المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصلقوله: (والصعود عن منازعات العقول) - مدارج السالكين - ط عطاءات العلم - جـ ٤

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌ الدّرجة الأولى: سرورُ ذوقٍ ذهبَ بثلاثة أحزانٍ:

- ‌الحزن الأوّل: حزنٌ أورثَه خوفُ الانقطاع

- ‌الحزن الثّالث: (حزنٌ بعثَتْه وحشةُ التّفرُّق)

- ‌(الدّرجة الثّانية: سرورُ شهودٍ، كشَفَ حجابَ العلم

- ‌(الدّرجة الثّالثة: سرورُ سماع الإجابة

- ‌ منزلة(1)السِّرِّ

- ‌ الثانية: صفاء القصد

- ‌ الثّالثة: صحّة السُّلوك

- ‌الطّبقة الثّالثة: طائفةٌ أسرَهم الحقُّ عنهم

- ‌النّفَس الثاني: نفَسٌ في حين التجلِّي

- ‌النّفَس الثّالث: نفَسٌ مطهّرٌ بماء القدس

- ‌ الدّرجة الأولى: الغربة عن الأوطان

- ‌(الدّرجة الثّانية: غُربة الحال

- ‌(الدّرجة الثّالثة: غُربة الهمّة

- ‌ الدّرجة الأولى: استغراق العلم في عين الحال

- ‌(الدّرجة الثّانية: استغراق الإشارة في الكشف

- ‌(الدّرجة الثّالثة: استغراق الشّواهد في الجمع

- ‌(الدّرجة الثّانية:

- ‌(الدّرجة الثّالثة:

- ‌ الدّرجة الأولى: تمكُّن المريد

- ‌(الدّرجة الثّانية: تمكُّن السّالك

- ‌(الدّرجة الثّالثة: تمكُّن العارف

- ‌ الدّرجة الأولى: مكاشفةٌ تدلُّ على التّحقيق الصّحيح

- ‌ الدّرجة الأولى: مشاهدة معرفةٍ

- ‌(الدرجة الثانية: مشاهدة معاينةٍ

- ‌(الدّرجة الثّالثة: مشاهدة جَمْعٍ

- ‌ الحياة الأولى: حياة العلم من موت الجهل

- ‌المرتبة الأولى: حياة(2)الأرض بالنّبات

- ‌المرتبة الثانية: حياة النُّموِّ والاغتذاء

- ‌المرتبة السّادسة: حياة الإرادة والهمّة والمحبة

- ‌ سببُ تخلُّفِ النّفس عن طلب هذه الحياة

- ‌(الحياة الثّانية: حياة الجمع من موت التّفرقة

- ‌(الحياة الثّالثة: حياة الوجود. وهي حياةٌ بالحقِّ

- ‌(الدرجة الثانية: اتِّصال الشُّهود

- ‌(الدرجة الثالثة: اتِّصال الوجود

- ‌(الثاني: انفصالٌ عن رؤية الانفصال

- ‌(الثالث: انفصالٌ عن اتِّصال

- ‌ الدرجة الأولى: معرفة الصِّفات والنُّعوت

- ‌ الفرق بين الصِّفة والنّعت

- ‌ كلُّ شركٍ في العالم فأصله التعطيل

- ‌القاعدة الثالثة: تعريف الحال بعد الوصول

- ‌الثالث: عدم تشبيهها بما للمخلوق

- ‌(الدرجة الثانية: معرفة الذات، مع إسقاط التفريق بين الصِّفات والذات

- ‌(الدرجة الثالثة: معرفةٌ مستغرقةٌ في محض التعريف

- ‌ الدرجة الأولى:

- ‌(الدرجة الثانية:

- ‌(الدرجة الثالثة:

- ‌(الدّرجة الثّالثة: أن لا يُناسِمَ رسمُك سبْقَه)

- ‌الثاني: وجود الحقِّ وجود عينٍ»

- ‌الثالث: وجود مقام اضمحلال رسمِ الوجود فيه

- ‌(الدّرجة الأولى: تجريد عين الكشف عن كسب اليقين)

- ‌(الدرجة الثانية: تجريد عين الجمع عن درك العلم)

- ‌(الدرجة الثالثة: تجريد الخلاص من شهود التجريد)

- ‌ تفريد الإشارة بالحقِّ

- ‌«الجمع» ينقسم إلى صحيح وباطل

- ‌المسألة الثّانية: قوله: (ويوجد بتبصير الحقِّ)

- ‌المسألة الثّالثة: قوله: (وينمو على مشاهدة الشّواهد)

- ‌الالتفاتُ إلى الأسباب ضربان: أحدهما شركٌ، والآخر عبوديّةٌ وتوحيدٌ

- ‌فصلقوله: (والصُّعود عن منازعات العقول)

الفصل: ‌فصلقوله: (والصعود عن منازعات العقول)

ذلك. الثّاني: تركُ ما أمرَ به من الأسباب، وهذا أيضًا قد يكون كفرًا وظلمًا وبين ذلك.

بل على العبد أن يفعل ما أمرَه به من الأسباب، ويتوكَّل عليه توكُّلَ مَن يعتقد أنّ الأمر كلَّه بمشيئة الله، سَبق به علمُه وحكمُه، وأنَّ السَّببَ لا يضرُّ ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، ولا يقضي ولا يحكم، ولا يحصِّل للعبد ما لم تسبق به المشيئةُ الإلهيّةُ، ولا يَصرِفُ عنه ما سبق به الحكمُ والعلمُ. فيأتي بالأسباب إتيانَ من لا يرى النّجاة والفلاح والوصول إلّا بها، ويتوكَّلُ على الله توكُّلَ من يرى أنّها لا تُنجيه، ولا تحصِّل له فلاحًا، ولا تُوصله إلى المقصود. فيجرِّد عزمَه للقيام بها حرصًا واجتهادًا، ويُفرغ قلبه من الاعتماد عليها والرُّكون إليها تجريدًا للتّوكُّل، واعتمادًا على الله وحده.

وقد جمع النّبيُّ صلى الله عليه وسلم بين هذين الأصلين في الحديث الصّحيح، حيث يقول:«احرِصْ على ما ينفعك، واستعِنْ بالله، ولا تعجِزْ»

(1)

. فأمرَه بالحرص على الأسباب، والاستعانة بالمسبِّب. ونهاه عن العجز، وهو نوعان: تقصيره في الأسباب وعدمُ الحرص عليها، وتقصيره في الاستعانة بالله وتركُ تجريدها. فالدِّينُ كلُّه ــ ظاهره وباطنه، شرائعه وحقائقه ــ تحت هذه الكلمات النّبويّة.

‌فصل

قوله: (والصُّعود عن منازعات العقول)

. هذا حقٌّ، ولا يتمُّ التَّوحيدُ ولا

(1)

جزء من حديث أخرجه مسلم (2664) عن أبي هريرة.

ص: 525

الإيمان إلّا به، فما أفسد أديانَ الرُّسل إلّا أربابُ منازعات العقول التي

(1)

ينازعهم معقولُهم في التَّصديق بما جاءت به الرسل، وإثباتِ ما أثبتوه، ونفيِ ما نفوه، فنازعت عقولهم ذلك، فتركوا لتلك المنازعات ما جاءت به الرُّسَل، ثمّ عارضوهم بتلك المعقولات، وقدَّموها على ما جاؤوا به، وقالوا: إذا تعارضت عقولنا وما جاءت به الرُّسلُ قدَّمنا ما حكمت به عقولُنا على ما جاؤوا به. وقد هلك بهؤلاء طوائفُ لا يحصيهم إلّا الله، وانسلخوا بسببهم من أديان جميع الرُّسل.

قوله: (ومن التّعلُّق بالشَّواهد) كلامٌ فيه إجمالٌ. فالشَّواهد هي الأدلّة والآيات، فتركُ التّعلُّق بها انسلاخٌ عن العلم والإيمان بالكلِّيّة. والتّعلُّقُ بها وحدها دونَ من نصَبها شواهدَ وأدلّةً انقطاعٌ عن الله وشركٌ في التّوحيد. والتّعلُّقُ بها استدلالًا ونظرًا في آيات الرَّبِّ ليصل بها إلى الله هو التّوحيد والإيمان.

وأحسَنُ ما يُحمَل عليه كلامه: أنّه يصعد عن الوقوف معها، فإنّها وسائل إلى المقصود، فلا ينقطع بالوسيلة عن المقصود. وهذا حقٌّ، لكنَّ قوله:(وهو أن لا يشهد في التّوحيد دليلًا) يكدِّر هذا المعنى ويشوِّشه، وليس بصحيحٍ. بل الواجبُ: أن يشهد الأمر كما يُشهده الله، فإنَّ الله سبحانه نصبَ الأدلّةَ على التّوحيد وأقام البراهينَ وأظهر الآياتِ، وأمرَنا أن نشهد الأدلّة والآيات وننظر فيها ونستدلَّ بها. ولا يجتمع هذا الإثباتُ وذاك النّفيُ البتّة. والمخلوقاتُ كلُّها آياتٌ للتّوحيد، وكذلك الآياتُ المتلوَّةُ أدلّةٌ على التَّوحيد، فكيف لا أشهدُها دليلًا عليه؟ هذا من أبطل الباطل. بل التَّوحيدُ كلُّ التّوحيد

(1)

كذا في النسخ بدلًا من «الذين» .

ص: 526

أن يشهد كلَّ شيءٍ دليلًا عليه مرشدًا إليه، ومعلومٌ أنَّ الرُّسلَ أدلّةٌ للتّوحيد، فكيف لا أشهدهم كذلك؟ وكيف يجتمع الإيمانُ بهم وعدمُ شهودهم أدلّةً للتّوحيد؟

فانظر ماذا أدّى إليه إنكارُ الأسباب، والسُّلوكُ على درب الفناء في توحيد الأفعال! فهذا هو مقتضاه وطرده، وإلّا تناقض أصحابه. وقد قال تعالى لرسوله:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]. وقال: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: 7]. والهادي: هو الدّليل الذي يدلُّ بهم في الطّريق إلى الله والدّار الآخرة.

ولا يناقض هذا قوله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] وقولَه: {فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [فاطر: 8] فإنّ الله سبحانه تكلّم بهذا وهذا

(1)

. فرسُلُه الهُداةُ هدايةَ الدّلالة والبيان، وهو الهادي هدايةَ التّوفيق والإلهام. فالرُّسلُ هم الأدلَّاءُ حقًّا، والله سبحانه هو الموفِّقُ الملِهمُ الخالقُ للهدى في القلوب.

قوله: (ولا في التّوكُّل سببًا) يريد: أنّك تجرِّد التّوكُّلَ عن الأسباب. فإن أراد تجريده عن القيام بها فباطلٌ، كما تقدّم، وإن أراد تجريدَه عن الرُّكون إليها والوثوق بها فهو حقٌّ. وإن أراد تجريده عن شهودها فشهودُها على ما هي عليه أكمل، ولا يقدح في التَّوحيد بوجهٍ ما.

وكذلك قوله: (ولا في النّجاة وسيلةٌ) إنّما يصحُّ على وجهٍ واحدٍ، وهو أن لا يشهد حصول النّجاة بمجرَّد الوسائل من الأعمال والأسباب. وأمّا إلغاءُ

(1)

ت: «وبهذا» .

ص: 527

كونها وسائل، فباطلٌ مخالفٌ للشَّرع والعقل. وأمّا عدمُ شهودها وسائل، مع اعتقاد

(1)

كونها وسائل

(2)

، فليس بكمالٍ. وشهودُها وسائل ــ كما جعلها الله سبحانه ــ أكمَلُ مشهدًا، وأصحُّ

(3)

طريقًا، وبالله التّوفيق.

وقد بيّنَّا ــ فيما تقدَّم ــ أنّ الكمال: أنَّ تشهد العبوديّةَ وقيامَك بها، وتشهد أنّها من عين المنّة

(4)

والفضل، وتشهد المعبودَ؛ فلا تغِبْ بشهوده عن شهود أمره، ولا تغِبْ بشهود أمره عن شهوده، ولا تَغِبْ بشهوده وشهود أمره عن شهود فضله ومنّته وتوفيقه، وشهود فقرك وفاقتك وأنّك به لا بك.

وقد خرج النّبيُّ صلى الله عليه وسلم يومًا على حلقةٍ من أصحابه، وهم يتذاكرون، فقال:«ما أجلسكم؟» . قالوا: جلسنا نذكر

(5)

ما منَّ الله به علينا وهدانا بك إلى الإسلام. فقال: «آللهِ، ما أجلَسَكم إلّا ذلك؟» قالوا: آللهِ ما أجلَسَنا إلّا ذلك. فقال: «أمَا إنِّي لم أستحلفكم تهمةً لكم، ولكنَّ الله يباهي بكم الملائكة»

(6)

. ولم يقل لهم: لا تشهدوا في التّوحيد دليلًا، ولا في النّجاة وسيلةً؛ بل كان من أسباب مباهاة الله بهم ملائكته: شهودُهم سببَ التّوحيد، ووسيلةَ النّجاة، وأنّها من منِّ الله عليهم وفضله، كما قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ

(1)

ت: «اعتبار» .

(2)

بعدها في ش، د زيادة:«للشرع» .

(3)

ش، د:«أوضح» .

(4)

ت: «المشيئة» ، تصحيف.

(5)

ت: «نتذاكر» .

(6)

تقدَّم تخريجه (ص 215).

ص: 528

الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: 164]. فكيف يكون كمالُهم في أن لا يشهدوا الدَّليلَ الذي يزكِّيهم ويعلِّمهم ويهديهم، ويسقطونه من الشُّهود والسَّببيّة؟

قوله: (فيكون شاهدًا سبقَ الحقِّ بعلمه وحكمه، ووضعِه الأشياء مواضعها، وتعليقهِ إيّاها بأحايينها، وإخفائه إيّاها في رسومها).

ليس

(1)

الشُّهود هاهنا متعلِّقًا بمجرّد أزليّة الرَّبِّ تعالى وتقدُّمه على كلِّ شيءٍ فقط، بل متعلِّقٌ بسبق العلم والتَّقدير، فيرى الأشياء بعين سوابقها، وقد تقرَّرت هناك في علم الرَّبِّ وتقديره، فينظر إليها هناك إذا نظر إليها النَّاس هاهنا، فيتجاوز نظرُه نظرَهم، فيغلب شهودُ السَّوابق على ملاحظة اللَّواحق، فيشهد تفرُّدَ الرَّبِّ وحده حيث لا موجود

(2)

سواه، وقد علم الكوائنَ وقدَّر مقاديرها، ووقَّت مواقيتها، وقرَّرها على مقتضى علمه وحكمته. وقد سبق العلمُ المعلومَ، والقدرُ المقدورَ، والإرادةُ المرادَ، فيرى الأشياءَ كلَّها ثابتةً في علم الحقِّ سبحانه وحكمِه قبل وجود العوالم. فأيَّ وسيلةٍ يشهد هناك؟ وأيَّ سببٍ؟ وأيَّ دليلٍ؟

هذا الذي يدندن الشَّيخُ حوله؛ وقد عرفتَ أنَّ العلمَ والحكمَ سبَقَ بوجود المسبَّبات عن أسبابها وارتباطها بوسائلها وأدلّتها، كما سبَقَ العلمُ والحكمُ بوجود الولد عن أبويه، والمطرِ عن السَّحاب، والنَّباتِ عن الماء، والإزهاقِ عن القتل، وأسبابِ الموت= فهذه هي المشاهدة الصَّحيحةُ، لا إسقاطُ الأسباب والوسائل والأدلّة.

(1)

ت: «أي ليس» بزيادة «أي» .

(2)

ت: «موجد» .

ص: 529

قوله: (ووضعِ الأشياء مواضعَها، وتعليقِها بأحايينها، وإخفائها في رسومها)، هذه ثلاثة أشياء: المكان، والزَّمان، والمادَّة، التي لابدَّ لكلِّ مخلوقٍ منها؛ فإنَّ المخلوقَ لابدَّ له من زمانٍ يوجد فيه، ومكانٍ يستقرُّ فيه، ومادّةٍ يوجد بها؛ فأشار إلى الثَّلاثة. فالمواضع: الأمكنة. والأحايين: الأزمنة. والرُّسوم: الموادُّ

(1)

الحاملة لها. والرُّسوم: هي الصُّور الخلقيّة. وكأنّ الشَّيخ أراد بها هاهنا الأسباب، وأنّ الله سبحانه غطّى حقائق الأشياء عن أبصار الخلق بما يشاهدونه من تعلُّق المسبَّبات بأسبابها، فنسبوها إليها. فصاحبُ هذه الدّرجة شهِد كيف أظهر الرّبُّ سبحانه الأشياء في موادِّها وصورها، وأظهَرَها بأسبابها، وأخفى علمه وحكمه فيما أظهره من ذلك. فالظُّهور: للأسباب المشاهدة، والحقيقة للعلم والحكم السَّابقين.

قوله: (ويحقِّق معرفة العلل)، يريد أنَّ هذا التَّوحيدَ يحقِّق لصاحبه معرفة علل الأحوال والمقامات والأعمال. وهي عبارةٌ عن عوائق السّالك من نظرِه إلى السِّوى، والتفاته إليه. فهذه الدّرجةُ من التّوحيد عنده تحقِّق معرفة هذه العلل.

ويحتمل أن يريد بالعلل: الأسبابَ التي رُبطت بها الأحكام. فصاحبُ هذه الدّرجة يعرف حقيقتها ومرتبتها

(2)

كما هي عليه، لأنّه قد صعد منها إلى مسبِّبها وواضعها.

قوله: (ويسلك سبيل إسقاط الحدث)، يريد أنّه في هذا الشُّهود وهذه

(1)

ش، د:«والمواد» .

(2)

ت: «ترتيبها» .

ص: 530

الملاحظة المذكورة سالكٌ سبيلَ الذين شهدوا عينَ الأزل، فنفى عنهم شهودَ الحدث. وذلك بالفناء في حضرة الجمع، فإنّها هي التي يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل.

فإن أراد بإسقاط الحدَث أنّه يعتقد نفيَ حدوثِ شيءٍ، فهذا مكابرةٌ للحسِّ والشُّهود. وإن أراد إسقاطَ الحدث من قلبه، فلا يشهد مُحْدَثًا ــ وهذا مراده ــ فهذا خلاف ما أُمِر به وخلافُ الحقِّ، فإنَّ العبدَ مأمورٌ أن يشهد: أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدًا رسول الله، ويشهد أنّ الجنَّة حقٌّ، والنَّارَ حقٌّ، والسَّاعةَ حقٌّ، والنَّبيِّين حقٌّ؛ ويشهد حدوثَ المحدَثات بإحداث الرَّبِّ تعالى لها بمشيئته وقدرته، وبما خلقه من الأسباب، ولما خلقه من الحكم. ولم يُؤمَر العبد ــ بل لم يُرَدْ منه ــ أن لا يشهد حادثًا ولا حدوثَ شيءٍ. وهذا لا كمال فيه ولا معرفة، فضلًا عن أن يكون غايةَ العارف وتوحيدَ الخاصَّة. والقرآنُ ــ من أوّله إلى آخره ــ صريحٌ بخلافه، فإنّه أمرَ بشهود الحادثات والكائنات، والنّظر فيها، والاعتبار بها، والاستدلال بها على وحدانيّة الله سبحانه وعلى أسمائه وصفاته. فأعرَفُ النّاس به وبأسمائه وصفاته أعظَمُهم شهودًا لها، ونظرًا فيها، واعتبارًا بها. فكيف يكون لبُّ التّوحيد وقلبُه وسرُّه إسقاطَها من الشُّهود؟

فإن قلت: إنّما يريد إسقاطَها من التفات القلب إليها والوقوف معها.

قلتُ: هذا قد تقدَّم في أوّل الدّرجة في قوله: (وهو إسقاط الأسباب الظّاهرة)، وقد عرفتَ ما فيه.

وبالجملة: فالإسقاطُ إمّا لِعَين الوجود، أو لِعَين الشُّهود، أو لِعَين القُصود. فالأوّل: محالٌ، والثّاني: نقصٌ، والثّالث: حقٌّ، لكنّه ليس مراد

ص: 531

الشَّيخ، فتأمّله.

وقولهم: «فني من لم يكن، وبقي من لم يزل» ، إن أرادوا به: فني في الوجود الخارجيِّ، فهذا مكابرةٌ. وإن أرادوا به أنّه فني في الشُّهود، فهذا نقصٌ في الإيمان والتّوحيد كما تقرّر. وإن أرادوا به أنه يفنى في القصد والإرادة والمحبّة، فهذا هو الحقُّ، وهو الفناء عن إرادة السِّوى وقصده ومحبّته.

قوله: (هذا توحيد الخاصّة، الذي يصحُّ بعلم الفناء، ويصفو في علم الجمع، ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع)، يعني: توحيد المتوسِّطين الذين ارتفعوا عن العامَّة، ولم يصلوا إلى منزل خاصَّة الخاصَّة.

وقوله: (يصحُّ بعلم الفناء)، ولم يقل: بحقيقة الفناء، لأنَّ درجة العلم في هذا السُّلوك قبل درجة الحال والمعرفة، وصاحبُ هذه الدرجة متوسِّطٌ لم يبلغ الغاية، وحالُ الفناء لصاحب الدّرجة الثّالثة.

وكذلك قوله: (ويصفو في علم الجمع)، فإنّ علم الجمع قبل حال الجمع، كما تقدَّم في بابه.

وقوله: (ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع)، يريد: أنَّ هذا المقامَ يجذب أهله إلى توحيد الفريق الذين فوقهم، وهم أصحاب الجمع.

وقد تقدّم ذكرُ الجمع

(1)

ولم يحصل به الشِّفاء. ونحن الآن ذاكرون حقيقته وأقسامه، والصَّحيح منه والمعلول. والله المستعان.

الجمعُ في اللُّغة: الضّمُّ. والاجتماعُ: الانضمام. والتّفريق: ضدُّه. وأمّا في

(1)

قبل منزلة التوحيد هذه.

ص: 532

اصطلاح القوم: فهو شخوصُ البصيرة إلى من صدرت عنه المتفرِّقاتُ كلُّها. وهو ثلاثة أنواعٍ: جمعُ وجودٍ ــ وهو جمعُ الزّنادقة من أهل الاتِّحاد ــ، وجمعُ شهودٍ، وجمعُ قصودٍ. فإذا تحرَّرت هذه الأقسام تحرَّر الجمعُ الصَّحيحُ والفاسد.

وكذلك الفرق ينقسم إلى صحيحٍ وفاسدٍ، أعني إلى مطلوبٍ في السُّلوك وإلى قاطعٍ عن السُّلوك. فالفرقُ ثلاثة أنواعٍ: فرقٌ طَبْعيٌّ

(1)

حيوانيٌّ، وفرقٌ إسلاميٌّ، وفرقٌ إيمانيٌّ، فهذه أقسامٌ ستَّةٌ للجمع والفرق.

فنذكر أنواع الفرق أوّلًا، إذ بها تعرف أنواع الجمع.

فأمّا الفرق الطَّبعيُّ الحيوانيُّ، فهو التَّفريق بمجرَّد الطَّبع والميل، فيفرِّق بين ما يفعله ولا يفعله

(2)

بطبعه وهواه. وهذا فرقُ الحيوانات وأشباهها من بني آدم، فالمعيارُ: ميلُ طبعه، ونفرةُ طبعه. والمشركون والكفّار وأهل الظُّلم والعدوان واقفون مع هذا الفرق.

وأمّا الفرقُ الإسلاميُّ، فهو الفرقُ بين ما شرعه الله وأمَر به وأحبّه

(3)

ورضيه، وبين ما نهى عنه وكرهه ومقَت فاعله. وهذا الفرقُ من لم يكن من أهله لم يشَمَّ رائحةَ الإسلام البتّة. وقد حكى الله سبحانه عن أهل الفرق الطَّبعيِّ أنّهم أنكروا هذا الفرق، فشهدوا الجمعَ بين المأمور والمحظور، فقالوا:{إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} [البقرة: 275] لا فرقَ بينهما، وقالوا: الميتة

(1)

في ت هنا وفيما بعد: «طبيعي» .

(2)

«لا يفعله» ساقط من ش، د.

(3)

ت: «أوجبه» .

ص: 533

مثل المذكّاة، لا فرق بينهما، وقالوا: الحلال والحرام شيءٌ واحدٌ. فهذا جمعُهم وذاك فرقهم.

فصل

فهذا فرقٌ يتعلَّق بالأعمال.

وأمّا الفرق الإيمانيُّ الذي يتعلّق بمسائل القضاء والقدر، فهو التَّمييزُ الإيمانيُّ بين فعل الحقِّ سبحانه وأفعال العباد. فيؤمن بأنَّ الله وحده خالقُ كلِّ شيءٍ، وليس في الكون إلّا ما هو واقعٌ بمشيئته وقدرته وخلقه؛ ومع ذلك يؤمن بأنَّ العبدَ فاعلٌ لأفعاله حقيقةً، وهي صادرةٌ عن قدرته ومشيئته قائمةٌ به، وهو فاعلٌ لها على الحقيقة. فيشهد تفرُّدَ الرَّبِّ بالخلق والتّقدير، ووقوعَ أفعالِ العباد منهم بقدرتهم ومشيئتهم، والله خالقُ ذلك كلِّه.

وهنا انقسم أصحابُ هذا الفرق ثلاثة أقسامٍ: قسمٌ غابوا بأفعالهم وحركاتهم عن فعل الرَّبِّ تعالى وقضائه، مع إيمانهم به. وقسمٌ غابوا بفعل الرَّبِّ وتفرُّده بالحكم والمشيئة عن أفعالهم وحركاتهم. وقسمٌ أعطَوا المراتَب حقَّها، فآمنوا بفعل الرَّبِّ وقدره ومشيئته وتفرُّده بالحكم والقضاء، وشهدوا وقوعَ الأفعال من فاعليها، واستحقاقَهم عليها المدحَ والذَّمَّ والثَّوابَ والعقابَ.

فالفريق الأوّل: يغلب عليهم الفرق الطَّبعيُّ، إذ لم يصعدوا إلى مشاهدة الحكم.

والفريق الثّاني: يغلب عليهم حالُ الجمع، وهو شهودُ قدَر الرَّبِّ تعالى ومشيئته وتدبيره لخلقه، فتجتمع قلوبهم على شهود أفعاله بعد أن كانت

ص: 534

متفرِّقةً في رؤية أفعال الخلق، وتغيب بفعله عن أفعالهم. وربَّما غلب عليهم شهودُ ذلك حتّى أسقط عنهم المدحَ والذَّمَّ بالكلِّيّة.

وكلاهما منحرفٌ في شهوده.

والفريق الثّالث: يشهد الحكمَ والتَّدبيرَ العامَّ لكلِّ موجودٍ، ويشهد أفعالَ العباد ووقوعَها بإراداتهم ودواعيهم. فيكون صاحبَ جمعٍ وفرقٍ: فيجمع الأشياء في الحكم الكونيِّ القدريِّ، ويفرِّق بينها بالحكم الكونيِّ أيضًا كما فرَّق الله بينها، وبالدِّينيِّ الشّرعيِّ؛ فإنّ الله سبحانه فرَّق بينها خلقًا وأمرًا قدرًا وشرعًا، كونًا ودينًا.

فالشُّهودُ الصّحيحُ المطابقُ: أن يشهدها كذلك، فيكون صاحبَ جمعٍ في فرقٍ، وفرقٍ في جمعٍ: جمَع بينها في الخلق والتَّكوين وشمول المشيئة لها، وفرّق بينها بالأمر والنّهي والحبِّ والبغض، فشهدها وهي منقسمةٌ إلى مأمورٍ ومحظورٍ، ومحبوبٍ ومكروهٍ، كما فرّق خالقُها بينها. ويشهد الفرقَ بينها أيضًا قدرًا، فإنَّه كما فرَّق بينها أمرُه، فرّق بينها قدرُه، فقدَّر المحبوبَ محبوبًا، والمسخوطَ مسخوطًا، والخيرَ على ما هو عليه، والشَّرَّ على ما هو عليه. فافترقت في قدره، كما افترقت في شرعه. فجمعها مشيئتُه وقدرُه، وفرّقت بينها مشيئتُه وقدرُه. فشاء سبحانه كلًّا منها أن يكون على ما هو عليه ذاتًا وقدرًا وصفةً وأن يكون

(1)

محبوبًا أو مسخوطًا، وأشهدَها أهلَ البصائر من خلقه كما هي عليه.

فهؤلاء أصحُّ النّاس شهودًا، بخلاف من شهد المخلوقَ قديمًا، والوجودَ

(1)

ش، د:«أن يكون» دون الواو قبلها.

ص: 535

المخلوقَ هو عينَ الوجود الخالق، والمأمورُ والمحظورُ سواءٌ، والمقدَّرُ كلُّه محبوبٌ مرضيٌّ له، أو أنَّ بعضَ الحادثات خارجٌ عن مشيئته وخلقه وتكوينه، أو أنّ أفعالَ عباده خارجةٌ عن إراداتهم ومشيئتهم

(1)

وقدرتهم، وليسوا هم الفاعلين لها= فإنَّ هذا الشُّهودَ كلَّه عمًى، وأصحابُه قد جمعوا بين ما فرَّق الله بينه، وفرَّقوا بين ما جمع الله

(2)

بينه، ولم يهتدوا إلى الشُّهود الصّحيح الذي يميِّز به صاحبُه بين وجود الخالق ووجود المخلوق، وبين المأمور والمحظور وبين فعل الرّبِّ وفعل العبد، وبين ما يحبُّه ويبغضه.

وصاحبُ هذا الشُّهود لا يغيب بأفعال العباد عن فعل الرَّبِّ وقضائه وقدره، ولا يغيب بقضائه وقدره عن أمره ونهيه ومحبّته لبعضها وكراهته لبعضها، ولا يغيب بوجود الخالق عن وجود المخلوق، ولا برؤية الخلق عن ملاحظة الخالق؛ بل يضع الأمور مواضعها، فيشهد القدرَ العامَّ السَّابقَ الذي لا خروج لمخلوقٍ عنه، كما لا خروج له عن أن يكون مربوبًا فقيرًا بذاته، ويذمُّ العبادَ ويمدحُهم بما حرَّكهم به القدرُ من المعاصي والطّاعات؛ بخلاف صاحب الجمع بلا فرقٍ، فإنّه ربّما عذَر أربابَ الشِّرك والمعاصي لاستيلاء شهود الجمع على قلبه، ويقول: العارف لا ينكر منكرًا لاستبصاره بسرِّ الله في القدر، ولشهوده من الخلق موافقتَهم لما شاءه

(3)

الله منهم

(4)

.

فالشَّاهدُ المبصرُ المتمكِّنُ يشهد القيُّوميَّةَ والقدرَ السَّابقَ الشَّاملَ

(1)

«ومشيئتهم» ساقط من ش، د.

(2)

لفظ الجلالة من ت.

(3)

ت: «شاء» .

(4)

تقدَّم هذا القول غير مرة.

ص: 536

المحيطَ، ويشهد اكتسابَ العباد وما جرى به عليهم القدرُ من الطَّاعات والمعاصي، ويشهد حكمةَ الرَّبِّ تعالى وأمرَه ونهيَه وحبَّه وكراهتَه.

فصل

إذا عرفتَ هذه المقدِّمات فالجمعُ الصَّحيحُ الذي عليه أهلُ الاستقامة هو: جمعُ توحيد الرُّبوبيّة وجمعُ توحيد الإلهيّة.

فيشهد صاحبُه قيُّوميّةَ الرَّبِّ تعالى فوق عرشه يدبِّر أمرَ عباده وحده. فلا خالق ولا رازق، ولا معطي ولا مانع، ولا مميت ولا محيي، ولا مدبِّر لأمر المملكة ــ ظاهرًا وباطنًا ــ غيره. فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. لا تتحرّك ذرّةٌ إلّا بإذنه، ولا يجري حادثٌ إلّا بمشيئته، ولا تسقط ورقةٌ إلّا بعلمه، ولا يعزُب عنه مثقالُ ذرّةٍ في السّماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلّا

(1)

وقد أحصاها علمه، وأحاطت بها قدرته، ونفذت بها مشيئته، واقتضتها حكمته. فهذا جمعُ توحيد الرُّبوبيّة.

وأمّا جمعُ توحيد الإلهيّة، فهو: أن يجمع

(2)

قلبَه وهمَّه وعزمَه وإرادتَه وحركاتِه على أداء حقِّه والقيامِ بعبوديّته، فتجتمع شؤونُ إرادته على مراده الدِّينيِّ الشّرعيِّ.

وهذان الجمعان هما حقيقةُ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} . فإنَّ العبدَ يشهد من قوله {إِيَّاكَ} الذّاتَ الجامعةَ لجميع صفات الكمال التي لها كلُّ الأسماء الحسنى، ثمّ يشهد من قوله:{نَعْبُدُ} جميعَ أنواع العبادة

(1)

لم ترد «إلا» في ش، د.

(2)

ش، د:«يجتمع» .

ص: 537

ظاهرًا وباطنًا، قصدًا وقولًا وعملًا، حالًا

(1)

واستقبالًا. ثمّ يشهد من قوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} جمعَ الاستعانة والتّوكُّل والتّفويض، فيشهد منه جمعَ الرُّبوبيّة. ويشهد من {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} جمعَ الإلهيّة، ويشهد من {إِيَّاكَ} الذّاتَ الجامعةَ لكلِّ الأسماء الحسنى والصِّفات العُلا.

ثمّ يشهد من {اهْدِنَا} عشر

(2)

مراتب، إذا اجتمعت حصلت الهداية:

المرتبة الأولى: هداية العلم والبيان

(3)

، فيجعله عالمًا بالحقِّ مدركًا له.

الثّانية: أن يُقدِره عليه

(4)

، وإلّا فهو غير قادرٍ بنفسه.

الثّالثة: أن يجعله مريدًا له.

الرّابعة: أن يجعله فاعلًا له.

الخامسة: أن يثبِّته على ذلك، ويستمرَّ به عليه.

السَّادسة: أن يصرف عنه الموانع والعوارض المضادَّة له.

السَّابعة: أن يهديه في الطَّريق نفسها هدايةً خاصّةً أخصَّ من الأولى، فإنّ الأولى هدايةٌ إلى الطّريق إجمالًا، وهذه هدايةٌ فيها وفي منازلها تفصيلًا.

الثَّامنة: أن يُشهِده المقصودَ في طريقه وينبِّهه عليه، فيكون مطالعًا له في سيره، ملتفتًا إليه، غير محتجبٍ بالوسيلة عنه.

(1)

ت: «وحالًا» .

(2)

ش، د:«عشرة» .

(3)

بعده في ت زيادة: «الثابتة» .

(4)

لم يرد «عليه» في ش، د.

ص: 538

التَّاسعة: أن يُشهِده فقرَه وضرورتَه إلى هذه الهداية فوقَ كلِّ ضرورةٍ.

العاشرة: أن يُشهِده الطَّريقين المنحرفين عن طريقها، وهما: طريقُ أهل الغضب الذين عدلوا عن اتِّباع الحقِّ قصدًا وعنادًا، وطريقُ أهل الضَّلال الذين عدلوا عنها جهلًا وضلالًا.

ثمّ يشهد جمعَ «الصِّراط المستقيم» في طريقٍ واحدٍ عليه جميعُ أنبياء الله ورسله وأتباعهم من الصِّدِّيقين والشُّهداء والصّالحين.

فهذا هو الجمعُ الذي عليه رسلُ الله وأتباعُهم، فمن حصل له هذا الجمع، فقد هُدي إلى الصِّراط المستقيم.

فصل

قال الشّيخ رحمه الله تعالى

(1)

: (وأمّا التّوحيد الثّالث، فهو توحيدٌ اختصَّه الحقُّ لنفسه، واستحقَّه بقدره، وألاح منه لائحًا إلى أسرار طائفةٍ من صفوته، وأخرسهم عن نعته، وأعجزهم عن بثِّه)

(2)

.

فيقال: إمّا أن يريد بهذا التّوحيد توحيدَ العبد لربِّه، وهو ما قام بالعبد من التّوحيد؛ أو يريد به توحيد الرَّبِّ لنفسه، وهو ما قام به من صفاته وكلامه.

فإن أردتَ

(3)

به توحيدَ الرَّبِّ لنفسه بنفسه، وهو علمه وكلامه وخبره

(1)

عبارة الترحم من ت.

(2)

«منازل السائرين» (ص 112).

(3)

كذا في النسخ، وعلى هذا ينبغي أن يقرأ الفعل «يريد» في الفقرة السابقة مسندًا إلى المخاطب:«تريد» خلافًا للنسخ. وفي المطبوع: «فإذا أراد» .

ص: 539

الذي يخبر به عن نفسه وصفاته، كقوله:{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [آل عمران: 18]، وقوله:{إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} [طه: 14]، وقوله:{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [الحشر: 22] ونحو ذلك= فذلك هو صفةُ الرّبِّ القائمةُ به، كما يقوم به سائر صفاته من حياته، وعلمه، وقدرته، وإرادته، وسمعه وبصره. وذلك لا يفارق ذاتَ الرَّبِّ وينتقل إلى غيره، بل صفاتُ المخلوق لا تفارقه وتنتقل إلى غيره، فكيف صفاتُ الخالق!

والله

(1)

سبحانه يدلُّ على ذلك بآياته القوليّة والفعليّة، فيُعلِمُ عباده ما قام به من التَّوحيد لنفسه، بما دلَّهم عليه من قوله وفعله. فإذا شهد عبدُه له بما شهد به لنفسه، قيل: هذه الشَّهادة هي شهادة الرَّبِّ، بمعنى: أنّها

(2)

مطابقةٌ لها موافقةٌ، لا بمعنى أنّها عينُها وأنَّ الشّهادتين واحدةٌ بالعين. فما قام بقلب العبد إلّا صفته وكلامه وخبره وإرادته، وهو غيرُ ما قام بذات الرَّبِّ من صفته وكلامه وخبره، وإن طابقه ووافقه.

وعلى هذا فقوله: (اختصَّه الحقُّ لنفسه) أي لا يوحِّده به غيره. وقوله: (واستحقّه بقدره) أي استحقَّه بقدر كنهه الذي لا يبلغه غيره.

وقوله: (وألاح منه لائحًا إلى أسرار طائفةٍ من صفوته)، أي أظهَرَ منه شيئًا يسيرًا أسرَّه إلى طائفةٍ قليلةٍ من الخلق، وهم أهل صفوته.

وقوله: (أخرَسَهم عن نعته) يحتمل أن يريد به: أنّه لا يقبل نعتَ المخلوقين كما لا يقبل لسانُ الأخرس الكلامَ؛ وعلى هذا فيكون نعتُه غير

(1)

ما عدا ت: «ولكنه» .

(2)

ش، د:«أنه» .

ص: 540

ممكنٍ. ويحتمل أن يريد به: أنّه حال بينهم وبين نعته، لعجز السَّامع عن فهمه، فيكون نعتُه ممكنًا، لكنَّ الحقَّ أسكتهم عنه غيرةً عليه وصيانةً له.

وقوله: (وأعجزهم عن بثِّه)، أي لم يُقْدِرْهم على الإخبار عنه.

فيقال: أفضَلُ صفوة الرَّبِّ تعالى: الأنبياء، وأفضلُهم: الرُّسل، وأفضلُهم: أولو العزم، وأفضلُهم: الخليلان. والّذي ألاحه الله إلى أسرارهم من ذلك هو أكملُ توحيدٍ عرفه العباد، ولا أكملَ منه، وليس وراءه إلّا الشّطح والدّعاوي والوساوس. وهم ــ صلوات الله وسلامه عليهم ــ قد تكلَّموا بالتَّوحيد ونعتوه وبيَّنوه وأوضحوه وقرَّروه، بحيث صار في حيِّز التّجلِّي والظُّهور والبيان. فعقلته القلوب، وحصَّلته الأفئدة، ونطقت به الألسن

(1)

، وأوضحته الشَّواهد، وقامت عليه البراهين، ونادت عليه الدّلائل. ولا يمكن أحدًا أن ينقل عن نبيٍّ من الأنبياء ولا وارثِ نبيٍّ داعٍ إلى ما دعا إليه أنّه يعلم توحيدًا لا يمكنه النُّطق به، وأنَّ الله سبحانه أخرسه عن نطقه وأعجزه عن بثِّه. بل كلُّ ما علمه القلب أمكن التَّعبيرُ عنه، وإن اختلفت العبارة عنه ظهورًا وخفاءً وبين ذلك. وقد لا يفهمه إلّا بعضُ النّاس، فالنّاسُ كلُّهم لم تتّفق أفهامهم لما جاءت به الرُّسل.

وكيف يقال: إنَّ أعرفَ الخلق وأفصحَهم وأنصحَهم عاجزٌ عن

(2)

أن يبيِّن ما عرَّفه الله من توحيده، وأنّه عاجزٌ عن بثِّه؟ فما هذا التَّوحيدُ الذي عجزت الأنبياء والرُّسل عن بثِّه، ومُنِعوا من النُّطق به، وعرفه غيرُهم؟

هذا كلُّه إن أريد بهذا التَّوحيدِ التَّوحيدُ القائم بذات الحقِّ تعالى لنفسه.

(1)

ش، د:«الألسنة» .

(2)

لم يرد حرف «عن» في ت.

ص: 541

وإن أريد به التَّوحيدُ الذي هو صفةُ العبد وفعلُه لم يطابق قولَه: (اختصَّه الرَّبُّ لنفسه، واستحقَّه بقدره)، ولا يطابق القوافي الثّلاثة التي أجاب بها الشّيخ عنه، وأنَّ توحيدَه نفسَه هو التَّوحيدُ لا غيره.

وأيضًا: فصفةُ العبد وفعلُه لا يُعجَز عن بثِّها، ولا يُخْرَس عن النُّطق بها. وكلُّ ما قام بالعبد فإنّه يمكنه التّعبير عنه وكشفه وبيانه.

فإن قيل: المراد بذلك أنَّ الرَّبَّ تعالى في الحقيقة هو الموحِّد لنفسه في قلوب صفوته، لا أنّهم هم الموحِّدون. ولهذا قال الشّيخ

(1)

: (والذي يشار إليه على ألسن المشيرين أنّه إسقاطُ الحدث وإثباتُ القِدَم) وعليه أنشد هذه القوافي الثّلاثة

(2)

:

ما وحَّد الواحدَ من واحدٍ

إذ كلُّ من وحَّده جاحدُ

توحيدُ من ينطق عن نعته

عاريةٌ أبطلها الواحدُ

توحيدُه إيّاه توحيدُه

ونعتُ من ينعته لاحدُ

فقوله: (ما وحَّد الواحدَ من واحدٍ)، يعني: ما وحَّد الله عز وجل أحدٌ سواه، وكلُّ من وحَّدَه فهو جاحدٌ لحقيقة توحيده، فإنَّ توحيدَه يتضمَّن شهودَ ذات الموحِّد وفعلِه وما قام به من التوحيد، وشهودَ ذات الواحد وانفراده، وتلك اثنينيّةٌ ظاهرةٌ؛ بخلاف توحيده لنفسه، فإنّه يكون هو الموحِّدَ والموحَّدَ، والتَّوحيدُ صفتُه وكلامُه القائمُ به، فما ثمَّ غيرُه، فلا اثنينيّة ولا تعدُّد

(3)

.

(1)

«منازل السائرين» (ص 112).

(2)

بعده في ش، د زيادة:«وهي» .

(3)

ت: «تفرد» ، تحريف.

ص: 542

وأيضًا، فمن وحَّده من الخلق فلابدَّ أن يصفه بصفةٍ، وذلك يتضمَّن جحدَ حقِّه الذي هو عدُم انحصاره تحت الأوصاف. فمَن

(1)

وصَفَه فقد جحَد إطلاقَه عن قيود الصِّفات.

وقوله:

(توحيدُ من ينطق عن نعته

عاريةٌ أبطلها الواحدُ)

يعني: توحيدُ النّاطقين عنه عاريَّةٌ مردودةٌ كما تُستردُّ العواري، إشارةً إلى أنّ توحيدهم ليس ملكًا لهم، بل الحقُّ أعارهم إيّاه، كما يُعير المعيرُ متاعَه لغيره ينتفع به، ويكون ملكًا للمُعير لا للمستعير.

وقوله: (أبطلها الواحدُ)، أي: الواحدُ المطلقُ من كلِّ الوجوه وحدتُه تُبطِل هذه العاريَّةَ وتردُّها إلى مالكها الحقِّ، فإنَّ الوحدة المطلقة من جميع الوجوه تُنافي ملكَ الغير لشيءٍ من الأشياء، بل المالكُ لتلك العاريَّة هو الواحد فقط، فلذلك أبطلت الوحدةُ هذه العارية.

وقوله: (توحيدُه إيّاه توحيدُه)، أي: توحيدُه الحقيقيُّ هو توحيدُه لنفسه بنفسه، من غير أثرٍ للسِّوى بوجهٍ، بل لا سوى هناك.

وقوله: (ونعت من ينعته لاحدُ)، أي: نعتُ النّاعت له إلحادٌ، وهو عدولٌ عمّا يستحقُّه من كمال التَّوحيد، فإنّه أسند إلى نزاهة الحقِّ ما لا يليق به إسنادُه، فإنَّ عينَ الأزليَّة تأبى نطقَ الحدَث، ومحضَ التّوحيد يأبى أن يكون للسِّوى أثرٌ البتّة.

(1)

ت: «فمتى» .

ص: 543

فيقال

(1)

ــ وبالله التّوفيق ــ: في هذا الكلام من الإجمال والحقِّ والإلحاد

(2)

ما لا يخفى.

فأمّا قوله: «إنَّ الرَّبَّ تعالى هو الموحِّد لنفسه في قلوب صفوته، لا أنّهم هم الموحِّدون» ، إن أريد به ظاهره، وأنَّ الموحِّدَ لله هو الله لا غيره، وأنَّ الله سبحانه حلَّ في صفوته، حتّى وحَّد نفسَه، فيكون هو الموحِّدَ لنفسه في قلوب أوليائه، لاتِّحاده بهم أو حلوله فيهم= فهذا قول النّصارى بعينه، بل هو شرٌّ منه؛ لأنّهم خصُّوه بالمسيح، وهؤلاء عمُّوا به كلَّ موحِّدٍ. بل عند الاتِّحاديّة: الموحِّدُ والموحَّدُ واحدٌ، وما ثمَّ تعدُّدٌ في الحقيقة.

وإن أريد به أنه هو الذي وفَّقهم لتوحيده، وألهمهم إيّاه، وجعلهم يوحِّدونه، فهو الموحِّدُ لنفسه بما عرَّفهم به من توحيده، وألقاه في قلوبهم وأجراه على ألسنتهم= فهذا المعنى صحيحٌ، ولكن لا يصحُّ نفيُ أفعالهم عنهم، فلا يقال: إنَّ الله هو الموحِّدُ لنفسه، لا أنَّ عبدَه يوحِّده. هذا باطلٌ شرعًا وعقلًا وحسًّا، بل الحقُّ أن يقال: إنَّ الله سبحانه وحَّد نفسَه بتوحيدٍ قام به، ووحَّده عبيدُه بتوحيدٍ قام بهم بإذنه ومشيئته وتوفيقه. فهو الموحِّدُ لنفسه بنفسه، وهم الموحِّدون له

(3)

بتوفيقه ومعونته وإذنه.

فالّذي قام بهم ليس هو الرَّبَّ تعالى ولا وصفَه، بل العلمُ به ومحبّتُه ومعرفتُه وتوحيدُه، ويسمّى ذلك «الشّاهد» و «المثل الأعلى» . فهي الشّواهد

(1)

ت: «فنقول» .

(2)

ت: «والإيجاز» ، تصحيف.

(3)

«له» ساقط من ت.

ص: 544

والأمثلة العلميَّة، التي قال الله تعالى فيها:{وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهْوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الروم: 27] وقال: {يَحْكُمُونَ (59) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ} [النحل: 60]. وكثيرًا ما يقول الرّجلُ لغيره: أنت في قلبي وفي فؤادي، والمراد هذا، لا ذاتُه ونفسُه.

وقوله: (والّذي يشار إليه على ألسنة المشيرين أنّه إسقاطُ الحدث، وإثباتُ القِدَم). إن أريد إسقاطُه من الوجود، فمكابرةٌ للعيان. وإن أريد به إسقاطُه من الشُّهود، فليس ذلك بمأمورٍ به، ولا هو كمالٌ، فضلًا عن أن يكون هو توحيدَ خاصَّة الخاصَّة. فما هذا الإسقاط للحدوث الذي هو نهاية التّوحيد وأعلى مقاماته؟ وهل الكمال إلّا أن يشهد الأشياء على ما هي عليه، كما هي في شهادة الحقِّ سبحانه؟

فإسقاطُ الحدوث كلامٌ لا حاصل له، إذ

(1)

لا كمال فيه؛ بل إنّما ينفع إسقاطُ الحدوث عن درجة القصد والتّألُّه. فإسقاطُ الحدوث ــ كما تقدَّم ــ ثلاثُ مراتب: إسقاطه عن الوجود وهو مكابرةٌ، وإسقاطه عن الشُّهود وهو نقصٌ، وإسقاطه عن القصود وهو كمالٌ.

ولهذا قال الملحد

(2)

: «إسقاطُ الحدوث وإثباتُ القِدَم صحيحٌ في نظر الوارد على هذه الحضرة لضعفه، فإذا تمكّن عرَفَ أنَّ الحدوث لم يزل ساقطًا. فلا معنى لقوله: «إسقاط الحدوث» ، ولا معنى لقوله: «إثبات

(1)

ت: «أو» .

(2)

يعني: التلمساني. انظر: «شرحه» (2/ 610).

ص: 545

القِدَم»، فإنَّ القِدَم لم يزل ثابتًا.

فهذا الكلام لا يرضى به الموحِّد ولا الملحد، ولا أشار إليه القرآن الذي تضمّن أعلى مراتب التّوحيد! بل القرآن من أوّله إلى آخره يدلُّ على خلافه.

قال الملحد

(1)

: وأيضًا فإنَّ التَّوحيدَ يستغرق القولَ في الطَّمس

(2)

. فإن كان هناك نطقٌ، فليس هناك شهودٌ، كما قال في «المواقف»

(3)

: أنا أقرب إلى اللِّسان من نطقه إذا نطق، فمن شهدني لم يذكر، ومن ذكرني لم يشهد.

قال

(4)

: فقوله: «من ذكرني لم يشهد» هو نفسُ قول صاحب «المنازل» : «على أنَّ هذا الرَّمزَ في ذلك التَّوحيد علّةٌ لا يصحُّ ذلك التّوحيد إلّا بإسقاطها» .

وحقيقة ذلك: أنّه لا يصحُّ التّوحيد إلّا بإسقاط التّوحيد، لأنَّ ذلك الرَّمزَ والإشارةَ والخبرَ هو عن نفس التَّوحيد، فهو توحيدٌ نطقيٌّ خبريٌّ مطابقٌ للتّوحيد المعلوم المخبَر عنه. فإذا لم يصحَّ التَّوحيدُ إلّا بإسقاط ذلك كانت حقيقةُ الأمر أنّه لا يصحُّ التَّوحيد إلّا بإسقاط التَّوحيد!

(1)

المصدر السابق.

(2)

قال صاحب «لطائف الإعلام» (ص 481): «الطمس: ذهاب ظلمة السَّيَّار في تجلِّي نور الأنوار بحيث لم يبقِ النورُ من ظلمته رسمًا ولا أثرًا» . وانظر: «موسوعة مصطلحات التصوف» (ص 581).

(3)

يعني: «كتاب المواقف» لمحمد بن عبد الجبار النِّفَّري (ص 3).

(4)

«شرح التلمساني» (2/ 610).

ص: 546

ثمّ قال

(1)

: (هذا قطب الإشارة إليه على ألسن علماء هذا الطّريق، وإن زخرفوا له نعوتًا، وفصَّلوه فصولًا). يعني: أنَّ قولهم: «التّوحيدُ هو إسقاطُ الحدَث وإثبات القِدَم» هو قطبُ مدار الإشارات إلى التّوحيد عند هذه الطّائفة.

ومع هذا، فلا يصحُّ التّوحيدُ إلّا بإسقاط ما قالوه. ولذلك قال

(2)

: (فإنّ ذلك التّوحيدَ تزيده العبارةُ خَفاءً، والصِّفة نُفورًا، والبسطُ صعوبةً). فإنّه إذا لم يصحَّ إلّا بإسقاط الإشارة والصِّفة والبسط كانت العبارةُ عنه لا تزيده إلّا خفاءً، ولا الصِّفةُ إلّا نِفارًا، أي هروبًا وذهابًا، والبسطُ والإيضاحُ لا يزيده إلّا صعوبةً لكثرة الإشارات والعبارات.

قوله

(3)

: (وإلى هذا التّوحيد شخَصَ أهلُ الرِّياضة وأربابُ الأحوال ــ أي تطلّعت

(4)

قلوبُهم ــ وله قصَد أهلُ التّعظيم. وإيّاه عنى المتكلِّمون في عين الجمع. وعليه تصطلم الإشارات، ثمّ لم ينطق عنه لسانٌ، ولم تشر إليه عبارةٌ)

(5)

.

فيقال: يالله العجب! ما هذا السِّرُّ الذي ما تكلَّم الله به، ولا أشار إليه هو ولا رسولُه، ولا نالته إشارةٌ، ولا قامت به عبارةٌ، ولا أشار إليه مكوَّنٌ، ولا

(1)

«منازل السائرين» (ص 112).

(2)

المصدر السابق.

(3)

«منازل السائرين» (ص 112 - 113).

(4)

ت: «وتطلعت» ، وهو خطأ.

(5)

بعده في «المنازل» : «فإنَّ التوحيد وراء ما يشير إليه مكوَّنٌ، أو يتعاطاه حينٌ، أو يقلُّه سبب» . وسيأتي في كلام المؤلف إشارة إلى هذه العبارة.

ص: 547

تعاطاه حينٌ

(1)

، ولا أَقلَّه سببٌ؟ فهذه العقول حاضرةٌ، وهذه المعارفُ، وهذا كلامُ الله ورسوله، بل سائر كتب الله، وكلامُ سادات العارفين من الأمّة، فما هذا الحقُّ المحال به؟ وعلى من وقعت هذه الحوالة؟ فإنّكم أحلتم بأمرٍ لم ينطق عنه لسانٌ ولم تشر إليه عبارةٌ، ولا تعاطاه حينٌ، ولا أقلَّه سببٌ= فعلى من أحلتم بهذا الحقِّ المجهول الذي لا سبيل إلى العلم به، ولا التّعبير عنه، ولا الإشارة إليه!

وأين قوله: (ما وحَّد الواحدَ من واحدٍ) من قوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18]؟ فأخبر سبحانه أنَّ الملائكة كلَّهم يوحِّدونه، وأنَّ أولي العلم يوحِّدونه. وكذلك إخبارُه عن أنبيائه ورسله وأتباعهم أنّهم وحَّدوه ولم يشركوا به شيئًا، كما أخبر عن نوحٍ ومن آمن معه، وعن جميع الرُّسل ومن تبعهم. بل أخبر سبحانه عن السّماوات السّبع والأرضين وما فيهنّ أنَّها تسبِّح بحمده توحيدًا ومعرفةً. فهل يصحُّ أن يقال: ما وحَّده أحدٌ من الرُّسل والأنبياء والمؤمنين، ولا سبَّح بحمده سماءٌ ولا أرضٌ ولا شيءٌ؟

وأبطل من هذا أن يقال: كلُّ من وحَّدَ الله من الأوّلين والآخرين جاحدٌ له ولتوحيده، لا موحِّدٌ له على الحقيقة، وأنَّ نعتَ جميع الرُّسل والأنبياء وأتباعهم له إلحادٌ، وكلُّ من نعته من الأوّلين والآخرين فهو لاحدٌ! فلا معنًى صحيحٌ، ولا لفظٌ مليحٌ، بل المعنى أبطل من اللّفظ، واللّفظ أقبح من المعنى!

(1)

كذا ورد في مطبوعة «المنازل» وأكثر شروحها يعني: لم يتداوله زمانٌ. وفي «شرح التلمساني» (ص 610): «حيِّز» ، قال:«فإنَّ المتحيِّز محصور» .

ص: 548

ثمّ يقال: فهذا الذي ذكرتَه في هذه الدَّرجة هل هو توحيدٌ ووصفٌ للتَّوحيد، أم ليس بتوحيدٍ؟ فإن لم يكن توحيدًا فهو باطلٌ، وإن كان توحيدًا فقد وحَّدتَ الواحد.

وأيضًا فإذا كان توحيدُه لنفسه هو التَّوحيدُ، وما عداه فليس بتوحيدٍ، فمعلومٌ أنَّ توحيدَه لنفسه هو الذي أرسل به رسلَه وأنزل به كتبَه وأخبر به عن نفسه في القرآن من أوّله إلى آخره. وهذا عندك هو توحيد العامّة، فأين هذا التَّوحيد الذي وحَّد به نفسَه ولم ينطق به لسانٌ ولم تعبِّر عنه عبارةٌ ولم يُقِلَّه سببٌ؟

فإن قلتَ: هو التَّوحيدُ القائمُ به؛ فذلك هو وصفُه وكلامُه وعلمُه بنفسه، وليس ذلك من فعل العبد ولا صفته حتّى يكون هو الدّرجةَ الثّالثةَ من توحيد العبد لربِّه، كما أنَّ سائر صفاته لا تدخل في درجات السُّلوك، فإنَّ تلك الدَّرجات هي منازل العبوديّة.

وأيضًا، فإنَّ هذا الكلام الذي اشتملت عليه هذه الأبيات لا يستقيم على مذهب الملحدين ولا على مذهب الموحِّدين!

أمّا الموحِّدون، فهم يقولون: إنّ الرُّسل والأنبياء والملائكة والمؤمنين يوحِّدون الله حقَّ توحيده الذي يقدرون عليه. وأمّا الملحدون فيقولون: ما ثمَّ غيرٌ في الحقيقة، فالله عندهم هو الوجود المطلق السَّاري في الموجودات، فهو الموحِّد والموحَّد. وكلُّ ما يقال فيه فهو

(1)

عندهم حقٌّ وتوحيدٌ، كما قال عارفُ القوم ابن عربي:

(1)

«فهو» ساقط من ش، د.

ص: 549

سِرْ حيث شئتَ فإنَّ الله ثَمَّ وقُل

ما شئتَ فيه فإنَّ الواسعَ اللهُ

(1)

وقال أيضًا:

عقد الخلائقُ في الإله عقائدًا

وأنا اعتقدتُ جميعَ ما عقدوهُ

(2)

ومذهبُ القوم: أنَّ عُبَّاد الأوثان وعبَّاد الصُّلبان وعبَّاد النِّيران وعبَّاد الكواكب كلَّهم موحِّدون، فإنّه ما عُبِد غيرُ الله

(3)

في كلِّ معبودٍ عندهم، ومن خَرَّ للأحجار في البُدِّ

(4)

ومَن عبَد النَّارَ والصَّليبَ فهو موحِّدٌ عابدٌ لله. والشِّركُ عندهم إثباتُ وجودٍ قديمٍ وحادثٍ، وخالقٍ ومخلوقٍ، وربٍّ وعبدٍ. ولهذا قال بعض عارفيهم، وقد قيل له: القرآنُ كلُّه يُبطِل قولَكم، فقال: القرآن كلُّه شركٌ، والتَّوحيدُ هو ما نقوله

(5)

.

(1)

لم أجده في «ديوان ابن عربي» ، وقد ورد في «مجموع الفتاوى» (2/ 99) من غير عزوه.

(2)

أنشده شيخ الإسلام في «الرد على الشاذلي» (ص 179) لابن عربي. ولما سئل عن كلمات ورد البيت ضمنها منسوبًا إلى الحلَّاج كما في «مجموع الفتاوى» (2/ 288)، فقال (2/ 311):«هذا البيت يُعرف لابن عربي، فإن كان قد سبقه إليه الحلاج وقد تمثَّل به هو، فإضافته إلى الحلاج صحيحة، وهو كلام متناقض باطل» . ولم يرد البيت في «ديوان الحلاج» الذي جمعه ماسينيون أو كامل مصطفى الشيبي.

(3)

ت: «فإنه عُبِد الله» .

(4)

البُدُّ هنا: بيت الأصنام، وهو الصنم نفسه، فارسيّ معرَّب. وفي مطبوعة «الرد على البكري» (ص 306):«البندر» ، تحريف.

(5)

حكاه الشيخ كمال الدين المراغي عن التلمساني. انظر: «مجموع الفتاوى» (2/ 244)، (13/ 186).

ص: 550

وإن كانت هذه القوافي الثّلاثة أولى بمذهب هؤلاء ونحلتهم. ولهذا تلقّاها بالقبول عارفوهم وبالغوا في استحسانها، وقالوا: هي ترجمةُ مذهب أهل التَّحقيق. فكلُّ من وحَّد الله فهو جاحدٌ لإطلاقه، فإنّه يصفه فيحصره تحت الأوصاف، وحصرُه تحتها جحدٌ لإطلاقه عن قيود الصِّفات والنُّعوت. ولهذا كان توحيدُ الواصف النّاعت له عاريَّةً استعارها حتّى قام له من ذلك وصفٌ وموصوفٌ، وموحِّدٌ وموحَّدٌ. والوحدةُ المطلقةُ تُبطل هذه العاريَّةَ، وتردُّ المستعار إلى الوجود المطلق الذي لا يتقيَّد بوصفٍ ولا يتخصَّص بنعتٍ.

ثمّ كشف الغطاء عن ذلك، فقال:(توحيده إيّاه توحيدُه)، أي هو الموحِّد لنفسه بنفسه، لا أنَّ غيرَه يوحِّده، إذ ليس ثمَّ غيرٌ.

وزاد إيضاح ذلك بقوله: (ونعتُ من ينعته لاحدُ). والإلحاد هو الميل عن الصَّواب، والنَّعتُ تقييدٌ وتخصيصٌ لمن لا يتقيَّد ولا يتخصَّص، فهو إلحادٌ.

وأحسَنُ ما يحمل عليه كلامه: أنَّ الفناءَ في شهوده الأزليّةَ والحكمَ يمحو شهودَ العبد لنفسه وصفاته، فضلًا عن شهود غيره، فلا يشهد موجودًا فاعلًا على الحقيقة إلّا الله وحده. وفي هذا الشُّهود تفنى الرُّسوم كلُّها، فلا يُبقي هذا الشُّهود والفناء رسمًا البتّة. فيمحو

(1)

هذا الشُّهودُ من القلب كلَّ ما سوى الحقِّ

(2)

، لا أنّه يمحَقُه من الوجود. وحينئذٍ يشهد أنَّ التَّوحيدَ الحقيقيَّ غيرَ

(1)

ت: «فيمحق» .

(2)

ت: «سوى الله تعالى» .

ص: 551

المستعار هو توحيدُ الرَّبِّ تعالى لنفسه، وتوحيدَ غيره له عاريَّةٌ محضةٌ أعاره إيّاها مالكُ الأمر كلِّه، والعواريُّ مردودةٌ إلى من تُرَدُّ إليه الأمورُ كلُّها. {وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}

(1)

[يونس: 30]. فالواحد القهّار سبحانه أبطل تلك العاريَّة أن تكون ملكًا للمعار، كما يبيِّن المعيرُ للمستعير إذا استردَّ العينَ المعارةَ ــ وقد ظنَّ المستعيرُ أنَّ المعارَ مِلكُه ــ أنَّ الأمر ليس كذلك، وأنَّه عاريَّةٌ محضةٌ في يده. والمعيرُ أبطَلَ

(2)

ظنَّ المستعير من العارية، لم يُبطل أصلَ العارية. ولهذا صرَّح بإثباتها في أوّل البيت، وإنّما ضاق به

(3)

الوزنُ عن تمام المعنى وإيضاحه. وهذا المعنى حقٌّ، وهو أولى بهذا الإمام العظيم القدر ممّا يظنُّه به طائفة الاتِّحاديّة والحلوليّة. وإن كانت كلماتُه المجملةُ شبهةً لهم، فسنَّتُه المفصَّلةُ مبطلةٌ لظنِّهم.

ولكلامه محملٌ آخر أيضًا، وهو: أنّه ما وحَّد الله حقَّ توحيده الذي ينبغي له ويستحقُّه لذاته سواه، كما قال أعظمُ النّاس توحيدًا صلى الله عليه وسلم:«لا أحصي ثناءً عليك»

(4)

. ومثلُ هذا يصحُّ فيه النَّفيُ العامُّ، كما يقال: ما عرف الله إلّا الله، ولا أثنى عليه سواه. والكلمة الواحدة يقولها اثنان، يريد بها أحدُهما أعظَم الباطل، ويريد بها الآخرُ محضَ الحقِّ، والاعتبارُ بطريقة القائل وسيرته

(1)

في النسخ: «ثم ردوا

» التبست آية يونس بآية الأنعام (62).

(2)

هكذا في النسخ المعتمدة، ولا غبار عليه. وكتب بعضهم قبل «أبطل» فوقه:«إذا» مع علامة ظ. وفي ر: «وإن أبطل» .

(3)

في النسخ: «له» والظاهر أنه تحريف ما أثبت من المطبوع.

(4)

تقدَّم تخريجه.

ص: 552

ومذهبه وما يدعو إليه ويناظر عليه. وقد كان شيخ الإسلام رحمه الله تعالى

(1)

راسخًا في إثبات الصِّفات ونفي التَّعطيل ومعاداة أهله. وله في ذلك كتبٌ مثل كتاب «الفاروق» وكتاب «ذمِّ الكلام» وغير ذلك ممَّا يخالف طريقة المعطِّلة والحلوليّة والاتِّحاديّة.

ثمَّ صرَّح بهذا المعنى الذي ذكرناه بقوله: (توحيدُه إيّاه توحيدُه) أي توحيدُه لنفسه هو التّوحيدُ الكاملُ التّامُّ الذي لا سبيل للعبارة والإشارة إليه، وهو فوق ما تعرفه العقول وتصفه الألسن. وهذا حقٌّ، لكن جفت عبارتُه بعده بقوله:(ونعتُ من ينعته لاحدُ). ومحملها كما عرفتَ: أنَّ نعتَ الخلق له دون ما هو عليه سبحانه، وما هو عليه من الأوصاف والنُّعوت أجلُّ وأعظَمُ من أن يحيط به العلمُ المخلوقُ، أو تنطق به الألسنةُ.

والإلحادُ: الميل. وهو لم يُرد أنَّ نعتَ النّاعتين له إلحادٌ وكفرٌ، فإنّه هو

(2)

قد نَعتَه في هذا الكتاب وفي كتبه، ولم يكن ملحدًا بذلك، فنعتُ المخلوق له مائلٌ عن نعته لنفسه.

على أنّه لو أراد الإلحاد الذي هو باطلٌ وضلالٌ لكان له وجهٌ صحيحٌ، وهو أنَّ نعتَ المخلوقين له من عند أنفسهم إلحادٌ، والتَّوحيدُ الحقُّ

(3)

هو ما نعَت به نفسَه على ألسنة رسله، فهم لم ينعتوه

(4)

من تلقاء أنفسهم، وإنّما

(1)

جملة الترحم من ت.

(2)

الضمير «هو» ساقط من ت.

(3)

في ش، د:«والحق» ، وهو خطأ.

(4)

ش، د:«لم ينعتوا» .

ص: 553

نعتوه بما أذِنَ لهم في نعته به. وقد صرَّح سبحانه بهذا المعنى في قوله: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} [الصافات: 159 - 160] فنزَّه نفسَه عمّا يصفه به العبادُ إلّا الرُّسل، فإنّهم لم يصفوه من عند أنفسهم. وكذلك قوله تعالى:{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 180 - 182].

فنختم الكتاب بهذه الآية حامدين لله مثنين عليه بما هو أهله

(1)

، وبما أثنى على نفسه. والحمدُ لله ربِّ العالمين حمدًا طيِّبًا مباركًا فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجه ربِّنا وعزِّ جلاله

(2)

غيرَ مكفيٍّ ولا مكفورٍ ولا مودَّعٍ ولا مستغنًى عنه ربّنا. ونسأله أن يوزعنا شكر نعمته ويوفِّقنَا لأداء حقِّه، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعل ما قصدنا له في هذا الكتاب وفي غيره خالصًا لوجهه الكريم ونصيحةً لعباده.

فيا أيُّها القارئ له

(3)

، لك غنمُه وعلى مؤلِّفه غرمُه، ولك ثمرتُه وعليه تبعتُه. فما وجدتَ فيه من صوابٍ وحقٍّ فاقبله ولا تلتفت إلى قائله، بل انظر إلى ما قال لا إلى من قال. وقد ذمَّ الله تعالى من يردُّ الحقَّ إذا جاء به مَن يبغضه، ويقبله إذا قاله مَن يحبُّه، فهذا خلقُ الأمّة الغضبيّة. قال بعض الصّحابة: اقبل الحقَّ ممَّن قاله وإن كان بغيضًا، ورُدَّ الباطلَ على من قاله وإن كان حبيبًا

(4)

. وما

(1)

«بما هو أهله» ساقط من ت.

(2)

ت: «ربنا عزَّ جلالُه» .

(3)

لم يرد «له» في ت.

(4)

أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (9/ 121) من كلام أبي بن كعب رضي الله عنه. وأخرج نحوه ابن أبي الدنيا في «كتاب الصمت» (451)، وأبو نعيم (1/ 134) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

ص: 554

وجدتَ فيه من خطأٍ فإنَّ قائلَه لم يألُ جهدَ الإصابة

(1)

، ويأبى الله إلّا أن ينفرد بالكمال:

فالنَّقصُ في أصل الطّبيعة كامنٌ

فبنو الطّبيعة نقصُهم لا يُجحَدُ

(2)

وكيف يُعصَم من الخطأ من خُلِقَ ظلومًا جهولًا، ولكن مَن عُدَّتْ غلطاتُه أقرَبُ إلى الصّواب ممّن عُدَّت إصاباته.

وعلى المتكلِّم في هذا الباب وغيره: أن يكون مصدرُ كلامه عن العلم بالحقِّ، وغايتُه النَّصيحةَ لله ولكتابه ولرسوله ولإخوانه من المسلمين. وإذا كان الحقُّ تبعًا للهوى فسد القلبُ والعملُ والحالُ والطَّريقُ. قال الله تعالى:{(70) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71]. وقال النّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به»

(3)

. فالعلمُ والعدلُ أصلُ كلِّ خيرٍ، والجهلُ والظُّلمُ أصلُ كلِّ شرٍّ. والله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحقِّ، وأمرَه أن يعدل بين الطّوائف، ولا يتّبع أهواءَ أحدٍ منهم، فقال تعالى: {(14) فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ

(1)

في ش، د: «لم يأن

» وهو تحريف ظاهر. وفيهما: «جهده الإصابة» .

(2)

لم أقف عليه.

(3)

أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (15) وابن بطة في «الإبانة الكبرى» (297) والهروي في «ذم الكلام» (313) والبيهقي في «المدخل» (209) وغيرهم من حديث عبد الله بن عمرو. في إسناده نعيم بن حمَّاد، فيه لين ولا يُحتَمَل تفرده، والحديث ضعفه ابن عساكر وابن رجب. انظر:«جامع العلوم والحكم» (2/ 394).

ص: 555

أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ} [الشورى: 15].

* * * *

ص: 556