الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عارضٌ، ولا تكدِّره تفرقةٌ.
فصل
قال
(1)
:
(الدّرجة الثّانية: سرورُ شهودٍ، كشَفَ حجابَ العلم
، وفكَّ رِقَّ التكليفِ، ونفى صَغار الاختيار).
يريد أنّ العلم حجابٌ على المعرفة، فشهودٌ كشَفَ
(2)
ذلك الحجاب حتَّى يفضي القلب إلى المعرفة يوجب سرورًا.
و «العلم» عند هذه الطّائفة استدلالٌ، و «المعرفة» ضروريّةٌ. فالعلم له الخبر، والمعرفة لها العيان، فالعلم عندهم حجابٌ على المعرفة، وإن كان لا يوصَل إليها إلّا بالعلم. فالعلم كالصِّوان
(3)
لما تحته، هو
(4)
حجابٌ عليه، ولا يوصَل إليه إلّا منه.
ومثال هذا: أنّك إذا رأيتَ في حومة
(5)
ثلجٍ ثقبًا خاليًا: استدللتَ به على أنّ تحته حيوانًا يتنفّس، فهذا علمٌ. فإذا حفرته، فشاهدت الحيوان، فهذه معرفةٌ.
قوله: (وفكّ رقّ التّكليف) عبارةٌ قلقةٌ، غير سديدةٍ. و «رقُّ التّكليف» لا
(1)
(ص 84).
(2)
«كشف» ليست في ش، د.
(3)
ت، ط:«والعلم لها كالصوان .. » ، ر:«بالعلم إليه كالصوان .. »
(4)
كذا في ش، ت، وكتب فوق السطر حرف «و» في د، ر.
(5)
في بعض النسخ المتأخرة: «كومة» . والحومة: قال في القاموس (ص 1098): «وحومةُ البحرِ والرملِ والقتالِ وغيره: معظمه، أو أشدّ موضع فيه» .
يفكُّ
(1)
إلى الممات. وكلّما تقدّم
(2)
منزلًا شاهد من رقِّ تكليفه ما لم يكن يشاهده
(3)
قبل، فرِقُّ التّكليف أمرٌ لازمٌ للمكلّف ما بقي في هذا العالم.
والّذي يوجّه
(4)
عليه كلامُه: أنّ السُّرور بالذّوق الذي أشار إليه يعتقُ العبدَ من رقِّ التّكليف، بحيث لا يعدُّه تكليفًا، بل تبقى الطّاعات غذاء لقلبه
(5)
، وسرورًا له، وقرّة عينٍ في حقِّه، ونعيمًا لروحه. يلتذّ
(6)
بها، ويتنعّم بملابستها أعظم ممّا يتنعّم بملابسة الطّعام والشّراب واللّذّات الجسمانيّة. فإنّ اللّذّات الرُّوحانيّة القلبيّة أقوى وأتمُّ من اللّذّات الجسمانيّة؛ فلا يجد في أوراد العبادة كلفةً، ولا يصير تكليفًا في حقِّه.
فإنّ ما يفعله المحبُّ الصّادق، ويأتي به من
(7)
خدمة محبوبه: هو أسرُّ شيءٍ إليه، وألذُّه عنده، ولا يرى ذلك تكليفًا، لما في التّكليف من إلزام المكلّف بما فيه كُلفةٌ ومشقّةٌ عليه. والله سبحانه إنّما سمّى أوامره ونواهيه: وصيّةً، وعهدًا، وموعظةً، ورحمةً، ولم يطلق عليها اسم التّكليف إلّا في جانب النّفي كقوله:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. ووقوع الوسع بعد الاستثناء من التّكليف لا يوجب وقوع الاسم عليه مطلقًا. فهذا
(1)
ر: «ينفك» .
(2)
ت، ر، ط زيادة:«العبد» .
(3)
ت، ر، ط:«شاهده من» .
(4)
ت، ر، ط:«يتوجه» .
(5)
ش، د:«القلب» . والمثبت من ت، ر، وهو أنسب للسياق.
(6)
ت، ر، ط:«يتلذذ» .
(7)
ت، ر، ط:«في» .
أقرب ما يؤوّل به كلامه.
على أنّ للملحد
(1)
هاهنا مجالًا، وهو أنّ هذه الحال إنّما هي لأقوامٍ انتقلت عباداتُهم من ظواهرهم إلى بواطنهم، وانتقل حكم أورادهم إلى وارداتهم، فاستغنوا بالواردات عن الأوراد، وبالحقائق عن الرُّسوم، وبالمعاني عن الصُّور، فخلصوا من رقِّ التّكليف المختصِّ بالعلم، وقاموا بالحقيقة التي يقتضيها الحكم.
وهكذا الألفاظ المجملة عرضةٌ للمحقِّ والمبطل.
قوله: (ونفى صَغار الاختيار) يريد به أنّ العبد متى كان مربوطًا باختياراته، محبوسًا في سجن إراداته، فهو في ذلٍّ وصَغارٍ، فإذا وصل إلى هذه الدّرجة انتفى عنه صَغار الاختيار، وبقي من جملة الأحرار.
فيا لها عبوديّة أوجبت حرِّيّةً، وحرِّيّة كمّلت عبوديّةً! فيصير واقفًا مع ما يختار الله له، لا مع ما يختاره هو لنفسه. بل يصير مع الله بمنزلة من لا اختيار له البتّة. فمن كان محجوبًا بالعلم عن المعرفة، نازعَتْه اختياراتُه ونازعها، فهو معها في ذلٍّ وصَغارٍ. ومتى أفضى إلى المعرفة، وكُشِف له عن حجابها شهدَ
(2)
البلاءَ نعيمًا، والمنعَ عطاءً، والذُّلّ عزًّا، والفقرَ غنًى. فانقاد باطنه لأحكام المعرفة، وظاهره لأحكام العلم.
على أنّ للملحد
(3)
هاهنا مجالًا، قد جال فيه هو وطائفتُه فقال: «هذا
(1)
يعني العفيف التلمساني في شرح «منازل السائرين» (ص 469).
(2)
ر، ط:«شاهد» .
(3)
يعني العفيف التلمساني في شرح «منازل السائرين» (ص 470).
يوجب الانقياد لأحكام المعرفة، والرّاحة
(1)
من أحكام العلم. وقد قيل: إنّ العالم يُسْعِطك الخلَّ والخردل، والعارف يُنْشقك المسكَ والعنبر».
قال: «ومعنى هذا أنّك مع العالِم في تعبٍ، ومع العارف في راحةٍ، لأنّ العارفَ يبسطُ عُذرَ العوالم والخلائق، والعالم يلوم. وقد قيل: مَن نظَرَ إلى النّاس بعين العلم مقَتَهم، ومن نظرَهم
(2)
بعين الحقيقة عذَرَهم».
فانظر ما تضمّنه هذا الكلام ــ الذي ملمسه ناعمٌ، وسُمُّه
(3)
قاتلٌ ــ مِن الانحلال عن الدِّين، والرّاحة
(4)
من أحكام العبوديّة، وعذر
(5)
اليهود والنّصارى، وعبّاد الأوثان والظّلَمة والفَجَرة، وأنّ أحكام الأمر والنّهي ــ الواردَين على ألسنة الرُّسل ــ للقلوب بمنزلة مَن يُسعَط
(6)
الخلَّ والخردل، وأنّ شهود الحقيقة الكونيّة الشّاملة للخلائق، والوقوف معها، والانقياد لحكمها: بمنزلة تنشيق المسك والعنبر.
فلْيَهْن الكفّارَ والفجّار والفسّاق انتشاق هذا المسك والعنبر، إذا شهدوا هذه الحقيقة وانقادوا لحكمها. ويا رحمةَ الأبرار المُحكِّمين لما جاء به الرّسولُ مِن كثرة سُعوطهم بالخلِّ والخردل!
فإنّ قوله: هذا يجوز وهذا لا يجوز، وهذا حلالٌ وهذا حرامٌ، وهذا
(1)
ط زيادة: «والتخلص» ، وت:«والراحة والمعرفة» .
(2)
ر: «نظر» ، ط:«نظر إليهم» .
(3)
ط زيادة: «زعاف» .
(4)
زاد في ط: «ودعوى الراحة» .
(5)
ش، د:«عذر» ، وط بزيادة وتغيير:«والتماس الأعذار لليهود» .
(6)
ت، ر، ط:«سعط» .
يُرضي الله وهذا يُسخط الله= خلٌّ وخردلٌ عند هؤلاء الملاحدة. وإلّا فالحقيقة تُشْهِدُك الأمرَ بخلاف ذلك، ولذلك إذا نظرتَ عندهم إلى العالَم بعين الحقيقة عذرتَ الجميع، فتعذر مَن لامَه الله ورسولُه أعظم الملامة
(1)
.
ويا لله العجب! إذا كانوا معذورين في الحقيقة، فكيف يعذِّب الله سبحانه المعذورَ ويذيقه أشدّ العذاب؟ وهلّا
(2)
كان الغنيُّ الرّحيم أولى بعذره من هؤلاء؟
نعم، العالم يلومُ بأمر الله، والعارف
(3)
يرحم بقدَر الله، ولا يتنافى عنده اللّوم والرّحمة. ومِن رحمته: عقوبة مَن أمَر الله بعقوبته، فذلك رحمةٌ له وللأمّة، وتركُ عقوبته زيادةٌ في أذاه وأذى غيره.
وأنتَ مع العالم في تعبٍ يُعْقِبُ كلّ الرّاحة، ومع عارف هؤلاء في راحةٍ تعقب كلّ تعبٍ وألمٍ
(4)
، كما ذكر الإمام أحمد في «كتاب الزُّهد»
(5)
له: أنّ
(1)
العبارة في ط باختلاف وزيادة: «عندهم إلى الخلق
…
من توعّده الله ورسولُه أعظم الوعيد، وتهدّدَه أعظم التّهديد».
(2)
ش، د:«وهذا» ! والمثبت من ر، ت.
(3)
ط: «العلم الناصح .. والعارف الصادق» .
(4)
العبارة في ط بزيادات ميزتها باللون الداكن: «ومع عارفِ هؤلاء الملاحدة في راحة وهمية تعقب كل تعب وخيبة وألم» .
(5)
ليس في المطبوع من الزهد بهذا اللفظ، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور»:(3/ 562) لأحمد: عن وهب قال: قال عيسى للحواريين: بقدر ما تنصبون ههنا تستريحون ههنا [كذا ولعلها هنالك] وبقدر ما تستريحون ههنا تنصبون ههنا [كذا ولعلها هنالك].
وأخرج أحمد في «الزهد» (ص 94) من طريق عبد الله بن دينار البهراني قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام للحواريين: عليكم بخبز الشعير واخرجوا من الدنيا سالمين آمنين، بحقٍّ أقول لكم: إن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، وإن مرارة في الدنيا حلاوة في الآخرة.