات: أنّ النّعت صفةٌ، ومن

(1)

«المنازل» (ص 93).

(2)

المصدر نفسه.

(3)

المصدر نفسه.

ص: 123

شاهد الصِّفة فلا بدّ أن يشاهد متعلَّقاتها، فإنّ النّظر في متعلَّقاتها يُكسِبه التّعظيم للمتّصف بها، فإنّ من شاهد العلم القديم الأزليّ متعلِّقًا بسائر المعلومات التي لا تتناهى من واجبٍ وممكنٍ ومستحيلٍ، ومن شاهد الإرادة الموجبة لسائر المرادات على تنوُّعها من الأفعال والأعيان والحركات والأوصاف التي لا تتناهى، وشاهدَ القدرةَ التي هي كذلك، وشاهد صفةَ الكلام التي لو أنّ البحر يَمُدُّه من بعده سبعة أبحرٍ، وأشجار العالم كلُّها أقلامٌ يُكتب بها كلامُ الرّبِّ جل جلاله، فَنِيتِ البحار، ونَفِدت الأقلام، وكلام الله عز وجل لا ينفَد ولا يفنى؛ فمن شاهدَ الصِّفات كذلك، وجالَ قلبه في عظمتها= فهو مشغولٌ بالصِّفات، ومتفرِّق

(1)

قلبه في متعلَّقاتها وتنوعها في أنفسها، بخلاف من قصَرَ نظره على نفس الذّات، وشاهد قِدمَها وبقاءها، واستغرق قلبه في عظمة تلك الذّات بقطع النّظر عن صفاتها، فهو مشاهدٌ للعين، والأوّل مشاهدٌ للصِّفات. فالأوّل في فرقٍ، وهذا في جمعٍ. فمن استغرق قلبه في هذا المشهد استحقّ اسم المشاهد، ووصف المشاهدة عند القوم إذا غاب عن إدراك رسمِه وكلِّ ما فيه من علمٍ وعملٍ وحالٍ. هذا تقرير

(2)

كلامه.

وبعدُ، فإنّ ولاية النُّعوت والصِّفات التي جعلها دون ولاية العين والذّات ليس كما زعمه، بل لا نسبةَ بينهما البتّةَ، فإنّ الله سبحانه دعا عباده في كتبه الإلهيّة إلى الأوّل دون الثّاني، وبذلك نطقتْ كتبه ورسله، فهذا القرآن من أوّله إلى آخره إنّما يدعو النّاس إلى النّظر في صفاته وأفعاله وأسمائه، دون الذّات المجرّدة، فإنّ الذّات المجرّدة التي لا يُلحَظ معها وصفٌ ولا يُشهَد

(1)

ت: «مستغرق» . وكتب فوقها: «متفرق» .

(2)

ت: «تفسير» .

ص: 124

فيها نعتٌ، لا تدلُّ على كمالٍ ولا جلالٍ، ولا يُحصِّل

(1)

شهودُها إيمانًا، فضلًا عن أن يكون من أعلى مقامات العارفين.

ويا سبحان الله! أين

(2)

شهودُ صفات الكمال وتنوُّعها وكثرتها، وما تدلُّ عليه من عظمة الموصوف بها وجلاله وكماله، وأنّه ليس كمثله شيءٌ في كماله؛ لكثرة أوصافه ونعوته وأسمائه، وامتناع أضدادها عليه، وثبوتها له على أكمل الوجوه الذي لا نقص فيه بوجهٍ ما= من شهودِ ذاتٍ قد غاب شاهدها عن كلِّ صفةٍ ونعتٍ واسمٍ؟!

فبين هذين المشهدين من التّفاوت ما لا يُحصيه إلّا الله، وهذا هو مشهد من تألَّه وفني من الجهميّة والمعطِّلة، صَرَّحوا بذلك وقالوا: كمال هذا المشهد هو قَصْر النّظر على عين الذّات، وتنزيهها عن الأعراض والأبعاض والأغراض والحدود والجهات.

ومرادهم بالأعراض: الصِّفات التي تقوم بالحيِّ، كالسّمع والبصر والقدرة والإرادة والكلام، فلا سمع له، ولا بصر، ولا إرادة، ولا حياة، ولا علم، ولا قدرة.

ومرادهم بالأبعاض: أنّه لا وجه له ولا يدان، ولم يخلق آدم بيده، ولا يقبض

(3)

سماواته بيده، ولا يطوي الأرض باليد الأخرى، ولا يمسك السّماوات على إصبعٍ ولا الأرضين على إصبعٍ ولا الشّجر على إصبعٍ،

(1)

ت، ر:«ولا في تحصيل» .

(2)

ر: «أين يكون في» .

(3)

ر: «ولم يطو» .

ص: 125

ونحو ذلك ممّا أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله

(1)

.

ومرادهم بالأغراض: أنّه لا يفعل لحكمةٍ ولا علّةٍ غائيّةٍ، ولا سبب لفعله، ولا غاية مقصودةٌ.

ومرادهم بالحدود والجهات: مسألة المباينة والعلوِّ، وأنّه غير مُباينٍ لخلقه، ولا مستوٍ على عرشه، ولا تُرفَع إليه الأيدي، ولا تَصْعَد إليه الأعمال، ولا ينزل من عنده شيءٌ، ولا يصعد إليه شيءٌ، وليس فوق العرش إلهٌ يُعبَد ولا ربٌّ يُصلَّى له ويُسجد، بل ليس هناك إلّا العدم المحض الذي هو لا شيء!

فكمال الشُّهود عندهم: أن يشهد ذاتًا مجرّدةً عن كلِّ اسمٍ ووصفٍ ونعتٍ.

وشيخ الإسلام قدَّس الله روحَه عدوُّ هذه الطّائفة، وهو بريءٌ منهم براءةَ الرُّسل منهم، ولكن بقيتْ عليه مثلُ هذه البقيّة، وهي جَعْلُ مشهد العين والذّات فوق مشهد الصِّفات، على أنّه لا سبيل للقوى البشريّة إلى شهود الذّات الإلهيّة البتّةَ، ولا يقع الشُّهود على تلك الحقيقة، ولا جُعِل ذلك إليها، وإنّما إليها شهود الصِّفات والأفعال، وأمّا حقيقة الذّات والعين فغير معلومةٍ للبشر. ولمَّا سأل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حقيقة ربِّه سبحانه ومن أيِّ شيءٍ هو؟ أنزل الله عز وجل:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}

(2)

، فدلَّهم على نفسه بصفاته الثبوتيَّة مِن

(1)

كما في حديث ابن مسعود الذي أخرجه البخاري (4811)، ومسلم (2786).

(2)

أخرجه الطبري في «تفسيره» (24/ 728).

ص: 126

كونه صمدًا، وصفاته السَّلبيَّة المتضمِّنة للثبوت مِن كونه لم يَلِد ولم يُولَد ولم يكن له كفؤًا أحد

(1)

، ولم يجعل لهم سبيلًا إلى معرفة الذَّات والكُنْه.

فما هذا الشُّهود العينيُّ

(2)

الذّاتيُّ الذي جعلتموه للمشاهد، وجعلتموه فوق المكاشفة، وجعلتم

(3)

ولاية المكاشفة النّعت وولاية المشاهدة العين؟

فاعلم أنّ مراد الشّيخ ــ قدَّس الله روحه ــ وأمثاله من العارفين أهل الاستقامة: أن لا يقصر نظر القلب على صفةٍ من الصِّفات، بحيث يستغرق فيها وحدها، بل يكون التفاتُه وشهوده واقعًا على الذّات الموصوفة بصفات الكمال المنعوتة بنعوت الجلال، فحينئذٍ يكون شهوده واقعًا على الذّات والصِّفات جميعًا.

ولا ريبَ أنّ هذا فوق مشهد الصِّفة الواحدة أوالصِّفات.

ولكن يقال: الشُّهود لا يقع على الصِّفة المجرّدة، ولا يصحُّ تجرُّدها في الخارج ولا في الذِّهن، بل متى

(4)

شهد الصِّفة شهد قيامها بالموصوف ولا بدّ، فما هذا الشُّهود الذّاتيُّ الذي هو فوق الوصف؟

والأمر يرجع إلى شيءٍ واحدٍ، وهو أنّ من كان بصفات الله أعرفَ، ولها أثبت، ومعارضُ الإثبات منتفٍ عنده= كان أكملَ شهودًا، ولهذا كان أكملُ

(1)

«فدلَّهم

أحد» من ر، والظاهر أنه سقط من أصل سائر النسخ لانتقال النظر.

(2)

«العيني» ليست في ت.

(3)

ش، د:«وجعلهم» .

(4)

ت: «من» .

ص: 127

الخلق شهودًا مَن قال: «لا أُحصِي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك»

(1)

، فلكمال معرفته بالأسماء والصِّفات استدلَّ بما عرفه منها، على أنّ الأمر فوق ما أحصاه وعلمه.

فمشهدُ الصِّفات: مشهد الرُّسل والأنبياء وورثتهم، وكلُّ من كان بها أعرفَ كان بالله أعلم، وكان مشهده بحسب ما عرف منها، وليس للعبد في الحقيقة مشاهدةٌ ولا مكاشفةٌ، لا للذّات ولا للصِّفات، أعني مشاهدة عيانٍ وكشف عيانٍ، وإنّما هو مزيد

(2)

إيمانٍ وإيقانٍ.

ويجب التنبيه والتّنبُّه هاهنا على أمرٍ

(3)

، وهو: أنّ المَشاهد نتائج العقائد، فمن كان معتقده ثابتًا في أمرٍ من الأمور، فإنّه إذا صفَتْ نفسه وارتاضت، وفارقت الشّهوات والرّذائل، وصارت روحانيّةً= تجلّى لها صورة معتقدها كما اعتقدتْه، وربّما قوي ذلك التّجلِّي حتّى يصير لها كالعيان، وليس به، فيقع الغلط من وجهين:

أحدهما: أنّ ذلك ثابتٌ في الخارج، وإنّما هو في الذِّهن، ولكن لمّا صفا وارتاضَ، وانجلتْ عنه ظلمات الطّبع، وغاب بمشهوده عن شهوده، واستولت عليه أحكام القلب بل أحكام الرُّوح= ظنّ أنَّ ما ظهر له في الخارج، ولا تأخذه في ذلك لومة لائمٍ، ولو جاءته كلُّ آيةٍ في السّماوات والأرض، وذلك عنده بمنزلة من عايَنَ الهلال ببصره جهرةً، فلو قال له أهل

(1)

كما في حديث عائشة رضي الله عنها الذي أخرجه مسلم (486).

(2)

ت: «مشهد» .

(3)

ت: «لأمر» .

ص: 128