الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يكون اسمه قد أقحم لأهواء سياسية ويجعلنا نشك أولا في رواية مدنية الآية وثانيا في الروايات المروية كسبب لنزولها. لأن هذا وذاك يقتضيان أن تكون نزلت منفردة بل ومجزّأة أي إن شطرا منها نزل في مناسبة وشطرا في مناسبة أخرى وأن تكون أقحمت على السياق إقحاما مع أنها منسجمة انسجاما تاما في السياق والموضوع وشطرها الأول متصل بشطرها الثاني. وفحوى الآية التالية لها والتي تعطف عليها وتنذر الظالمين وتحكي ما كان منهم من استكبار عن آيات الله وافتراء عليه يلهم بكل قوة أنها في صدد مشركي العرب موضوع الكلام في الآيات السابقة.
وقد رأينا الطبري يتحفظ بعض التحفظ في كون الآية نزلت للأسباب المذكورة في الروايات.
وقد يكون حادث ارتداد عبد الله بن سرح ولحوقه بمكة صحيحا «1» ولكن التوقف هو أن تكون الآية نزلت فيه.
والذي يتبادر لنا بقوة أن الآية الأولى بخاصة تضمنت ردا على الكفار الذين حكت الآية [90] إنكارهم لإنزال الله شيئا على بشر حيث قررت ضمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أنه ليس من أحد أشد ظلما ممن ينسب إلى الله ما ليس منه ويدعي بأنه موحى إليه ولم يوح إليه. ثم تبعتها الآيات التالية لها منددة منذرة. وبذلك يتصل السياق. والردّ قوي موجه إلى العقول والقلوب السليمة وقد تكرر في كل مرة حكى القرآن فيها زعم الكفار بافتراء النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن بنفس القوة والنفوذ ومن ذلك آية سورة الأحقاف هذه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8)[8] ومن هذا الباب آية سورة الشورى [24] وآية سورة يونس [17] .
[سورة الأنعام (6) : الآيات 95 الى 99]
إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)
(1) روى هذا الحادث ابن هشام أيضا انظر ج 4 ص 28.
(1)
فالق الحب والنوى: الفلق بمعنى الشق. والحب للزرع والنوى للشجر ومعنى الجملة الذي يفلق الحب والنوى ويجعلهما ينموان في الأرض فيكون منهما الزرع والشجر.
(2)
فالق الإصباح: بمعنى مخرج نور الفجر من ظلمة الليل.
(3)
وجعل الشمس والقمر حسبانا: حسبانا مصدر آخر لفعل حسب أيضا، ومعنى الجملة جعل الله حركات الشمس والقمر بحساب مقدر محدد.
(4)
ترتيب: مرتب ترتيبا دقيقا.
(5)
أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع: الشطر الأول يعني وحدة الذكر والأنثى كأنهما نصفان يتمم بعضهما بعضا، وقد تعددت تأويلات الشطر الثاني. ويتبادر لنا أن أوجهها هو (استقرار نسمة الحكمة واستيداعها) ويكون معنى الجملة والله أعلم أن الله خلقكم من نفس واحدة مقسومة إلى ذكر وأنثى. وجعل نسمة الحياة مستودعة في أصلاب الرجال ثم تصبح مستقرة في أرحام النساء.
(6)
خضرا: الرطب أو الطري من الزرع.
(7)
حبا متراكبا: حبا منضدا في السنابل.
(8)
طلعها: ثمرها.
(9)
قنوان: قطوف.
(10)
دانية: قريبة أو مدلاة سهلة التناول.
(11)
مشتبها وغير متشابه: مشتبه في الخلق والشكل والورق واللون غير متشابه في الثمر والطعم. أو منها ما هو متشابه في الشكل واللون والورق والثمر والطعم ومنها ما هو غير متشابه.
(12)
انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه: ينعه بمعنى نضجه وبلوغه ومعنى الجملة انظروا كيف يبدأ ثمره ثم ينمو حتى ينضج.
احتوت الآيات تنويها تقريريا بمظاهر قدرة الله تعالى وعظمته وبديع نواميس كونه في خلقه الحب والنوى وإخراجه الحي من الميت والميت من الحي. وفي خفاء وحركات الشمس والقمر والليل والنهار والنجوم وما يكون من هدايتها الناس في البر والبحر. وفي الماء الذي ينزل من السماء فينبت به متنوع النبات والشجر ذات الألوان والأشكال المتشابهة في المنظر المتغايرة في الثمر والطعم. وفي الإنسان الذي خلقه الله في الأصل نفسا واحدة ثم جعله سلالة يتوالد بعضها من بعض فتكون نسمة الحياة مستودعة في أصلاب الرجال ثم مستقرة في أرحام النساء. وفي جعله ينتفع بكل هذه المظاهر والنواميس في مختلف ظروف حياته ومعاشه ويقيم به أوده ويحمي به نفسه. وأسلوبها قوي نافذ، وقد انتهى كل مقطع منها بالتنبيه مرة على ما في هذه المظاهر من دلائل على وجود الله واستحقاقه للعبادة والخضوع له وحده، ومرة بالتنديد بالناس لانصرافهم عن التفكير في ذلك، ومرة بالتنويه بأن الله إنما يفصل الآيات للنبهاء والعقلاء والعلماء ليتدبروا فيها وليؤمن من حسنت نيته ورغب في الهدى.
وورود ضمير المخاطب الجمع فيها أولا وأسلوب خواتمها ثانيا يدلان على أن الآيات موجهة للكفار في الدرجة الأولى على سبيل التنديد بهم على تجاهلهم ما في الكون من مظاهر رائعة ينتفعون بها، وتدل على قوة الله تعالى وشمول قدرته وربوبيته، ثم على وقوفهم من الدعوة إليه وحده موقف المكابر الجاحد، وافترائهم عليه الكذب وإشراكهم غيره معه. وهي والحالة هذه متصلة بمواقف الحجاج والمناظرة التي ما فتئت فصول السورة تحكيها.