المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌القاعدة الثالثة: تعريف الحال بعد الوصول - مدارج السالكين - ط عطاءات العلم - جـ ٤

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌ الدّرجة الأولى: سرورُ ذوقٍ ذهبَ بثلاثة أحزانٍ:

- ‌الحزن الأوّل: حزنٌ أورثَه خوفُ الانقطاع

- ‌الحزن الثّالث: (حزنٌ بعثَتْه وحشةُ التّفرُّق)

- ‌(الدّرجة الثّانية: سرورُ شهودٍ، كشَفَ حجابَ العلم

- ‌(الدّرجة الثّالثة: سرورُ سماع الإجابة

- ‌ منزلة(1)السِّرِّ

- ‌ الثانية: صفاء القصد

- ‌ الثّالثة: صحّة السُّلوك

- ‌الطّبقة الثّالثة: طائفةٌ أسرَهم الحقُّ عنهم

- ‌النّفَس الثاني: نفَسٌ في حين التجلِّي

- ‌النّفَس الثّالث: نفَسٌ مطهّرٌ بماء القدس

- ‌ الدّرجة الأولى: الغربة عن الأوطان

- ‌(الدّرجة الثّانية: غُربة الحال

- ‌(الدّرجة الثّالثة: غُربة الهمّة

- ‌ الدّرجة الأولى: استغراق العلم في عين الحال

- ‌(الدّرجة الثّانية: استغراق الإشارة في الكشف

- ‌(الدّرجة الثّالثة: استغراق الشّواهد في الجمع

- ‌(الدّرجة الثّانية:

- ‌(الدّرجة الثّالثة:

- ‌ الدّرجة الأولى: تمكُّن المريد

- ‌(الدّرجة الثّانية: تمكُّن السّالك

- ‌(الدّرجة الثّالثة: تمكُّن العارف

- ‌ الدّرجة الأولى: مكاشفةٌ تدلُّ على التّحقيق الصّحيح

- ‌ الدّرجة الأولى: مشاهدة معرفةٍ

- ‌(الدرجة الثانية: مشاهدة معاينةٍ

- ‌(الدّرجة الثّالثة: مشاهدة جَمْعٍ

- ‌ الحياة الأولى: حياة العلم من موت الجهل

- ‌المرتبة الأولى: حياة(2)الأرض بالنّبات

- ‌المرتبة الثانية: حياة النُّموِّ والاغتذاء

- ‌المرتبة السّادسة: حياة الإرادة والهمّة والمحبة

- ‌ سببُ تخلُّفِ النّفس عن طلب هذه الحياة

- ‌(الحياة الثّانية: حياة الجمع من موت التّفرقة

- ‌(الحياة الثّالثة: حياة الوجود. وهي حياةٌ بالحقِّ

- ‌(الدرجة الثانية: اتِّصال الشُّهود

- ‌(الدرجة الثالثة: اتِّصال الوجود

- ‌(الثاني: انفصالٌ عن رؤية الانفصال

- ‌(الثالث: انفصالٌ عن اتِّصال

- ‌ الدرجة الأولى: معرفة الصِّفات والنُّعوت

- ‌ الفرق بين الصِّفة والنّعت

- ‌ كلُّ شركٍ في العالم فأصله التعطيل

- ‌القاعدة الثالثة: تعريف الحال بعد الوصول

- ‌الثالث: عدم تشبيهها بما للمخلوق

- ‌(الدرجة الثانية: معرفة الذات، مع إسقاط التفريق بين الصِّفات والذات

- ‌(الدرجة الثالثة: معرفةٌ مستغرقةٌ في محض التعريف

- ‌ الدرجة الأولى:

- ‌(الدرجة الثانية:

- ‌(الدرجة الثالثة:

- ‌(الدّرجة الثّالثة: أن لا يُناسِمَ رسمُك سبْقَه)

- ‌الثاني: وجود الحقِّ وجود عينٍ»

- ‌الثالث: وجود مقام اضمحلال رسمِ الوجود فيه

- ‌(الدّرجة الأولى: تجريد عين الكشف عن كسب اليقين)

- ‌(الدرجة الثانية: تجريد عين الجمع عن درك العلم)

- ‌(الدرجة الثالثة: تجريد الخلاص من شهود التجريد)

- ‌ تفريد الإشارة بالحقِّ

- ‌«الجمع» ينقسم إلى صحيح وباطل

- ‌المسألة الثّانية: قوله: (ويوجد بتبصير الحقِّ)

- ‌المسألة الثّالثة: قوله: (وينمو على مشاهدة الشّواهد)

- ‌الالتفاتُ إلى الأسباب ضربان: أحدهما شركٌ، والآخر عبوديّةٌ وتوحيدٌ

- ‌فصلقوله: (والصُّعود عن منازعات العقول)

الفصل: ‌القاعدة الثالثة: تعريف الحال بعد الوصول

ويرضى ويغضب، ويحبُّ ويسخط، ويضحك من قنوطهم وقُرب غِيَره، ويجيب دعوة مضطرِّهم، ويغيث ملهوفهم، ويعين محتاجهم، ويجبر كسيرهم، ويغني فقيرهم، ويميت ويحيي، ويعطي ويمنع، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممَّن يشاء، ويعزُّ من يشاء ويذلُّ من يشاء، بيده الخير وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، كلَّ يومٍ هو في شأنٍ: يغفر ذنبًا، ويفرِّج كربًا، ويفكُّ عانيًا، وينصر مظلومًا، ويقصم ظالمًا، ويرحم مسكينًا، ويغيث ملهوفًا، ويسوق الأقدار إلى مواقيتها، ويجريها على نظامها، ويقدِّم ما يشاء تقديمه، ويؤخِّر ما يشاء تأخيره؛ فأزمَّة الأمور كلِّها بيديه، ومدار تدبير الممالك كلِّها عليه. وهذا مقصودُ الدعوة وزبدةُ الرِّسالة.

القاعدة الثانية: تعريفهم بالطريق الموصل إليه، وهو صراطه المستقيم الذي نصبه لرسله وأتباعهم، وهو امتثال أمره، واجتناب نهيه، والإيمان بوعده ووعيده.

‌القاعدة الثالثة: تعريف الحال بعد الوصول

، وهو ما تضمَّنه اليوم الآخر من الجنَّة والنار، وما قبل ذلك من الحساب، والحوض والميزان والصِّراط.

فقعدت المعطِّلة والجهميَّة على رأس القاعدة الأولى، فحالوا بين القلوب وبين معرفة ربِّها، وسمَّوا إثبات صفاته، وعلوَّه فوق خلقه، واستواءَه على عرشه: تشبيهًا وتجسيمًا وحشوًا، فنفَّروا عنه صبيان العقول؛ وسمَّوا نزوله إلى سماء الدُّنيا، وتكلُّمَه

(1)

بمشيئته، ورضاه بعد غضبه، وغضبَه بعد رضاه، وسمعَه الحاضر لأصوات العباد، ورؤيتَه المقارنة لأفعالهم ونحوَ

(1)

ت: «تكليمه» .

ص: 299

ذلك: حوادث؛ وسمَّوا وجهه الأعلى، ويديه المبسوطتين، وأصابعه التي يضع عليها الخلائق يوم القيامة: جوارح وأعضاءً؛ مكرًا منهم كُبَّارًا بالناس، كمن يريد التنفير عن العسل، فيمكر في العبارة ويقول: مائعٌ أصفر يشبه العذرة المائعة، أو ينفِّر عن شيءٍ مستحسنٍ فيسمِّيه بأقبح الأسماء فعلَ الماكرِ المخادع، فليس مع مخالف الرُّسل سوى المكر في القول والعمل.

فلمَّا تمَّ للمعطِّلة مكرُهم، وسلك في القلوب المظلمة الجاهلة بحقائق الإيمان وما جاء به الرسول= ترتَّب عليه الإعراض عن الله، وعن ذكره ومحبَّته، والثناء عليه بأوصاف كماله ونعوت جلاله، فانصرفت قوى حبِّها وشوقِها وأنسِها إلى سواه.

وجاء أهلُ الآراء الفاسدة، والسِّياساتِ الباطلة، والأذواقِ المنحرفة، والعوائد المستمرَّةِ، فقعدوا على رأس هذا الصِّراط وحالوا بين القلوب وبين الوصول إلى نبيِّها وما كان عليه هو وأصحابه، وعابوا من خالفهم في قعودهم عن ذلك ورغب عمَّا اختاروه لأنفسهم، ورموه بما هم أولى به منه، كما قيل: رَمَتْني بدائها وانسلَّتْ

(1)

.

وجاء أصحاب الشهوات المعتنون بها، الذين يعدُّون حصولها كيف كان هو الظَّفَرَ في هذه الحياة والبغية، فقعدوا على رأس طريق المعاد والاستعدادِ للجنَّة ولقاءِ الله، وقالوا: اليوم خمر وغدًا أمر! اليوم لك ولا تدري غدًا لك أو عليك؟ وقالوا: لا نبيع ذرَّةً منقودةً بدُرَّةٍ موعودة.

(1)

مثل يُضرَب لمن يعيِّر بعيبه غيرَه. انظر: «المستقصى في أمثال العرب» (2/ 103).

ص: 300

خذ ما تراه ودع شيئًا سمعتَ به

(1)

وقالوا للناس: خلُّوا لنا الدُّنيا، ونحن قد خلَّينا لكم الآخرة، فإذا طلبتم منَّا ما بأيدينا أحلناكم على الآخرة.

أناسٌ يُقَضُّون عيشَ النعيم

ونحن نُحال على الآخرَهْ

فإن لم تكن مثلما يزعمون

فتلك إذًا كرَّةٌ خاسرَهْ

(2)

فالإيمان بالصِّفات ومعرفتُها، وإثباتُ حقائقها، وتعلُّقُ القلب بها، وشهودُه لها= هو مبدأ الطريق ووسطه وغايته. وهو روح السالكين، وحاديهم إلى الوصول، ومحرِّكُ عزماتهم إذا فتروا، ومثيرُ هِمَمهم إذا قصروا؛ فإنَّ سيرهم إنّما هو على الشواهد، فمن لا شاهد له لا سيرَ له ولا طلب ولا سلوك، وأعظم الشواهد: شواهد صفات محبوبهم ونهايةِ مطلوبهم، وذلك هو العَلَم الذي رُفع لهم في السَّير فشمَّروا إليه، كما قالت عائشة رضي الله عنها: من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد رآه غاديًا رائحًا، لم يضع لبنةً على لبنةٍ، ولكن رُفع له عَلَمٌ فشمَّر إليه

(3)

.

ولا يزال العبد في التواني والفتور والكسل، حتَّى

(1)

صدر بيت للمتنبي في «ديوانه» (3/ 205)، وقد ورد في ر مع عجزه، وهو:

في طلعة الشمس ما يُغنيك عن زُحَلِ

(2)

ورد البيتان في «الدر الفريد والبيت القصيد» (6/ 41 - 42) بلا نسبة، مع اختلاف في الشطر الأول من كليهما.

(3)

أخرجه أحمد في «الزهد» (ص 340) وابن أبي الدنيا في «قصر الأمل» (175) والدينوري في «المجالسة» (616) وأبو نعيم في «الحلية» (2/ 154) من طرق عن الحسن البصري موقوفًا عليه من قوله.

وقد روي نحوه عن عائشة مرفوعًا، أخرجه الطبراني في «الأوسط» (3241) ــ وعنه أبو نعيم في «الحلية» (1/ 9) ــ وابن عدي في «الكامل» (5/ 224) بلفظ: «من سأل عني أو سرَّه أن ينظر إليَّ فلينظر إلى أشعثَ شاحبٍ مشمِّرٍ لم يضع لبنة على لبنة

». وإسناده واه، فيه سليمان بن أبي كريمة، ضعيف منكر الحديث، وقد تفرَّد به عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، لم يتابعه عليه أحد.

ص: 301

يرفع الله له ــ بفضله ومنِّه ــ عَلَمًا يشاهده بقلبه، فيشمِّر إليه، ويعمل عليه.

فإذا عُطِّلت شواهد الصِّفات، ووُضعت أعلامها من القلوب، وطمست آثارها فيها= ضُربت بسياط البعد، وأُسبل دونها حجابُ الطرد، وتخلَّفت مع المتخلِّفين، وأوحى إليها القدر: أن اقعُدي

(1)

مع القاعدين؛ فإنَّ أوصاف المدعوِّ إليه ونعوتَ كماله وحقائقَ أسمائه هي الجاذبةُ للقلوب إلى محبَّته وطلبِ الوصول إليه، لأنَّ القلوب إنَّما تحبُّ من تعرفه، وتخافه وترجوه وتشتاق إليه، وتلذُّ بقربه وتطمئنُّ إلى ذكره= بحسب معرفتها بصفاته، فإذا ضُرب دونها حجابُ معرفة الصِّفات والإقرارِ بها امتنع منها بعد ذلك ما هو مشروطٌ بالمعرفة وملزومٌ لها، إذ وجود الملزوم بدون لازمه والمشروط بدون شرطه ممتنع. فحقيقة المحبَّة والإنابةِ والتوكُّلِ ومقامِ الإحسان ممتنعٌ على المعطِّل امتناعَ حصول المُغَلِّ من معطِّل البذر، بل أعظمَ امتناعًا.

كيف تَصْمُد القلوبُ إلى من ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متَّصلًا به ولا منفصلًا عنه، ولا مباينًا له ولا محايِثًا له، بل حظُّ العرش منه كحظِّ الآبار والوِهاد والأماكن التي يرغب عن ذكرها؟!

وكيف تأله القلوب من لا يسمع كلامها، ولا يرى مكانها، ولا يحِبُّ ولا يحَبُّ، ولا يقوم به فعلٌ البتَّة، ولا يتكلَّم ولا يُكلِّم، ولا يَقْرُب من شيء، ولا يَقْرُب منه شيء، ولا

(1)

ش، د:«اقعد» .

ص: 302

يقوم به رحمةٌ ولا رأفةٌ ولا حنان، ولا له حكمةٌ ولا غايةٌ يفعل ويأمر لأجلها؟!

فكيف يُتصوَّر التوكلُ على ذلك، ومحبَّتُه والإنابةُ إليه، والشوقُ إلى لقائه ورؤيةِ وجهه الكريم في جنَّات النعيم، وهو غير

(1)

مستوٍ على عرشه فوق جميع خلقه؟! أم كيف تأله القلوب من لا يحِبُّ ولا يحَبُّ، ولا يرضى ولا يغضب، ولا يفرح ولا يضحك؟!

فسبحان من حال بين المعطِّلة وبين محبَّته ومعرفته، والسُّرورِ والفرحِ به، والشوقِ إلى لقائه، وانتظارِ لذَّة النظر إلى وجهه، والتمتُّعِ بخطابه في محلِّ كرامته ودار ثوابه! ولو رآها أهلًا لذلك لمنَّ عليها به، وأكرمها به، إذ ذاك أعظم كرامةٍ يكرم بها عبده، والله أعلم حيث يجعل كرامته ويضع نعمته، {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 53]، {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ

(2)

} [الأنعام: 124]، {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 32].

وليس جحودهم صفاتِه سبحانه وحقائقَ أسمائه ــ في الحقيقة ــ تنزيهًا، وإنَّما هو حجابٌ ضُرب عليهم، فظنُّوه تنزيهًا، كما ضرب حجاب الشِّرك والبدع المضلَّة والشَّهوات المُردية على قلوب أصحابها، وزيِّن لهم سوء

(1)

سقطت «غير» من ت، ر.

(2)

كذا في النسخ عدا ر. وهي قراءة أبي عمرو وغيره. انظر: «النشر» (2/ 262).

ص: 303

أعمالهم فرأوها حسنةً.

عُدنا إلى شرح كلامه:

قوله: (قد وردت أساميها

(1)

بالرِّسالة

) إلى آخره.

ذكر أنَّ إثبات الصِّفات دلَّ عليه: الوحيُ الذي جاء من الله على لسان رسوله، والحسُّ الذي شاهد به البصير آثار الصَّنعة فاستدلَّ بها على صفات صانعها، والعقلُ الذي طابت حياته بزرع الفكر، والقلبُ الذي حيي بحسن النظر بين التعظيم والاعتبار.

فأمَّا الرسالة، فإنَّها جاءت بإثبات الصفات إثباتًا مفصَّلًا على وجهٍ أزال الشُّبهة وكشف الغطاء، وحصَّل العلمَ اليقينَ

(2)

، ورفعَ الشكَّ والرَّيب، فثلجت له الصُّدور، واطمأنَّت به القلوب، واستقرَّ به الإيمان في نصابه؛ ففصَّلت الرسالةُ الصفاتِ والنُّعوتَ والأفعالَ أعظمَ من تفصيل الأمر والنهي، وقرَّرت إثباتها أكملَ تقريرٍ في أبلغ لفظٍ، وأبعدِه عن الإجمال والاحتمال، وأمنعِه من قبول التّأويل. ولذلك كان تأويل آيات الصِّفات وأحاديثها بما يخرجها عن حقائقها من جنس تأويل آيات المعاد وأخباره، بل أبعد منه وأفسد لوجوهٍ كثيرةٍ ذكرناها

(3)

في كتاب «الصواعق المرسلة على الجهميَّة والمعطِّلة»

(4)

. بل تأويل آيات الصِّفات بما يُخرجها عن

(1)

ت: «أشياء منها» ، تحريف.

(2)

ر: «اليقيني» . وفي هامش ش: «علم اليقينِ» وعليه «ظ» ، أي أن الناسخ استظهر ذلك.

(3)

ر: «ذكرتها» .

(4)

(3/ 1096 - 1106)، وانظر «مختصره» (ص 11 وما بعدها).

ص: 304

حقائقها كتأويل آيات الأمر والنهي، فالباب كلُّه بابٌ واحد، ومصدرُه واحد، ومقصودُه واحد

(1)

، وهو إثبات حقائقه والإيمان بها.

ولذلك سطا على تأويل آيات المعاد قومٌ، وقالوا: فعلُنا فيها كفعل المتكلِّمين في آيات الصِّفات، بل نحن أعذر، فإنَّ اشتمال الكتب الإلهيَّة على الصفات والعلوِّ وقيامِ الأفعال أعظمُ من نصوص المعاد للأبدان بكثيرٍ، فإذا ساغ لكم تأويلُها، فكيف يَحْرُم علينا نحن تأويلُ آيات المعاد؟ وكذلك سطا قومٌ آخرون على تأويل آيات الأمر والنهي، وقالوا: فعلنا فيها كفعل أولئك في آيات الصِّفات، مع كثرتها وتنوُّعها، وآيات الأحكام لا تبلغ زيادةً على خمسمائة آيةٍ.

قالوا: وما يُظنُّ أنَّه معارِضٌ من العقليَّات لنصوص الصِّفات، فعندنا معارِضٌ عقليٌّ لنصوص المعاد، من جنسه أو أقوى منه. قال متأوِّلو آيات الأحكام على خلاف حقائقها وظواهرها: الذي سوَّغ لنا هذا التأويلَ القواعدُ التي أصَّلتموها

(2)

لنا، وجعلتموها أصولًا

(3)

نرجع إليها، فلمَّا طردناها كان طردُها: أنَّ الله ما تكلَّم بشيءٍ

(4)

قطُّ، ولا يتكلَّم، ولا يأمر ولا ينهى، ولا له صفةٌ تقوم به، ولا يفعل شيئًا، وطردُ هذا الأصل: لزوم تأويل آيات الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب.

(1)

«واحد، ومقصودُه واحد» ساقط من ش، د.

(2)

ت: «اختلقتموها» . ر: «اصطلحتموها» .

(3)

ت، ر:«أصلا» .

(4)

ت: «ما يعلم شيئًا» ، تحريف.

ص: 305

وقد ذكرنا في كتاب «الصَّواعق»

(1)

أنَّ تأويل آيات الصِّفات وأخبارها بما يخرجها عن حقائقها هو أصلُ فساد الدُّنيا والدِّين. وزوالُ الممالك وتسليطُ أعداء الإسلام عليه إنَّما كان بسبب التأويل، ويعرف هذا من له اطِّلاعٌ وخبرةٌ بما جرى في العالم، ولهذا يحرِّم عقلاء الفلاسفة التأويلَ مع اعتقادهم لصحَّته، لأنَّه سببٌ لفساد العالَم وتعطيلِ الشرائع.

ومن تأمَّل كيفيَّة ورود آيات الصِّفات في القرآن والسُّنَّة عَلِم قطعًا بطلانَ تأويلها بما يخرجها عن حقائقها، فإنَّها وردت على وجهٍ لا يحتمل معه التأويل بوجهٍ. فانظر إلى قوله تعالى:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158]، هل يحتمل هذا التقسيمُ والتنويعُ تأويلَ إتيان الربِّ ــ جل جلاله ــ بإتيان ملائكته أو آياته؟ وهل يبقى مع هذا السِّياق شبهةٌ أصلًا أنَّه إتيانه بنفسه؟

وكذلك قوله: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} إلى أن قال: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 163 - 164]، ففرَّق بين الإيحاء العامِّ والتكليم الخاصِّ، وجعلهما نوعين، ثمَّ أكَّد فعل التكليم بالمصدر الرافع لتوهُّم ما يقوله المحرِّفون. وكذلك قوله:{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} [الشورى: 51]، فنوَّع تكليمه إلى تكليمٍ بواسطةٍ، وتكليمٍ بغير واسطةٍ. وكذلك قوله لموسى عليه السلام:{إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} [الأعراف: 144]، ففرَّق بين الرِّسالة والكلام، والرِّسالةُ إنَّما هي بكلامه.

(1)

انظر: «المختصر» (ص 34).

ص: 306

وكذلك قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إنكم ترون ربكم عيانًا، كما ترون القمر ليلة البدر في الصَّحو ليس دونه سحابٌ، وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوًا ليس دونها سحاب»

(1)

، ومعلومٌ أنَّ هذا البيان والكشف والاحتراز ينافي إرادة التأويل قطعًا، ولا يرتاب في هذا من له عقلٌ ودين.

وقوله: (وظهرت شواهدها في الصنعة)، هذا هو الطريق الثاني من طرق إثبات الصِّفات، وهو دلالة الصَّنعة عليها، فإنَّ المخلوق يدلُّ على وجود خالقه، وعلى حياته، وعلى قدرته، وعلى علمه ومشيئته، فإنَّ الفعل الاختياريَّ يستلزم ذلك استلزامًا ضروريًّا.

وما فيه من الإتقان والإحكام ووقوعه على أكمل الوجوه يدلُّ على حكمة فاعله وعنايته.

وما فيه من الإحسان والنفع، ووصولِ المنافع العظيمة إلى المخلوق يدلُّ على رحمة خالقه، وإحسانه وجوده.

وما فيه من آثار الكمال يدلُّ على أنَّ خالقه أكمل منه، فمعطي الكمال أحقُّ بالكمال، وخالق الأسماع والأبصار والنُّطق أحقُّ بأن يكون سميعًا بصيرًا متكلِّمًا، وخالق الحياة والعلوم والقُدَر والإرادات أحقُّ بأن يكون هو كذلك في نفسه. فما في المخلوقات من أنواع التخصيصات من أدلِّ شيءٍ على إرادة الربِّ تعالى ومشيئته وحكمته التي اقتضت التّخصيص.

وحصولُ الإجابة عقيب سؤال المطلوب على الوجه المطلوب دليلٌ

(1)

هذا اللفظ ملفَّق من حديث أبي سعيد الخدري وحديث جرير البجلي عند البخاري (4581، 7435) ومسلم (183، 633).

ص: 307

على علم الربِّ تعالى بالجزويَّات، وعلى سمعه لسؤال عبيده، وعلى قدرته على قضاء حوائجهم، وعلى رأفته ورحمته بهم.

والإحسان إلى المطيعين، والتقريبُ لهم

(1)

والإكرام، وإعلاءُ درجاتهم يدلُّ على محبَّته ورضاه. وعقوبتُه للعصاة والظلمة وأعداء رسله بأنواع العقوبات المشهودة تدلُّ على صفة الغضب والسُّخط، والإبعادُ والطردُ والإقصاءُ يدلُّ على المقت والبغض.

فهذه الدلالات من جنسٍ واحدٍ عند التأمُّل. ولهذا دعا سبحانه عبادَه في كتابه إلى الاستدلال بذلك على صفاته، فهو يثبت العلمَ بربوبيَّته ووحدانيَّته، وصفاتِ كماله بآثار صُنعه المشهودة، والقرآن مملوءٌ

(2)

من ذلك.

فيظهر شاهد اسم «الخالق» من نفس المخلوق، وشاهد اسم «الرزَّاق» من وجود الرِّزق

(3)

، وشاهد اسم «الرحيم» من شهود الرحمة المبثوثة في العالم، واسم «المعطي» من وجود العطاء الذي هو مدرارٌ لا ينقطع لحظةً واحدةً، واسم «الحليم» من حلمه عن الجُناة والعُصاة وعدم معاجلتهم، واسم «الغفور» و «التوَّاب» من مغفرة الذُّنوب وقبول التوبة، ويظهر شاهد اسم «الحكيم» من العلم بما في خلقه وأمره من الحِكَم والمصالح ووجوه المنافع. وهكذا كلُّ اسمٍ من أسمائه الحسنى له شاهدٌ في خلقه وأمره، يعرفه من عرفه ويجهله من جهله، فالخلق والأمر من أعظم شواهد أسمائه وصفاته.

(1)

ر: «التقرب إليهم» .

(2)

«مملوء» ساقط من ش، د. وفي ر:«مملوء بذلك» .

(3)

زيد في ر: «ووجود المرزوق» .

ص: 308

وكلُّ سليم العقل والفطرة يعرف قدرَ الصانع وحَذْقَه، وتبريزَه على غيره، وتفرُّدَه بكمالٍ لم يشاركه فيه

(1)

غيرُه= من مشاهدة صُنعه

(2)

، فكيف لا تُعرَف صفات مَن هذا العالَمُ العلويُّ والسفليُّ وهذه المخلوقاتُ مِن بعض صنعه؟!

وإذا اعتبرتَ المخلوقات والمأمورات، وجدتها كلَّها دالَّةً على النُّعوت والصِّفات وحقائقِ الأسماء الحسنى، وعلمت أنَّ المعطِّل

(3)

من أعظم الناس عمًى ومكابرةً. ويكفي ظهور شاهد الصُّنع فيك خاصَّةً كما قال تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]، فالموجودات بأسرها شواهد صفات الربِّ ــ جل جلاله ــ ونعوتِه وأسمائه، فهي كلُّها تشير إلى الأسماء الحسنى وحقائقها، وتنادي عليها، وتدلُّ عليها، وتخبر بها بلسان النُّطق والحال، كما قيل

(4)

:

تأمَّل سطور الكائنات فإنَّها

من الملك الأعلى إليك رسائلُ

وقد خُطَّ فيها لو تأمَّلتَ خطَّها

«ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلُ»

تشير بإثبات الصِّفات لربِّها

فصامتُها يهدي ومن هو قائلُ

(1)

«فيه» من ت، ر.

(2)

ت، ر:«صنعته» .

(3)

ر: «المعطلة» .

(4)

أنشد المؤلف البيتين الأولين في «بدائع الفوائد» (4/ 1593) و «التبيان» (ص 254) و «مفتاح دار السعادة» (2/ 1025)، وهما لركن الدين ابن القوبع المالكي (ت 738) في ترجمته من «أعيان العصر» (5/ 163) و «الدرر الكامنة» (4/ 183)، ولعل البيت الثالث من نظم المؤلف.

ص: 309

فلستَ ترى شيئًا أدلَّ على شيءٍ مِن دلالة المخلوقات على صفات خالقها، ونعوت كماله، وحقائقِ أسمائه، وقد تنوَّعت أدلَّتها بحسب تنوُّعها، فهي تدلُّ عقلًا وحسًّا وفطرةً ونظرًا واعتبارًا

(1)

.

قوله: (بتبصير

(2)

النُّور القائم في السِّرِّ)، يعني: أنَّ النور الإلهيَّ الذي يجعله الله لعبده، ويلقيه عليه، ويودعه في سرِّه، هو الذي يبصِّره بشواهد صفاته. فكلَّما قوي هذا النُّور في قلب العبد كان بصره بالصِّفات أتمَّ وأكمل، وكلَّما قلَّ نصيبه من هذا النُّور

(3)

وطفئ مصباحُه في قلبه طفئ نورُ التصديق بالصِّفات وإثباتها في قلبه، فإنَّه إنَّما يشاهدها بذلك النُّور، فإذا فقده لم يشاهدها، وجاءت الشُّبه الباطلة مع تلك الظُّلمة، فلم يكن له نصيبٌ منها سوى الإنكار.

قوله: (وطيبِ حياة العقل لزرع الفكر)، أي: يدرك الصِّفات بذلك النُّور القائم في سرِّه، وطيبِ حياة عقله، التي طيَّبها زرعُ الفكر الصحيح المتعلِّق بما دعا الله سبحانه

(4)

إلى الفكر فيه بقوله: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 191]. وقولِه: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} [الروم: 8]. وقولِه: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [البقرة: 219 - 220]،

(1)

«من دلالة

واعتبارًا» ساقط من ر.

(2)

ت، ر:«بتبصر» .

(3)

في ت زيادة: «الإلهي» .

(4)

في ر زيادة: «عبادَه» .

ص: 310

فيتفكَّرون في

(1)

الآيات التي يُبيِّنها

(2)

لهم، فيستدلُّون بها على توحيده، وصفاتِ كماله، وصدق رسله، والعلم بلقائه، ويتفكَّرون في الدُّنيا وانقضائها واضمحلالها ودناءتها

(3)

، والآخرةِ ودوامها وبقائها وشرفها. وقولِه:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].

فالفكر الصحيح المؤيَّد بحياة القلب ونور البصيرة يدلُّ على إثبات صفات الكمال ونعوت الجلال. وأمَّا فكرٌ مصحوبٌ بموت القلب وعمى البصيرة، فإنَّما يُعطي صاحبه نفيَها وتعطيلَها.

قوله: (وحياةِ القلب بحسن النظر بين التعظيم وحسن الاعتبار)، يعني: أنَّه ينضاف إلى نور البصيرة وطيب حياة العقل: حياةُ القلب بحسن النظر الدائرِ بين تعظيم الخالق ــ جل جلاله ــ وحسنِ الاعتبار بمصنوعاته الدالَّة عليه، فلا بدَّ من الأمرين، فإنَّه إن غفل بالتعظيم عن حسن الاعتبار لم يحصل له الاستدلال على الصِّفات، وإن حصل له الاعتبار من غير تعظيمٍ للخالق سبحانه لم يستفد به إثباتَ الصِّفات، فإذا اجتمع له تعظيمُ الخالق وحسنُ النظر في صنعه أثمرا

(4)

له إثباتَ صفات كماله ولا بدَّ.

و (الاعتبار) هو أن يعبُر نظرُه من الأثر إلى المؤثِّر، ومن الصَّنعة إلى

(1)

من قوله تعالى: {خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} إلى هنا ساقط من ر لانتقال النظر.

(2)

ت: «بيَّنها» .

(3)

ت: «ذهابها» . ر: «آفاتها» . والمثبت أصحُّ لأنه سيأتي في مقابله في وصف الآخرة: «وشرفها» .

(4)

ت، ر:«أثمر» .

ص: 311

الصانع، ومن الدليل إلى المدلول، فينتقل إليه بسرعةٍ ولطفِ إدراكٍ، فينتقل ذهنه من الملزوم إلى لازمه، قال تعالى:{فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2]. و (الاعتبار) افتعالٌ من العبور، وهو عبور القلب من الملزوم إلى لازمه، ومن النظير إلى نظيره.

وهذا الاعتبار يضعف ويقوى، حتَّى يستدلَّ صاحبُه بصفات الرب تعالى وكمالِه على ما يفعله، لحسن اعتباره وصحَّة نظره. وهذا اعتبار الخواصِّ واستدلالهم، فإنَّهم يستدلُّون بالله وأسمائه وصفاته على أفعاله، وأنَّه يفعل كذا ولا يفعل كذا

(1)

، فيفعل ما هو موجَب حكمته وعلمه وغِناه وحمده، ولا يفعل ما يناقض ذلك.

وقد ذكر سبحانه هذين الطريقين في كتابه، فقال في الطريق الأولى:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} ، ثمَّ قال في الطريق الثانية:{أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53]، فمخلوقاته دالَّةٌ على ذاته وأسمائه وصفاته، وأسماؤه وصفاته دالَّةٌ على ما يفعله ويأمر به، وما لا يفعله ولا يأمر به.

مثال ذلك: أنَّ اسمه «الحميد» ــ سبحانه ــ يدلُّ على أنَّه لا يأمر بالفحشاء والمنكر، واسمه «الحكيم» يدلُّ على أنَّه لا يخلق شيئًا عبثًا، واسمه «الغني» يدلُّ على أنَّه لم يتَّخذ صاحبةً ولا ولدًا، واسمه «المَلِك» يدلُّ على ما يستلزم حقيقة ملكه مِن: قدرته، وتدبيره، وعطائه ومنعه، وثوابه وعقابه، وبثِّ رسله في أقطار مملكته، وإعلامِ عبيده بمراسيمه وعهوده إليهم، واستوائه على

(1)

«ولا يفعل كذا» ساقط من ش، د.

ص: 312

سرير مملكته الذي هو عرشه المجيد.

فمتى قام بالقلب

(1)

تعظيمُ الحقِّ جل جلاله، وحسنُ النظر في الشواهد، والتبصُّرُ والاعتبارُ بها= صارت الصِّفات والنُّعوت مشهودةً لقلبه قبلةً له.

قوله: (وهي معرفة العامَّة التي لا تنعقد شرائط اليقين إلَّا بها)، لا يريد بالعامَّة الجهَّال الذين هم عوامُّ الناس، وإنَّما يريد: أنَّ هذه هي المعرفة التي وقف عندها العموم ولم يتعدَّوها، وأمَّا معرفة أهل الذَّوق والمحبَّة الخاصَّة فأخصُّ من هذه كما سيأتي.

قوله: (وهي على ثلاثة أركانٍ: إثبات الصِّفة باسمها من غير تشبيهٍ

) إلى آخره. تضمَّن هذا ثلاثة أشياء.

أحدها: إثبات تلك الصِّفة؛ فلا يقابلها

(2)

بالنفي والإنكار.

الثاني: أنَّه لا يتعدَّى بها اسمَها الخاصَّ الذي سمَّاها الله به، بل يحترم الاسم كما يحترم الصِّفة، فلا يعطِّل الصِّفة، ولا يغيِّر اسمها ويُعيرها اسمًا آخر، كما تسمِّي الجهميَّة والمعطِّلة سمعه وبصره وقدرته وحياته وكلامه: أعراضًا، ويسمُّون وجهه ويديه وقدمه ــ سبحانه ــ: جوارح وأبعاضًا، ويسمُّون حكمته وغايةَ فعلِه المطلوبةَ به: عِلَلًا وأغراضًا، ويسمُّون أفعاله القائمة به: حوادث، ويسمُّون علوَّه على خلقه واستواءهَ على عرشه: تحيُّزًا، ويتوصلون بهذا المكر الكُبَّار إلى نفي ما دلَّ عليه الوحي والعقل والفطرة وآثارُ الصَّنعة من صفاته، فيسطون بهذه الأسماء التي سمَّوها هم وآباؤهم

(1)

ر: «بالعبد» .

(2)

ر: «يعاملها» ، تصحيف.

ص: 313