الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{الفصل الأول}
1830-
(1) عن ابن عمر، قال: ((فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر
ــ
فرض آخر قلت: حديث قيس هذا سنده صحيح رواته ثقات، وقد صححه الحاكم والذهبي، والقول بأن في سنده راوياً مجهولاً خطأ فليس فيه مجهول قط. وقال الخطابي: حديث قيس هذا لا يدل على زوال وجوبها، وذلك أن الزيادة في جنس العبادة لا توجب نسخ الأصل المزيد عليه، غير أن محل سائر الزكوات الأموال، ومحل زكاة الفطر الرقاب - انتهى. وقال البيهقي: هذا لا يدل على سقوط فرضها، لأن نزول فرض لا يوجب سقوط آخر. وقد أجمع أهل العلم على وجوب زكاة الفطر، وإن اختلفوا في تسميتها فرضاً فلا يجوز تركها، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على فرضية صدقة الفطر. قلت: فيه نظر لما تقدم من الإختلاف في ذلك.
1830-
قوله: (فرض) أي أوجب وألزم (رسول الله صلى الله عليه وسلم) وما أوجبه فبأمر الله {وما ينطق عن الهوى} [النجم:3] قال الطيبي: دل قوله "فرض" على أن صدقة الفطر فريضة، والحنفية على أنها واجبة. قال القاري: لعدم ثبوتها بدليل قطعي فهو فرض عملي لا اعتقادي. وقال السندي: الحديث من أخبار الآحاد فمؤداه الظن فلذلك قال بوجوبه دون افتراضه، من خص الفرض بالقطع والواجب بالظن - انتهى. وقال ابن حجر: في الحديث دليل لمذهبنا، ولما رأى الحنفية الفرق بين الفرض والواجب بأن الأول ما ثبت بدليل قطعي. والثاني: ما ثبت بظني. قالوا: إن الفرض هنا بمعنى الواجب. وفيه نظر؛ لأن هذا قطعي لمعا علمت أنه مجمع عليه فالفرض فيه باق على حاله حتى على قواعدهم فلا يحتاج لتأويلهم الفرض هنا بالواجب - انتهى. قال القاري: وفيه أن الإجماع على تقدير ثبوته إنما هو في لزوم هذا الفعل، وأما أنه على طريق الفرض أو الواجب بناء على إصطلاح الفقهاء المتأخرين فغير مسلم، وأما قوله: ووجوبها مجمع عليه كما حكاه المنذري والبيهقي فمنقوض بأن جمعاً حكوا الخلاف فيها (كما تقدم) . قلت: حمل اللفظ في كلام الشارع على الحقيقة الشرعية متعين، لكن حمله على المصطلح الحادث غير صحيح، والصحابة رضي الله عنهم ما كانوا يعرفون هذا الاصطلاح الحادث. والفرق الذي قال به الحنفية فالظاهر هو ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة من أن صدقة الفطر فريضة (زكاة الفطر) زاد مسلم في رواية "من رمضان" ونصبها على المفعولية "وصاعاً" بدل منها أو حال أو تميز أو على نزع الخافض أي في زكاة رمضان والمفعول "صاعاً" وقيل: نصب "صاعاً" على أنه مفعول ثان. واستدل بقوله "زكاة الفطر" على أن وجوبها غروب الشمس ليلة الفطر؛ لأنه وقت الفطر من رمضان. وقيل: وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد؛ لأن الليل ليس محلاً للصوم، وإنما يتبين الفطر الحقيقي بالأكل بعد طلوع الفجر، والأول: قول الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي في الجديد وإحدى الراويتين عن مالك. والثاني: قول أبي حنيفة والليث والشافعي في
صاعاً من تمر،
ــ
القديم، والرواية الثانية عن مالك. قال الحافظ: ويقويه قوله في الحديث وأمر بها أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة. قال المازري قيل: إن الخلاف ينبني على أن قوله: الفطر من رمضان الفطر المعتاد في سائر الشهر، فيكون الوجوب بالغروب أو الفطر الطاريء بعد فيكون بطلوع الفجر. وقال ابن دقيق العيد (ج2 ص198) ما محصله الاستدلال بذلك لهذا الحكم ضعيف، لأن إضافتها إلى الفطر من رمضان، لا يستلزم أنه وقت الوجوب بل يقتضي إضافة هذه الزكاة إلى الفطر من رمضان. وأما وقت وجوب فيؤخذ من أمر آخر. وقال ابن قدامة:(ج3 ص67) أما وقت وجوب زكاة الفطر فهو وقت غروب الشمس من آخر يوم من رمضان، فإنها تجب بغروب الشمس من آخر شهر رمضان، فمن تزوج أو ملك عبداً أو ولد له ولدا أو أسلم قبل غروب الشمس فعليه الفطرة، وإن كان بعد الغروب لم تلزمه، ولو كان حين الوجوب معسراً ثم أيسر في ليلته تلك أو فييومه لم يجب عليه شيء، ولو كان في وقت الوجوب موسراً ثم أعسر لم تسقط عنه اعتباراً بحالة الوجوب. ومن مات بعد غروب الشمس ليلة الفطر فعليه صدقة الفطر، نص عليه أحمد وبما ذكرنا في وقت الوجوب. قال الثوري وإسحاق ومالك في إحدى الروايتين عنه والشافعي في أحد قوليه. وقال الليث وأبوثور وأصحاب الرأي: تجب بطلوع الفجر يوم العيد وهو رواية عن مالك (صاعاً من تمر) وهو خمسة أرطال وثلث رطل بالبغدادي، ويقال له: الصاع الحجازي؛ لأنه كان مستعملا في بلاد الحجاز، وهو الصاع الذي كان مستعملاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وبه كانوا يخرجون صدقة الفطر. وزكاة المعشرات وغيرهما من الحقوق الواجبة المقدرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وأبويوسف وعلماء الحجاز. وقال أبوحنيفة ومحمد. بالصاع العراقي، وهو ثمانية أرطال بالرطل المذكور. وإنما قيل له العراقي، لأنه كان مستعملاً في بلاد العراق، وهو الذي يقال له الصاع الحجاجي؛ لأنه أبرزة الحجاج الوالي، وكان أبويوسف يقول كقول أبي حنيفة ثم رجع إلى قول الجمهور، لما تناظر مع مالك بالمدينة فأراه الصيعان التي توراثها أهل المدينة عن إسلافهم من زمن النبي صلى الله عليه وسلم. فائدة قال القسطلاني: الرطل البغدادي مائة وثلاثون درهماً على الأصح عند الرافعي ومائة وثمانية وعشرون درهماً، وأربعة أسباع درهم على الأصح عند النووي، فالصاع على الأول ستمائة درهم وثلاثون وتسعون درهماً وثلث درهم، وعلى الثاني: ستمائة درهم وخمسة وثمانون درهماً وخمسة أسباع درهم والأصل الكيل. وإنما قدر بالوزن استظهاراً. قال في الروضة: وقد يشكل ضبط الصاع بالأرطال فإن الصاع المخرج به في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مكيال معروف، ويختلف قدره وزناً باختلاف جنس ما يخرج كالذرة والحمص وغيرهما. والصواب ما قاله أبوالفرج الدارمي من الشافعية، إن الاعتماد على الكيل بصاع معاير بالصاع الذي كان يخرج به في عصره صلى الله عليه وسلم، ومن لم يجده لزمه إخراج قدر يتيقن أنه لا ينقص عنه وعلى هذا فالتقدير بخمسة أرطال وثلاث رطل تقريب - انتهى. وقد سبق شيء من الكلام فيه في شرح حديث الأوساق ومن أراد
أو صاعاً من شعير،
ــ
مزيد التفصيل فليرجع إلى طرح التثريب (ج4 ص53- 54- 55) . (أو صاعاً من شعير) قال الباجي: لفظة أو ههنا على قول جماعة أصحابنا لا يصح أن تكون للتخيير، وإنما هي للتقسيم، ولو كانت للتخيير لاقتصى أن يخرج الشعير من قوته غيره من التمر مع وجوده، ولا يقول هذا أحد منهم فتقديره صاعاً من تمر على من كان ذلك قوته، أو صاعا من شعير على من كان ذلك قوته - انتهى. وقال القاري: أو للتخيير بين النوعين وما في معناهما فليس ذكرهما لحصر إلا عطاء منها - انتهى. قلت: الظاهر إن "أو" للتخيير وإنه يخرج من أيهما شاء صاعاً وسيأتي مزيد الكلام عليه في شرح حديث أبي سعيد. قال الحافظ: لم تختلف الطرق عن ابن عمر في الاقتصار على هذين الشيئين إلا ما أخرجه أبوداود والنسائي وغيرهما من طريق عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع، فزاد فيه السلت والزبيب. فأما السلت فهو نوع من الشعير. وأما الزبيب فسيأتي ذكره في حديث أبي سعيد. وأما حديث ابن عمر فقد حكم مسلم في كتاب التمييز على عبد العزيز فيه بالوهم - انتهى. قلت: ظاهر رواية الكتاب إنه لا يجزيء غير التمر والشعير. وبذلك قال ابن حزم ومن وافقه: لكن ورد في روايات أخرى ذكر أجناس أخرى وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى. قال العيني: يستفاد من الحديث إن صدقة الفطر من التمر والشعير صاع، ومذهب داود ومن تبعه أنه لا يجوز إلا من التمر والشعير، ولا يجزيء عنده قمح ولا دقيقة ولا دقيق شعير ولا سويق ولا خبز ولا زبيب ولا غير ذلك. واحتج في ذلك بهذا الحديث قال: لأنه ذكر فيه ابن عمر التمر والشعير ولم يذكر غيرهما - انتهى. وقال القسطلاني: يجب من غالب قوت بلده "فأو" ليست للتخيير بل لبيان الأنواع التي يخرج منها، وذكراً لأنهما الغالب في قوت أهل المدينة، وجاءت أحاديث أخرى بأجناس أخرى وسيأتي مزيد الكلام في هذه المسألة. واستدل بإطلاق الحديث على وجوب صدقة الفطر على أهل البادية والعمود والقرى، وعلى أن النصاب ليس بشرط، ويدل عليه أيضاً رواية مالك بلفظ: فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس. واختلف العلماء في ذلك. قال ابن رشد: (ج1 ص250) أجمعوا على أن المسلمين مخاطبون بها ذكراناً كانوا أو إناثاً صغاراً أو كباراً عبيداً أو أحراراً لحديث ابن عمر إلا ما شذ فيه الليث. فقال: ليس على أهل العمود زكاة الفطر، وإنما هي على أهل القرى ولا حجة له. قال وليس من شرط هذه الزكاة الغناء عند أكثرهم ولا نصاب بل أن تكون فضلاً عن قوته وقوت عياله. وقال أبوحنيفة وأصحابه: لا يجب على من تجوز له الصدقة؛ لأنه لا يجتمع أنه تجوز له، وإن تجب عليه وذلك بين - انتهى. وقال ابن قدامة:(ج3 ص60) أكثر أهل العلم يوجبون صدقة الفطر على أهل البادية، روى ذلك عن ابن الزبير، وبه قال ابن النسيب والحسن ومالك والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي. وقال عطاء والزهري وربيعة: لا صدقة عليهم، ولنا عموم الحديث. ولأنها زكاة فوجبت عليهم كزكاة المال، ولأنهم مسلمون فيجب عليهم صدقة الفطر كغيرهم. وقال (ج3 ص73) تحت قول الخرقي إذا كان عنده فضل عن قوت يومه
على العبد والحر
ــ
وليلته. صدقة الفطر واجبة على من قدر عليها، ولا يعتبر في وجوبها نصاب، وبهذا قال أبوهريرة وأبوالعالية والشعبي وعطاء وابن سيرين والزهري ومالك وابن المبارك والشافعي وأبوثور. وقال أصحاب الرأي: لا تجب إلا على من يملك مائتي درهم أو ما قيمته نصاب فاضل عن مسكنه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا صدقة إلا عن ظهر غني (أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعاً) والفقير لا غنى له فلا تجب عليه كمن لا يقدر عليها، ولنا ما روى ثعلبة بن أبي صعير عن أبيه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أدوا صدقة الفطر- الحديث. وفيه غنى أو فقير. أما غنيكم فيزكيه الله. وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى. والذي قاسوا عليه عاجز فلا يصح القياس عليه وحديثهم محمول على زكاة المال - انتهى. وقال الشوكاني في النيل: قد اختلف في القدر الذي يعتبر ملكه لمن تلزمه الفطرة فقال أبوحنيفة وأصحابة: أنه يعبر أن يكون المخرج غنياً غنى شرعياً، واستدل لهم بقوله صلى الله عليه وسلم: إنما الصدقة ما كان عن ظهر غنى (أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعاً) وبالقياس على زكاة المال. ويجاب بأن الحديث لا يفيد المطلوب؛ لأنه بلفظ: خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى كما أخرجه أبوداود - انتهى. قلت: وأخرجه البخاري أيضاً بهذا اللفظ وهو مشعر، بأن النفي في رواية أحمد للكمال، لا للحقيقة. فالمعنى لا صدقة كاملة إلا عن ظهر غني. قال الشوكاني: وأما الاستدلال بالقياس فغير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق، إذ وجوب الفطرة متعلق بالأبدان. والزكاة بالأموال. وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: إنه يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكاً لقوت يوم وليلة. لما روى أنه طهرة للصائم ولا فرق بين الغني والفقير في ذلك. ويؤيد ذلك ما روى من تفسيره صلى الله عليه وسلم من لا يحل له السؤال بمن يملك ما يغديه ويعشيه وهذا هو الحق، لأن النصوص أطلقت ولم يخص غنياً ولا فقيراً ولا مجال للاجتهاد في تعيين المقدار الذي يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكاً له ولاسيما والعلة التي شرعت لها الفطرة موجودة في الغني والفقير وهي التطهرة من اللغو والرفث واعتبار كونه وأجد القوت يوم وليلة أمر لابد منه، لأن المقصود من شرع الفطرة إغناء الفقراء في ذلك اليوم كما أخرجه البيهقي والدارقطني عن ابن عمر مرفوعاً وفيه: أغنوهم في هذا اليوم وفي رواية للبيهقي: أغنوهم عن طواف هذا اليوم، وأخرجه أيضاً ابن سعد في الطبقات من حديث عائشة وأبي سعيد فلو لم يعتبر في حق المخرج ذلك لكان ممن أمرنا بإغناءه في ذلك اليوم، لا من المأمورين بإخراج الفطرة وإغناء غيره. وبهذا يندفع ما اعترض به صاحب البحر عن أهل هذه المقالة من أنه يلزمهم إيجاب الفطرة على من لم يملك إلا دون قوت اليوم ولا قائل به - انتهى كلام الشوكاني. (على العبد) ظاهره إخراج العبد عن نفسه ولم يقل به إلا داود. فقال يجب على السيد إن يمكن العبد من الاكتساب لها كما يجب عليه أن يمكنه من الصلاة وخالفه أصحابة والناس. واحتجوا بحديث أبي هريرة مرفوعاً: ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر أخرجه، مسلم ومقتضاه إنها ليست عليه بل على سيده. ثم افترقوا
والذكر والأنثى
ــ
فرقتين فقالت طائفة: تجب على السيد ابتداء، وكلمة "على" بمعنى عن وحروف الجر يقوم بعضها مقام بعض وقال آخرون: تجب على العبد ثم يحملها سيده عنه فكلمة الاستعلاء جارية على ظاهرها وقال القاضي البيضاوي: جعل وجوب زكاة الفطر على السيد كالوجوب على العبد مجازاً، إذ ليس هو أهلاً، لأن يكلف بالواجبات المالية، ويؤيد ذلك عطف الصغير عليه. ولفظ "العبد" يعم عبد التجارة وغيره فتجب على السيد عن عبيده سواء كانوا لتجارة أو لغير تجارة، وإليه ذهب الأئمة الثلاثة خلافا لأبي حنيفة والنخعي وعطاء. قال ابن قدامة: فأما العبيد فإن كانوا لغير التجارة فعلى سيدهم فطرتهم لا نعلم فيه خلافاً، وإن كانوا للتجارة فعليه أيضاً فطرتهم، وبهذا قال مالك والليث والأوزاعي والشافعي وإسحاق وابن المنذر. وقال عطاء والنخعي والثوري وأصحاب الرأي: لا تلزمه فطرتهم؛ لأنها زكاة ولا تجب في مال واحد زكاتان وقد وجبت فيهم زكاة التجارة، فيمتنع وجوب الزكاة الأخرى. ولنا عموم الأحاديث. ولأن نفقتهم واجبة فوجبت فطرتهم كعبيد القنية، أو نقول مسلم تجب مؤنته فوجبت فطرته كالأصل وزكاة الفطر تجب على البدن، ولهذا تجب على الأحرار وزكاة التجارة عن القيمة وهي المال - انتهى. (والذكر والأنثى) ظاهر وجوبها على المرأة سواء كان لها زوج أم لا، وبه قال الثوري وأبوحنيفة وابن المنذر. وقال مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق تجب على زوجها إلحاقاً بالنفقة، وفيه نظر، لأنهم قالوا: إن أعسر وكانت الزوجة أمة وجبت فطرتها على السيد بخلاف النفقة فافترقا. واتفقوا على أن المسلم لا يخرج عن زوجته الكافرة مع أن نفقتها تلزمه. وإنما احتج الشافعي بما رواه من طريق محمد بن علي بن الباقر مرسلاً نحو حديث ابن عمر، وزاد فيه ممن تمونون. وأخرجه البيهقي من هذا الوجه فزاد في سنده ذكر على وهو منقطع أيضاً. وأخرجه من حديث ابن عمر وإسناده ضعيف كذا في الفتح. وقال ابن قدامة:(ج3 ص69) في شرح قول الخرقي "ويلزمه أن يخرج عن نفسه وعن عياله" عيال الإنسان من يعوله أي يمونه فتلزمه فطرتهم كما تلزمه مؤنتهم، ذا وجد ما يؤدي عنهم لحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر عن كل صغير وكبير وحر وعبد ممن تمونون. والذين يلزم الإنسان نفقتهم وفطرتهم ثلاثة أصناف. الزوجات، والعبيد، والأقارب. فأما الزوجات: فعليه فطرتهن، وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق. وقال أبوحنيفة والثوري وابن المنذر لا تجب عليه فطرة امرأته وعلى المرأة فطرة نفسها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: صدقة الفطر على كل ذكر وأنثى، ولأنها زكاة فوجبت عليها كزكاة مالها. ولنا الخير ولأن النكاح سبب تجب به النفقة فوجبت به الفطرة كالملك والقرابة بخلاف زكاة المال فإنها لا تتحمل بالملك والقرابة قال: وإن نشزت المرأة في وقت الوجوب ففطرتها على نفسها دون زوجها، لأن نفقتها لا تلزمه. واختار أبوالخطاب: إن عليه فطرتها لأن الزوجية ثابتة عليها فلزمته فطرتها والأول أصح، لأن هذه ممن لا تلزمه مؤنته فلا تلزمه فطرته كالأجنبية، وكذلك كل امرأة لا يلزمه نفقتها كغير المدخول بها إذا لم تسلم إليه. والصغيرة التي لا يمكن
والصغير والكبير من المسلمين.
ــ
الاستمتاع بها فإنه لا تلزمه نفقتها ولا فطرتها؛ لأنها ليست من يمون - انتهى. قال ابن رشد: (ج1 ص251) اتفق الجمهور على أن هذه الزكاة ليست بلازمة لمكلف مكلف في ذاته فقط، كالحال في سائر العبادات، بل ومن قبل غيره لإيجابها على الصغير والعبيد، فمن فهم من هذا علة الحكم الولاية. قال الولي: يلزمه إخراج الصدقة عن كل ما يليه، ومن فهم من هذه النفقة قال المنفق يجب أن يخرج الزكاة عن كل من ينفق عليه بالشرع، وإنما عرض هذا الاختلاف لأنه اتفق في الصغير والعبد وهما اللذان نبها على أن هذه الزكاة ليست معلقة بذات المكلف فقط، بل ومن قبل غيره إن وجدت الولاية فيها. ووجوب النفقة فذهب مالك (ومن وافقه) إلى أن العلة في ذلك وجوب النفقة، وذهب أبوحنيفة إلى أن العلة في ذلك الولاية ولذلك اختلفوا في الزوجة - انتهى. (والصغير والكبير) ظاهره وجوبها على الصغير لكن المخاطب عنه وليه فوجوبها على هذا في مال الصغير فيخرج عنه وليه من ماله. وإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته من أب وغيره، وهذا قول الجمهور. وقال محمد بن الحسن: هي على الأب مطلقاً، ولو كان للصغير مال لم تخرج عنه. فإن لم يكن له أب فلا شيء عليه، وقال ابن حزم: هي في مال الصغير إن كان له مال. وإلا سقطت عنه، قال ابن قدامة: وعموم قوله الصغير والكبير يقتضي وجوبها على اليتيم، ولأنه مسلم فوجبت فطرته كما لو كان له أب. وقال الحسن وابن المسيب والشعبي: لا تجب إلا على من صام. لحديث ابن عباس الآتي صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث. وأجيب بأن ذكر التطهير خرج على الغالب كما أنها تجب على من لم يذنب كمتحقق الصلاح، أو من أسلم قبل غروب الشمس بلحظة (من المسلمين) لأئمة الحديث كلام طويل في هذه اللفظة، لأنه لم يتفق عليها الرواة لهذا الحديث إلا أنها زيادة من عدل ثقة حافظ فتقبل، وهي تدل على اشتراط الإسلام في وجوب صدقة الفطر، وإنها لا تجب على الكافر عن نفسه وهذا متفق عليه. وهل يخرجها المسلم عن عبده الكافر؟ فقال الجمهور: لا خلافاً لعطاء والنخعي وإسحاق ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير والثوري وأبي حنيفة وأصحابة. واستدلوا بعموم قوله: ليس على المسلم في عبده إلا صدقة الفطر. وأجاب الآخرون بأن الخاص يقضي على العام. فعموم قوله: في عبده مخصوص بقوله: من المسلمين وفيه ما قال الشوكاني إن قوله من المسلمين أعم من قوله في عبده من وجه، وأخص من وجه فتخصيص أحدهما بالآخر تحكم ولكنه يؤيد اعتبار الإسلام ما عند مسلم بلفظ: على كل نفس من المسلمين حر أو عبد واحتج بعضهم على وجوب إخراجها عن العبد الكافر بما روى الدارقطني وغيره عن ابن عمر أنه كان يخرج عن عبده الكافر، وهو أعرف بمراد الحديث وتعقب بأنه لو صح حمل على أنه كان يخرج عنهم تطوعاً ولا مانع واحتج بعضهم أيضاً بما
وأمر بها أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة)) . متفق عليه.
ــ
روى الدارقطني عن ابن عباس مرفوعاً، أدوا صدقة الفطر عن كل صغير أو كبير ذكر أو أنثى يهودي أو نصراني حر أو مملوك - انتهى. وأجيب عنه بأنه حديث ضعيف جداً، فإن مسنده سلاماً الطويل وهو متروك وأجاب الطحاوي عن قوله من المسلمين بأنه صفة للمخرجين لا للمخرج عنهم. ورُدّ بأنه يأباه ظاهر الحديث؛ لأن فيه العبد وكذا الصغير، وهما ممن يخرج عنه فدل على أن الصفة الإسلام لا تختص بالمخرجين ويؤيده رواية مسلم بلفظ: على كل نفس من المسلمين حر أو عبد - الحديث. وقال في المصابيح: هو نص ظاهر في أن قوله من المسلمين صفة لما قبله من المنكرات المتعاطفات بأو فيندفع قول الطحاوي بأنه خطاب متوجه، معناه إلى السادة يقصد بذلك الاحتجاج لمن ذهب إلى إخراج زكاة الفطر عن العبد الكافر - انتهى. وأجاب بعض الحنفية بجواب آخر وهو أن قوله: من المسلمين لا يعتبر مفهومه المخالف عند الحنفية. قالوا: والنكتة في ذكر هذا القيد هي التنبيه على الأهم والأشراف حيث نص عليه بعد دخوله تحت الاسم المطلق. وفيه إن مسألة مفهوم المخالفة مبحث لغوي، واستعمال أهل اللغة والشرع لمفهوم الصفة وعلمهم به معلوم لكل من له علم بذلك. وأما النكنة المذكورة فلا تتمشي ههنا لما وقع في رواية لمسلم: فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين حر أو عبد أو رجل أو امرأة صغير أو كبير.. الخ فافهم (وأمر) أي رسول الله ` صلى الله عليه وسلم (بها) أي بصدقة الفطر (أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة) أي صلاة العيد. قال الطيبي: هذا أمر استجاب لجواز التأخير عن الخروج عند الجمهور إلى الغروب وحكى الخطابي الإجماع على هذا الاستحباب، وقال العيني: لم يحك الترمذي فيه خلافاً. وقال ابن حزم: الأمر فيه للوجوب فيحرم تأخيرها عن ذلك الوقت- انتهى. وقال الحافظ: استدل به على كراهة تأخيرها عن ذلك، وحمله ابن حزم على التحريم - انتهى. قلت: يدل الحديث على أن المادرة بها هي المطلوب المأمور بها فلو أخرها عن الصلاة أثم وخرجت عن كونها صدقة فطر، وصارت صدقة من الصدقات. وقد ورد ذلك مصرحاً عند أبي داود من حديث ابن عباس. قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصيام من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات - انتهى. قال القاري: هذا الخبر يفيد الوجوب إلا أن جماعة إدعوا إن إخراجه قبل صلاة العيد أفضل إجماعاً - انتهى. قلت ويؤكد كون الأمر للوجوب ما روى ابن عدي والدارقطني وغيرهما من حديث ابن عمر، أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم - انتهى. فإنه لا يحصل الغني للفقراء في هذا اليوم والاستراحة عن الطواف، إلا بإعطاءهم صدقة الفطر أول اليوم. فالحق عندي: هو إن الأمر في حديث الباب للوجوب لا للاستجاب والله تعالى أعلم. (متفق عليه)
1831-
(2) وعن أبي سعيد، قال: ((كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام،
ــ
وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم مطولاً ومختصراً، من أحب الوقوف على اختلاف ألفاظه رجع إلى جامع الأصول (ج5 ص347- 348- 349) والتقريب مع طرح التثريب (ج4 ص43، 48) .
1831-
قوله: (كنا نخرج زكاة الفطر) وفي رواية للبخاري كنا نعطيتها في زمان النبي صلى الله عليه وسلم. وفي أخرى له أيضاً كنا نخرج في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وعند مسلم كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر. قال الحافظ: هذا حكمه الرفع لإضافته إلى زمنه صلى الله عليه وسلم، ففيه إشعار بإطلاعه صلى الله عليه وسلم على ذلك وتقريره له، ولاسيما في هذه الصورة التي كانت توضع عنده وتجمع بأمره وهو الآمر بقبضها وتفريقها - انتهى. وفي هذا رد على ابن حزم في زعمه إن حديث أبي سعيد ليس مسنداً، لأنه ليس فيه إن رسول الله علم بذلك وأقره، وهذا لأن ألفاظ الحديث تدل على أن ذلك كان معلوماً معروفاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يخفي مثل ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم (صاعاً من طعام) قال السندي في حاشية ابن ماجه: يحتمل إن صاعاً من طعام أريد به صاع من الحنطة فإن الطعام وإن كان يعم الحنطة وغيرها لغة لكن اشتهر في العرف إطلاقه على الحنطة، ويؤيده المقابلة بما بعده، ويحتمل أن يكون صاعاً من طعام مجملاً ويكون ما بعده بياناً له كأنه بين إن الطعام الذي كانوا يعطون منه الصاع، كان تمراً وشعيراً وإقطاً لا حنطة. ويؤيده ما روى البخاري عن أبي سعيد كنا نخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفطر صاعاً من طعام وكان طعامنا يومئذ الشعير والزبيب والأقط والتمر، وكذا ما رواه ابن خزيمة عن ابن عمر قال: لم تكن الصدقة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا التمر والزبيب والشعير ولم تكن الحنطة فينبغي أن يتعين الحمل على هذا المعنى، بل يستعبد أن يكون المعلوم عندهم المعلوم فيما بينهم صاعاً من الحنطة فيتركونه إلى نصفه بكلام معاوية، بل لا يبقى لقول معاوية، إن النصف يعدل الصاع حينئذ وجه إلا بتكلف. وبالجملة فمعنى هذا الحديث أنه ما كان عندهم نص منه صلى الله عليه وسلم في البر بصاع أو بنصفه، وإلا فلو كان عندهم حديث بالصاع، لما خالفوه، أو بنصفه لما احتاجوا إلى القياس، بل حكموا بذلك ويدل على هذا حديث ابن عمر في هذا الباب المروي في الصحاح - انتهى كلام السندي. قلت: اختلفوا في تعيين المراد من الطعام في هذا الحديث، قال الخطابي في المعالم (ج2 ص50- 51) : زعم بعض أهل العلم إن المراد بالطعام هنا الحنطة، وأنه عندهم اسم خاص للبر. قال: ويدل على صحة ذلك أنه ذكر في الخبر الشعير والأقط والتمر والزبيب وهي أقواتهم التي كانوا يقتاتونها في الحضر والبدو، ولم يذكر الحنطة وكانت أغلاها وأفضلها كلها، فلولا أنه أرادها بقوله"صاعاً من طعام" لكان يجري ذكرها عند التفصيل كما جرى ذكر غيرها من سائر الأقوات، ولاسيما حيث عطفت عليها بحرف
..........................
ــ
أو الفاصلة. وقال ابن دقيق العيد (ج2 ص200) : قد كانت لفظة الطعام تستعمل في البر عند الإطلاق حتى إذا قيل: أذهب إلى سوق الطعام فهم منه سوق البر، وإذا غلب العرف بذلك نزل اللفظ عليه، لأن ما غلب إطلاق اللفظ عليه فحطورة عند الإطلاق أقرب فينزل اللفظ عليه. قال الخطابي: وزعم الآخرون إن هذا جملة قد فصلت، والتفصيل لا يخالف الجملة. وإنما قال. في أول الحديث صاعاً من طعام، ثم فصله. فقال: صاعاً من أقط أو صاعاً من شعير أو كذا أو كذا، واسم الطعام شامل لجميع ذلك - انتهى. وقال القاري: قال علماءنا: إن المراد بالطعام المعنى الأعم لا الحنطة بخصوصها، فيكون عطف ما بعده عليه من باب عطف الخاص على العام، واستدركه الكرماني فقال: لكن هذا العطف إنما هو فيما إذا كان الخاص أشرف وهذا بعكس ذلك. قال الحافظ: وقد رد ذلك أي حمل الطعام على البر ابن المنذر. وقال: ظن أصحابنا إن قوله في حديث أبي سعيد صاعاً من طعام حجة لمن قال صاعاً من حنطة وهذا غلط منه، وذلك إن أباسعيد أجمل الطعام ثم فسره، ثم أورد طريق حفص ابن ميسرة عند البخاري وغيره، إن أباسعيد قال: كنا نخرج في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفطر صاعاً من طعام. قال أبوسعيد: وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر وهي ظاهرة فيما قال. وأخرج الطحاوي نحوه من طريق أخرى. وقال: فيه "ولا يخرج غيره" وفيه قوله فلما جاء معاوية وجاءت السمراء دليل على أنها لم تكن قوتاً لهم قبل هذا، فدل على أنها لم تكن كثيرة ولا قوتاً فكيف يتوهم أنهم أخرجوا ما لم يكن موجوداً - انتهى كلامه. وأخرج ابن خزيمة من طريق فضيل بن غزوان عن نافع عن ابن عمر قال: لم تكن الصدقة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا التمر والزبيب والشعير ولم تكن الحنطة، ولمسلم من وجه آخر عن عياض عن أبي سعيد كنا نخرج من ثلاثة أصناف صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من شعير، وكأنه سكت عن الزبيب في هذه الرواية لقلته بالنسبة إلى الثلاثة المذكورة. وهذه الطرق كلها تدل على أن المراد بالطعام في حديث أبي سعيد غير الحنطة، فيتحمل أن تكون الذرة فإنه المعروف عند أهل الحجاز الآن وهي قوت غالب لهم، وقد روى الجوزقي من طريق ابن عجلان عن عياض في حديث أبي سعيد صاعاً من تمر، صاعاً من سلت أو ذرة - انتهى كلام الحافظ. وأجاب البرماوي عن رواية حفص بن ميسرة بأن الطعام فيها محمول على معناه اللغوي الشامل لكل مطعوم. قال: فلا ينافي تخصيص الطعام فيما سبق بالبر؛ لأنه قد عطف عليه الشعير وغيره فدل على التغاير، وهذا كالوعد فإنه عام في الخير والشر، وإذا عطف عليه الوعيد خص بالخير وليس هو من عطف الخاص على العام، نحو فاكهة ونخل ورمان وملائكته وجبريل. فإن ذلك إنما هو فيما إذا كان الخاص أشرف وهنا بالعكس. وقال الكرماني: فإن قلت قوله قال أبوسعيد: وكان طعامنا. الخ مناف لما تقدم من قولك إن الطعام هو الحنطة ثم أجاب بقوله: لا نزاع في أن الطعام بحسب اللغة عام لكل إنما البحث فيما يعطف عليه الشعير وسائر الأطعمة
.........................
ــ
فإن العطف قرينة لإرادة المعنى العرفي منه وهو البر بخصوصه - انتهى. ولا يخفى ما فيه من التكلف والظاهر عندي: هو قول من قال إن الطعام في قوله صاعاً من طعام مجمل، وما ذكره بعده بيان له كما يدل عليه طريق حفص ابن ميسرة وحديث ابن عمر عندي ابن خزيمة، وأن الصحابة ما كانوا يخرجون البر في عهده صلى الله عليه وسلم كما يدل عليه رواية النسائي والطحاوي، كنا نخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من أقط لا نخرج غيره. وإن أباسعيد ما أخرج البر في صدقة الفطر قط، لا في زمانه صلى الله عليه وسلم، ولا فيما بعده، لا صاعاً ولا نصفه، كما يدل عليه رواية مسلم إن معاوية لما جعل نصف الصاع من الحنطة عدل صاع من تمر، أنكر ذلك أبوسعيد. وقال: لا أخرج فيها إلا الذي كنت أخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب أو صاعاً من شعير أو صاعاً سن أقط وفي رواية. قال أبوسعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبداً ما عشت وإن أباسعيد لما تحقق عنده إن الصحابة أخرجوا في زمنه صلى الله عليه وسلم صاعاً من جميع ما أخرجوا من الشعير والأقط والتمر والزبيب. وغيرها ذهب إلى أن المقدار الواجب من كل شيء صاع، أو لما رأى أن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لهم صاعا من غير البر، ولم يبين لهم حال البر، فقاس عليه أبوسعيد حال البر، ورأى أن الواجب في البر أيضاً صاع. وقد روى أبوداود عن عياض قال سمعت أباسعيد يقول: لا أخرج أبداً إلا صاعاً (أي من كل شيء) إنا كنا نخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاع تمر أو شعير أو أقط أو زبيب وأخرج الطحاوي (ج1 ص319) عن عياض قال: سمعت أباسعيد وهو يسئل عن صدقة الفطر. قال: لا أخرج إلا ما كنت أخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من زبيب أو صاعا ًمن أقط فقال، له رجل أو مدين من قمح فقال لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها، ولا أعمل بها. وأخرجه أيضاً الدارقطني (ص222) والحاكم (ص411) وابن خزيمة والبيهقي (ج4 ص166) وزاد فيه أو صاعاً من حنطة بعد قوله: صاعاً من تمر وقد صرح ابن خزيمة وأبوداود إن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ. وأما ما روى الطحاوي بسنده (ص319) عن أبي سعيد أنه قال: إنما علينا أن نعطي لكل رأس عند كل فطر صاعاً من تمر أو نصف صاع من بر، فلا يوازي الروايات المتقدمة فلا يلتفت إليه، والقول بأن حديث الباب يدل على أنهم كانوا يعطون من البر صاعاً، لكن على سبيل التبرع، يعني إن أباسعيد وغيره من الصحابة إنما كانوا يخرجون النصف الآخر تطوعاً واختياراً وفضلاً تأويل بعيد لا يخفى تكلفه وأما ما يذكر من الأحاديث المرفوعة في الصاع من القمح أو في نصفه فكلها مدخولة. قال البيهقي (ج4 ص170) بعد إيراد أحاديث نصف الصاع من القمح. وقد وردت أخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في صاع من بر، ووردت أخبار في نصف صاع، ولا يصح شيء من ذلك قد بينت علة كل واحد منها الخلافيات وروينا في حديث أبي سعيد وفي حديث أبي سعيد وفي حديث ابن عمر، إن تعديل نصف صاع من بر بصاع من شعير وقع بعد النبي صلى الله عليه وسلم -
.............................
ــ
وأما ما روى أبوداود وغيره من طريق عبد العزيز بن أبي داود عن نافع عن ابن عمر قال كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر أو زبيب فلما كان عمر وكثرت الحنطة فجعل عمر نصف صاع من حنطة مكان صاع من تلك الأشياء. فقال الحافظ: قد حكم مسلم في كتاب التمييز على عبد العزيز فيه بالوهم وأوضح الرد عليه. وقال ابن عبد البر: قول ابن عيينة: (أي في جعل معاوية نصف الصاع من الحنطة عدل صاع من تلك الأشياء) عندي أولى. وقال ابن المنذر: لا نعلم في القمح خبراً ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم يعتمد عليه، ولم يكن البر بالمدينة في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا إن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير، وهم الأئمة فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم، ثم أسند عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة، إنهم رأوا إن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح - انتهى. قال الحافظ: وهذا مصير منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفية لكن حديث أبي سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك. وكذلك ابن عمر فلا إجماع في المسألة خلافا للطحاوي - انتهى. وتعقبه العيني فقال: أما أبوسعيد فإنه لم يكن يعرف في الفطرة إلا التمر والشعير والأقط والزبيب، والدليل عليه ما روى عنه في رواية، كنا نخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير. الحديث - لا نخرج غيره. وأما روايته الأخرى كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام، فقد بينت إن الطعام اسم لما يطعم مما يؤكل ويقتات فيتناول الأصناف التي ذكرها في حديثه، وجواب آخر إن أباسعيد إنما أنكر على معاوية على إخراجه المدين من القمح، لأنه ما كان يعرف القمح في الفطرة وكذلك ما نقل عن ابن عمر - انتهى. قلت: قد عرفت مما قدمنا إن أباسعيد كان يرى إن الواجب من كل شيء صاع خلافاً لمعاوية، ومن وافقه، ولكنه لم يخرج من البر قط لا صاعاً ولا نصفه لا؛ لأنه ما كان يعرف القمح في الفطرة بل إتباعاً لما كان يفعله الصحابة في زمانه صلى الله عليه وسلم من إخراج غير البر، وكذا ابن عمر. فدعوى الإجماع على النصف من البر مع مخالفته أبي سعيد وابن عمر مردودة. وأعلم أن الواجب في صدقة الفطر عند مالك والشافعي وأحمد وإسحاق صاع عن كل إنسان لا يجزي أقل من ذلك من جميع الأجناس المخرج، وروى ذلك عن أبي سعيد الخدري والحسن وأبي العالية. وقال أبوحنيفة والثوري أنه يجزيء نصف صاع من البر خاصة. وروى ذلك عن عثمان وابن الزبير ومعاوية، وهو مذهب ابن المسيب وعطاء وطاووس ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن جبير وابن المبارك وغيرهم. واحتج لقول الأئمة الثلاثة بحديث أبي سعيد هذا، وذلك بوجوه. الأول إن الطعام في عرف أهل الحجاز اسم للحنطة خاصة لاسيما، وقد قرنه بباقي المذكورات قاله النووي. وقد تقدم الكلام على
........................
ــ
هذا الاستدلال. والثاني: إن النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر صاعاً من طعام والبر مما يطلق عليه اسم الطعام إن لم يكن غالباً فيه، وتفسيره بغير البر إنما هو؛ لأنه لم يكن معهوداً عندهم، فلا يجزيء دون الصاع منه، قاله الشوكاني: وهذا إنما يتمشى لوورد الحديث بلفظ: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام، ولكنه لم يقع في رواية أصلاً. ولو سلمنا فيمكن أن يقال إن البر على تسليم دخوله تحت لفظ الطعام مخصص، والأحاديث المرفوعة التي جاءت بنصف الصاع من البر. قال الشوكاني في النيل وفي السيل الجرار: وهي تنتهض بمجموعها للتخصيص- انتهى. والثالث: إن الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد لما كانت متساوية في مقدار ما يخرج منها مع اختلافها في القيمة، دل ذلك على أن المراد إخراج هذا المقدار أي الصاع من أي جنس كان، ولا نظر إلى قيمته فلا فرق بين الحنطة وغيرها واستدل لمن قال بنصف الصاع من البر بأحاديث مرفوعة ذكرها الزيلعي (ج2 ص418 و423) والعيني (ج9 ص114، 115) وسيأتي بعضها في هذا الباب وكلها مدخولة ضعفها أهل العلم بالحديث واستدل لهم أيضاً بأنه صار الإجماع على نصف الصاع من البر في زمن الصحابة. ففي رواية لمسلم: قال أبو سعيد كنا نخرج إذا كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر عن كل صغير وكبير، حر أو مملوك صاعاً من طعام، أو صاعاً من أقط أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية حاجاً أو معتمراً فكلم الناس على المنبر، فكان فيما كلم به الناس: أن قال إني أرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر، فأخذ الناس بذلك الحديث. قال النووي: هذا الحديث هو الذي اعتمده أبوحنيفة وموافقوه. والجمهور يجيبون عنه بأنه قول صحابي، وقد خالفه أبوسعيد وغيره ممن هو أطول صحبة وأعلم بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم. وقد صرح معاوية بأنه رأى رأه لا أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان عند أحد من حاضري مجلسه مع كثرتهم في تلك اللحظة علم في موافقته معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم لذكره كما جرى لهم في غير هذه القضية - انتهى. وأجاب الزيلعي عن هذا بأنه قد وافق معاوية غيره من الصحابة الجم الغفير بدليل قوله "فأخذ الناس" بذلك ولفظ "الناس" للعموم فكان إجماعاً وكذلك قول ابن عمر فعدل الناس به مدين من حنطة ولا يضر مخالفة أبي سعيد لذلك؛ لأنه لا يقدح في الإجماع - انتهى. قلت: هذا عجيب فإن الأصوليين قد صرحوا بأن مخالفة الواحد تمنع انعقاد لإجماع فكيف تصح دعوى انعقاد الإجماع من مخالفة أبي سعيد. وقد تقدم قول الحافظ إن حديث أبي سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر فلا إجماع في المسألة قال: ومن جعله نصف صاع منها بدل صاع من شعير فعل ذلك بالاجتهاد بناء منه على أن قيم ماعدا الحنطة متساوية، وكانت الحنطة إذ ذاك غالية الثمن، لكن يلزم على قولهم إن تعتبر القيمة في كل زمان فيختلف الحال، ولا ينضبط
أو صاًعا من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط،
ــ
وربما لزم في بعض الأحيان إخراج آصع من حنطة ويدل على أنهم لحظوا ذلك ما روى جعفر الفريابي في كتاب صدقة الفطر إن ابن عباس لما كان أمير البصرة أمرهم بإخراج زكاة الفطر، ويبين لهم إنها صاع من تمر إلى أن قال أو نصف صاع من بر. قال: فلما جاء على ورأى رخص أسعارهم قال اجعلوها صاعاً من كل. فدل على أنه كان ينظر إلى القيمة في ذلك، ونظر أبوسعيد إلى الكيل - انتهى. قلت: الأحوط عندي هو أن يخرج صاع من البر أيضاً ولو أخرج أحد نصف صاع منه أجزأه إنشاء الله نظراً إلى الأحاديث الضعيفة وآثار الصحابة في ذلك (أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر) اختلفوا في أن "أو" للتقسيم أو للتخيير. قال ابن رشد (ج1 ص2) وأما مما ذا تجب فإن قوماً ذهبوا إلى أنها تجب من البر أو التمر أو الشعير أو الزبيب أو الأقط على التخيير. وقوم ذهبوا إلى أن الواجب عليه هو غالب قوت البلد، أو قوت المكلف إذا لم يقدر على قوت البلد وهو الذي حكاه عبد الوهاب عن المذهب. والسبب في اختلافهم واختلافهم في مفهوم حديث أبي سعيد الخدري فمن فهم من هذا الحديث التخيير قال أي أخرج من هذه أجزأ عنه، ومن فهم منه إن اختلاف المخرج ليس سببه الإباحة. وإنما سببه اعتبار قوت المخرج أو قوت غالب البلد قال بالقول الثاني - انتهى. وقال القاري قال ميرك: نقلاً عن الأزهار اختلف العلماء في أن "أو" في هذا الحديث لتخيير المؤدي من هذه الأشياء أو لتعيين واحد منها وهو الغالب فيه قولان. أحدهما: إنه للتخيير وبه قال أبوحنيفة: والثاني: إنه لتعيين أحد هذه الأشياء بالغلبة وهو غالب قوت البلد على الأصح وبه قال الأكثرون. ومعناه كنا نخرج هذه الأنواع بحسب أقواتنا ومقتضي أحوالنا - انتهى. وقال ابن الملك: أو هذه للتنويع لا للتخيير فإن القوت الغالب لا يعدل عنه إلى ما دونه في الشرف - انتهى. وقال ابن قدامة (ج3 ص64) ومن أي الأصناف المنصوص عليها أخرج جاز، وإن لم يكن قوتاً له. وقال مالك: يخرج من غالب قوت البلد. وقال الشافعي: أي قوت كان الأغلب على الرجل أدى الرجل زكاة الفطر منه يعني إن الاعتبار بغالب قوت المخرج. ولنا إن خبر الصدقة ورد بحرف التخيير بين هذه الأصناف فوجب التخيير فيه؛ ولأنه عدل إلى منصوص عليه فجاز كما لو عدل إلى الأعلى والغني يحصل بدفع قوت من الأجناس، ويدل على ما ذكرنا إنه خير بين التمر والزبيب والأقط ولم يكن الزبيب والأقط قوتاً لأهل المدينة، فدل على أنه لا يعتبر أن يكون قوتاً للمخرج - انتهى. وقال ولي الدين العراقي من قال بالتخيير فقد أخذ بظاهر الحديث، ومن قال بتعيين غالب قوت البلد فإنه حمل الحديث على ذلك - انتهى. قلت: الراجح عندي: في ذلك قول من ذهب إلى التخيير وهو ظاهر الحديث فلا يعدل عنه (أو صاعاً من أقط) بفتح الهمزة مع كسر القاف أو ضمها أو فتحها أو إسكانها وبكسر الهمزة مع كسر القاف وإسكانها وبضم الهمزة مع إسكان القاف فقط، وهو الشيء يتخذ من اللبن المخيض كأنه نوع من اللبن
أو صاعاً من زبيب)) .
ــ
الجاف. وقيل: هو لبن مجفف يابس جامد مستحجر غير منزوع الزبد يطبخ به، وفيه دليل على أجزاء الأقط في صدقة الفطر كغيره مما قرن به. واختلف العلماء فيه: فقال مالك بالأجزاء: إذا كان من أغلب القوت. وللشافعي فيه قولان أحدهما: كقول مالك. والثاني أنه لا يجزىء قال الحافظ: وعند الشافعية فيه خلاف، وزعم الماوردي أنه يختص بأهل البادية. وأما الحاضرة فلا يجزىء عنهم بلا خلاف. وتعقبه النووي في شرح المهذب. وقال قطع الجمهور بأن الخلاف في الجميع - انتهى. والمذكور في فروع الشافعية الأجزاء إذا كان غالب أقوات المخرج. قال النووي في شرح مسلم: يجزىء الأقط على المذهب - انتهى. وقال الحنفية: لا يجزىء إلا بدلاً عن القيمة. قال الكاساني في البدائع: أما الأقط فتعتبر فيه القيمة لا يجزىء إلا باعتبار القيمة؛ لأنه غير منصوص عليه من وجه يؤثق به، وجواز ما ليس بمنصوص عليه لا يكون إلا بالقيمة - انتهى. قلت: هذا عجيب فإن الأقط منصوص عليه ثابت في حديث أبي سعيد عند الشيخين وغيرهما. فإعتبار القيمة فيه مردود قال الخرقي: إن أعطى أهل البادية الأقط صاعاً أجزأ إذا كان قوتهم. قال ابن قدامة: (ج2:ص60) يجزىء أهل البادية اخراج الأقط إذا كان قوتهم وكذلك من لم يجد من الأصناف المنصوص عليها سواه فأما من وجد سواه فهل يجزىء على روايتين، إحداهما: يجزئه أيضاً لحديث أبي سعيد وفي بعض ألفاظه. قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط أخرجه النسائي. والثانية: لا يجزئه لأنه جنس لا تجب الزكاة فيه فلا يجزىء إخراجه لمن يقدر على غيره من الأجناس المنصوص عليها كاللحم. ويحمل الحديث على من هو قوت له أو لم يقدر على غيره، فإن قدر على غيره، مع كونه قوتاً له فظاهر كلام الخرقي جواز إخراجه سواء كان من أهل البادية أو لم يكن، لأن الحديث لم يفرق، وقول أبي سعيد كنا نخرج صاعاً من أقط وهم أهل الأمصار وإنما خص أهل البادية بالذكر لأن الغالب أنه لا يقتاته غيرهم - انتهى. قلت: الظاهر عندي أنه يجزىء إخراجه لأهل الأمصار ولمن قدر على غيره من الأشياء المنصوص عليها، وإن لم يكن قوتاً له، لأن الحديث لم يفرق ولم يفصل. قال الحافظ: أراد البخاري بتفريق التراجم على هذه الأشياء، الإشارة إلى ترجيح التخيير في هذه الأنواع. إلا أنه لم يذكر الأقط، وهو ثابت في حديث أبي سعيد، وكأنه لا يراه مجزئاً في حال وجدان غيره كقوله أحمد. وحملوا الحديث على أن من كان يخرجه كان قوته إذ ذاك، أو لم يقدر على غيره وظاهر الحديث يخالفه - انتهى. (أو صاعاً من زبيب) فيه وفي الأقط خلاف الظاهرية حيث لا يجوز عندهم إلا من التمر. والشعير وأجمع غيرهم على جواز الزبيب إلا أن الأئمة الثلاثة قالوا: إن الواجب منه صاع. وإليه ذهب أبويوسف ومحمد وهي رواية عن أبي حنيفة. قال بعض الحنفية وعليه الفتوى. وفي رواية أخرى عنه نصف صاع كالقمح، وهي خلاف نص الحديث، وأجاب ابن حزم عن هذا الحديث بوجهين. أحدهما: أنه غير
.........................
ــ
مسند لأنه ليس في شيء من طرقه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم بذلك فأقره. والثاني: أنه مضطرب فيه فإن في بعض طرقه إثبات الزبيب وفي بعضها نفيه، وفي بعضها ذكر الدقيق. والسلت، وقد تقدم الجواب عن الوجه الأول. وأما الثاني: فقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المحلي (ج6:ص125) ليس هذا من الاضطراب في شيء بل إن بعض الرواة يطيل وبعضهم يختصر، ومنهم من يذكر شيئاً ويسهو عن غيره وزيادة الثقة مقبولة، فالواجب جمع كل ما روى في الروايات الصحيحة إذ لا تعارض بينهما أصلاً فائدة اختلفوا في الأفضل من الأجناس المنصوص عليها. فقال القسطلاني: مذهب الشافعية إن البر خير من التمر والأرز، والشعير خير من التمر؛ لأنه أبلغ في الأقتيات. التمر خير من الزبيب - انتهى. وقال الخرقي: اختيار أبي عبد الله (أحمد بن حنبل) اخراج التمر. قال ابن قدامة (ج3:ص61 وبهذا قال مالك: قال ابن المنذر. واستحب مالك اخراج العجوة منه، وأختار الشافعي وأبوعبيد إخراج البر، وقال بعض أصحاب الشافعي: يحتمل أن يكون الشافعي قال ذلك؛ لأن البر كان أعلى في وقته ومكانه، لأن المستحب أن يخرج أغلاها ثمناً وأنفسها. وإنما اختار أحمد إخراج التمر إقتداء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فروى بإسناده عن أبي مجلز. قال: قلت لابن عمر إن الله قد أوسع والبر أفضل من التمر. قال: إن أصحابي سلكوا طريقاً وأنا أحب أن أسلكه، وظاهر هذا إن جماعة من الصحابة كانوا يخرجون التمر فأحب ابن عمر موافقتهم وسلوك طريقتهم، وأحب أحمد أيضاً الإقتداء بهم إتباعهم. وروى البخاري عن ابن عمر قال: فرض النبي صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر - الحديث. وفيه كان ابن عمر يعطي التمر فأعوز أهل المدينة من التمر، فأعطى شعيراً، قال الحافظ: فيه دلالة على أن التمر أفضل ما يخرج في صدقة الفطر. وقد روى جعفر الفريابي من طريق أبي مجلز قال: قلت لابن عمر قد أوسع الله والبر أفضل من التمر أفلا تعطي البر. قال: لا أعطي إلا كما كان يعطي أصحابي. ويستنبط من ذلك أنهم كانوا يخرجون من أعلى الأصناف التي يقتات بها؛ لأن التمر أعلى من غيره، مما ذكر في حديث أبي سعيد، وإن كان ابن عمر فهم منه خصوصية التمر بذلك - انتهى. قال ابن قدامة. والأفضل بعد التمر البر، وقال بعض أصحابنا الأفضل بعده الزبيب، لأنه أقرب تناولاً، وأقل كلفة فأشبه التمر. ولنا إن البر أنفع في الأقتيات وأبلغ في دفع حاجة الفقير إلى آخر ما قال. فائدة أخرى اختلفوا في الإخراج عن غير هذه الأصناف مع القدرة عليها. قال الخرقي: ومن قدر على التمر أو الزبيب أو البر أو الشعير أو الأقط فأخرج غيره لم يجزه، قال ابن قدامة: (ج3:ص62) ظاهر المذهب أنه لا يجوز له العدول عن هذه الأصناف مع القدرة عليها سواء كان المعدول إليه قوت بلده أو لم يكن. وقال مالك: يخرج من غالب قوت البلد. وقال الشافعي: أي قوت كان الأغلب على الرجل أدى الرجل زكاة الفطر منه. واختلف أصحابه فمنهم من قال بقول مالك، ومنهم من قال الاعتبار بغالب قوت المخرج، ثم إن
متفق عليه.
ــ
عدل عن الواجب إلى أعلى منه جاز، وإن عدل إلى ما دونه ففيه قولان. (أي للشافعي) أحدهما: يجوز لقوله عليه السلام أغنوهم عن الطلب، والغني يحصل بالقوت. الثاني: لا يجوز؛ لأنه عدل عن الواجب إلى أدنى منه فلم يجزئه ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر أجناساً معدودة فلم يجز العدول عنها كما لو اخراج القيمة وذلك؛ لأن ذكر الأجناس بعد ذكره الفرض تفسير للمفروض فما أضيف إلى المفسر يتعلق بالتفسير فتكون هذه الأجناس مفروضة فيتعين الإخراج منها. قال: والسلت نوع من الشعير فيجوز إخراجه لدخوله في المنصوص عليه، وقد صرح بذكره في بعض ألفاظ حديث ابن عمر، وحديث أبي سعيد عند النسائي، ويجوز إخراج الدقيق نص عليه أحمد، وكذلك السويق وقال مالك والشافعي: لا يجزىء إخراجهما لحديث ابن عمر، ولأن منافعه نقصت فهو كالخبر، ولنا حديث أبي سعيد وقوله فيه أو صاعاً من دقيق - انتهى. قلت: حديث أبي سعيد هذا أخرجه أبوداود والنسائي والدارقطني والبيهقي. قال أبوداود زاد سفيان بن عيينة فيه أو صاعاً من دقيق. قال حامد: (شيخ أبي داود) فأنكروا عليه فتركه سفيان. قال: أبوداود فهذه الزيادة وهم من ابن عيينة. وقال الدارقطني: قال أبوالفضل: فقال له علي بن المدينى يعني لسفيان وهو معنا يا أبامحمد أحد لا يذكر في هذا الدقيق. قال: بلى هو فيه - انتهى. ولعل سفيان ذكر الدقيق أولا وتيقن به ثم شك فيه فتركه والله أعلم. وإذا عجز عن الأجناس المنصوص فقال الخرقي. أجزأه كل مقتات من كل حبة وتمرة. قال ابن قدامة: ظاهر هذا أنه لا يجزئه من غيرها كاللحم واللبن وقال أبوبكر يعطي ما قام مقام الأجناس المنصوص عليها عند عدمها الإخراج مما يقتتاته كالذرة والدخن ولحوم الحيتان والأنعام، ولا يردون إلى أقرب قوت الأمصار - انتهى. ويجوز إخراج اللبن واللحم والجبن ممن هو قوته عند الشافعية والمالكية على المشهور (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والشافعي والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم مطولاً ومختصراً بألفاظ، من شاء الإطلاع عليها رجع إلى جامع الأصول (ج5:ص349-350-351) . تنبيه اختلفوا في جواز إعطاء القيمة في صدقة الفطر، فمنعه الأئمة الثلاثة. وأجازه أبوحنيفة وأصحابه. قال الخرقي: من أعطى القيمة لم تجزئه. قال ابن قدامة: (ص65) قال أبوداود: قيل لأحمد وأنا أسمع أعطى دراهم يعني في صدقة الفطر. قال: أخاف أن لا يجزئه خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أبوطالب قال لي أحمد: لا يعطي قيمته، قيل له قوم يقولون عمر بن عبد العزيز كان يأخذ القيمته، قال يدعون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون قال فلان. قال ابن عمر: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الله تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [المائدة:92] وقال قوم يردون السنن قال فلان، قال فلان، وظاهر مذهبه أنه لا يجزئه إخراج القيمة في شيء من الزكوات، وبه قال مالك والشافعي، وقال الثوري وأبوحنيفة يجوز. وقد روى ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن، وروى عن أحمد مثل قولهم فيما عدا الفطرة، وقال