الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
قال
(1)
:
(الدرجة الثالثة:
الفناء عن شهود الفناء، وهو الفناء حقًّا، شائمًا برقَ العين، راكبًا بحر الجمع، سالكًا سبيل البقاء).
الفرق بين الفناء في هذه الدرجة والتي قبلها أنَّه في التي قبلها قد فني عن شهود طلبه وعلمه وعيانه، مع شعوره بفنائه عن ذلك، وفي هذه الدرجة قد فني عن ذلك كلِّه، وفني عن شهود فنائه، كما يقال: آخر من يموت ملَكُ الموت
(2)
.
وإنَّما كان هذا الفناءُ عنده هو الفناءَ حقًّا لأنَّه قد فني فيه كلُّ ما سوى الحقِّ سبحانه، لأنَّ صاحبه الذي
(3)
يشهد الفناء قد فني، فلم يبق سوى الواحد القهَّار.
وقوله: (شائمًا برق العين)، الشائم: الناظر من بعدٍ، وبرق العين: نور الحقيقة، وقد تقدَّم التنبيه على استحالة تعلُّق هذا بالنُّور الخارجيِّ، وإنَّما هو أنوار القرب والمراقبة والحضور مع الله.
وقوله: (راكبًا بحر الجمع)، الجمع الذي يشيرون إليه عبارةٌ عن
(1)
«المنازل» (ص 104).
(2)
روي ذلك في حديث أبي هريرة الطويل عند ابن راهويه في «مسنده» (10) والطبري في «تفسيره» (20/ 256 - 257) والطبراني في «الطوال» (36) وغيرهما بإسناد ضعيف. وانظر: «الضعفاء» للعقيلي (5/ 414) و «تفسير ابن كثير» (الأنعام: 73) و «أنيس الساري» (1171).
(3)
«الذي» ساقط من ت، ر.
شخوص البصيرة إلى مجرَّد مصدر المتفرِّقات كلِّها، كما سيأتي بيانه في بابه إن شاء الله تعالى، وركوبُ لُجَّة هذا الجمع هو فناؤه فيه.
قوله: (سالكًا سبيل البقاء)، يعني: أنَّ من فني فقد تأهَّل للبقاء بالحقِّ، وهذا البقاء هو بعد الفناء، فإنَّه إذا تحقَّق بالفناء رُفع له عَلَم الحقيقة، فشمَّر إليه سالكًا في طريق البقاء، وهي القيام بالأورادِ وحفظُ الواردات، فحينئذٍ يرجى له الوصول.
فصل
لم يرد في الكتاب، ولا في السنَّة، ولا في كلام الصحابة والتابعين مدحُ لفظ الفناء ولا ذمُّه، ولا استعملوا لفظه في هذا المعنى المشارِ إليه البتَّة، ولا ذكره مشايخ الطريق المتقدِّمون، ولا جعلوه غايةً ولا مقامًا، وقد كان القوم أحقَّ بكلِّ كمالٍ، وأسبقَ إلى كلِّ غايةٍ محمودةٍ.
ونحن لا ننكر هذا اللفظ مطلقًا
(1)
، ولا نقبله مطلقًا
(2)
، بل لابدَّ فيه من التفصيل، وبيانِ صحيحه من معلوله، ووسيلته من غايته.
فنقول ــ وبالله التوفيق، وهو الفتَّاح ــ: حقيقة الفناء المشار إليه هو استهلاك الشَّيء في الوجود العلميِّ الذهنيِّ، وهاهنا تَقَسَّمَه أهلُ الاستقامة وأهل الزيغ والإلحاد، فزعم أهلُ الاتِّحاد ــ القائلين بوحدة الوجود ــ أنَّ الفناء الذي هو غاية هو الفناء عن وجود السِّوى، فلا يثبت للسِّوى وجودٌ
البتَّة، لا في الشُّهود ولا في العِيان، بل يتحقَّق بشهودِ
(1)
وحدة الوجود، فيعلم حينئذٍ أنَّ وجود جميع الموجودات هو عين وجود الحقِّ، فما ثمَّ وجودان، بل الموجود واحد. وحقيقة الفناء عندهم أن يفنى عمَّا لا حقيقة له بل هو وهمٌ وخيال، فيفنى عمَّا هو فانٍ في نفسه لا وجودَ له، فيشهد فناء وجود كلِّ ما سواه في وجوده، وهذا تعبيرٌ محضٌ، وإلَّا في الحقيقة ليس عند القوم «سوى» ولا «غير» ، وإنَّما السِّوى والغير في الوهم والخيال. فحول هذا الفناء يدندنون وعليه يحومون.
وأمَّا أهلُ التوحيد والاستقامة، فيشيرون بالفناء إلى أمرين أحدُهما أرفع من الآخر:
الأمر الأوَّل: في
(2)
شهود الرُّبوبية والقَيُّومية، فيشهد تفرُّد الربِّ تعالى بالقَيُّوميَّة والتدبير، والخلق والرِّزق، والعطاء والمنع، والضُّرِّ والنّفع، وأنَّ جميع الموجودات منفعلةٌ لا فاعلةٌ، وما له منها فعلٌ فهو منفعلٌ في فعله، محلٌّ محضٌ لجريان أحكام الربوبيَّة عليه، لا يملك شيءٌ
(3)
منها لنفسه ولا لغيره ضرًّا ولا نفعًا.
فإذا تحقَّق بهذا المشهد خمدت منه الخواطر والإرادات، نظرًا إلى القيُّوم الذي بيده تدبير الأمور، وشخوصًا منه إلى مشيئته وحكمه، فهو ناظرٌ منه به إليه، فانٍ بشهوده عن شهود ما سواه. ومع هذا فهو ساعٍ في طلب الوصول إليه، قائمًا بالواجبات والنوافل.
(1)
ش، د:«يتحقق شهودُ» . ت: «يحقق شهودَ» . ولعل المثبت من ر أقرب.
(2)
ت: «هو» . ر: «الفناء في» .
(3)
ر، المطبوعات:«شيئًا» ، خطأ.
الأمر الثاني: الفناء في مشهد الإلهيَّة، وحقيقته
(1)
: الفناء عن إرادة ما سوى الله ومحبَّته، والإنابةِ إليه، والتوكُّلِ عليه، وخوفِه ورجائه؛ فيفنى بحبِّه عن حبِّ ما سواه، وبخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه. وحقيقة هذا الفناء: إفراد الربِّ سبحانه بالمحبَّة والخوف والرجاء والتعظيم والإجلال. ونحن نشير إلى مبادئ ذلك وتوسُّطه وغايته:
اعلم أنَّ القلب إذا خلا من الاهتمام بالدنيا والتعلُّق بما فيها من مالٍ أو رياسةٍ أو صورة، وتعلَّقَ بالآخرة، والاهتمامِ بها من تحصيل العدَّة، والتَّأهُّبِ للقدوم على الله سبحانه= فذلك أوَّلُ فتوحه وتباشيرُ فجره، فعند ذلك يتحرَّك قلبُه لمعرفة ما يرضى ربُّه منه فيفعله ويتقرَّب به إليه، وما يسخطه منه فيجتنبه. وهذا عنوان صدق إرادته، فإنَّ كلَّ من أيقن بلقاء اللهِ وأنَّه سائلُه عن كلمتين يُسأل عنهما الأوَّلون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ = لابدَّ أن يتنبَّه لطلب معرفة معبوده والطريق الموصلة إليه، فإذا تمكَّن في ذلك فُتح له باب الأنس بالخلوة والوحدة والأماكن الخالية التي تهدأ فيها الأصوات والحركات، فلا شيءَ أشوقُ إليه من ذلك، فإنَّها تجمع عليه قوى قلبه وإرادته، وتسدُّ عليه الأبواب التي تفرِّق همَّه وتشتِّتُ قلبه، فيأنس بها ويستوحش من الخلق.
ثمَّ يُفتح له حلاوة العبادة بحيث لا يكاد يشبع منها، ويجد فيها مِن اللذَّة والراحة أضعاف ما كان يجده في لذَّة اللهو واللعب ونيل الشهوات، بحيث إذا دخل في الصلاة ودَّ أن لا يخرج منها
(2)
.
(1)
ش، د:«حقيقة» .
(2)
«منها» سقطت من ش، د.
ثمَّ يُفتح له حلاوة استماع كلام الله فلا يشبع منه، وإذا سمعه هدأ قلبه به كما يهدأ الصبيُّ إذا أعطي ما هو شديد المحبَّة له. ثمَّ يُفتح له شهودُ عظمة المتكلِّم به وجلاله، وكمال نعوته وصفاته وحكمته، ومعاني خطابه، بحيث يستغرق قلبه في ذلك حتَّى يغيب فيه، ويحسُّ بقلبه قد دخل في عالمٍ آخر
(1)
غير
(2)
ما الناس فيه.
ثمَّ يُفتح له باب الحياء من الله، وهو أوَّل شواهد المعرفة. وهو نورٌ يقع في القلب، يريه ذلك
(3)
النُّور أنَّه واقفٌ بين يدي ربِّه عز وجل، فيستحيي منه في خلواته وجلواته، ويُرزق عند ذلك دوامَ المراقبة للرقيب، ودوامَ التطلُّع إلى حضرة العليِّ الأعلى، حتَّى كأنَّه يراه ويشاهده فوقَ سماواته، مستويًا على عرشه
(4)
، ناظرًا إلى خلقه، سامعًا لأصواتهم، مشاهدًا لبواطنهم. فإذا استولى عليه هذا الشاهد غطَّى عليه كثيرًا من الهموم بالدُّنيا وما فيها، فهو في وجودٍ والناس في وجودٍ آخر، هو في وجودٍ بين يدي ربِّه ووليِّه، ناظرًا إليه بقلبه، والناس في حجاب عالم الشهادة في الدُّنيا، فهو يراهم وهم لا يرونه، ولا يرون منه إلَّا ما يناسب عالمهم ووجودهم.
(1)
هذا آخر ص 257 من نسخة ت، وقد سقطت بعدها صفحتان (258، 259) من التصوير.
(2)
«غير» ساقطة من ش. واستُدركت في د بخط مغاير.
(3)
«ذلك» ساقط من ش، د.
(4)
«فوقَ سماواته، مستويًا على عرشه» ضرب عليه بعضهم في ش بحيث لا يظهر معه الكلام البتة.
ثمّ يفتح له الشُّعور
(1)
بمشهد القيُّوميَّة، فيرى سائر التقلُّبات الكونيَّة وتصاريف الوجود بيده سبحانه وحده، فيَشهده مالكَ الضرِّ والنفع، والخلق والرِّزق، والإحياء والإماتة، فيتَّخذه وحده وكيلًا، ويرضى به ربًّا ومدبِّرًا وكافيًا. وعند ذلك إذا
(2)
وقع نظرُه على شيءٍ من المخلوقات دلَّه على خالقه وبارئه، وصفاتِ كماله ونعوت جلاله، فلا يحجبه خلقه عنه سبحانه، بل يناديه كلٌّ من المخلوقات بلسان حاله: اسمع شهادتي لمن أحسن كلَّ شيءٍ خَلَقه، فأنا صنع الله الذي أتقن كلَّ شيءٍ.
فإذا استمرَّ له ذلك فُتح عليه باب القبض والبسط، فيقبض عليه حتَّى
(3)
يجد ألم القبض لقوَّة وارده، ثمَّ يفيض
(4)
وعاؤه
(5)
بأنوار الوجود، فيفنى عن وجوده، وينمحي كما يمحو نورُ الشمس نورَ الكواكب، ويطوي الكون عن قلبه بحيث لا يبقى فيه إلَّا الله الواحد القهَّار، وتفيض أنوار المعرفة والمعاملة والصِّدق والإخلاص والمحبَّة من قلبه، كما يفيض نور الشمس عن جرمها، فيغرق حينئذٍ في الأنوار كما يغرق راكب البحر في البحر. وذلك إنَّما يكون بعد
(6)
الرِّياضة والمجاهدة، وزوالِ أحكام الطبيعة، وطولِ الوقوف في الباب.
(1)
ر: «باب الشعور» .
(2)
ش، د:«فإذا» .
(3)
«حتى» ساقطة من ش.
(4)
ر: «يقبض» .
(5)
ش، ر، المطبوع:«وعاءه» .
(6)
ر: «في» .
وهذا هو من علم اليقين، لا من عين اليقين، ولا من حقِّ اليقين، إذ لا سبيل إليهما في هذه الدار، فإنَّ عين اليقين مشاهدة، وحقَّ اليقين مباشرة. نعم، قد يكون حقُّ اليقين وعين اليقين في هذه الدُّنيا بالنِّسبة إلى الوجود الذِّهنيِّ وما يقوم بالقلوب فقط، ليس إلَّا، كما تقدَّم تقريره مرارًا. ونحن
(1)
لا تأخذنا في ذلك لومةُ لائمٍ، وهم لا تأخذهم في كون ذلك في العيان لومةُ لائمٍ، وهم عندنا صادقون ملبوسٌ عليهم، ونحن عندهم محجوبون عن ذلك غير واصلين إليه.
فإن استمرَّ على حاله واقفًا بباب مولاه، لا يلتفت عنه يمينًا ولا شمالًا، ولا يجيب غير من يدعوه إليه، ويعلم أنَّ الأمر وراء ذلك، وأنَّه لم يصل بعد، ومتى توهَّم أنَّه قد وصل انقطع وانقطع عنه المزيد= رُجي أن يفتح له فتحٌ آخر، هو فوق ما كان فيه، فيستغرق قلبُه في أنوار مشاهد الجلال بعد ظهور أنوار الوجود الحقِّ، ومحوِ وجوده هو. ولا تتوهَّم أنَّ وجود ذاته وصفاته يبطل، بل الذي يبطل: وجوده النفسانيُّ الطَّبْعيُّ، ويبقى له وجودٌ قلبيٌّ روحانيٌّ ملكيٌّ، فيبقى قلبُه سابحًا في بحرٍ من أنوار آثار الجلال، فتنبع الأنوار من باطنه كنبع الماء من العين، حتَّى يجد الملكوت الأعلى كأنَّه في باطنه وقلبه، ويجدَ قلبه عاليًا على ذلك كلِّه، صاعدًا إلى مَن ليس فوقه شيء.
ثمَّ يرقِّيه الله سبحانه، فيُشهده أنوارَ الإكرام بعد ما شهد أنوار الجلال، فيستغرق في نورٍ مِن أشعَّة الجمال. وفي هذا المشهد يذوق المحبَّة الخاصَّة الملهبة للأرواح والقلوب، فيبقى القلب مأسورًا في يد حبيبه ووليِّه، ممتحنًا بحبِّه.
(1)
ش، د:«فنحن» .
وإن شئت أن تفهم ذلك تقريبًا، فانظر إليك ــ أو إلى غيرك ــ وقد امتُحنتَ بصورةٍ بديعة الجمال ظاهرًا وباطنًا، فملكَتْ عليك قلبك وفكرك، وليلك ونهارك؛ فيحصل له
(1)
نارٌ من المحبَّة تتضرَّم
(2)
في أحشائه يقلُّ
(3)
معها الاصطبار، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
فيا له مِن
(4)
قلبٍ ممتحنٍ مغمورٍ مستغرقٍ بما ظهر له من أشعَّة أنوار الجمال الأحديِّ! والناس مفتونون ممتحنون بما يفنى من المال والصُّور والرِّياسة، معذَّبون بذلك قبل حصوله وحالَ حصوله وبعدَ حصوله، وأعلاهم مرتبةً من يكون مفتونًا بالحور العين، أو عاملًا على تمتُّعه في الجنَّة بالأكل والشُّرب واللِّباس والنِّكاح.
وهذا المحبُّ قد ترقَّى في درجات المحبَّة على أهل المقامات، ينظرون إليه في الجنَّة كما يُنظر إلى الكوكب الدُّرِّيِّ الغابر في الأفق لعلوِّ درجته وقربِ منزلته من حبيبه ومعيَّته معه، فإنَّ المرء مع من أحبَّ، ولكلِّ عملٍ جزاءٌ وجزاءُ المحبَّة: المحبَّةُ والوصولُ والاصطناع والقرب، فهذا هو الذي يصلح، وكفى بذلك شرفًا وفخرًا في عاجل الدُّنيا، فما ظنُّك بمقاماتهم العالية عند مليكٍ مقتدرٍ؟ كيف إذا رأيتهم في موقف القيامة، وقد أسمعهم المنادي: لينطلق كلُّ قومٍ مع ما كانوا يعبدون، فيبقَون في مكانهم ينتظرون معبودهم وحبيبهم الذي هو أحبُّ شيءٍ
(1)
كذا، على سبيل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة.
(2)
ر: «فتَضْرَم» .
(3)
ر: «يعزُّ» .
(4)
«من» ساقطة من ش، د.
إليهم، حتَّى يأتيهم فينظرون إليه، ويتجلَّى لهم ضاحكًا
(1)
.
والمقصود: أنَّ هذا العبد لا يزال اللهُ يرقِّيه طبقًا بعد طبقٍ، ومنزلًا بعد منزلٍ، إلى أن يوصله إليه ويمكِّن له بين يديه، أو يموتَ في الطريق فيقع أجرُه على الله. فالسعيد كلُّ السعيد، الموفَّقُ
(2)
كلَّ التوفيق
(3)
مَن لم يلتفت عن ربِّه تبارك وتعالى يمينًا ولا شمالًا، ولا اتَّخذ سواه ربًّا ولا وكيلًا، ولا حبيبًا ولا مدبِّرًا، ولا حكمًا ولا ناصرًا ولا رازقًا.
وجميع ما تقدَّم من مراتب الوصول إنَّما هو شواهدُ وأمثلة، إذا تجلَّت له الحقائق في الغيب ــ بحسب استعداده ولطفه ورقَّته ــ من حيث لا يراها= ظهر له من تجلِّيها شاهدٌ في قلبه، وذلك الشّاهد دالٌّ عليها ليس هو عينَها، فإنَّ نور الجلال في القلب ليس هو نور ذي الجلال في الخارج، فإنَّ ذلك لا تقوم له السماوات والأرض، ولو ظهر للوجود لتَدَكْدَك، لكنَّه شاهدٌ دالٌّ على ذلك، كما أنَّ المثل الأعلى شاهدٌ دالٌّ على الذات، والحقُّ وراء ذلك كلِّه، منزَّهٌ عن حلولٍ واتِّحادٍ وممازجةٍ لخلقه. وإنَّما تلك رقائق وشواهد تقوم بقلب العارف، تدلُّ على قرب الألطاف منه في عالم الغيب حيث لا يراها. وإذا فني فإنَّما يفنى بحال نفسه لا بالله ولا فيه، وإذا بقي فإنَّما يبقى بحاله هو ووصفه، لا ببقاء ربِّه وصفاته، ولا يبقى بالله إلَّا الله.
ومع ذلك فالوصول حقٌّ، يجد الواصل آثار تجلِّي الصِّفات في قلبه، وآثار تجلِّي الحقِّ في قلبه، ويُوقَف القلب فوق الأكوان كلِّها بين يدي الربِّ تعالى،
(1)
كما في حديث جابر عند مسلم (191/ 316).
(2)
ر: «والموفَّق» .
(3)
ر: «الموفَّق» .
وهو على عرشه
(1)
، ومن هناك يكاشَف بآثار الجلال والإكرام، فيجد العرش والكرسيَّ تحت مشهدِ قلبه حُكمًا، وليس الذي يجده تحت قلبه حقيقةً العرشَ والكرسيَّ، بل شاهدٌ ومثالٌ علميٌّ يدلُّ على قرب قلبه من ربِّه، وقرب ربِّه من قلبه؛ وبين الذَّوقين تفاوتٌ، فإذا قَرُب الربُّ تعالى من قلب عبده بقيت الأكوان كلُّها تحت مشهد قلبه، وحينئذٍ فتَطْلُع في أفقه شمسُ التوحيد، فينقطع بها ضبابُ وجوده ويضمحلُّ ويتلاشى، وذاتُه وحقيقته موجودةٌ بائنةٌ عن ربِّه، وربُّه بائنٌ عنه، فحينئذٍ يغيب العبد عن نفسه ويفنى، وفي الحقيقة هو باقٍ غيرُ فانٍ، ولكنَّه ليس في سرِّه غير الله، قد فني فيه كلُّ ما سواه.
نعم، قد يتَّفق له في هذه الحالة أن لا يجد شيئًا غير الله، فذلك لاستغراق قلبه في مشهوده وموجوده، ولو كان ذلك في نفس الأمر لكان العبد في هذه الحال خالقًا بارئًا مصوِّرًا أزليًّا أبديًّا.
فعليك بهذا الفرقان، واحذر فريقين هما أعدى عدوٍّ لهذا الشأن:
فريق الجهميَّة المعطِّلة التي ليس عندها فوق العرش إلَّا العدم المحض، فشمُّ رائحة هذا المقام من أبعد الأمكنة حرامٌ عليها.
وفريق أهل الاتِّحاد
(2)
القائلين بوحدة الوجود، وأنَّ العبد ينتهي في هذا السفر إلى أن يشهد وجوده هو عينَ وجودِ الحقِّ جل جلاله. وعيشُك بجهلك خيرٌ من معرفة هاتين الطائفتين، وانقطاعُك مع أهل الشهوات خيرٌ من سيرك معهما، والله المستعان وعليه التُّكلان.
فصل
قال الشّيخ
(1)
: (باب البقاء. قال الله تعالى: {وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 73]).
البقاء الذي يشير إليه القوم: هو صفة العبد ومقامه، والبقاء في الآية: هو بقاء الرّبِّ تعالى ودوام وجوده، وإنّما ذكره مؤمنو السَّحَرة في هذا المكان لأنّ عدوّ الله فرعون توعَّدهم على الإيمان بإتلاف حياتهم وإفناء ذواتهم، فقالوا له: وإن فعلتَ ذلك، فالّذي آمنّا به وانتقلنا من عبوديّتك إلى عبوديّته، ومن طلبِ رضاك والمنزلةِ
(2)
عندك إلى طلب رضاه والمنزلة عنده= خيرٌ منك وأدومُ، وعذابك ونعيمك ينقطع ويفرغ، وعذابه هو ونعيمه وكرامته لا ينقطع ولا يبيد، فكيف نُؤثِر المنقطع الفاني الأدنى على الباقي المستمرِّ الأعلى؟
ولكن وجه الإشارة بالآية أنّ الوسائل والتّعلُّقات والمحبّة والإرادة تابعةٌ لغاياتها ومحبوبها ومرادها، فمن كانت غاية محبّته وإرادته منقطعةً انقطع تعلُّقه عند انقطاعها، وذهب عمله وسعيه واضمحلّ. ومن كان مطلوبه وغايته باقيًا دائمًا لا زوالَ له ولا فناء، ولا يضمحلُّ ولا يتلاشى
(3)
= دام تعلُّقه ونعيمه به بدوامه. فالوسائل تابعةٌ للغايات، والتّعلُّقات تابعةٌ لمتعلَّقاتها، والمحبّة تابعةٌ للمحبوب، فليس المحبوب الذي يتلاشى ويضمحلُّ ويفنى كالمحبوب الذي كلُّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجهه، فالمحبُّ باقٍ
(1)
«المنازل» (ص 105).
(2)
ت: «والذلة» هنا وفيما يأتي.
(3)
زيد في ش، د فوق السطر:«بل» بخط مغاير، وهي زيادة يختل بها السياق.
ببقاء محبوبه، يَشْرُف بشرفه، ويعظُم خطَرُه بحسب محبوبه، ويستغني بغناه، ويقوى بقوّته، ويعزُّ بعزّته، ويعظُم شأنه في النُّفوس بخدمته وإرادته ومحبّته. تالله لولا حجاب الغفلة والعوائد والهوى والمخالفات لذاقَ القلب أعظمَ الألم بتعلُّقه بغير الحبيب الأوّل، وذاقَ أعظم اللّذّة والسُّرور بتعلُّقه به، فالله المستعان.
فصل
قال الشّيخ
(1)
: (البقاء: اسمٌ لما بقي قائمًا بعد فناء الشواهد وسقوطها).
في هذه العبارة تسامحٌ، وأرباب هذا الشأن هِمَمُهم المعاني، فهم يُسامحون في العبارات ما لا يسامح فيه غيرهم.
فالبقاء: هو الدّوام واستمرار الوجود، وهو نوعان: مقيّدٌ ومطلقٌ، فالمقيّد: البقاء إلى مدّةٍ، والمطلق: الدائم المستمرُّ لا إلى غايةٍ.
والبقاء أوضحُ من هذا الحدِّ الذي ذكره، ولكن لمَّا كان مراده البقاء الذي هو صفة العبد ومقامه، قال:(هو اسمٌ لما بقي بعد فناء الشواهد)، وهذا عامٌّ في سائر أنواع ما بقي العبد متَّصفًا به بعد فناء الأدلَّة والآثار التي دلَّتْه على الحقيقة.
و «الشّواهد» عنده هي الرُّسوم كلُّها، وربّما يراد بها معالم الشُّهود
(2)
، وهو الذي عناه فيما تقدّم، فإذا جعلت الشّواهد هاهنا معالم الشُّهود كان المعنى: أنّ المعالم تُوصِل إلى الشُّهود، ويبقى الشُّهود قائمًا بعد فناء معالمه.
(1)
«المنازل» (ص 105).
(2)
في هامش ت: «المشهود» .
وحقيقة الأمر
(1)
أنّ الحقّ سبحانه يُفنيهم عمّا سواه ويُبقيهم به، وما سواه هو المعالم والرُّسوم.
قال
(2)
: (وهو على ثلاث درجاتٍ: بقاء المعلوم بعد سقوط العلم عينًا
(3)
لا علمًا، وبقاء المشهود بعد سقوط الشُّهود وجودًا لا نعتًا، وبقاء ما لم يزل حقًّا بإسقاط ما لم يكن مَحْوًا).
قلت: أمَّا بقاء المعلوم بعد سقوط العلم، فقد يظهر في بادئ الأمر امتناعه، إذ كونه معلومًا ــ مع سقوط العلم به ــ جمعٌ بين النقيضين، فكأنّه معلومٌ غير معلومٍ، فإنّ المعلوم لا يكون معلومًا إلّا بالعلم، فكيف يكون معلومًا مع سقوطه؟
وجواب هذا أنَّ هاهنا أمرين:
أحدهما: وجود صورة المعلوم في قلب العالم، وإدراكه لها، وشعوره بها.
والثاني: علمه بعلمه وشعوره، وهو أمرٌ وراء حضور تلك الصُّورة. وهذا في سائر المدارك، فقد يرى الرّائي الشيء ويسمعه ويَشَمُّه، ويغيب عن علمه وشعورِه بصفة نفسه التي هي إدراكه، فيغيب بمدركه عن إدراكه، وبمعلومه عن علمه به، وبمرئيِّه عن رؤيته.
فإن قلت: أوضِحْ لي هذا لينجلي فهمه.
(1)
ش، د:«وحقيقته الا» .
(2)
«المنازل» (ص 105).
(3)
ر: «عيانا» .
فاعلم أنّ هاهنا مُدْرَكًا معلومًا، وقوَّةً مُدرِكةً له إذا تعلَّقتْ به صار معلومًا مُدْرَكًا، فيتولَّد من بين الأمرين حالةٌ ثالثةٌ، تُسمّى الشُّعور والعلم والإدراك.
مثال ذلك: ما يدركه بحاسّة الذوق والشمِّ، فإنّه لابدَّ من وجود المُدْرَك المَذُوق المشموم، ولابدَّ من قوَّةٍ في الآلة والمحلِّ المخصوص تقابل المدرَك وتتعلَّق به، فيتولّد من بين الأمرين كيفيّة الشمِّ والذوق. وكذلك في الملموس والمسموع والمرئيِّ، فتمام الإدراك أن يحيط علمًا بهذه الأمور الثلاثة، فيشعُر بالمُدْرَك وبالقوَّة المدرِكة وبحالة الإدراك، فإذا استغرق القلب في شهود المعلوم غاب به عن شهود القوَّة التي بها يعلم وعن حالة العلم.
ومثَّل هذا برجلٍ أدرك بلمسه ما التذّ به أعظمَ لذّةٍ حصلت له، فاستغرقته تلك اللذَّة عمَّا سواها، فأسقطتْ شعورَه بها دون وجودها، ولهذا قال الشيخ:(بقاء المعلوم بعد سقوط العلم عينًا لا علمًا)، فعينًا حالٌ من البقاء لا من السُّقوط، أي بقاؤه وجودًا لا نعتًا، فإنّه في مرتبة العلم باقٍ نعتًا ووصفًا، وفي هذه المرتبة باقٍ وجودًا وعينًا لا علمًا مجرَّدًا.
وهذا وجهٌ ثانٍ في كلامه أنّه يبقى وجوده وعينه لا مجرّد العلم به، فالعلم به لم يُعدَم، ولكن انتقل العبد من وجود العلم إلى وجود المعلوم.
وكذلك قوله في الدرجة الثانية: (وبقاء المشهود بعد سقوط الشُّهود وجودًا لا نعتًا)، الشُّهود فوق العلم لأنّه علم عيانٍ، فينتقل من مجرّد الشُّهود إلى الوجود، فيبقى المشهود موجودًا له بعد أن كان مشهودًا، ومرتبة الوجود فوق مرتبة الشُّهود، فإنّ الوجود حصولٌ ذاتيٌّ، والشُّهود حصولٌ علميٌّ وإن كان فوق العلم.
وقوله في الدرجة الثالثة: (وبقاء ما لم يزلْ حقًّا بإسقاط ما لم يكن مَحْوًا)، أي يغلب على القلب سلطانُ الحقيقة ونورُ الجمع، حتَّى ينطمس من قلبه أثرُ المخلوقات كما ينطمس نور الكواكب بطلوع الشمس، ويبقى فيه تعظيمُ من لم يزل وذكره وحبُّه، والاشتغال به لا بغيره.
فالدرجة الأولى: بقاءٌ في مرتبة العلم، والثانية: بقاءٌ في مرتبة الشُّهود، والثالثة: بقاءٌ في مرتبة الوجود، فهذا وجهٌ.
ويمكن شرح كلامه على وجهٍ آخر، وهو: أنّ المعلوم يسقط شهود العلم، فالعلم يسقط والمعلوم يثبت، فالعبد إذا بقي بعد الفناء سقط علمه في مشهد عيانه بحيث تبقى مرتبة العلم عيانًا، فيسقط العلم بالعيان بحيث يصير عينًا لا علمًا، فإذا نظرتَ إلى العلم باعتبار العين ــ وهي حضرة الجمع ــ سقط العلم، وإذا نظرتَ إليه باعتبار الفرق
(1)
لم يسقط، فسقوطه في حضرة الجمع، وثبوته في مقام الفرق.
وقوله: (وبقاء المشهود بعد سقوط الشُّهود وجودًا) يعني: بقاء الحقِّ الذي هو المشهود بعد سقوط الشُّهود الذي هو المخلوق، فإنَّ المشهود صفة المشاهِد
(2)
، والمشاهِد
(3)
وصفاته مخلوقٌ، ومشهوده سبحانه غير مخلوقٍ، كما أنّ علمه وذكره ومعرفته مخلوقةٌ، والمعلوم المذكور المعروف سبحانه غير مخلوقٍ، وإذا كان الموصوف قد فني فصفاته تابعةٌ له في الفناء، فيفنى شهوده ويبقى مشهوده.
(1)
«باعتبار الفرق» ليست في ش، د.
(2)
ت: «الشاهد» .
(3)
ت، ر:«والشاهد» .
وقوله: (وجودًا لا نعتًا)، أي سقط وجود شهوده، لا نعتُه والإخبار عنه
(1)
.
وقوله: (وبقاء ما لم يزل حقًّا بإسقاط ما لم يكن مَحْوًا) يوضِّح المراد من الدرجتين اللَّتين قبله، ومعناه: بقاء الحقِّ وفناء المخلوق، والحقُّ سبحانه لم يزلْ باقيًا، فلم يتجدّد له البقاء، والفناء المتعلِّق بالمخلوق هو فناؤهم في شهود المشاهد، ومحْوُ رسومهم من قلبه بالكلِّيّة، لا فناؤهم في الخارج.
وحاصل ذلك: أن تفنى من قلبك إرادةُ السِّوى وشهودُه والالتفاتُ إليه، وتَبقى فيه إرادةُ الحقِّ وحدَه وشهودُه، والالتفاتُ بالكلِّيّة إليه، والإقبالُ بجمعيَّتك عليه. فحولَ هذا يُدندِن العارفون، وإليه شَمَّر السّالكون، وإن وسَّعوا له العبارات، وصرَّفوا له القول، والله أعلم.
* * * *
(1)
«عنه» ليست في ت.
فصل
قال
(1)
: (باب التحقيق. قال الله تعالى: {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260]. التحقيق: تلخيص مصحوبك
(2)
من الحقِّ، ثمّ بالحقِّ، ثمّ في الحقِّ، وهذه أسماء درجاته الثلاث).
وجه تعلُّقه بإشارة الآية: أنَّ إبراهيم صلى الله عليه وسلم طلب الانتقال من الإيمان بالعلم بإحياء الله الموتى إلى رؤية تحقيقه عيانًا، فطلب ــ بعد حصول العلم الذِّهنيِّ ــ تحقيقَ الوجود الخارجيِّ، فإنَّ ذلك أبلغُ في طمأنينة القلب. ولمّا كان بين العلم والعيان منزلةٌ أخرى قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:«نحن أحقُّ بالشكِّ من إبراهيم إذ قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} [البقرة: 260]»
(3)
. وإبراهيم لم يشكَّ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشكَّ، ولكن أوقع اسم «الشّكِّ» على المرتبة العلميَّة باعتبار التفاوت الذي بينها وبين مرتبة العيان في الخارج.
وباعتبار هذه المرتبة يسمَّى العلم اليقينيُّ
(4)
ــ قبل مشاهدة معلومه ــ ظنًّا، قال تعالى:{الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 46]. وقال تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ} [البقرة: 249]. وهذا الظّنُّ علمٌ جازمٌ، كما قال تعالى:{اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ} [البقرة: 223].
(1)
«المنازل» (ص 105).
(2)
ت: «مطلوبك» .
(3)
أخرجه البخاري (3372) ومسلم (151) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
ت، ر:«اليقين» .
لكن بين الخبر والعيان فرقٌ. وفي «المسند»
(1)
مرفوعًا: «ليس المُخْبَر كالمعاين» . ولهذا لمَّا أخبر الله موسى أنَّه قد فَتَن قومَه وأنَّ السامريَّ أضلَّهم، لم يحصل له من الغضب والكيفيّة وإلقاء الألواح ما حصل له عند مشاهدة ذلك.
إذا عُرِف
(2)
هذا فقوله: (التحقيق: تلخيص مصحوبك من الحقِّ) ، هاهنا أربعة ألفاظٍ بتفسيرها يُفهَم مراده إن شاء الله.
أحدها: لفظ «التحقيق» ، وهو تفعيلٌ من حقَّق الشّيء يحقِّقه تحقيقًا، فهو مصدرٌ فعلُه حقَّق الشّيء، أي أثبته وخلَّصه من غيره.
الثّانية: لفظ «التلخيص» ، ومعناها: تخليص الشّيء من غيره، فخلَّصه ولخَّصه يشتركان لفظًا ومعنًى، وإن كان «التّلخيص» أغلب على ما في الذِّهن، والتّخليص أغلب على ما في الخارج. فالتلخيص: تخليص الشّيء في الذِّهن بحيث لا يدخل فيه غيره، والتخليص: إفراده في الخارج عن غيره.
الثّالثة: «المصحوب» ، وهو ما يصحب الإنسان في قصده ومعرفته من معلومٍ ومرادٍ.
الرّابعة: «الحقُّ» ، وهو الله سبحانه، وما كان مُوصِلًا إليه مُدْنِيًا للعبد من رضاه.
(1)
رقم (1842، 2447) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، ولفظه:«ليس الخبر كالمعاينة» . وأخرجه أيضًا البزار (5062، 5063). وصححه ابن حبان (6213، 6214)، والحاكم (2/ 321).
(2)
ت: «عرفت» .
إذا عُرِف هذا، فالمصحوب للعبد من الحقِّ هو معرفته ومحبّته وإرادة وجهه، وما يستعين به على الوصول إليه، وما هو محتاجٌ إليه في سلوكه. فتحقيق ذلك هو تخليصه من المُفسِدات القاطعة عنه، الحائلة بين القلب وبين الوصول إليه، وتحصينه من المخالطات، وتجريده من المُشَوِّشات، فإنَّ تلك قواطعُ له عن مصحوبه الحقِّ، وهي نوعان لا ثالث لهما: عوارضُ محبوبةٌ، وعوارضُ مكروهةٌ.
فصاحبُ مقامِ التحقيق لا يقف مع العوارض المحبوبة، فإنّها تقطعه عن مصحوبه ومطلوبه، ولا مع العوارض المكروهة، فإنّها قواطعُ أيضًا، ويتغافل عنها ما أمكنه، فإنّها تمرُّ بالمكاسرة والتغافل مرًّا سريعًا، ولا يوسِّع دوائرها، فإنّه كلمّا وسَّعها اتَّسعَتْ، ووجدت مجالًا فسيحًا فصالَتْ فيه وجالَتْ، ولو ضيَّقَها بالإعراض والتّغافل لاضمحلَّتْ وتلاشَتْ. فصاحبُ مقام التّحقيق ينساها وَيطمِسُ آثارها، ويعلم أنّها جاءت بحكم المقادير في دار المِحَن والآفات.
قال لي شيخ الإسلام مرَّةً: العوارض والمِحَن هي كالحرِّ والبرد، فإذا علم العبد أنّه لابدَّ منهما لم يغضَبْ لورودهما، ولم يغتمَّ لذلك ولم يحزن
(1)
له.
فإذا صبر العبد على هذه العوارض ولم ينقطع بها رُجِيَ له أن يصل إلى مقام التحقيق، فيبقى مع مصحوبه الحقِّ وحده، فتتهذَّب نفسُه، وتطمئنُّ مع
(1)
ش، د:«ولم يحرز» .
الله، وتنفطم عن عوائد السُّوء، حتّى تَغْمُر
(1)
محبّة الله قلبَه وروحَه، وتتعوَّد جوارحه متابعةَ الأوامر، فيحسُّ حينئذٍ قلبه بأثر معيّة الله معه وتولِّيه له، فيبقى في حركاته وسكناته بالله لا بنفسه، وترِدُ على قلبه التعريفات الإلهيّة، وذلك إنّما يكون في منزل
(2)
البقاء بعد الفناء، والظّفر بالمحبّة الخاصّة، ومشهدِ الإلهيّة والقيُّوميّة والفردانيّة، فإنَّ على هذه المشاهد الثّلاث مدارَ المعرفة والوصول.
والمقصود: أنَّ صاحب مقام «التحقيق» يعرف الحقّ، ويُميِّز بينه وبين الباطل، فيتمسَّك بالحقِّ ويُلغِي الباطل، فهذه رتبةٌ. ثمّ يتبيَّن له أنَّ ذلك ليس به، بل بالله وحده؛ فيتبرأ حينئذٍ من حوله وقوّته، ويعلم أنّ ذلك بالحقِّ. ثمّ يتمكّن في ذلك المقام، ويرسخ فيه قلبه، فيصير تحقيقه بالله وفي الله.
ففي الأوّل: تخلَّص له مطلوبه من غيره، وتجرَّد له من سواه.
وفي الثّاني: تخلَّص له إضافتُه إلى غيره، وأن يكون بسواه سبحانه.
وفي الثّالث: تجرَّد له شهوده وقصودُه وإرادته، بحيث صارت في مطلوبه.
فالأوّل: سفرٌ إلى الله، والثاني: سفرٌ بالله، والثالث: سفرٌ في الله.
وإن أشكل عليك معنى السفر فيه والفرق بينه وبين السفر إليه= ففرِّقْ بين حال العابد الزاهد السائر إلى الله ولم يُفتَح له في الأسماء والصِّفات والمعرفة الخاصّة والمحبة الخاصّة، وبين حال العارف الذي قد كُشِف له
(1)
ت: «تعم» .
(2)
ت: «منزلين» .
من معرفة الأسماء والصِّفات والفقه فيها ما حُجِب عن غيره.
قوله
(1)
: (أمّا الدّرجة الأولى ــ وهي تلخيص مصحوبك من الحقِّ ــ: فأن لا يخالج علمُك علمَه).
يعني: أنّك كنتَ تنسبُ العلمَ إلى نفسك قبل وصولك إلى مقام التّحقيق، ففي حالة التّحقيق تعود فتنسبُه إلى معلِّمه ومعطيه الحقِّ. ولعلّ هذا معنى قول الرُّسل ــ صلوات الله وسلامه عليهم ــ إذا جمعهم الرّبُّ تعالى وقال:{مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا} [المائدة: 109]. قيل: قالوه تأدبًا معه سبحانه، إذ ردُّوا العلم إليه. وقيل: معناه لا علم لنا بحقيقة الباطن، وإنّما أجابنا من أجابنا ظاهرًا، والباطن غيبٌ، وأنت علّام الغيوب.
والتّحقيق ــ إن شاء الله ــ: أنّ علومهم تلاشَتْ في علمه سبحانه واضمحلَّتْ، فكانت بالنِّسبة إليه كلا علمٍ، فردُّوا العلم كلَّه إلى وليِّه وأهله ومن هو أولى به، فعلومهم وعلوم الخلائق جميعهم في جنب علمه كنَقْرة عصفورٍ من بحار العالم.
و «المخالجة» المنازعة.
قوله
(2)
: (وأمّا الدّرجة الثّانية: فأن لا يُنازِع شهودُك شهودَه).
هذا قريبٌ من المعنى الأوّل، والمعنى: أنّ الشُّهود الذي كنت تنسبُه إلى نفسك قبل الفناء تصير بعدَه تنسبُه إليه تعالى، لا إليك.
(1)
«المنازل» (ص 105).
(2)
«المنازل» (ص 105).