الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآخرة إلَّا كما يُدخِل أحدُكم إصبعَه في اليمِّ فلينظر بِمَ ترجع؟»
(1)
.
وكما قيل: تنفَّستِ الآخرة فكانت الدُّنيا نَفَسًا من أنفاسها، فأصاب أهل السّعادة نفس نعيمها، فهم على هذا النّفس يعملون، وأصاب أهل الشّقاء نفس عذابها، فهم على ذلك النّفس يعملون.
وإذا كانت حياة أهل الإيمان والعمل الصّالح في هذه الدّار حياةً طيِّبةً، فما الظّنُّ بحياتهم في البرزخ، وقد تخلَّصوا من سجن الدُّنيا وضيقها؟ فما الظّنُّ بحياتهم في دار النّعيم المقيم الذي لا يزول، وهم يرون وجهَ ربِّهم تبارك وتعالى بكرةً وعشيًّا ويسمعون خطابه؟
فإن قلت: ما
سببُ تخلُّفِ النّفس عن طلب هذه الحياة
التي لا خطَرَ لها، وزُهدِها فيها ورغبتها في الحياة الفانية المضمحلّة، التي هي كالخيال والمنام؟ أفسادٌ في تصوُّرها وشعورها؟ أم تكذيبٌ بتلك الحياة؟ أم لآفةٍ في العقل وعمًى هناك؟ أم إيثارًا للحاضر المشهود بالعيان على الغائب المعلوم بالإيمان؟
قيل: بل ذلك لمجموع أمورٍ مركّبةٍ من ذلك كلِّه.
فأقوى الأسبابِ في ذلك: ضعف الإيمان، فإنّ الإيمان روح الأعمال، وهو الباعث عليها، والآمر بأحسنها، والنّاهي عن أقبحها، وعلى قدر قوّة الإيمان يكون أمره ونهيه لصاحبه، وائتمارُ صاحبه وانتهاؤه، قال تعالى:{قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 93]. وبالجملة، فإذا قوي الإيمان قوي الشّوق إلى هذه الحياة، واشتدّ طلب صاحبه لها.
(1)
أخرجه مسلم (2858) من حديث المستورد رضي الله عنه، وقد تقدَّم غير مرَّة.
السّبب الثّاني: جُثُوم الغفلة على القلب، فإنّ الغفلة نوم القلب، ولهذا تجد كثيرًا من الأيقاظ في الحسِّ نيامًا، فتحسبهم أيقاظًا وهم رقودٌ، ضدّ حال من يكون يقظانَ القلب وهو نائمٌ، فإنّ القلب إذا قويتْ فيه الحياة لا ينام إذا نام البدن، وكمال هذه الحياة
(1)
كان لنبيِّنا صلى الله عليه وسلم، ولمن أحيا الله قلبه بمحبّته واتِّباع رسوله من ذلك بحسب نصيبه منهما.
فالغفلة واليقظة يكونان في الحسِّ والعقل والقلب، فمستيقظ القلب وغافله كمستيقظ البدن ونائمه
(2)
، وكما أنّ يقظة الحسِّ على نوعين، فكذلك يقظة القلب على نوعين.
فالنّوع الأوّل من يقظة الحسِّ: أنّ صاحبها يَنفُذ في الأمور الحسِّيّة ويتوغَّلُ فيها بكَيْسِه وفطانته، واحتيالِه وحسنِ تأتِّيه.
والنّوع الثّاني: أن يُقبِل على نفسه وقلبه وذاته، فيعتني بتحصيل كماله، فيلحظ عواليَ الأمور وسفسافَها، فيُؤْثِر الأعلى على الأدنى، وخيرَ الخيرين بتفويت أدناهما، ويرتكب أخفَّ الشّرّين خشيةً من حصول أقواهما، ويتحلّى بمكارم الأخلاق ومعالي الشِّيَم، فيكون ظاهره جميلًا، وباطنه أجملَ من ظاهره، وسريرتُه خيرًا من علانيته، فيزاحم أصحاب المعالي عليها كما يُزاحم أهل الدِّينار والدِّرهم عليهما، فبهذه اليقظة يستعدُّ للنّوعين الآخرين منها:
أحدهما: يقظةٌ تبعثه على اقتباس الحياة الدّائمة الباقية التي لا خطَرَ لها من هذه الحياة الفانية الزّائلة، التي لا قيمة لها.
(1)
ش: «الحالة» .
(2)
في هامش ش: «وغافله» .
فإن قلت: مثِّلْ لي كيفَ تُقتبس الحياة الدّائمة من الحياة الفانية؟ وكيف يكون هذا؟ فإنِّي لا أفهمه.
قلت: وهذا أيضًا من نوم القلب، بل هو من موته، وهل تُقتبس الحياة الدّائمة إلّا من هذه الحياة الزّائلة؟ وأنت قد تُشعِل سراجك من سراجٍ آخر قد أشفى على الانطفاء، فيتَّقِد الثّاني ويضيء غايةَ الإضاءة، ويتّصل ضوؤه وينطفئ الأوّل. والمقتبس لحياته الدّائمة من حياته المنقطعة إنّما ينتقل من دارٍ منقطعةٍ إلى دارٍ باقيةٍ، وقد توسّط الموت بين الدّارين، فهو قنطرةٌ لا يعبُر إلى تلك الدّار إلّا عليها، وبابٌ لا يدخل إليها إلّا منه، فهما حياتان في دارين بينهما موتٌ. وكما أنّ نور تلك الدّار مقتبسٌ من نور هذه الدّار، فحياتها مقتبسةٌ من حياتها، فعلى قدر نور الإيمان في هذه الدّار يكون نور العبد في تلك الدّار، وعلى قدر حياته في هذه الدّار تكون حياته هناك.
نعم؛ هذا النُّور والحياة الذي يقتبس منه ذلك النُّور والحياة لا ينقطع، بل يتَّصل للعبد في البرزخ، وفي موقف القيامة، وعلى الصِّراط، فلا يفارقه إلى دار الحيوان، يُطفَأ نور الشّمس وهذا النُّور لا يُطفَأ، وتبطُل الحياة المحسوسة وهذه الحياة لا تبطُل. هذا أحد نوعي يقظة القلب.
النّوع الثّاني: يقظةٌ تبعث على حياةٍ، لا تدركها العبارة
(1)
، ولا ينالها التّوهُّم، ولا يطابق فيها اللّفظ لمعناه البتّة، والّذي يشار به إليها حياة المحبِّ مع حبيبه، الذي لا قِوامَ لقلبه وروحه وحياته إلّا به ولا غنًى له عنه طرفةَ عينٍ، ولا قرّةَ لعينه ولا طمأنينةَ لقلبه ولا سكونَ لروحه إلّا به
(2)
، فهو أحوجُ
(1)
«العبارة» ليست في ش، د.
(2)
«ولا غنى
…
إلا به» ساقطة من ش، د.
إليه من سمعه وبصره وقوّته، بل ومن حياته، فإنّ حياته بدونه عذابٌ وآلامٌ، وهمومٌ وأحزانٌ، فحياته موقوفةٌ على قربه وحبِّه ومصاحبته، وعذابُ حجابه عنه أعظم من العذاب الآخر، كما أنّ نعيم القلب والرُّوح بإزالة ذلك الحجاب أعظم من النّعيم بالأكل والشُّرب والتّمتُّع بالحور العين، فهكذا عذاب الحجاب أعظم من عذاب الجحيم. ولهذا جمع سبحانه لأوليائه بين النّعيمين في قوله:{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]، فالحسنى الجنّة، والزِّيادة رؤية وجهه الكريم في جنّات عدنٍ. وجمع لأعدائه بين العذابين في قوله:{كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ} [المطففين: 15 - 16].
والمقصود: أنّ الغفلة هي نوم القلب عن طلب هذه الحياة، وهي حجابٌ عليه:
فإن كُشِفَ هذا الحجاب بالذِّكر وإلّا تكاثفَ حتّى يصير حجابَ بطالةٍ ولعبٍ واشتغالٍ بما لا يفيد.
فإن بادر إلى كشفه وإلّا تكاثف حتّى يصير حجابَ معاصٍ وذنوبٍ صغارٍ تُبعِده عن الله.
فإن بادر إلى كشفه وإلّا تكاثف حتّى يصير حجابَ كبائرَ توجب مقْتَ الرّبِّ تعالى وغضَبه ولعنته.
فإن بادر إلى كشفه وإلّا تكاثف حتّى يصير بدعًا عمليّةً يعذِّب العاملُ فيها نفسَه، ولا تُجدِي عليه شيئًا.
فإن بادر إلى كشفه وإلّا تكاثف حتّى صار حجابَ بدعٍ قوليّةٍ واعتقاديّةٍ؛
تتضمّن الكذبَ على الله ورسوله، والتّكذيبَ بالحقِّ الذي جاء به الرّسول صلى الله عليه وسلم.
فإن بادر إلى كشفه وإلّا تكاثف حتّى صار حجابَ شكٍّ وتكذيبٍ؛ يقدح في أصول الإيمان الخمسة، وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، فلِغِلَظِ حجابه وكثافته وظلمته وسواده لا يرى حقائق الإيمان، ويتمكّن منه الشّيطان، يَعِده ويُمنِّيه، والنّفس الأمّارة تهوى وتشتهي، وسلطان الطّبع قد ظفِرَ بسلطان الإيمان، فأسَرَه أو سجَنَه إن لم يُهلكه، وتولّى تدبير المملكة، واستخدم
(1)
جنودَ الشّهوات، وأقطعها العوائد
(2)
التي جرى عليها العمل، وأغلق بابَ اليقظة، وأقام عليه بوّابَ الغفلة وقال: إيّاك أن نُؤتى من قِبَلك، واتّخذ حاجبًا من الهوى وقال: إيّاك أن تمكِّن أحدًا يدخل إلّا معك، فأمرُ هذه المملكة قد صار إليك وإلى البوّاب، فيا بوّابَ الغفلة ويا حاجبَ الهوى ليلزمْ كلٌّ منكما ثغْرَه، فإن أخليتما فسدَ أمرُ مملكتنا، وعادت الدّولة لغيرنا، وسامَنا سلطانُ الإيمان شرَّ الخزي والهوان، ولا نفرح بهذه المدينة أبدًا.
فلا إله إلّا الله! إذا اجتمعتْ على القلب هذه العساكر مع رقَّة الإيمان وقلَّة الأعوان، والإعراض عن ذكر الرّحمن، والانخراط في سِلْك أبناء الزّمان، وطولِ الأمل المفسد للإنسان= آثرَ العاجلَ الحاضرَ على الغائب الموعود به بعد طيِّ هذه الأكوان، فالله المستعان وعليه التُّكلان.
فهذا فصلٌ مختصرٌ نافعٌ في ذكر الحياة وأنواعها، والتّشويق إلى أشرفها وأطيبها، فمن صادف في قلبه حياةً انتفع به، وإلّا فخَوْدٌ تُزَفُّ إلى ضَريرٍ
(1)
ت: «وأقام» .
(2)
ش، د:«الفوائد» .
مُقْعَدٍ
(1)
!
فلنرجع إلى شرح كلام صاحب «المنازل» :
قال
(2)
: (ولها ثلاثة أنفاسٍ: نفس الخوف، ونفس الرّجاء، ونفس المحبّة).
لمّا كان الحيوان
(3)
متنفّسًا، فالنفس موجب الحياة وعلامتها، كانت أنفاس الحياة المشار إليها ثلاثةَ أنفاسٍ:
نفسًا بالخوف؛ ومصدره مطالعةُ الوعيد، وما أعدّ الله لمن آثرَ الدُّنيا على الآخرة، والمخلوقَ على الخالق، والهوى على الهدى، والغيَّ على الرّشاد.
ونفسًا بالرجاء؛ ومصدره مطالعة الوعد، وحسن الظّنِّ بالرّبِّ تعالى، وما أعدّ لمن آثر الله ورسوله والدّار الآخرة، وحكَّم الهدى على الهوى، والوحيَ على الآراء، والسُّنّةَ على البدعة، وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على عوائد الخلق.
ونفسًا بالمحبّة؛ مصدره مطالعة الصِّفات والأسماء، ومشاهدة النّعماء والآلاء.
(1)
شطر بيت لابن الحجاج:
وكأنّها لما أحلَّتْ عنده
…
خَوْدٌ تُزَفُّ إلى ضريرٍ مُقْعَدِ
وهو في «يتيمة الدهر» (3/ 60)، و «التمثيل والمحاضرة» (ص 118)، و «المنتخل» (ص 516) وغيرها. والخود: الفتاة الشابة الحسنة الخلق.
(2)
«المنازل» (ص 95).
(3)
ت، ر:«كل حيوان» .