الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حضيضها، وربّما يعزُّ عليه أن يحصِّل همّةً أخرى يصعد بها إلى موضعه الذي كان فيه، فأهل الهمم والفِطَن الثّاقبة لا يفتحون من آذانهم وقلوبهم طريقًا إلى ذلك، إلّا ما تقاضاه الأمر، وكانت مصلحتُه أرجح، وما عداه فبطالةٌ وحطُّ مرتبةٍ.
فصلٌ
قال
(1)
: (و
الطّبقة الثّالثة: طائفةٌ أسرَهم الحقُّ عنهم
، فألاح لهم لائحًا أذهلهم عن إدراك ما هم فيه، وهيّمهم عن شهود ما هم له، وضنّ بحالهم على علمهم بمعرفة ما هم فيه، فاستسرُّوا عنهم مع شواهد تشهد لهم بصحّة مقامهم، عن
(2)
قصدٍ صادقٍ يهيِّجه غيبٌ، وحبّ صادق يخفى عليه علمُه، ووجد غريب لا ينكشف له
(3)
مُوقِدُه، وهذا من أرقِّ
(4)
مقامات أهل الولاية).
أهلُ هذه الطّبقة أحقُّ باسم السِّرِّ من الذين قبلهم، فإنّه إذا كانت أحوال القلب ومواهب الرّبِّ التي وضعها فيه سرًّا عن صاحبه، بحيث لا يشعر هو بها، شُغلًا عنها بالعزيز الوهّاب سبحانه، فلا يتّسع قلبُه لاشتغاله به وبغيره، بل يشتغل بمُجريها ومنشئها وواهبها عنها، فهذا أقوى وجوه السِّرِّ، بل ذلك
(1)
«المنازل» (ص 86).
(2)
في المنازل: «من» .
(3)
سيعيده المؤلف (ص 50) بلفظ: «لصاحبه» ، وفي بعض نسخ المنازل:«لهم» .
(4)
كذا في ر، وبعض نسخ «المنازل» ، وهو الموافق لـ «شرح التلمساني» (ص 478). ووقع في ش، د، ت وبعض نسخ المنازل:«أدقّ» بالدال. وسيأتي أيضًا بعد صفحات (ص 52)، والمثبت هو المناسب لشرح المؤلف.
أخفى من السِّرِّ.
وأعظم
(1)
السِّتر والإخفاء: أن يستر الله سبحانه حالَ عبده عنه ويخفيه منه، رحمةً به ولطفًا، لئلّا يساكنه وينقطع به عن ربِّه، فإنّ ذلك خِلعةٌ من خِلَع الحقِّ، فإذا سترها صاحبُها ومُلبِسها عن عبده، فقد أراد به أن لا يقف مع شيءٍ دونه، وقد يكون ذلك السِّتر لما شُغِل به العبدُ من
(2)
مشاهدة جلال الرّبِّ تعالى وكماله وجماله، أعني مشاهدة القلب لمعاني تلك الصِّفات واستغراقه فيها.
وعلامة هذا الشُّهود الصّحيح: أن يكون باطنه معمورًا بالإحسان، وظاهره مغمورًا بالإسلام، فيكون ظاهره عنوانًا لباطنه، مصدِّقًا لما اتّصف به، وباطنه مصحِّحًا لظاهره. هذا هو الأكمل عند أصحاب الفناء.
وأكمل منه: أن يشهد ما وهبه الله له ويلاحظه ويراه من محض المنّة وعين الجود، فلا يفنى بالمُعطي عن رؤية عطيَّته، ولا يشتغل بالعطيّة
(3)
عن معطيها، وقد أمر الله تعالى بالفرح بفضله ورحمته، وذلك لا يكون إلّا برؤيته وملاحظته
(4)
، وأمر بذكر نعمته
(5)
وآلائه، فقال:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [فاطر: 3]، وقال:{فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأعراف: 69]،
(1)
ت، ر، ط:«ومن أعظم» .
(2)
ر، ط:«مما يشتغل» .
(3)
ليست في ش، واستدركت في هامش د.
(4)
العبارة في ط: «برؤية الفضل والرحمة وملاحظتهما» .
(5)
ت، ر:«نعمه» .
وقال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ} [البقرة: 231].
فلم يأمر سبحانه بالفناء عن شهودِ نِعَمِه
(1)
، فضلًا عن أن يكون مقامه
(2)
أرفع من مقام شهودها مِن محض
(3)
فضله ومنّته.
وقد أشبعنا القولَ في هذا فيما تقدّم
(4)
، ولا يأخذنا فيه لومةُ لائمٍ، ولا يأخذ أرباب الفناء في ترجيح الفناء عليه لومة لائمٍ.
فقوله: (أسرَهم الحقُّ عنهم). أي: شَغلَهم به عن ذِكْر أنفسهم، فأنساهم بذِكْره ذِكْرَ نفوسهم، وهذا ضدّ حال الذين نسوا الله فأنساهم أنفسَهم، فإنّ أولئك لمّا نسوه أنساهم
(5)
مصالحَ أنفسهم التي لا صلاح لهم إلّا بها فلا يطلبونها، وأنساهم عيوبَهم فلا يُصلحونها، وهؤلاء أنساهم حظوظَهم بحقوقه، وذِكْر ما سواه بذِكْره، والمقصود أنّه سبحانه أخذَهم إليه وشَغَلهم به عنهم.
قوله: (وألاح لهم لائحًا أذهلهم عن إدراك ما هم فيه). ألاح أي: أظْهَر، والمعنى: أظهرَ لهم مِن معرفة جماله وجلاله لائحًا ما، لم تتّسع قلوبُهم بعدَه لإدراك شيءٍ مِن أحوالهم ومقاماتهم، وهذا رقيقةٌ من حال أهل الجنّة، إذا
(1)
ر، ط:«نعمته» .
(2)
ط: «مقام الفناء» .
(3)
ليست في ر، ط.
(4)
(3/ 554 وما بعدها).
(5)
من ت، ر.
تجلّى لهم سبحانه وأراهم نفسَه، فإنّهم لا يشعرون في تلك الحال بشيءٍ من النّعيم، ولا يلتفتون إلى سواه البتّة، كما صرّح به في الحديث
(1)
في قوله: «فلا يلتفتون إلى شيءٍ من النّعيم ما داموا ينظرون إليه»
(2)
.
والمعنى: أنّ هذا اللّائح الذي ألاحَه سبحانه لهم أذهلَهم عن الشُّعور بغيره.
قوله: (وهيّمَهم عن شهودِ ما هم له). يحتمل أن يكون مراده: أنّ هذا اللّائح هيّمَهم عن شهود ما خُلقوا له، فلم يبق فيهم اتِّساعٌ للجمع بين الأمرين. وهذا وإن كان لقوّة الوارد فهو دليلٌ على ضعف المحلِّ، حيث لم يتّسع القلبُ معه لذِكْر ما خُلِق له، والكمالُ أن يجتمع له الأمران.
ويحتمل أن يريد به: أنّ هذا اللّائح غيّبَهم عن شهود أحوالهم التي هم لها في تلك الحال، فغابوا بمشهودهم عن شهودهم، وبمعروفهم عن معرفتهم، وبمعبودهم عن عبادتهم، فإنّ الهائمَ لا يشعر بما هو فيه ولا بحال نفسه، وفي «الصِّحاح»
(3)
: الهُيام كالجنون مِن العِشق.
قوله: (وضنّ بحالهم على علمهم) أي: بَخِلَ به، والمعنى لم يمكن علمهم أن يدرك حالهم وما هم عليه.
قوله: (فاستسرُّوا عنهم) أي: اختفوا حتّى عن أنفسهم، فلم تعلم نفوسُهم كيفَ هم! ولا تبادِر بإنكار هذا، تكن ممّن لا يصل إلى العنقود
(1)
في ر، ط زيادة «الصحيح» .
(2)
تقدم تخريجه (2/ 330).
(3)
(5/ 2062 - 2063).
فيقول: هو حامضٌ.
قوله: (مع شواهد تشهد لهم بصحّة مقامهم) يريد: أنّهم لم يعطِّلوا أحكامَ العبوديّة في هذه الحال، فيكون ذلك شاهدًا عليهم بفساد أحوالهم، بل لهم مع ذلك شواهد صحيحةٌ، تشهد لهم بصحّة مقاماتهم، وتلك الشّواهد: هي القيام بالأمر وآداب الشّريعة ظاهرًا وباطنًا.
قوله: (عن قصدٍ صادقٍ
(1)
، يهيِّجه غيبٌ) يجوز أن يتعلّق هذا الحرف وما بعده بمحذوفٍ دلّ عليه الكلامُ؛ أي: حصل لهم ذلك عن قصدٍ صادقٍ؛ أي: لازمٍ ثابتٍ، لا يلحقه تلوُّنٌ، (يهيِّجه غيبٌ) أي: أمرٌ غائبٌ عن إدراكهم هيّج لهم ذلك القصد الصّادق.
قوله: (وحبّ صادق يخفى عليه مبدأ علمه) أي: هم لا يعرفون مبدأ ما بهم، ولا يصل علمهم إليه؛ لأنّهم لمّا لاح لهم ذلك اللّائح استغرقَ قلوبَهم، وشغَلَ عقولَهم عن غيره، فهم مأخوذون عن أنفسهم مقهورون بوارِدِهم
(2)
.
قوله: (ووَجْد غريب لا ينكشفُ لصاحِبِه
(3)
مُوقِدُه) أي: لا ينكشف لصاحب هذا الوجد السببُ الذي أهاجَه له وأوقدَه في قلبه، فهو لا يعرفُ السّببَ الذي أوقَدَ
(4)
نارَ وَجْدِه.
(1)
ر، والمطبوعات:«سابق» ! وفي بقية النسخ و «المنازل» كما هو مثبت.
(2)
د: «بمواردهم» تصحيف.
(3)
تقدم نقل المؤلف عن نص المنازل بلفظ: «له» .
(4)
ط: «أوجد» .
قوله: (وهذا من أرقِّ
(1)
مقامات أهل الولاية) جعله رقيقًا لكون الحسِّ مقهورًا مغلوبًا عند صاحبه، والعلم والمعرفة لا يحكمان عليه، فضلًا عن الحسِّ والعادة.
وحاصل هذا المقام: الاستغراق في الفناء، وهو الغاية عند الشّيخ! والصّحيح أنّ أهل الطّبقة الثّانية أعلى من هؤلاء وأرفع مقامًا، وهم الكُمّل؛ وهم أقوى منهم، كما كان مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء أرفع مِن مقام موسى يوم التّجلِّي، ولم يحصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الفناء ما حصل لموسى، وكان حبُّ امرأة العزيز ليوسف أعظم من حبِّ النِّسوة، ولم يحصل لها من تقطيع الأيدي ونحوه ما حصل لهنّ، وكان حبُّ أبي بكرٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم مِن حبِّ عمر وغيره له، ولم يحصل له عند موته من الاضطراب والغَشْي والإقعاد ما حصل لغيره.
فأهلُ البقاء والتّمكُّن
(2)
أقوى حالًا وأرفع مقامًا من أهل الفناء، وبالله التّوفيق.
* * * *
(1)
تقدم (ص 47) التعليق على الاختلاف في الكلمة هل هي أرق أو أدق. وبالراء أنسب لشرح المؤلف.
(2)
د: «التمكين» ، ت:«المتمكّنون» .
فصل
(1)
قال صاحب «المنازل»
(2)
: (باب النّفَس، قال الله تعالى:{فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ}
(3)
[الأعراف: 143]).
وجه إشارته بالآية: أنّ النّفَس يكون بعد مفارقة الحال وانفصاله عن صاحبه، فشبّه الحالَ بالشّيء الذي يأخذ صاحبَه فيغتُّه
(4)
ويغطُّه، حتّى إذا أقلع عنه تنفّس نفَسًا يستريحُ به ويسترْوِح إليه
(5)
.
قال
(6)
: (وسمِّيَ النّفَسُ نفَسًا، لِترَوُّح المُتنفِّس به).
التنفيس هو: التّرويح، يقال: نفّسَ الله عنك الكرْبَ، أي: أراحَك منه، وفي الحديث الصّحيح:«مَنْ نفّسَ عن مؤمنٍ كُرْبةً مِن كُرَب الدُّنيا نفّسَ الله عنه كُرْبةً مِن كُرَب يوم القيامة»
(7)
.
وهذه الأحرف
(8)
وهي النُّون والفاء وما يُثلِّثهما تدلُّ حيث وُجِدت على
(1)
بعده في ر، ط:«ومنها النفس» .
(2)
(ص 86).
(3)
ر، ط بقية الآية:{سُبْحَانَكَ تُبْتُ} .
(4)
ت: «فيبغته» .
(5)
ليست في ر، ط.
(6)
(ص 86).
(7)
أخرجه مسلم (2699) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وسقط بعض الفقرة مع أكثر الحديث من ت بسبب انتقال النظر.
(8)
في ر، ط زيادة:«الثلاثة» .
الخروج والانفصال، فمنه النّفَل؛ لأنّه زائدٌ على الأصل خارجٌ عنه، ومنه: النّفْي و النّفْر والنّفْش
(1)
، ونفَقَت الدّابّة، ونَفِسَت المرأةُ ونُفِسَت: إذا حاضت أو ولدت، فالنّفَس: خروجٌ وانفصالٌ يستريح به المتنفِّس.
قال
(2)
: (وهو على ثلاث درجاتٍ، وهي تُشابِه درجاتِ الوقت) وجه الشّبه بينهما أنّ الأوقات تعدُّ بالأنفاس فدرجاتُها كدرجاتها.
وأيضًا فالوقت، كما قال هو:(حين وجدٍ صادقٍ)
(3)
فقيّد الحينَ بالوجد، والوجدَ بالحين
(4)
، وقال في هذا الباب:(هو نفَسٌ في حين استتارٍ)، فقيّد النّفَس بالحين وبالوجد، وقيّد به الوقت، فهو معتبرٌ بهما.
وأيضًا فالوقت والنّفَس لهما أسبابٌ تعرض للقلب بسبب حجبه
(5)
مطلوبه، أو مفارقةِ حالٍ كان فيها فاستترت عنه، فبينهما تشابهٌ
(6)
من هذه الوجوه وغيرها.
قال
(7)
: (والأنفاس ثلاثةٌ: نفَسٌ في حين استتارٍ، مملوء من الكَظْم،
(1)
اختلفت النسخ في ترتيب هذه الثلاثة، وقع في ت، ر، والطبعات:«النفس» والصواب من ش، د. ونفش الصوف إذا شعثه وفرّقه.
(2)
«المنازل» (ص 86).
(3)
«المنازل» (ص 82).
(4)
ط: «بالصدق» خلاف النسخ.
(5)
ر، ط:«حجبه عن» ، ت:«حجب» .
(6)
ت: «مناسبة» .
(7)
«المنازل» (ص 86 - 87). وقبله في ط: «فصل» .
متعلِّقٌ بالعلم، إن تنَفّس تنَفّس بالأسف
(1)
، وإن نطق نطق بالحزن
(2)
، وعندي هو متولِّدٌ من وحشة الاستتار، وهي الظُّلمة التي قالوا: إنّها مقامٌ).
قوله: (نفَسٌ في حين استتارٍ) أي: يكون له حالٌ صادقٌ وكشفٌ صحيحٌ، فيستتر عنه بحكم الطّبيعة والبشريّة ولا بدّ، فيضيق بذلك صدرُه، ويمتلئ كظمًا بحجب ما كان فيه واستتاره عنه لأسبابٍ فاعليّةٍ وغائيّةٍ، سَتَرِدُ عليك إن شاء الله، فإذا تنفّس في هذه الحال فتنفُّسه تنفُّس الحزين المكروب.
قوله: (مملوء من الكظم) الكظم: هو الإمساك، ومنه: كظَم غيظَه، إذا تجرّعه وحبَسه ولم يخرجه.
قوله: (متعلِّقٌ بالعلم) يريد: أنّ ذلك النّفَس متعلِّقٌ بأحكام العلم الظّاهر لا بأحكام الحال، وذلك هو البلاء الذي تقدّم ذِكْر الشّيخ له
(3)
، وهو بلاء العبد بين الاستجابة لداعي العلم وداعي الحال.
وإنّما كان ذلك نفَسَ مكظومٍ بخلوِّه
(4)
في هذه الحال من أحكام المحبّة التي تهوِّن الشّدائد، وتسهِّل الصّعب، وتحمل الكلّ، وتُعين على نوائب الحقِّ، وتعلُّقه بالعلم الذي هو داعي التّفرُّق، فإنّ كرْبَ المحبّة ممزوجٌ بالحلاوة، فإذا خلا من أحكامها إلى أحكام العلم فقدَ تلك الحلاوة، واشتاق
(1)
في «المنازل» : «وإن تنفس تنفّس نفس المتأسّف» ، والمثبت موافق لـ «شرح التلمساني» (ص 481).
(2)
في «المنازل» : «بالحرب» . وفي بعض نسخه كما هو مثبت. وعليه شرح المؤلف كما سيأتي.
(3)
من ت، ر. وينظر «منازل السائرين» (ص 85 - 86).
(4)
ت، ر، ط:«لخلوّه» .
إلى ذلك الكرب، كما قيل
(1)
:
تشكّى
(2)
المحبُّون الصّبابةَ ليتني
…
تحمّلت ما يلقون من بينهم وحدي
فكانت لقلبي لذّةُ الحبِّ كلُّها
…
فلم يلْقَها قبلي محبٌّ ولا بعدي
قوله: (إن تنفّس تنفّس بالأسف). الأسف: الحزن، كقوله تعالى عن يعقوب:{يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ} [يوسف: 84]، والأسف: الغضب، كما في قوله تعالى:{فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} [الزخرف: 55] وهو في هذا الموضع: الحزن على ما توارى عنه من مطلوبه أو مِن صِدْق حاله.
قوله: (أو
(3)
نطَقَ نطَقَ بالحزن) يعني: أنّ هذا المتنفِّس إن نطق نطق بما يدلُّ على الحزن على ما توارى عنه، فمصدر تنفُّسه ونُطْقه حزنُه على ما حُجِب عنه.
قوله: (وعندي: أنّه يتولّد من وَحْشة الاستتار) يريد: أنّ هذا الأسف وإن أضيف إلى الاستتار والحجاب فتولُّده: إنّما هو من الوحشة التي سببها الاستتار والحَجْب؛ وكأنّ الاستتار عنده سبب السّبب فيتولّد الأسف
(4)
من تلك الوحشة المتولِّدة من الاستتار، وهذا صحيحٌ؛ فإنّه لمّا كان مطلوبه
(1)
البيتان في «ديوان الحماسة» : (2/ 30)، وهما في «ديوان مجنون ليلى» (ص 92). وذكرهما المؤلف في «الداء والدواء» (ص 427)، و «روضة المحبين» (ص 40، 248).
(2)
ش، د:«ويشكو» تحريف، ر: بدون الواو. والمثبت من ت والمصادر.
(3)
ر، ط:«وإن» وتقدم نقل المؤلف عن «المنازل» كذلك.
(4)
قوله: «والحجب
…
» إلى هنا مكانه في ر، ط بعد قول صاحب «المنازل»:«وحشة الاستتار» .
مشاهَدًا له، وحال محبّته وأحكامها قائمًا به، كان نصيبُه من الأُنس على قدر ذلك، فلمّا توارى عنه مطلوبُه وأحكام محبّته استوحش لذلك، فتولّد الحزنُ من تلك الوحشة.
وبعد، فالحزن يتولّد من مفارقة المحبوب، ليس له سببٌ سواه، وإن تولّد من حصول مكروهٍ، فذلك المكروه إنّما كان كذلك
(1)
لِمَا فاتَ به من المحبوب، فلا حُزْن إذًا ولا همّ ولا غمّ، ولا أذًى ولا كرب إلّا في مفارقة المحبوب، ولهذا كان حزن الفقر والمرض والألم والجهل والخمول والضِّيق وسوء الحال ونحو ذلك= على فراق المحبوب من المال والوجد والعافية، والعلم والسَّعة وحسن الحال، ولهذا جعل الله سبحانه مفارقة المشتَهَيات من أعظم العقوبات، فقال تعالى:{وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ} [سبأ: 54].
فالفرحُ والسُّرور بالظّفَر بالمحبوب، والهمُّ والغمُّ والحزن والأسف بفوات المحبوب، فأطيب العيش عيش المحبِّ الواصل إلى محبوبه، وأمَرُّ العيش عيش من حِيل بينه وبين محبوبه.
والاستتار المذكور لا يكون إلّا بعد كشفٍ وعيانٍ، والرّبُّ تعالى يستر عنهم ما يستره رحمةً بهم، ولطفًا بضعيفهم، إذ لو دام له حال الكشف لمَحَقه، بل مِن رحمة ربّه به
(2)
أن يردّه إلى أحكام البشريّة، ومقتضى الطّبيعة.
وأيضًا: ليتزايد طلبُه، ويقوى شوقُه، فإنّه لو دامت له تلك الحال لألِفَها واعتادَها، ولم تقع منه «موقعَ الماء مِن ذي الغُلّة الصّادي»
(1)
، ولا موقع الأمن من الخائف، وموقع
(2)
الوِصال من المهجور، فالرّبُّ تعالى واراها عنه ليكمُل فرحُه ولذّتُه وسرورُه بها.
وأيضًا: فليعرِّفه سبحانه قدرَ نعمتِه بما أعطاه وخلَعَ عليه، فإنّه لمّا ذاقَ مرارةَ الفَقْد عرفَ حلاوةَ الوجود، فإنّ الأشياء تتبيّن بأضدادها.
وأيضًا: فيعرِّفه فقرَه وحاجتَه وضرورتَه إلى ربِّه، وأنّه غيرُ مستغنٍ عن فضله وبرِّه طرفةَ عَينٍ، وأنّه إن انقطعَ عنه إمدادُه فسَدَ بالكلِّيّة.
وأيضًا: فيُعرِّفه أنّ ذلك الفضل والعطاء ليس لسببٍ من العبد، وأنّه عاجزٌ عن تحصيلها بكسبٍ أو اختيارٍ، وأنّها مجرّد موهبةٍ وصدَقةٍ تصدّق الله بها عليه لا يبلُغها عملُه ولا ينالُها سعيُه.
وأيضًا: فيُعرِّفه عزّه في مَنْعه، وبرّه في عطائه، وكرمه وجوده في عَوده عليه بما حَجَب عنه، فينفتح على قلبه من معرفة الأسماء والصِّفات بسبب هذا الاستتار والكشف بعده أمورٌ غريبةٌ عجيبةٌ، يعرفها الذّائقُ لها، ويُنكرها مَن ليس مِن أهلها.
(1)
من قول القطامي:
فهنَّ ينبذن من قولٍ يُصِبْن به
…
مواقع الماء من ذي الغلة الصادي
انظر: «ديوانه» (ص 81). وقد أنشده المؤلف مع بيتٍ آخر قبله في «روضة المحبين» (ص 474).
(2)
ط: «ولا موقع» .
وأيضًا: فإنّ الطّبيعة والنّفس لم يموتا، ولم
(1)
يعدما بالكلِّيّة، ولولا ذلك لما قام سوق التّكليف والامتحان في هذا العالَم، بل قُهِرتا بسلطان العلم والإيمان والمعرفة
(2)
والمحبّة، والمقهورُ المغلوبُ لا بدّ أن يتحرّك أحيانًا وإن قلّت، ولكن حركة أسيرٍ مقهورٍ بعد أن كانت حركتُه حركةَ أميرٍ مسلّطٍ.
فمِن تمام إحسان الرّبِّ إلى عبده، وتعريفه قدر نعمته: أن أراه في الأحيان
(3)
ما كان حاكمًا عليه قاهرًا له، وقد تقاضاه
(4)
ما كان يتقاضاه منه أوّلًا، فحينئذٍ يستغيث العبدُ بربِّه ووليِّه ومالكِ أمرِه كلِّه:«يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك، يا مصرِّف القلوب صرِّف قلبي على طاعتك» .
وأيضًا: فإنّه يُزيل من قلبه آفةَ الرُّكون إلى نفسه أو عمله أو حاله، كما قيل: إن ركنتَ إلى العلم أنْسَيناكَه، وإن ركنتَ إلى الحال سلبناك إيّاه، وإن ركنتَ إلى المعرفة حجبناها عنك، وإن ركنتَ إلى قلبك أفسدناه عليك، فلا يركن العبدُ إلى شيءٍ سوى الله البتّة، ومتى وجدَ مِن
(5)
قلبِه رُكُونًا إلى غيره فليعلم أنّه قد أُحِيل على مفلِسٍ، بل مُعْدِمٍ، وأنّه قد فُتِح له بابُ مَكر
(6)
، فليحذر وُلُوجَه، والله المستعان.
(1)
من ش.
(2)
ر، ط:«قهرا بسلطان العلم والمعرفة والإيمان» .
(3)
ر، ط:«الأعيان» .
(4)
ر، ط:«تقاضى» .
(5)
ليست في ش.
(6)
ط: «الباب مكرا» . وينظر بعض هذه العبارات في «الفوائد» (ص 285 - 286) نقلًا عمن سمَّاه المؤلف بـ «الشيخ علي» .
قوله: (وهي الظُّلمة التي قالوا: إنّها مقامٌ). يعني: أنّ وحشة الاستتار ظلمةٌ. وقد قال قومٌ: إنّها مقامٌ.
ووجهه: أنّ الرّبّ سبحانه يقيمُ عبدَه بحكمته فيها، لِما ذكرناه من الحِكَم والفوائد، وغيرها ممّا لم نذكره. فبهذا الاعتبار يكون مقامًا، ولكنّ صاحب هذا المقام أنفاسُه أنفاسُ حزنٍ وأسفٍ، وهلاكٍ وتلفٍ، لِما حُجِب عنه من المقام الذي كان فيه.
والشّيخ كأنّه لا يرى ذلك مقامًا، فإنّ المقامات هي منازل في طريق المطلوب، وكلُّ أمرٍ أُقيمَ فيه السّالك مِن حاله الذي يقدِّمه إلى مطلوبه فهو مقامٌ، وأمّا وحشة الاستتار فهي تأخُّرٌ في الحقيقة لا تقدُّمٌ، فكيف تسمّى مقامًا؟! بل هي ضدُّ المقام.
وممّا يدلُّ على أنّ وحشة الاستتار ليست مقامًا أنّ كلّ مقامٍ فهو تعلُّقٌ بالحقِّ سبحانه على وجه الثُّبوت، وحقيقته: أن يكون العبد بالمقيم لا بالمقام. وأمَّا حال الاستتار: فهو حال انقطاعٍ عن ذلك التعلُّق المذكور.
والتّحقيق في ذلك: أنّ له وجهين؛ هو من أحدهما ظُلمةٌ ووحْشَةٌ، ومن الثّاني مقامٌ، فهو باعتبار الحال وباعتبار نفسِه ليس مقامًا، وباعتبار المآل وما يترتّب عليه، وما فيه من تلك الحِكَم والفوائد المذكورة فهو مقامٌ. وبالله التّوفيق
(1)
.
(1)
«وبالله التوفيق» ليست في د.