المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(الثالث: انفصال عن اتصال - مدارج السالكين - ط عطاءات العلم - جـ ٤

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌ الدّرجة الأولى: سرورُ ذوقٍ ذهبَ بثلاثة أحزانٍ:

- ‌الحزن الأوّل: حزنٌ أورثَه خوفُ الانقطاع

- ‌الحزن الثّالث: (حزنٌ بعثَتْه وحشةُ التّفرُّق)

- ‌(الدّرجة الثّانية: سرورُ شهودٍ، كشَفَ حجابَ العلم

- ‌(الدّرجة الثّالثة: سرورُ سماع الإجابة

- ‌ منزلة(1)السِّرِّ

- ‌ الثانية: صفاء القصد

- ‌ الثّالثة: صحّة السُّلوك

- ‌الطّبقة الثّالثة: طائفةٌ أسرَهم الحقُّ عنهم

- ‌النّفَس الثاني: نفَسٌ في حين التجلِّي

- ‌النّفَس الثّالث: نفَسٌ مطهّرٌ بماء القدس

- ‌ الدّرجة الأولى: الغربة عن الأوطان

- ‌(الدّرجة الثّانية: غُربة الحال

- ‌(الدّرجة الثّالثة: غُربة الهمّة

- ‌ الدّرجة الأولى: استغراق العلم في عين الحال

- ‌(الدّرجة الثّانية: استغراق الإشارة في الكشف

- ‌(الدّرجة الثّالثة: استغراق الشّواهد في الجمع

- ‌(الدّرجة الثّانية:

- ‌(الدّرجة الثّالثة:

- ‌ الدّرجة الأولى: تمكُّن المريد

- ‌(الدّرجة الثّانية: تمكُّن السّالك

- ‌(الدّرجة الثّالثة: تمكُّن العارف

- ‌ الدّرجة الأولى: مكاشفةٌ تدلُّ على التّحقيق الصّحيح

- ‌ الدّرجة الأولى: مشاهدة معرفةٍ

- ‌(الدرجة الثانية: مشاهدة معاينةٍ

- ‌(الدّرجة الثّالثة: مشاهدة جَمْعٍ

- ‌ الحياة الأولى: حياة العلم من موت الجهل

- ‌المرتبة الأولى: حياة(2)الأرض بالنّبات

- ‌المرتبة الثانية: حياة النُّموِّ والاغتذاء

- ‌المرتبة السّادسة: حياة الإرادة والهمّة والمحبة

- ‌ سببُ تخلُّفِ النّفس عن طلب هذه الحياة

- ‌(الحياة الثّانية: حياة الجمع من موت التّفرقة

- ‌(الحياة الثّالثة: حياة الوجود. وهي حياةٌ بالحقِّ

- ‌(الدرجة الثانية: اتِّصال الشُّهود

- ‌(الدرجة الثالثة: اتِّصال الوجود

- ‌(الثاني: انفصالٌ عن رؤية الانفصال

- ‌(الثالث: انفصالٌ عن اتِّصال

- ‌ الدرجة الأولى: معرفة الصِّفات والنُّعوت

- ‌ الفرق بين الصِّفة والنّعت

- ‌ كلُّ شركٍ في العالم فأصله التعطيل

- ‌القاعدة الثالثة: تعريف الحال بعد الوصول

- ‌الثالث: عدم تشبيهها بما للمخلوق

- ‌(الدرجة الثانية: معرفة الذات، مع إسقاط التفريق بين الصِّفات والذات

- ‌(الدرجة الثالثة: معرفةٌ مستغرقةٌ في محض التعريف

- ‌ الدرجة الأولى:

- ‌(الدرجة الثانية:

- ‌(الدرجة الثالثة:

- ‌(الدّرجة الثّالثة: أن لا يُناسِمَ رسمُك سبْقَه)

- ‌الثاني: وجود الحقِّ وجود عينٍ»

- ‌الثالث: وجود مقام اضمحلال رسمِ الوجود فيه

- ‌(الدّرجة الأولى: تجريد عين الكشف عن كسب اليقين)

- ‌(الدرجة الثانية: تجريد عين الجمع عن درك العلم)

- ‌(الدرجة الثالثة: تجريد الخلاص من شهود التجريد)

- ‌ تفريد الإشارة بالحقِّ

- ‌«الجمع» ينقسم إلى صحيح وباطل

- ‌المسألة الثّانية: قوله: (ويوجد بتبصير الحقِّ)

- ‌المسألة الثّالثة: قوله: (وينمو على مشاهدة الشّواهد)

- ‌الالتفاتُ إلى الأسباب ضربان: أحدهما شركٌ، والآخر عبوديّةٌ وتوحيدٌ

- ‌فصلقوله: (والصُّعود عن منازعات العقول)

الفصل: ‌(الثالث: انفصال عن اتصال

بنفسك عن شيءٍ، ولا اتَّصلت بنفسك بشيءٍ، بل الأمر كلُّه بيد غيرك، فهو الذي فصلك وهو الذي وصلك.

وأمَّا الملحد فيفسِّر كلامه بغير هذا، ويقول

(1)

: إذا شهدت الحقيقة أرتك أنَّك ما انفصلت من شيءٍ، ولا اتَّصلت بشيءٍ، فإنَّ تلك اثنينيَّةٌ تنافي الوحدة المطلقة.

فانظر ما في الألفاظ المجملة الاصطلاحيَّة من الاحتمال، وكيف يجرُّها كلُّ أحدٍ إلى نحلته ومذهبه؟ ولهذا يقول الملحد

(2)

: إنَّه ليس هناك اتِّصالٌ ولا انفصال، إنَّما هو في نظر العبد ووهمه، فإذا صار من أهل التَّحقيق علم بعد ذلك أنَّه لا انفصال ولا اتِّصال، ويُنشد في هذا المعنى بيتًا مشهورًا لطائفة الاتِّحاديّة:

فما فيك لي شيءٌ لشيءٍ موافق

ولا منك لي شيءٌ لشيءٍ مخالفُ

قال

(3)

: ‌

‌(الثالث: انفصالٌ عن اتِّصال

(4)

، وهو انفصالٌ عن شهود مزاحمة الاتِّصال عينَ السبق، فإنَّ الانفصال والاتِّصال على عظم تفاوتهما في الاسم والرسم في العلَّة سيَّان).

الفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها: أنَّ ما قبلها انفصالٌ عن سكونه إلى

(1)

انظر: «شرح التلمساني» (ص 553).

(2)

المصدر السابق (ص 553، 554).

(3)

«المنازل» (ص 101) و «شرح التلمساني» (ص 554) واللفظ له.

(4)

ر: «الاتصال» ، وكذا في مطبوعة «المنازل» .

ص: 274

انفصاله ورؤيته له، وهو في هذه الدرجة انفصالٌ عن رؤية اتِّصاله، فيتجرَّد عن رؤية كونه متَّصلًا، فإنَّ هذه الرُّؤية علَّةٌ في الاتِّصال. بل حالُ

(1)

اتِّصاله: غيبتُه عن رؤية كونه متَّصلًا

(2)

لكمال استغراقه بما هو فيه من حقيقة الاتِّصال. فحصل من الدرجتين انفصاله عن الانفصال والاتِّصال جميعًا.

فهاهنا جال المُلحد وصال، وفتح فاه ناطقًا بالإلحاد، وقال

(3)

: هذا يدلُّ على أنَّ الانفصال والاتِّصال لا حقيقة لهما في نفس الأمر بل في نظر الناظر، فلا حقيقة لهما في نفس الأمر لكن في وهم المكاشف، فأين الاتِّصال والانفصال في العين الواحدة؟ وإنَّما الوهم والخيال قد حكما على أكثر الخلق.

وقد أعاذ الله الشيخ من أن يُظنَّ به هذا الإلحاد، وإنَّما مراده ما ذكرناه. وقد كشف عن مراده بقوله:(وهو انفصالٌ عن شهود مزاحمة الاتِّصال عينَ السبق) أي: ينفصل عن شهود مزاحمته لاتِّصاله عينَ ما سبَقَ له في الأزل من الأوَّل الآخر سبحانه، فإنَّه إذا لاحظ السَّبْق وما تقرَّر فيه حيث لم يكن هو ولا شيء من الأشياء= لم يزاحم شهودُ اتِّصاله لشهود ما سبَقَ به الأزل، بل اضمحلَّ فعلُه وشهودُه ووجودُه في ذلك الوجود الأزليِّ بحيث كأنَّه لم يكن. فإذا نسَبَ فعله وصفاته ووجوده إلى ذلك الوجود اضمحلَّ وتلاشى، وصار كالظلِّ والخيال للشخص.

(1)

ر: «كمال» .

(2)

سقط من ش، ووضع علامة اللحق ولكن ليس في الهامش شيء.

(3)

انظر: «شرح التلمساني» (ص 554، 555).

ص: 275

قوله: (فإنَّ الاتِّصال والانفصال على عظم تفاوتهما في الاسم والرسم في العلَّة سيَّان).

معناه: أنَّ معنى اسم الاتِّصال يضادُّ معنى اسم الانفصال كما يضادُّ اسمه اسمه، وهما متساويان في العلَّة، أي: رؤية الاتِّصال علَّةٌ، ورؤية الانفصال علَّةٌ، فتساويا من هذا الوجه، وإن تضادَّا لفظًا ومعنًى، والله أعلم.

* * * *

ص: 276

فصل

قال صاحب «المنازل»

(1)

: (باب المعرفة. قال الله تعالى: {(82) سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 83]. المعرفة: إحاطةٌ بعين الشيء كما هو).

قلت: وقع في القرآن لفظ «المعرفة» ولفظ «العلم» ، فلفظ «المعرفة» كقوله تعالى:{مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} ، وقوله تعالى:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146].

وأمَّا لفظ «العلم» فهو أكثر وأوسع إطلاقًا، كقوله:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19]، وقوله:{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18]، وقوله:{وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [الأنعام: 114]، وقوله:{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]، وقوله:{أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} [الرعد: 19]، وقوله:{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]، وقوله:{وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ} [الروم: 56]، وقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ

(2)

لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا} [القصص: 80]، وقوله: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا

(1)

(ص 102).

(2)

إلى هنا وردت الآية في ش، د، ت.

ص: 277

لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43]، وقوله:{الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا} [النمل: 40]، وقوله:{اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا} [الحديد: 17]، وقوله:{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [الحديد: 20]، وقوله:{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ} [البقرة: 223]، وقوله:{فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ} [هود: 14]، وهذا كثيرٌ.

واختار سبحانه لنفسه اسم «العلم» وما تصرَّف منه، فوصف نفسه بأنَّه عالمٌ، وعليمٌ، وعلَّامٌ، وعَلِم، ويَعلم، وأخبر أنَّ له علمًا، دون لفظ «المعرفة» ؛ ومعلومٌ أنَّ الاسم الذي اختاره لنفسه أكملُ نوعِه المشارك له في معناه.

وإنَّما جاء لفظ المعرفة في القرآن في مؤمني أهل الكتاب خاصَّةً، كقوله:{ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 82 - 83]، وقوله:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146].

وهذه الطائفة ترجِّح المعرفة على العلم جدًّا، وكثيرٌ منهم لا يرفع بالعلم رأسًا، ويعدُّه قاطعًا وحجابًا دون المعرفة

(1)

. وأهلُ الاستقامة منهم أشدُّ الناس وصيَّةً للمريدين بالعلم، وعندهم أنَّه لا يكون وليٌّ لله كاملُ الولاية من غير أولي العلم أبدًا، فما اتَّخذ الله ولا يتَّخذ وليًّا جاهلًا؛ فالجهل رأس كلِّ بدعةٍ وضلالةٍ ونقص، والعلمُ أصل كلِّ خيرٍ وهدًى وكمال.

(1)

انظر ما سبق (ص 18، 129).

ص: 278

فصل

والفرق بين العلم والمعرفة لفظًا ومعنًى

(1)

.

أمَّا اللفظ ففعل المعرفة يقع على مفعولٍ واحدٍ، تقول: عرفت الدار، وعرفت زيدًا، قال تعالى:{فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [يوسف: 58]، وقال:{يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146]. وفعل العلم يقتضي مفعولين، كقوله:{فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة: 10]. وإذا وقع على مفعولٍ واحدٍ كان بمعنى المعرفة، كقوله:{اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ} [الأنفال: 60].

وأمَّا الفرق المعنويُّ فمن وجوهٍ:

أحدها: أنَّ المعرفة تتعلَّق بذات الشيء، والعلم يتعلَّق بأحواله، فتقول: عرفت أباك، وعلمتُه

(2)

صالحًا

(3)

. ولذلك جاء الأمر في القرآن بالعلم دون المعرفة، كقوله:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19]، وقوله:{اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 98]، وقوله:{فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ} [هود: 14].

فالمعرفة: حضور صورة الشيء ومثاله العلميِّ في النَّفس، والعلم: حضور أحواله وصفاته ونسبتها إليه. فالمعرفة تشبه «التصوُّر» ، والعلم يشبه

(1)

وقد بحث المؤلف هذه المسألة في «بدائع الفوائد» (2/ 485 وما بعدها) أيضًا.

(2)

ش، د:«عرفته» ، خطأ، ثم صحِّح في هامش ش.

(3)

في ت، ر زيادة:«عالمًا» .

ص: 279

«التصديق»

(1)

.

الثاني: أنَّ المعرفة في الغالب تكون لِما غاب عن القلب بعد إدراكه، فإذا أدركه قيل: عرفه، أو تكون لِما وُصف له بصفاتٍ قامت في نفسه، فإذا رآه وعلم أنَّه الموصوف بها قيل: عرفه، قال تعالى:{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} [يونس: 45]، وقال:{وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [يوسف: 58]، وقال:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146]، لمَّا كانت صفاته معلومةً عندهم فرأوه، عرفوه بتلك الصِّفات.

وفي الحديث الصحيح: «إنَّ الله سبحانه يقول لآخر أهل الجنَّة دخولًا: أتعرف الزمان الذي كنت فيه؟ فيقول: نعم، فيقول: تمنَّ، فيتمنَّى على ربِّه»

(2)

.

وقال تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} [البقرة: 89].

فالمعرفة تشبه الذِّكر النفسي

(3)

، وهو حضور ما كان غائبًا عن الذِّكر.

(1)

«التصور» و «التصديق» هنا على اصطلاح أهل المنطق، فالأول: العلم بذات الشيء، والثاني: نسبة الشيء إلى آخر سلبًا أو إيجابًا.

(2)

أخرجه أحمد (3595) ومسلم (186) والترمذي (2595) وابن حبان (7427) وغيرهم من حديث ابن مسعود بلفظ: «أتذكر الزمان

». ولم أجد من رواه بلفظ المعرفة.

(3)

ر: «الشيء» ، طبعة الفقي:«للشيء» ، تصحيف.

ص: 280

ولهذا كان ضدُّ المعرفة: الإنكار، وضدُّ العلم: الجهل. قال تعالى: {(82) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ} [النحل: 83]، ويقال: عرف الحقَّ فأقرَّ به، وعرفه فأنكره.

الوجه الثالث من الفروق: أنَّ المعرفة تفيد تمييز المعروف عن غيره، والعلم يفيد تمييز ما يُوصف به عن غيره. وهذا الفرق غير الأوَّل، فإنَّ ذلك يرجع إلى إدراك الذات وإدراك صفاتها، وهذا يرجع إلى تخليص الذات من غيرها وتخليص صفاتها من صفات غيرها.

الفرق الرابع: أنَّك إذا قلت: (علمتُ زيدًا) لم يفد المخاطب شيئًا، لأنَّه ينتظر بعدُ أن تخبره على أيِّ حالٍ علمتَه؟ فإذا قلت: كريمًا أو شجاعًا، حصلت له الفائدة. وإذا قلت:(عرفت زيدًا) استفاد المخاطب أنَّك أثبتَّه وميَّزته من غيره، ولم يبق منتظرًا لشيءٍ آخر. وهذا الفرق في التحقيق إيضاح الفرق الذي قبله.

الفرق الخامس ــ وهو فرق العسكريِّ في «فروقه»

(1)

وفرقُ غيره ــ: أنَّ المعرفة علمٌ بعين الشيء مفصَّلًا عمَّا سواه، بخلاف العلم فإنَّه قد يتعلَّق بالشيء مجملًا.

وهذا يشبه فرق صاحب «المنازل» ، فإنَّه قال:(المعرفة إحاطةٌ بعين الشيء كما هو). وعلى هذا الحدِّ فلا يُتصوَّر أن يُعرَف الله البتَّة، ويستحيل هذا الباب بالكلِّيَّة، فإنَّ الله سبحانه لا يحاط به علمًا ولا معرفةً ولا رؤيةً، فهو أكبر من ذلك وأعظم وأجلُّ، قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا

(1)

(ص 117) ط. الرسالة.

ص: 281

يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]. بل حقيقة هذا الحدِّ: انتفاءُ تعلُّق المعرفة بأكثر المخلوقات حتَّى بأظهرها، وهو الشمس والقمر، بل لا يصحُّ أن يعرف أحدٌ نفسه وذاته البتَّة.

والفرق بين العلم والمعرفة عند أهل هذا الشأن: أنَّ المعرفة عندهم هي العلم الذي يقوم العالم بموجَبه ومقتضاه، فلا يطلقون المعرفة على مدلول العلم وحده، بل لا يصفون بالمعرفة إلَّا من كان عالمًا بالله، وبالطريق المُوصِل إليه، وبآفاتها وقواطعها، وله حالٌ مع الله يشهد له بالمعرفة.

فالعارف عندهم من عرف الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثمَّ صدق الله في معاملاته، ثمَّ أخلص له في قصوده ونيَّاته، ثمَّ

(1)

انسلخ من أخلاقه الرديَّة وآفاته، ثمَّ تطهَّر مِن أوساخه وأدرانه ومخالفاته، ثمَّ صبر على أحكامه في نِعَمه وبليَّاته، ثمَّ دعا إليه على بصيرةٍ بدينه وآياته، ثمَّ جرَّد الدعوة إليه وحده بما جاء به رسوله، ولم يَشُبها بآراء الرِّجال وأذواقهم ومواجيدهم ومقاييسهم ومعقولاتهم، ولم يزن بها ما جاء به الرسول عليه من الله أفضل صلواته

(2)

؛ فهذا الذي يستحقُّ اسم العارف على الحقيقة، إذا سمِّي به غيره على الدعوى والاستعارة.

وقد تكلَّموا على «المعرفة» بآثارها وشواهدها، فقال بعضهم: من أمارات المعرفة بالله حصول الهيبة منه، فمن ازدادت معرفتُه ازدادت هيبتُه.

وقال أيضًا: المعرفة توجب السُّكون، فمن ازدادت معرفته ازدادت

(1)

ساقطة من ش، د.

(2)

زيد في هامش ش: «وأكمل تحياته» .

ص: 282

سكينته

(1)

.

وقال لي بعض أصحابنا: ما علامة المعرفة التي تشيرون إليها؟ فقلت له: أنس القلب بالله، فقال لي: علامتها أن يحسَّ بقرب قلبه من الله، فيجده قريبًا منه.

وقال الشِّبليُّ: ليس لعارفٍ علاقةٌ، ولا لمحبٍّ شكوى

(2)

، ولا لعبدٍ دعوى، ولا لخائفٍ قرارٌ، ولا لأحدٍ من الله فرار

(3)

. وهذا كلام جيِّد، فإنَّ المعرفة الصحيحة تقطع من القلب العلائق كلَّها، وتُعلِّقه بمعروفه، فلا يبقى فيه علاقةٌ بغيره، ولا تمرُّ به العلائق إلَّا وهي

(4)

مجتازة، لا تمرُّ به مرور استيطانٍ.

وقال أحمد بن عاصمٍ: من كان بالله أعرف كان له أخوف

(5)

. ويدلُّ على هذا قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] وقولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «أنا أعرفكم بالله، وأشدُّكم له خشيةً»

(6)

.

وقال آخر: من عرف الله تعالى ضاقت عليه الدُّنيا بسعتها

(7)

.

(1)

هذا والذي قبله ذكرهما القشيري (ص 639) عن شيخه أبي عليٍّ الدقَّاق.

(2)

ش، د:«سلوى» ، والمثبت موافق لمصدر النقل.

(3)

أسنده القشيري (ص 639).

(4)

ش، د:«العلائق ولا هي» ، خطأ.

(5)

أسنده المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (791) والقشيري (ص 641).

(6)

أخرجه البخاري (6101، 7301) ومسلم (2356) من حديث عاشة بلفظ: «إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية» .

(7)

«القشيرية» (ص 641) بلا نسبة.

ص: 283

وقال غيره: من عرف الله اتَّسع عليه كلُّ ضيقٍ

(1)

.

ولا تنافي بين هذين الأمرين، فإنَّه يَضيق عليه كلُّ مكانٍ لا يُساعَد فيه على شأنه ومطلوبه، ويتَّسع عليه ما ضاق على غيره لأنَّه ليس فيه، ولا هو مساكنٌ له بقلبه، فقلبه غير محبوسٍ فيه. والأوَّل في بداية المعرفة، والثاني في غايتها التي يصل إليها العبد.

وقال آخر: من عرف الله تعالى صفا له العيش، وطابت له الحياة، وهابه كلُّ شيءٍ، وذهب عنه خوف

(2)

المخلوقين، وأَنِس بالله.

وقال غيره: من عرف الله

(3)

قرَّت عينه بالله، وقرَّت به كلُّ عينٍ، ومن لم يعرف الله تقطَّع قلبه على الدُّنيا حسراتٍ.

ومن عرف الله لم يبق له رغبةٌ في سواه، ومن ادَّعى معرفة الله وهو راغبٌ في غيره كذَّبَتْ رغبتُه معرفتَه.

ومن عرف الله أحبَّه على قدر معرفته به، وخافه ورجاه، وتوكَّل عليه، وأناب إليه، ولهج بذكره، واشتاق إلى لقائه، واستحيا منه، وأجلَّه وعظَّمه على قدر معرفته به.

وعلامة العارف: أن يكون قلبه مرآةً، إذا نظر فيها رأى فيها الغيب الذي دُعي إلى الإيمان به، فعلى قدر جلاء تلك المرآة يترايا له فيها اللهُ سبحانه،

(1)

«القشيرية» (ص 641) بنحو معناه، وسيأتي لفظه قريبًا.

(2)

في ش، د زيادة:«كل» ، ولم ترد في «القشيرية» .

(3)

من هنا يبدأ سقط في د لسقوط ورقة من المخطوط.

ص: 284

والدار الآخرة، والجنة والنار، والملائكة، والرُّسل، كما قيل

(1)

:

إذا سكن الغديرُ على صفاءٍ

وجُنِّب

(2)

أن يحرِّكه النسيمُ

بدت فيه السماء بلا امتراءٍ

كذاك الشمسُ تبدو والنُّجومُ

كذاك قلوب أرباب التّجلِّي

يرى في صفوها اللهُ العظيمُ

وهذه رؤية المَثَل الأعلى، كما تقدَّم

(3)

.

ومن علامات المعرفة: أن يبدو لك الشاهد، وتفنى الشواهد، وتنحلَّ العلائق، وتنقطع العوائق، وتجلس بين يدي الربِّ تعالى، وتقوم وتضطجع على التأهُّب للقائه، كما يجلس الذي قد شدَّ أحماله وأزمع السفر على التّأهُّب له، ويقوم على ذلك ويضطجع عليه، وكما ينزل المسافر في المنزل

(4)

، فهو جالس وقائم ومضطجع على التأهُّب.

وقيل للجنيد: إنَّ أقوامًا يدَّعون المعرفة، يقولون: إنَّهم يَصِلون بترك الحركات من باب البرِّ والتّقوى؟ فقال الجنيد: هذا قول أقوامٍ تكلَّموا بإسقاط الأعمال، وهو عندي عظيمٌ، والَّذي يسرق ويزني أحسن حالًا من الذي يقول هذا، إنّ العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله، وإلى الله رجعوا فيها، ولو بقيتُ ألف عامٍ لم أنقص من أعمال البرِّ ذرَّةً

(5)

.

(1)

لم أجدها عند غيره.

(2)

ش: «غُيِّب» .

(3)

(ص 153).

(4)

ش: «منزله» ، ت:«المنزلة» . ولعل المثبت من ر أولى.

(5)

زِيد في ر: «إلَّا أن يحال بيني وبينها» ، وهو تمام قوله في «الحلية» (10/ 278) و «القشيرية» (ص 154 - 155)، ولكن المؤلف هنا صادر عن «باب المعرفة» من «القشيرية» (ص 642) وليس فيه هذه الزيادة.

ص: 285

ومن علامات العارف: أنَّه لا يطالب ولا يخاصم، ولا يعاتب، ولا يرى له على أحدٍ فضلًا، ولا يرى له على أحدٍ حقًّا.

ومن علاماته: أنَّه لا يأسف على فائتٍ، ولا يفرح بآتٍ؛ لأنَّه ينظر إلى الأشياء بعين الفناء والزوال، لأنَّها في الحقيقة كالظِّلال والخيال.

وقال الجنيد: لا يكون العارف عارفًا حتى يكون كالأرض يطؤها البَرُّ والفاجر، وكالسحاب يُظلُّ كلَّ شيءٍ، وكالمطر يَسقي ما يحبُّ وما لا يحبُّ

(1)

.

وقال يحيى بن معاذٍ: يخرج العارف من الدُّنيا ولم يَقضِ وطرَه من شيئين: بكاؤه على نفسه، وثناؤه على ربِّه

(2)

. وهذا من أحسن الكلام، فإنَّه يدلُّ على معرفته بنفسه وعيوبه وآفاته، وعلى معرفته بربِّه وكماله وجلاله، فهو شديد الإزراء على نفسه، لَهِجٌ بالثناء على ربِّه.

وقال أبو يزيد: إنما نالوا المعرفة بتضييع ما لهم والوقوف مع ما له

(3)

. يريد تضييعَ حظوظهم، والوقوفَ مع حقوق الله سبحانه وتعالى، فتُفنيهم حقوقُه عن حظوظهم.

وقال آخر: لا يكون العارف عارفًا حتَّى لو أعطي ملك سليمان لم يَشْغَله عن الله طرفة عينٍ

(4)

. وهذا يحتاج إلى شرحٍ، فإنَّ ما هو دون ذلك يَشْغَل

(1)

«القشيرية» (ص 643).

(2)

«القشيرية» (ص 643).

(3)

«القشيرية» (ص 643)، وقد أسنده السلمي في «طبقاته» (ص 71).

(4)

أسنده القشيري (ص 643) عن يوسف بن علي، ولم أتبيَّن من هو.

ص: 286

القلب، لكن يكون اشتغاله بغير الله لله، فذلك اشتغالٌ به سبحانه، لأنَّه إذا اشتغل بغيره لأجله لم يشتغل عنه.

وقال ابن عطاءٍ: المعرفة على ثلاثة أركانٍ: الهيبة والحياء والأنس

(1)

.

وقيل لذي النُّون: بم عرفت ربَّك؟ فقال: عرفت ربِّي بربِّي، ولولا ربِّي لما عرفت ربِّي

(2)

.

وقيل لعبد الله بن المبارك: بماذا نعرف ربَّنا؟ قال: بأنَّه فوق سماواته على عرشه بائنٌ من خلقه

(3)

. فأتى عبد الله بأصل المعرفة التي لا يصحُّ لأحدٍ معرفةٌ ولا إقرارٌ بالله سبحانه إلَّا به، وهو المباينة والعلوُّ على العرش.

ومن علامات العارف

(4)

: أن يعتزل الخلق بينه وبين الله، حتَّى كأنَّهم أمواتٌ لا يملكون له ضَرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا؛ ويعتزلَ نفسه بينه وبين الخلق، حتى يكون بينهم بلا نفسٍ. وهذا معنى قول من قال: العارف يقطع الطريق بخطوتين: خطوة عن نفسه، وخطوة عن الخلق.

وقيل: العارف ابن وقته

(5)

. وهذا من أحسن الكلام وأخصره، فهو مشغولٌ بوظيفة وقته عمَّا مضى وصار في العدم، وعمَّا لم يدخل بعدُ في

(1)

أسنده القشيري (ص 643).

(2)

أسنده القشيري (ص 643) بمثله، والسلمي في «طبقاته» (ص 72) بنحوه.

(3)

أسنده عثمان الدارمي في «الرد على الجهمية» (ص 47، 98) وعبد الله بن أحمد في «السنة» (22) وابن المقرئ في «معجمه» (291) وغيرهم بإسناد صحيح.

(4)

هنا انتهى السقط في د، الذي بدأ (ص 284).

(5)

«القشيرية» (ص 232).

ص: 287

الوجود، فهمُّه عمارة وقته الذي هو مادَّة حياته الباقية.

ومن علاماته: أنَّه مستأنسٌ بربِّه، مستوحشٌ ممَّن يقطعه عنه. ولهذا قيل: العارف من أنس بالله فأوحشه من الخلق، وافتقر إلى الله فأغناه عنهم، وذلَّ لله فأعزَّه فيهم، وتواضع لله فرفعه بينهم، واستغنى بالله فأحوجهم إليه

(1)

.

وقيل: العارف فوق ما يقول، والعالم دون ما يقول

(2)

. يعني أنَّ العالم علمُه أوسع من حاله وصفته، والعارف حاله وصفته فوق كلامه وخبره.

وقال أبو سليمان الدارانيُّ: إنَّ الله تعالى يفتح للعارف

(3)

على فراشه ما لا يفتح له وهو قائمٌ يصلِّي

(4)

. وقال غيره: العارف تنطق المعرفة على قلبه

(5)

وحاله وهو ساكتٌ

(6)

.

وقال ذو النُّون: لكلِّ شيءٍ عقوبةٌ، وعقوبة العارف انقطاعه عن ذكر الله

(7)

.

وقال بعضهم: رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين

(8)

. وهذا

(1)

ذكر القشيري (ص 644) بعضَه بلا نسبة.

(2)

أسنده أبو نُعيم في «الحلية» (10/ 39) عن أبي يزيد البُسطامي. وهو في «القشيرية» (ص 644) بلا نسبة.

(3)

في د زيادة: «وهو» .

(4)

«القشيرية» (ص 644).

(5)

ت: «لسانه» .

(6)

ذكر القشيري (ص 644) نحو معناه عن الجنيد.

(7)

«القشيرية» (ص 644)، وقد أسنده أبو نعيم في «الحلية» (9/ 355).

(8)

أسنده أبو نعيم في «الحلية» (10/ 297) والقشيري (644) عن رُويم.

ص: 288

كلامٌ ظاهره منكرٌ جدًّا، ويحتاج إلى شرحٍ: فالعارف لا يرائي المخلوق طلبًا للمنزلة في قلبه

(1)

، وإنَّما يكون رياؤه نصيحةً وإرشادًا وتعليمًا ليقتدى به، فهو يدعو إلى الله بعمله كما يدعو إليه بقوله، فهو ينتفع بعمله وينفع

(2)

به غيرَه، وإخلاص المريد مقصورٌ على نفسه؛ فالعارف جمع بين الإخلاص والدعوة إلى الله، فإخلاصه في قلبه، وهو يُظهِر عمله وحاله ليقتدى به. والعارف ينفع بسكوته، والعالم إنَّما ينفع بكلامه.

ولو سكتوا أَثْنَتْ عليك الحقائبُ

(3)

وقال ذو النُّون: الزُّهّاد ملوك الآخرة، وهم فقراء العارفين

(4)

.

وسئل الجنيد عن العارف؟ فقال: لون الماء لون إنائه

(5)

. وهذه كلمةٌ رمز بها إلى حقيقة العبوديَّة، وهو أنه يتلوَّن بتلوُّن أقسام العبوديَّة، فبينا تراه مصلِّيًا إذ رأيته ذاكرًا، وقارئًا

(6)

، ومعلِّمًا، ومتعلِّمًا، ومجاهدًا، وحاجًّا،

(1)

ش، د:«قلبهم» .

(2)

ت: «ينتفع» .

(3)

عجز بيت من ثلاثة أبيات لنُصَيب بن رَباح يمدح فيها سليمان بن عبد الملك، وصدره:

فعاجُوا فأثنَوا بالذي أنتَ أهلُه

انظر: «البيان والتبيُّن» (1/ 83)، «الكامل» (1/ 238) و «أمالي القالي» (1/ 94).

(4)

«القشيرية» (ص 644).

(5)

ذكره عن الجنيد الكلاباذيُّ في «التعرُّف» (ص 106) والقشيري (ص 644). ونسبه الطوسي في «اللمع» (ص 36) إلى أبي يزيد.

(6)

ر: «أو قارئًا» ، وكذا المعطوفات الآتية.

ص: 289

ومساعدًا للضعيف، ومغيثًا

(1)

للملهوف؛ فيضرب في كلِّ غنيمةٍ من الغنائم بسهمٍ، فهو مع المتسبِّبين متسبِّب، ومع المتعلِّمين متعلِّم، ومع الغزاة غازٍ، ومع المصلِّين مصلٍّ، ومع المتصدِّقين متصدِّق؛ فهو يتنقَّل في منازل العبوديَّة من عبوديَّة إلى عبوديَّة، وهو مقيمٌ على معبودٍ واحدٍ لا ينتقل عنه إلى غيره.

وقال يحيى بن معاذٍ: العارف كائنٌ بائنٌ

(2)

. وهذا يُفسَّر على وجوهٍ:

منها: أنَّه كائنٌ مع الخلق بظاهره، بائنٌ عنهم بسرِّه وقلبه.

ومنها: أنَّه كائنٌ بربِّه بائنٌ عن نفسه.

ومنها: أنَّه كائنٌ مع أبناء الآخرة، بائنٌ عن أبناء الدُّنيا.

ومنها: أنَّه كائنٌ مع الله بموافقته، بائنٌ عن الناس في مخالفته.

ومنها: أنَّه داخلٌ في الأشياء خارجٌ منها؛ فإنَّ مِن الناس مَن هو داخلٌ فيها لا يقدر على الخروج منها، ومنهم من هو خارجٌ عنها لا يقدر على الدُّخول فيها، والعارف داخلٌ فيها خارجٌ منها. ولعلَّ هذا أحسن الوجوه.

وقال ذو النُّون: علامة العارف ثلاثة: لا يطفئ نورُ معرفته نورَ ورعه، ولا يعتقد باطنًا من العلم ينقض عليه ظاهرًا من الحُكم، ولا تحمله كثرة نعم الله على هتك أستار محارم الله

(3)

.

وهذا من أحسن ما قيل في المعرفة، وهو محتاجٌ إلى شرح، فإنَّ كثيرًا من

(1)

ش، د:«معينًا» .

(2)

«القشيرية» (ص 646).

(3)

«اللمع» (ص 39) و «القشيرية» (ص 646).

ص: 290

الناس يرى أنَّ التورُّع عن الأشياء من قلَّة المعرفة، فإنَّ المعرفة متَّسعة الأكناف، واسعة الأرجاء، فالعارف واسعٌ موسَّعٌ، والسَّعة تطفئ نورَ الورع، فالعارفُ لا تنقض معرفتُه ورعَه، ولا يخالف ورعُه معرفتَه، كما قال بعضهم

(1)

: العارف لا ينكر منكرًا لاستبصاره بسرِّ الله في القدر، فعنده: أن مشاهدة القدر والحقيقةِ الكونيَّة هو غايةُ المعرفة، وإذا شاهد الحقيقة عذر الخليقة لأنَّهم مأسورون في قبضة القدر، فمن يعذر أصحاب الكبائر والجرائم، بل أربابَ الكفر، فهو أبعد خلق الله من الورع، بل ظلمة معرفته

(2)

هذه قد أطفأ

(3)

نورَ إيمانه.

وأما «باطن العلم الذي ينقضه ظاهر الحكم» ، فإنَّه يشير به إلى ما عليه المنحرفون ممَّن ينتسب

(4)

إلى السُّلوك، فإنَّهم تقع لهم أذواقٌ ومواجيد ووارداتٌ تخالف الحكمَ الشرعيَّ، وتكون تلك معلومةً لهم لا يمكنهم جحدها، فيعتقدونها ويتركون ظاهر الحكم. وهذا كثيرٌ جدًّا، وهو الذي نعاه أئمَّة الطريق على هؤلاء، وصاحوا بهم من كلِّ ناحيةٍ، وبدَّعوهم وضلَّلوهم به.

وقوله: «ولا تحمله كثرة نعم الله على هتك أستار محارم الله» ، كثرة النِّعم تطغي العبد، وتحمله على أن يصرفها في وجوهها وغير وجوهها، وهي تدعو إلى أن يتناول بها ما يحلُّ وما لا يحلُّ. وأكثر المنعَم عليهم لا يقتصر في

(1)

من كلام ابن سينا، وقد تقدَّم (3/ 537).

(2)

ر: «ظلام معرفته» ، وسقطت «هذه» .

(3)

كذا في النسخ دون تاء التأنيث.

(4)

ت، ر:«ينسب» .

ص: 291

صرف النِّعمة على القدر الحلال، بل يتعدَّاه إلى غيره، وتُسوِّل له نفسه أنَّ معرفته بالله تردُّ عليه ما انتهبَتْه

(1)

منه أيدي الشهوات والمخالفات، ويقول: العارف لا تضرُّه الذُّنوب كما تضرُّ الجاهل، وربَّما تسوِّل له أنَّ ذنوبه خيرٌ من طاعات الجهَّال! وهذا من أعظم المكر، والأمرُ بضدِّ ذلك، فيُحتَمَل من الجاهل ما لا يُحتَمَل من العارف، وإذا عوقب الجاهل ضِعفًا عوقب العارف ضعفين. وقد دلَّ على هذا شرع الله وقدره، ولهذا كانت عقوبة الحرِّ في الحدود مثلَي عقوبة العبد، وقال تعالى في نساء النبيِّ:{يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَعَّفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30]. فإذا كَمُلت النِّعمةُ على العبد فقابلها بالإساءة والعصيان، كانت عقوبته أعظمَ؛ فدرجتُه أعلى وعقوبته أشدُّ.

وقال أيضًا

(2)

: ليس بعارفٍ من وصف المعرفة عند أبناء الآخرة، فكيف عند أبناء الدُّنيا؟ يريد: أنَّه ليس من المعرفة وصفُ المعرفة لغير أهلها، سواءٌ كانوا عبَّادًا أو من أبناء الدُّنيا.

وقال أبو سعيدٍ

(3)

: المعرفة تأتي من عين الوجد

(4)

، وبذل المجهود.

(1)

غير محرَّر في ت، وفي هامشها:«أخذت منه» .

(2)

ورد هذا القول في «القشيرية» (ص 646) بعد قول ذي النون السابق مباشرة ولكن مصدَّرًا بـ «وقيل» ، وفي «اللمع» (ص 40):«قال بعضهم» . ولعل «وقيل» تصحَّف إلى «وقال» في النسخة التي اعتمد عليها المؤلف.

(3)

الخرَّاز، وقوله في «اللمع» (ص 35) و «القشيرية» (ص 646). وأسنده عنه أبو نعيم في «الحلية» (10/ 247).

(4)

كذا، وعليه فسَّره المؤلف. والذي في المصادر:«الجود» .

ص: 292

وهذا كلامٌ حسنٌ، يشير إلى أنَّ المعرفة ثمرة بذل المجهود في الأعمال وتحقيقِ الوجد في الأحوال، فهي ثمرة عمل الجوارح، وحالُ القلب لا ينال بمجرَّد العلم والبحث، فمن ليس له عملٌ ولا حالٌ فلا معرفة له.

وسئل ذو النُّون عن العارف؟ فقال: كان هاهنا فذهب. فسئل الجنيد عمَّا أراد بكلامه هذا؟ فقال: لا يحصره حالٌ عن حالٍ، ولا يحجبه منزلٌ عن التنقُّل في المنازل، فهو مع أهل كلِّ منزلٍ على الذي هم فيه، يجد مثل الذي يجدون، وينطق بمعالمها لينتفعوا

(1)

.

وقال محمَّد بن الفضل: المعرفة حياة القلب مع الله

(2)

.

وسئل أبو سعيدٍ: هل يصل العارف إلى حالٍ يجفو عليه البكاء؟ فقال: نعم، إنَّما البكاء في أوقات سيرهم إلى الله؛ فإذا نزلوا بحقائق القرب، وذاقوا طعم الوصول مِن برِّه= زال عنهم ذلك

(3)

.

وقال بعض السلف: نوم العارف يقظة، وأنفاسه تسبيح، ونوم العارف أفضل من صلاة الغافل. وإنَّما كان نوم العارف يقظةً لأنَّ قلبه حيٌّ، فعيناه تنامان وروحُه ساجدةٌ تحت العرش بين يدي ربِّها وفاطرها، جسده في الفرش وقلبه حول العرش. وإنَّما كان نومه أفضل من صلاة الغافل لأنَّ بدن الغافل واقفٌ في الصلاة، وقلبه يَسيح

(4)

في حشوش الدُّنيا والأمانيِّ،

(1)

أسنده القشيري (ص 646).

(2)

أسنده القشيري (ص 646).

(3)

أسنده القشيري (ص 647).

(4)

ش، د:«يَسْبَح» .

ص: 293