الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذه السورة إلى شيء من ذلك. ولذلك طلب القرآن من الناس أن يتفكروا في أمر الدعوة النبوية وهم منفردون بإخلاص وتجرد وأن يترووا ويحكموا العقل ولا يؤخذوا بالتهويش والتشويش والعصبية والهوى، وحينئذ تبان لهم الحقيقة ساطعة ناصعة.
والخطاب في الآية وإن كان موجها للناس عامة فلا يبعد أن يكون قد قصد فيه بنوع خاص ذلك الفريق المعتدل الذي كان يعترف في نفسه بصدق النبي صلى الله عليه وسلم وكان خجله أو وجاهته أو مصلحته الخاصة أو مركزه في قومه وعشيرته أو سنّة تمنعه من الإسلام، وفي سورة القصص التي مرّ تفسيرها آيات تشير إلى بعض هؤلاء على ما نبهنا إليه في سياق تفسيرها. وقد وردت روايات عديدة تذكر ذلك أيضا وقد أوردنا بعضها في سياق تفسير بعض السور السابقة مثل القلم والمدثر والإسراء والقصص والأنعام وغيرها.
وكل ما انطوى في الآية من هذا مستمر التلقين في صدد مواقف التهويش والتشويش التي يقفها ذوو النيات السيئة والمآرب الخاصة من دعوة الإصلاح والحق كما هو المتبادر.
[سورة سبإ (34) : الآيات 51 الى 54]
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (51) وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (52) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (53) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54)
. (1) فزعوا: خافوا واندهشوا.
(2)
فلا فوت: لن يفوت منهم أحد أو يقال لهم ذلك.
(3)
التناوش: التناول أو التمسك.
(4)
ويقذفون بالغيب: كناية عن الاندفاع وراء الظنون والتخمينات، وحكاية
لما كانوا يفعلونه ويرمون به النبي صلى الله عليه وسلم.
(5)
حيل بينهم: بمعنى منعوا وحجبوا.
(6)
أشياعهم: بمعنى أمثالهم.
في الآيات إشارة إلى ما سوف يكون من حال الكفار حينما يحل فيهم وعد الله وقد بدأت بأسلوب فيه معنى التنبيه والإنذار ووجّه الخطاب فيه إلى السامع أو إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فحينما يحل وعد الله وعذابه سترى حال الكفار عجيبا وموقفهم رهيبا. حيث يعتريهم الفزع وتستولي عليهم الدهشة لأنهم يرون أنفسهم قد أخذوا بكل سرعة ومن أقرب مكان وآمنه في ظنهم. ودون أن يفوت أو يفلت منهم أحد. وحيث يهتفون بالإيمان ولكن هذا لا يكون مجديا لأن الأمر قد بعد عنهم وفرصة تناوله والانتفاع به قد ضاعت عليهم. فقد كفروا به من قبل وذهبوا في التخمين والظنون والرجم بالغيب في سياق التكذيب والجحود أبعد المذاهب. وسيحال بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأمثالهم الكافرين المكذبين من الأمم السابقة لهم، وحينئذ يرون حقيقة ما كانوا يشكون فيه شكهم الشديد المريب الذي لا يستندون فيه إلى عقل وحق وعلم.
وقد جاءت الآيات خاتمة للسورة، وهي في ذات الوقت استمرار للآيات السابقة لها بسبيل إنهاء موقف الجدل والمكابرة أو حكايته، وهي قوية نافذة، وقد استهدفت فيما استهدفته على ما يتبادر إثارة الخوف والندم في السامعين من المشركين وحملهم على الارعواء قبل فوات الفرصة.
ولقد أورد المفسرون تأويلا معزوا لبعض علماء التابعين لجملة وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (51) بأنها تعني أخذهم بعذاب دنيوي أو خسف أو انكسار في حرب أو في يوم بدر، وروح الآيات تلهم بقوة أنها بسبيل وصف مشهد الكفار يوم القيامة وتبكيتهم وإنذارهم.
ولقد أورد الطبري حديثا عن ربعي بن حراش قال: «سمعت حذيفة بن
اليمان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب.
قال: فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم السّفيانيّ من الوادي اليابس في فورة ذلك حتى ينزل دمشق فيبعث جيشين جيشا إلى المشرق وجيشا إلى المدينة حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف ويبقرون بها أكثر من مائة امرأة ويقتلون بها ثلاثمائة كبش من بني العباس ثم ينحدرون إلى الكوفة فيخربون ما حولها ثم يخرجون متوجّهين إلى الشام فتخرج راية هذا من الكوفة فتلحق ذلك الجيش منها على الفئتين فيقتلونهم لا يفلت منهم مخبر ويستنقذون ما في أيديهم من السّبي والغنائم ويخلي جيشه التالي بالمدينة فينتهبونها ثلاثة أيام ولياليها ثم يخرجون متوجهين إلى مكة حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله جبريل فيقول يا جبرائيل اذهب فأبدهم فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم فذلك قوله في سورة سبأ: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ [51] الآية، ولا ينفلت منهم إلّا رجلان أحدهما بشير والآخر نذير وهما من جهينة فلذلك جاء القول وعند جهينة الخبر اليقين» . وعقب الطبري على هذا برواية تفيد الشك في رواية الحديث عن سفيان الثوري الذي ذكر في سلسلة الرواة. والحديث متهافت ومحل شك بدون ريب وفيه صورة من صور التطبيق على الأحداث والأهواء والفتن التي كانت في الصدر الإسلامي وزمن الأمويين وبعدهم مما يقع المرء على كثير منه على هامش الآيات القرآنية. ولقد أورد الطبري بعد إيراده الحديث والرواية المشككة فيه أقوالا معزوة إلى عطاء ومجاهد وقتادة تفيد أن الجملة القرآنية هي في صدد مشهد المشركين يوم القيامة أو جهة خروجهم من قبورهم وهو ما تلهم روح الآيات على ما نبهنا عليه آنفا.