الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأخلاقية وسلوكية ويكون في الآية والحالة هذه خطاب لكل مسلم ومسلمة في كل ظرف ومكان بوجوب الدعوة إليها والاستمرار والثبات عليها.
ولا تخلو الآية بالإضافة إلى ذلك من تلقين مستمر المدى لكل داع مصلح من المسلمين إلى سبيل الله هذه بوجوب الثبات على دعوتهم الإصلاحية وعدم المبالاة بمن خالفها وناوأها. والله أعلم.
[سورة يوسف (12) : آية 109]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (109)
في الآية تقرير بأن الله تعالى لم يرسل من قبل النبي صلى الله عليه وسلم إلا رجالا مثله من أهل البلاد. وسؤال يتضمن معنى التنبيه والإنذار عما إذا كان الكفار لم يطوفوا في البلاد ولم يروا عاقبة الأمم التي وقفت مثل موقفهم مما لا يصح أن يكون من عاقل. وتقرير آخر بأن الدار الآخرة هي خير وأفضل للذين اتقوا الله، وأن عليهم أن يعقلوا هذه الحقيقة أيضا وقد تضمنت جملة أَفَلا تَعْقِلُونَ (109)[109] تبكيتا للكفار الذين خوطبوا بها لأنهم لم يدركوا هذه الحقيقة.
والآية متصلة بالسياق كما هو المتبادر وفيها استمرار في تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وقد تضمن السؤال الوارد فيها معنى التقرير بأن الكفار قد طافوا في الأرض ورأوا بأعينهم مشاهد تدمير الله للأقوام السابقين، وفي هذا حجة ملزمة كما هو ظاهر.
[سورة يوسف (12) : آية 110]
حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)
لقد تعددت التأويلات المروية للشطر الأول من الآية كما تعددت الروايات في قراءة (كذبوا) حيث قرئت بضم الكاف وتشديد الذال كما قرئت بفتح الكاف والذال وتخفيف الذال تبعا للتأويلات المروية. ومن هذه التأويلات ما روي عن
ابن عباس وهو أن معنى الآية: «حتى إذا يئس الرسل من أن يستجيب قومهم لهم وظنّ قومهم أن رسلهم قد كذبوا عليهم بما أوعدوهم به من عذاب» ومنها تأويل آخر عن ابن عباس أيضا: «حتى إذا يئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا (بفتح الكاف) بما وعدوا به الكافرين والمؤمنين من عذاب للأولين ونجاة للآخرين بسبب إبطاء الله تعالى في تحقيق ذلك» .
وعلل ابن عباس حسب الرواية موقف الرسل هذا بأنه مظهر من مظاهر الضعف البشري. ومن التأويلات تأويل مرويّ عن عائشة: «حتى إذا يئس الرسل وظنّ من آمن بهم من قومهم أنهم كذبوا عليهم بسبب تأخر ما وعدوا به» . وعللت عائشة حسب الرواية تأويلها بتنزيه الرسل عن الظن بأن الله أخلف بما وعدهم.
ومن التأويلات تأويل عن الحسن: «أن الرسل لما يئسوا من قومهم واستيقنوا من تكذيبهم لهم أنهم لا يرجى منهم إيمان وخير أرسل الله عليهم عذابه فنجّى المؤمنون وأهلك المجرمون» . ونحن نرى هذا التأويل أوجه التأويلات. وقد فسر الحسن كلمة (ظنوا) بمعنى (استيقنوا) وهو صواب يزول به على ما يتبادر لنا الإشكال الذي يبدو أن المؤولين رأوه في الآية. وعلماء اللغة يقررون أن فعل (ظن) يأتي بمعنى (أيقن) ، وقد جاء في هذا المعنى في سورة الكهف وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (53) .
وهكذا تكون الآية قد احتوت تقرير سنة الله تعالى من أنبيائه وأقوامهم، فقد كان معظم الأنبياء يدعون أقوامهم وظل معظم أقوامهم يقابلون الدعوة بالعناد والمناوأة فكان كل ما انقطع أمل الرسل من ارعواء أقوامهم واستيقنوا أنهم لن يلقوا من قومهم إلّا التكذيب جاءهم نصر الله فكان فيه تدمير المجرمين المكذبين ونجاة الرسل والمؤمنين. وهذه الصورة هي غالبية صور الأنبياء وأقوامهم كما حكاها القرآن مكررا في سور عديدة.
وتكون الآية بذلك متصلة هي الأخرى بالسياق السابق، ومعقبة عليه وفيها تطمين وتثبيت وبشرى للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وإنذار للكافرين المكذبين المجرمين.