الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(1) باب ما يجب فيه الزكاة
{الفصل الأول}
1809-
(1) عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر
ــ
(باب ما يجب فيه الزكاة) قال مالك: لا تكون الصدقة إلا في ثلاثة أشياء، الحرث والعين والماشية. قال ابن عبد البر: لا خلاف في جملة ذلك، ويختلف في تفصيله. وقال في المسوي: وعليه أهل العلم إن صدقة الأموال على ثلاثة أقسام: وزكاة التجارة إنما تؤخذ بحساب القيمة وأما الصدقة الفطر فهي صدقة الرؤس. وقال الإمام ابن القيم في الهدى: (ج1 ص151) جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في أربعة أصناف من المال وهي أكثر الأموال دوراً بين الخلق وحاجتهم إليها ضرورية. أحدها: الزرع والثمار. الثانية: بهيمة الأنعام، الإبل والبقر والغنم. الثالث: الجوهران اللذان بهما قوام العالم، وهما الذهب والفضة. الرابع: أموال التجارة على اختلاف أنواعها، وقال ابن رشد في البداية (ج1 ص227) : وأما ما تجب فيه الزكاة من الأموال فإنهم اتفقوا منها على أشياء واختلفوا في أشياء أما ما اتفقوا عليه فصنفان من المعدن الذهب والفضة اللتين ليستا بحلي. وثلاثة أصناف من الحيوان، الإبل والبقر والغنم، وصنفان من الحبوب، الحنطة والشعير وصنفان من الثمر التمر والزبيب وفي الزيت خلاف شاذ- انتهى. ثم فصل ابن رشد الأشياء التي اختلفوا في وجوب الزكاة فيها كالحلي من الذهب والفضة والخيل من الحيوان، وغير السائمة من الإبل والبقر والغنم، وغير الأصناف الأربعة المذكورة من النبات.
1809-
قوله: (ليس فيما دون خمسة أوسق) جمع وسق بفتح الواو، ويجوز كسرها كما حكاه صاحب المحكم وجمعه حينئذٍ أوساق كحمل وأحمال، وقد وقع كذلك في رواية لمسلم، وهو ستون صاعاً بالاتفاق، ووقع في رواية ابن ماجه نحو هذا الحديث، وفيه والوسق ستون صاعاً وأخرجها أحمد وأبوعبيد وأبوداود أيضاً، لكن قال ستون مختوماً قال أبوعبيد في الأموال (ص518) والمختوم ههنا الصاع بعينه، وإنما سمي مختوماً؛ لأن الأمراء جعلت على أعلاه خاتما مطبوعاً لئلا يزاد فيه ولا ينتقص منه- انتهى. والصاع أربعة أمداد والمدُّ رِطل وثُلُثُ رِطل، فالصاع خمسة أرطال وثلث رطل وذلك بالرطل الذي وزنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهماً بالدراهم التي كل عشرة منها وزن سبعة مثاقيل (من التمر) وفي رواية لمسلم: ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة، وفي رواية له: ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق، وفي رواية له أيضاً
صدقة،
ــ
من ثمر بالثاء ذات النقط الثلاث (صدقة) أي زكاة والمراد بها العشر، أو نصف العشر. قال الحافظ: لفظ"دون" في مواضع الثلاثة من الحديث بمعنى أقل لا أنه نفي عن غير الخمس الصدقة كما زعم بعض من لا يعتد بقوله، والمعنى إذا خرج من الأرض أقل من ذلك في المكيل فلا زكاة عليه فيه وبه أخذ الجمهور وخالفهم أبوحنيفة. قلت: هذا الحديث صريح في أن النصاب شرط لوجوب العشر أو نصف العشر، فلا تجب الزكاة في شيء من الزروع والثمار حتى تبلغ خمسة أوسق، وهذا مذهب أكثر أهل العلم. وبه قال صاحبا أبي حنيفة محمد وأبويوسف رحمهم الله تعالى، وهو الحق والصواب، وذهب أبوحنيفة إلى أنه لا يشترط النصاب لوجوب الزكاة في ما يخرج من الأرض، فيجب عنده العشر أو نصف العشر في كثير الخارج وقليله، وهو قول إبراهيم النخعي ومجاهد وعمر بن عبد العزيز. أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن معمر، عن سماك بن الفضل، عن عمر بن عبد العزيز، قال: فيما أنبتت الأرض من قليل أو كثير العشر، وأخرج نحوه عن مجاهد، وإبراهيم النخعي. وأخرج ابن أبي شيبة أيضاً عن هؤلاء نحوه. واستدل لهم بقوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 268] وبقوله صلى الله عليه وسلم: فيما سقت السماء والعيون: أكان عثرياً العشر. وما سقي بالنضح نصف العشر، أخرجه البخاري من حديث ابن عمر وسيأتي. قالوا: إن الآية والحديث عام، فإن كلمة "ما" من ألفاظ العموم فتشمل ما يكون قدر خمسة أوسق أو أقل أو أكثر. وتعقب بأن الآية مبهمة، وكذا حديث ابن عمر مبهم، وحديث أبي سعيد مفسر، والزيادة من الثقة مقبولة،؟ فيجب حمل المبهم على المفسر والمبين يعنى أن الآية وحديث ابن عمر عام يشمل النصاب ودونه وحديث أبي سعيد خاص بقدر النصاب فيقضي الخاص على العام أي يبني العام على الخاص. وأجاب بعض الحنفية عن هذا التعقب بأن محل ذلك إذا كان البيان وفق المبين لا زائداً عليه ولا ناقصاً عنه، أما إذا بقي شيء من أفراد العام فإنه يتمسك به كحديث أبي سعيد هذا، فإنه دل على النصاب فيما يقبل التوسيق وسكت عما لا يقبله، فيتمسك بعموم قوله عليه السلام: فيما سقت السماء العشر. وأجاب القائلون بالنصاب عن هذا الجواب بما روى مرفوعاً "لا زكاة في الخضروات" رواه الدارقطني من طريق علي وطلحة ومعاذ مرفوعاً. قال الترمذي: لا يصح فيه شيء إلا مرسل موسى بن طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهو دال على أن الزكاة إنما هي فيما يكال مما يدخر للإقتيات في حال الاختيار، وهذا قول مالك والشافعي. وعن أحمد يخرج من جميع ذلك ولو كان لا يقتات، وهو قول محمد وأبي يوسف. وأجاب الحنفية عن التعقب المذكور بوجوه غير ما تقدم. منها. أن حديث الأوساق من أخبار الآحاد فلا يقبل في معارضه الكتاب والخبر المشهور. وفيه أنه ليس فيه شائبة المعارضة بل هو بيان المقدار ما يجب فيه العشر،
والبيان بخبر الواحد جائز كبيان المجمل والمتشابه قال الأمير اليماني: حديث الأوساق حديث صحيح، ورد لبيان القدر الذي تجب فيه الزكاة كما ورد حديث مائتي الدرهم لبيان ذلك مع ورود في الرقة ربع العشر، ولم يقل أحد أنه يجب في قليل الفضة وكثيرها الزكاة، وذلك؛ لأنه لم يرد حديث في الرقة ربع العشر إلا لبيان أن هذا الجنس تجب فيه الزكاة وأما قدر ما يجب فيه فموكول إلى حديث التبيين له بمائتي درهم فكذا هنا قوله: فيما سقت السماء العشر، أي في هذا الجنس يجب العشر وأما بيان ما يجب فيه فموكول إلى حديث الأوساق وكأنه ما ورد إلا لدفع ما يتوهم من عموم "فيما سقت السماء العشر" كما ورد ذلك في قوله "وليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة". ثم إذا تعارض العام والخاص كان العمل بالخاص عند جهل التاريخ، كما هنا فإنه أظهر الأقوال في الأصول، وقال الإمام ابن القيم في الأعلام (ج1 ص283) : لا تعارض بين الحديثين بوجه من الوجوه فإن قوله"فيما سقت السماء العشر، إنما أريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر وبين ما يجب فيه نصفه، فذكر النوعين مفرقاً بينهما في مقدار الواجب، وأما مقدار النصاب فسكت عنه في هذا الحديث وبينه نصاً في الحديث الآخر فكيف يجوز العدول عن النص الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير ما دل عليه البتة إلى المجمل المتشابه الذي غايته أن يتعلق فيه بعموم لم يقصد، وبيانه بالخاص المحكم المبين كبيان سائر العمومات بما يخصها من النصوص- انتهى. قلت: ذهب جمهور الأصوليين، وعامتهم إلى جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد الصحيح وهو الحق، واحتج لذلك في المحصول بأن العموم وخبر الواحد دليلان متعارضان وخبر الواحد أخص من العموم، فوجب تقديمه على العموم. قال الشوكاني: وأيضاً يدل على جواز التخصيص دلالة بينه واضحة ما وقع من أوامر الله عزوجل بإتباع نبيه صلى الله عليه وسلم من غير تقييد، فإذا جاء عنه الدليل كان إتباعه واجباً، وإذا عارضه عموم قرآني كان سلوك طريقة الجمع ببناء العام على الخاص متحتماً، ودلالة العام على إفراده ظنية لا قطيعة فلا وجه لمنع تخصيصه بالإخبار الصحيحة الآحادية- انتهى. ثم قال ابن القيم: ويا الله العجب: كيف يخصون عموم القرآن والسنة بالقياس الذي أحسن أحواله أن يكون مختلفاً في الاحتجاج به وهو محل اشتباه واضطرب إذ ما من قياس إلا وتمكن معارضته بقياس مثله أو دونه أو أقوى منه بخلاف السنة الصحيحة الصريحة؛ فإنها لا يعارضها إلا سنة ناسخة معلومة التأخر والمخالفة، ثم يقال إذا خصصتم عموم قوله "فيما سقت السماء العشر" بالقصب والحشيش، ولا ذكر لهما في النص فهلا خصصتموه بقوله: " لا زكاة في حب ولا ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق" وإذا كنتم تخصون العموم بالقياس فهلا خصصتم هذا العام بالقياس الجلي الذي هو من أجلي القياس وأصحه على سائر أنواع المال الذي تجب فيه الزكاة فإن الزكاة الخاصة لم يشرعها الله ورسوله في مال إلا وجعل له نصاباً كالمواشي والذهب والفضة، ويقال أيضاً هلا أوجبتم الزكاة في قليل كل مال وكثيره عملاً بقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة: 103] وبقوله صلى الله عليه وسلم: "ما من صاحب إبل
ولا بقر لا يؤدي زكاتها إلا بطح له بقاع قرقر" وبقوله: ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا صفحت له يوم القيامة صفائح من نار" وهلا كان هذا العموم عندكم مقدماً على أحاديث النصب الخاصة وهلا قلتم هناك تعارض مسقط وموجب، فقدمنا الموجب احتياطاً وهذا في غاية الوضوح - انتهى. وقد اتضخ بهذا كله كل الاتضاح أنه يعجب تخصيص عموم قوله تعالى:{ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] وحديث ابن عمر بحديث الأوساق كم اخصص قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة] بالأخبار التي دلت على كون الزكاة منحصرة في أشياء مخصوصة وقوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} [التوبة: 34] بأحاديث النصب الخاصة وقوله صلى الله عليه وسلم: "في سائمة الإبل الزكاة" بقوله: ليس فيما دون خمس ذود صدقة" وقوله: "في الرقة ربع العشر" بقوله: "ليس في ما دون خمس أواق صدقة، على أن حديث الأوساق حديث مشهور، روى عن غير واحد من الصحابة منهم أبوسعيد عند الجماعة، ومنهم أبوهريرة عند أحمد والدارقطني والطحاوي، ومنهم ابن عمر عند أحمد والدارقطني ويحيى بن آدم (ص136) والبيهقي، ومنهم جابر عند أحمد ومسلم والبيهقي والطحاوي والحاكم وابن ماجه، ومنهم عائشة عند الطبراني في الأوسط، ومنهم أبورافع عند الطبراني في الكبير، ومنهم عمرو بن حزم عند الحاكم والطحاوي والطبراني والبيهقي، ومنهم أبوأمامة بن سهل ابن حنيف عند البيهقي، ومنهم عبد الله بن عمر، وعند يحيى بن آدم (ص137) والدارقطني (ص199) وبه قال الصحابة: منهم عمر وأبوسعيد وابن عمر وجابر وأبوأمامة بن سهيل بن حنيف. ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة فهو إجماع منهم، وقد جرى به التعامل وتلقاه الأمة بقبولها. قال أبوعبيد في الأموال (ص408) : حدثنا يزيد عن حبيب بن أبي حبيب عن عمرو بن هرم عن محمد بن عبد الرحمن أن في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كتاب عمر في الصدقة أن لا تؤخذ من شيء حتى يبلغ خمسة أوسق. وروى الطحاوي والحاكم والبيهقي والطبراني عن عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فذكر فيه ما سقت السماء أو كان سيحاً أو كان بعلاً ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق وما سقي بالرشاد والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق. ومنها أن حديث الأوساق منسوخ قال الزيلعي (ج2 ص385) ومن الأصحاب من جعله أي حديث الأوساق منسوخاً ولهم في تقريره قاعدة ذكرها السغناقي نقلاً عن الفوائد الظهيرية، قال: إدا ورد حديثان متعارضان أحدهما عام والآخر خاص، فإن علم تقديم العام على الخاص خص العام به وإن علم تأخير العام ناسخاً للخاص. قال محمد بن شجاع الثلجي هذا إذا علم التاريخ، أما إذا لم يعلم فإن العام يجعل آخراً لما فيه من الاحتياط وهنا لم يعلم التاريخ فيجعل العام آخراً لما فيه من الاحتياط- انتهى. وذكر العيني وابن الهمام نحو هذا. وفيه أن الحق في صورة تأخر العام عن الخاص هو بناء العام على الخاص أي تقديم الخاص وتخصيص العام به؛ لأن ما تناوله الخاص
متيقن وما تناوله العام ظاهر مظنون والمتيقن أولى، وكذا في صورة جهل التاريخ الحق هو البناء. قال ابن قدامة في روضة الناظر (ج1 ص161) الدليل الرابع من أدلة التخصيص التسع النص الخاص يخصص اللفظ العام فقول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا قطع إلا في ربع دينار" خصص عموم قوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] وقوله عليه السلام: "لا زكاة فيما دون خمسة أوسق خصص عموم قوله: "فيما سقت السماء العشر" ولا فرق بين أن يكون العام كتاباً أو سنة أو متقدماً أو متأخراً- انتهى. أي فإن الخاص يخصص العام ويقدم عليه لقوة دلالة الخاص على مدلوله فإنها قاطعة، ودلالة العام على أفراده ظاهرة، والقاطع مقدم على الظاهر، مثاله لو قال كلما سرق السارق فاقطعوه، وهو معنى الآية، فدلالته على من سرق دون ربع دينار ظاهرة، ودلالة قوله صلى الله عليه وسلم: لا قطع إلا في ربع دينار على عدم القطع فيما دونه قاطعة فيقدم. وقال الشوكاني في إرشاد الفحول: (ص144) الحق الذي لا ينبغي العدول عنه في صورة الجهل البناء وليس عنه مانع يصلح للتشبث به، والجمع بين الأدلة ما أمكن هو الواجب، ولا يمكن الجمع مع الجهل إلا بالبناء، قال: وقد تقرر أن الخاص أقوى دلالة من العام والأقوى أرجح وأيضاً إجراء العام على عمومه إهمال للخاص وإعمال الخاص لا يوجب إهمال العام، وأيضاً قد نقل أبوالحسين الإجماع على البناء مع جهل التأريخ. والحاصل أن البناء هو الراجح على جميع التقادير (إلى آخر ما قال) . ومنها ما قال صاحب الهداية إن حديث أبي سعيد وما في معناه ورد في زكاة التجارة دون العشر، وذلك لأنهم كانوا يتبايعون بالأوساق، وقيمة الوسق يومئذ كانت أربعين درهماً فيكون قيمة خمسة أوسق مائتى درهم وهو نصاب زكاة الفضة. وحاصله أن الجمهور نقلوا حديث زكاة التجارة إلى باب آخر، فوقع التعارض مع أن الحديث العام أي حديث ابن عمر وما في معناه كان في العشر، وحديث الأوساق في زكاة مال التجارة، فلا تعارض أصلاً. وقال الجصاص في أحكام القرآن: قد روى ليس فيما دون خمسة أوسق زكاة، فجائز أن يريد به زكاة التجارة بأن يكون سأل سائل عن أقل من خمسة أوسق طعام أو تمر للتجارة، فأخبر أن لا زكاة فيه، فنقل الراوي كلام النبي صلى الله عليه وسلم وترك ذكر السبب. وفيه ما قال الشيخ رشيد أحمد الكنكوكي بعد ذكر هذا الجواب. ولكن الأنصاف خلاف ذلك فإن تفاوت أسعار الثمار والشعير والحنطة غير قليل فكيف يعلم ماذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حتى يعلم حكمه، كذا في الكوكب الدري (ج1 ص236) قلت: ويرد هذا التأويل أيضاً حديث عمرو بن جزم الذي ذكرنا لفظه وسيأتي أيضاً. ومنها ما قال الجصاص: قد ذكرنا أن الله حقوقاً واجبة في المال غير الزكاة ثم نسخت بالزكاة كما روى عن أبي جعفر محمد بن علي، والضحاك قالا: نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن فجائز أن يكون هذا التقدير معتبراً في الحقوق التي كانت واجبة فنسخت، نحو قوله تعالى:{وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى} [النساء: 8] الآية ونحو ما روى عن مجاهد، إذا حصدت طرحت للمساكين الخ. وهذا الحقوق غير واجبة
اليوم فجائز أن يكون ما روى من تقدير الخمسة الأوسق كان معتبرً في تلك الحقوق وإذا احتمل ذلك لم يجز تخصيص الآية والأثر المتفق عليه على نقله به- انتهى. وقال العيني (ج9 ص75) نفى النبي صلى الله عليه وسلم الصدقة ولم ينف العشر وقد كان في المال صدقات نسختها آية الزكاة والعشر ليس بصدقة مطلقة، إذ فيه معنى المؤنة وفيه أن النسخ لا يثبت بالاحتمال والتجويز والإدعاء وفيه أيضاً ما قال الشيخ محمد أنور بعد ذكر الوجوه الثلاثة الأخيرة) ، ويرد على هذه الأجوبة كلها ما عند الطحاوي (ج1 ص315) ما سقت السماء أو كان سيحاً أو بعلاً ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق- الحديث. وإسناده قوى، فإنه يدل على أن الحديث (أي حديث أبي سعيد وما في معناه) في العشر لا في الصدقات المتفرقة كما ذهب إليه العيني (والجصاص) ولا من باب التجارة كما اختاره صاحب الهداية كذا في فيض الباري (ج3 ص46) قلت: رواية الطحاوي هذه أخرجها الحاكم (ج1 ص395) والطبراني والبيهقي (ج4 ص89، 180) أيضاً كلهم من حديث عمرو ابن حزم مطولاً وقد ذكرنا طرفاً منه. قال البيهقي: حديث مجود الإسناد ورأه أبوزرعة الرازي وأبوحاتم الرازي وعثمان بن سعيد الدارمي وجماعة من الحفاظ موصول الإسناد حسناً وروى البيهقي عن أحمد بن حنبل أنه قال: أرجو أن يكون صحيحاً- انتهى. وبسط الحافظ الكلام في إسناده هذا الحديث في ترجمة سليمان بن داود الخولاني الدمشقي من تهذيبه من أحب الوقوف عليه رجع إليه، وسيأتي أيضاً شيء من الكلام فيه في بيان نصاب الذهب، وقد جمع كما ترى حديث عمرو من حزم معنى حديث ابن عمر وحديث أبي سعيد، فدل على أنه لا تعارض بينهما خلافاً لما زعمت الحنفية وبطل به ما ذهبوا إليه من تقديم حديث ابن عمر وجعله متأخراً احتياطاً ولبطلان هذه الأجوبة. وجوه أخرى لا تخفى على المصنف. ومنها ما قال صاحب العرف الشذى: أن حديث الأوساق محمول على العرية، والعرية تكون فيما دون خمسة أوسق فلما أعطى رجل ما خرج من أرضه بطريق العرية فلا زكاة عليه فيما أعرى، لأنه مثل من وهب بجميع ماله أو بعضه أنه لا زكاة عليه فيما وهب فصح أنه لا عشر فيما دون خمسة أوسق؛ لأنها عرية، قال وعلي أن المذكور في الحديث حكم العرية قرائن. منها، أن في الصحيحين أن العرية إنما تكون إلى خمسة أوسق فالمتبادر أن في حديث أبي سعيد أيضاً حكم العرية، والمراد أن ما دون خمسة أوسق يؤدنه ديانة فيما بينهم وبين الله ولا يجب رفعه إلى بيت المال فإنه يؤدي إلى المعرى له ثم لما أداه بجميعه فتأدى زكاته أيضاً، فمراد الحديث ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، أي لا يجب رفعه إلى بيت المال، وحاصله أن النفي في حديث أبي سعيد ليس لثبوت النصاب في الثمار والزرع وأن ما دون خمسة أوسق يبقى في بيته لا تجب فيه فريضة الله أي للعشر، بل لأنه يتصدق فيها بنفسه فلا تؤخذ منه صدقة ترفع إلى بيت المال، فالنفي باعتبار رفعها إلى بيت المال لا لعدم وجوبها، وما حديث ابن عمر فبيان للواجب في نفس الأمر سواء رفع إلى بيت المال أو أمر باداءه بنفسه فلا تعارض أصلاً. قال ومنها رواية الطحاوي (ص315) عن مكحول بإسناد جيد مرسلاً، خففوا في الصدقات فإن في المال
العرية والوصية. وفي السنن الكبرى للبيهقي أن أبا بكر وعمر كانا يأمران سعاتهما أن لا يخرصوا في العرايا قلت: حاصل هذا الجواب أن حديث ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، محمول على العشر لكنه مصروف إلى العرايا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد رخص في العرايا في هذا القدر فلم يوجب فيها صدقة لأن العرية نفسها صدقة، وإنما فائدة الخبر أنما تصدق به صاحب العشر يحتسب له ولا تجب فيها صدقة ترفع إلى بيت المال ولا يضمنها، كما قاله الجصاص في شرح ما روى عن أبي سعيد مرفوعاً أنه قال: ليس في العرايا صدقة وهذا تأويل أيضاً باطل مردود لأنه صلى الله عليه وسلم نفى الصدقة فيما دون الخمسة أوسق مطلقاً كما أنه نفاها فيما دون خمس أواق من الرقة وفيما دون خمس ذود من الابل وهذا يدل دلالة بينة على أنه لا تجب الزكاة رأساً في الخارج من الأرض إذا كان دون هذا المقدار كما لا تجب أصلاً في الرقة إذا كانت دون خمس أواق، وفي الابل إذا كانت دون خمس، وحمل النفي في الخارج من الأرض خاصة على عدم أخذ لساعي ونفي رفعه إلى بيت المال مما لا دليل عليه. ولأن الظاهر أن المقصود من ذكر الفصول الثلاثة على نسق بيان نصب المعشرات والرقة من العين والابل من الماشية، فالفرق بينها يحمل الاثنين منها على بيان نصاب الصدقة، والأول على معنى آخر مع كون الثلاثة على نسق واحد وشاكلة واحدة غير صحيح؛ ولأنه وقع في هذا الحديث عند البيهقي (ج4:ص125) من طريق مرسلة بعد ذكر الأواق، والأوساق، والاذواد من زيادة قوله "وليس في العرايا صدقة" وروى الدارقطني من حديث علي مرفوعاً بسند فيه ضعف ليس في الخضروات صدقة، ولا في العرايا صدقة، ولا في أقل من خمسة أوسق صدقة، ولا في العوامل صدقة، الحديث وسيأتي في الفصل الثالث، وكأنه أشار إليه أبوعبيد في الأموال (ص489) بقوله "لأن سنته أن لا صدقة في أقل من خمسة أوسق، وأن لا صدقة في العرايا" وذكر نفى الصدقة في العرايا وفيما دون خمسة أوسق معاً يبعد حمل حديث الأوساق على العرايا. ويدل على أن المقصود من قوله: ولا في أقل من خمسة أوسق في حديث الأوساق بيان نصاب صدقة المعشرات، ومن نفي الصدقة في العرايا عدم وجوب الزكاة فيها رأساً، لأنها تكون دون النصاب وهو الذي فهمه جميع أهل العلم، وأما رواية مكحول فرواها أبوعبيد في الأموال (ص 487) بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث الخراص. قال: خففوا فإن في المال العرية والوطية، ورواها ابن أبي شيبة بلفظ:"خفف على الناس فإن المال العارية والوصية" وروى البيهقي (ج4:ص124) وأبوعبيد أيضاً عن الأوزاعي. قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب قال: خففوا على الناس في الخرص فإن في المال العرية والواطئة والأكلة- انتهى. وليس في هذه الروايات أدنى دلالة على كون حديث الأوساق محمولاً على حديث العرية، وغاية ما فيها أنها تدل على التخفيف في الخرص على رب النخل في قدر ما يأكله هو وأهله وزواره والمارة والسابلة رطباً وفيما يعرى أهل الحاجة منها، ولذا عفى وأسقط الصدقة أي العشر عن ذلك رأساً لا أنه أوجبها فيها ورخص في عدم رفعها إلى بيت المال بل فوض صرفها في مصارفها إلى رب
الحائط واحتسب ذلك له أي أسقطه من الحساب؛ ولأنه يأباه كما قال صاحب فتح الملهم: ما وقع في رواية لمسلم في حديث أبي سعيد، ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق وما في بعض روايات جابر، لا صدقة في شيء من الزرع أو الكرم حتى يكون خمسة أوسق، ولأحمد من حديث أبي هريرة ولا يحل في البر والتمر زكاة حتى يبلغ خمسة أوسق فإن العرية تعرف في التمر أو الثمار لا في سائر الحبوب والزروع، فكيف يستقيم حمل الحديث المشتمل على جميع المعشرات على العرايا. وقد روى البيهقي بإسناده عن الزهري، قال سمعت أباأمامة بن سهل بن حنيف يحدث في مجلس سعيد بن المسيب إن السنة مضت أن لا تؤخذ صدقة من نخل حتى يبلغ خرصها خمسة أوسق، وهذا ظاهر في أن المقصود بيان نصاب الصدقة كما في قرينتيه من الدود والأواقي لا بيان ما أسقط من الحساب، هذا وقد اتضح بما ذكرنا أن كل ما تأول به الحنفية حديث الأوساق باطل، وقد ظهر بذلك أيضاً سخافة استدلالهم بحديث العموم. ولذلك أورد صاحب العرف الشذي حديثاً آخر للاحتجاج لمذهب الحنفية، وزعم أنه خاص صريح في مذهبهم حيث قال: أن الصحيح الاحتجاج بالرواية الخاصة في مقابلة الخاص فنحتج بما رواه الطحاوي (ج2:ص213) في باب العرايا عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في العرية في الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة، وقال: في كل عشرة أقناء قنو يوضع في المسجد للمساكين، قال وما تمسك به أحد منا، والحديث قوي. ومراده عندي أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أجاز بالعرية إلى أربعة أوسق. وأما المسألة فيما زاد فهي كما ذكرها فيما بعد أعنى إيجاب العشر حتى أوجب في عشرة أقناء قنوا، وحينئذٍ صار الحديث صريحا فيما رامه الحنفية. قلت: حديث جابر هذا ذكره الحافظ في الفتح في باب بيع الثمر على رؤس النخل بالذهب والفضة ونسبه إلى الشافعي وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، قال أخرجوه كلهم من طريق ابن إسحاق حدثني محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حين أذن لأصحاب العرايا أن يبيعوها بخرصها يقول الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة، لفظ أحمد- انتهى. قلت: وأخرج أحمد الجزء الثاني (ج3:ص360) في رواية أخرى بلفظ: أمر من كل جاد بعشرة أوسق من تمر بقنو يعلق في المسجد. ولفظ الحاكم (ج1:ص417) : رخص في العرايا الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة، وقال: في جاذ كل عشرة أوسق قنو يوضع للمساكين في المسجد. وأخرج أبوداود الجزء الثاني فقط بلفظ: أمر من كل جاد عشرة أوسق من التمر بقنو يعلق في المسجد للمساكين. قال الخطابي في المعالم (ج2:ص75) : قال إبراهيم الحربي: يريد قدراً من النخل يجذ منه عشرة أوسق، وتقديره مجذوذ فاعل بمعنى مفعول، وأراد بالقنوا العذق بما عليه من الرطب والبسر يعلق للمساكين يأكلونه، وهذا من صدقة المعروف دون الصدقة التي هي فرض واجب- انتهى. والعمدة هي رواية هؤلاء الحفاظ التي خالية عن زيادة قوله في كل عشرة أقناء قنو لا رواية الطحاوي المشتمل على تلك الزيادة، وذلك
لوجهين: الأول: أنه رواه ابن إسحاق عندهم بصيغة التحديث، ووقع في طريق الطحاوي روايته بعن. والثاني: أنه وقع عند بعض هؤلاء الحفاظ مكان الزيادة المذكورة قوله: أمر في كل جاذ عشرة أوسق بقنو يعلق في المسجد وهذا كما ترى مخالف لزيادة قوله: في كل عشرة أقناء قنو الواقعة في طريق الطحاوي، وهذا كله يورث التردد في قبول تلك الزيادة، كما قال صاحب فتح الملهم، بل يوجب ردها والله تعالى أعلم. ولو تنزلنا فرواية الطحاوي أيضاً محمولة على البر والإحسان والتطوع دون بيان الصدقة المفروضة أي العشر والزكاة، وعلى هذا حمل الحديث الشراح قاطبة من أصحاب الغريب وغيرهم، ونسبة الغلط والخطأ إليهم في فهم معنى الحديث جرأة شنيعة بل كبر ومكابرة، ويؤيد كون الحديث من قبيل المعروف وصدقة التطوع ما روى الحاكم (ج1 ص417) والطبراني في الأوسط عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كل حائط بقناء للمسجد، قال الحاكم: صحيح. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. واحتج بعضهم لمذهب الحنفية بأنه لا يعتبر للخارج من الأرض حول فلا يعتبر له نصاب فإنه لما سقط له وقت ينبغي أن يسقط له المقدار، وأجاب عنه ابن قدامة بأنه إنما لم يعتبر الحول له؛ لأنه يكمل نماءه باستحصاده لا ببقاءه واعتبر الحول في غيره؛ لأنه مظنة لكمال النماء في سائر الأموال والنصاب، اعتبر ليبلغ حدا يحتمل المواساة منه فلهذا اعتبر فيه يحققه أن الصدقة إنما تجب على الأغنياء بما قد ذكرنا فيما تقدم، ولا يحصل الغني بدون النصاب كسائر الأموال الزكاتيه- انتهى. قال في حجة الله: إنما قدر من الحب والترخمسة أوسق؛ لأنها تكفي أقل أهل البيت إلى السنة وذلك؛ لأن أقل أهل البيت الزوج والزوجة وثالث خادم أو ولد بينهما وما يضاهى ذلك من البيوت، وغالب قوت الإنسان رطل أو مد من الطعام فإذا أكل كل واحد من هؤلاء ذلك المقدار كفاهم لسنة وبقيت بقية لنوائبهم أو أدامهم- انتهى. إعلم أن الاعتبار في نصاب المعشرات وصدقة الفطر وغيرها إنما هو للكيل لا الوزن، فلا يخرج العشر وزكاة الفطر وغيرها إلا بالصاع والمد إلا إذا لم يتيسر ذلك فحينئذٍ يرجع إلى الوزن، والمراد بالصاع الصاع النبوي وهو صاع أهل الحجاز المحرمين وغيرهما لا الصاع الحجاجي الذي هو صاع أهل العراق وارجع لتحقيق ذلك إلى المحلى (ج5 ص240، 246) لابن حزم وكتاب الأموال (ص514، 525) لأبي عبيد والمجموع (ج1 ص122) و (ج5 ص458) و (ج6 ص128، 129) للنووي فإنهم قد بسطوا الكلام في تحقيق الصاع والمد وبيان مقدارهما من الوزن، وذكر مذاهب العلماء في ذلك، قال ابن قدامة: النصاب معتبر بالكيل فإن الأوساق مكيلة وإنما نقلت إلى الوزن لتضبط وتحفظ وتنقل، والمكيلات تختلف في الوزن فمنها الثقيل كالحنطة والعدس ومنها الخفيف كالشعير والذرة ومنها المتوسط، وقد نص أحمد على أن الصاع خمسة أرطال وثلث من الحنطة، وروى جماعة عنه أنه قال: الصاع وزنته فوجدته خمسة أرطال وثلثي رطل حنطة، وقال حنبل: قال أحمد: أخذت الصاع من أبي النضر وقال أبوالنضر
أخذته من ابن أبي ذئب، وقال: هذا صاع النبي صلى الله عليه وسلم الذي يعرف بالمدينة، قال أبوعبد الله: فأخذنا العدس فعيرنا به وهو أصح ما يكال به؛ لأنه لا يتجافى عن مواضعه فكلنا به ووزناه فإذا هو خمسة أرطال وثلث وهذا أصح ما وقفنا عليه وما بين لنا من صاع النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعض أهل العلم: أجمع أهل الحرمين على أن مد النبي صلى الله عليه وسلم رطل وثلاث قمحاً من أوسط القمح فمتى بلغ القمح ألفاً وستمائة رطل ففيه الزكاة وهذا يدل على أنهم قدروا الصاع بالثقيل، فأما التخفيف فتجب الزكاة فيه إذا قارب هذا وإن لم يبلغه- انتهى. واعلم أيضاً أنه اختلف في هذا النصاب هل هو تحديد أو تقريب، وبالأول جزم أحمد وهو أصح الوجهين للشافعية إلا أن كان نقصاً يسيراً جداً مما لا ينضبط فلا يضر، قاله ابن دقيق العيد: وصحح النووي في شرح مسلم أنه تقريب، كذا في الفتح. وقال ابن قدامة، قال القاضي: وهذا النصاب معتبر تحديداً فمتى نقص شيئاً لم تجب الزكاة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة والناقص عنها لم يبلغها إلا أن يكون نقصاً يسيراً يدخل في المكاييل كالأوقية ونحوها فلا عبرة به؛ لأن مثل ذلك يجوز أن يدخل في المكاييل فلا ينضبط فهو كنقص الحول ساعة أو ساعتين انتهى. هذا ولم يتعرض في الحديث للقدر الزائد على النصاب المذكور وقد أجمع العلماء على أنه لا وقص في نصاب المعشرات، قال ابن قدامة: لا وقص في نصاب الحبوب والثمار بل مهما زاد على النصاب أخرج منه بالحساب فيخرج عشر جميع ما عنده فإنه لا ضرر في تبعيضه بخلاف الماشية فإن فيها ضرر ثم ههنا مسائل، ينبغي ذكرها تكميلاً للفائدة. الأولى: الخمسة الأوسق تعتبر بعد التصفية في الحبوب والجفاف في الثمار، فلو كان له عشرة أوسق عنباً لا يجيء منه خمسة أوسق زبيباً لم يجب عليه شيء، لأنه حال وجوب الإخراج منه فاعتبر النصاب بحاله. الثانية: إذا وجب عليه عشر مرة لم يجب عليه عشر آخر وإن حال عنده أحوالاً؛ لأن هذه الأموال غير مرصدة للنماء في المستقبل بل هي إلى النقص أقرب، والزكاة إنما تجب في الأشياء النامية ليخرج من النماء فيكون أسهل. الثالثة: وقت وجوب الزكاة في الحب إذا اشتد وفي الثمرة إذا بد إصلاحها قال ابن العربي في تفسيره: اختلف العلماء في وجوب الزكاة في هذه الأموال النباتية على ثلاثة أقوال. الأول: أنها تجب وقت الجذاذ. الثاني: أنها تجب يوم الطيب؛ لأن ما قبل الطيب علفا لا قوتاً وطعاماً، فإذا طابت وكان الأكل الذي أنعم الله به وجب الحق الذي أمر الله به. الثالث: أن يكون بعد تمام الخرص؛ لأنه حينئذٍ يتحقق الواجب فيه من الزكاة فيكون شرطاً لوجوبها، ولكل قول وجه كما ترون لكن الصحيح وجوب الزكاة بالطيب لما بينا من الدليل، وإنما خرص عليهم ليعلم قدر الواجب في ثمارهم- انتهى. الرابعة: يجب العشر أو نصفه إذا بلغ الخارج النصاب سواء زرعه في أرض له أو في أرض لغيره أرض خراج كانت أو أرض عشر، سقى بماء العشر أو بماء الخراج، وهذا قول جمهور الناس وبه قال مالك
والشافعي وأحمد وداود الظاهري، فيجتمع عندهم العشر والخراج في أرض واحدة. وقال أبوحنيفة: لا عشر فيما أصيب في أرض خراج فاشتراط الوجوب العشر أن تكون الأرض عشرية فلا يجتمع عنده العشر والخراج في أرض واحدة واستدل الجمهور بقوله تعالى: {ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] وقول النبي صلى الله عليه وسلم "فيما سقت السماء العشر" وغيره من عمومات الأخبار. قال ابن الجوزي في التحقيق بعد ذكر هذا الخبر هذا عام في الأرض الخراجية وغيرها، وقال ابن المبارك: يقول الله تعالى: {ومما أخرجنا لكم من الأرض} ثم يقول نترك القرآن لقول أبي حنيفة. واستدل الشيخ تقي الدين في الإمام للجمهور بما روى يحيى بن آدم في الخراج (ص165) والبيهقي من طريقه (ج4 ص131) عن سفيان بن سعيد، عن عمرو بن ميمون بن مهران. قال: سألت عمر بن عبد العزيز، عن مسلم يكون في يده أرض خراج فيسأل الزكاة فيقول إن عليّ الخراج قال فقال: الخراج على الأرض وفي الحب الزكاة، قال ثم سألته مرة أخرى فقال مثل ذلك، قال شيخنا في شرح الترمذي إسناده صحيح. قلت ما ورواه أبوعبيد الطبراني في الأموال (ص88) عن قبيصة عن سفيان قال الحافظ في الدراية (ص268) وصح عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لمن قال: إنما عليّ الخراج الخراج على الأرض والعشر على الحب، أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن آدم في الخراج له، وأخرج أيضاً عن يحيى ثنا ابن المبارك عن يونس (وفي الخراج ليحى (ص166) عن معمر مكان عن يونس) قال: سألت الزهري عن زكاة الأرض التي عليها الجزية فقال: لم يزل المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده يعاملون على الأرض ويستكرونها ويؤدون الزكاة مما خرج منها فترى هذه الأرض على نحو ذلك- انتهى. وهذا فيه إرسال عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى يحيى بن آدم في الخراج (ص165) وأبوعبيد في الأموال (ص88) عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الله بن أبي عوف عامله على فلسطين فيمن كانت في يده أرض يحرثها من المسلمين أن يقبض منها جزيتها، ثم يأخذ منها زكاة ما بقي بعد الجزية قال ابن أبي عبلة: أنا ابتليت بذلك ومنى أخذوا الجزية يعنى الخراج الأرض. واستدل الحنفية بما رواه ابن عدي في الكامل والبيهقي من طريقه (ج4 ص132) عن يحيى بن عنبسة ثنا أبوحنفية عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم وبأن أحداً من أئمة العدل وولاة الجور لم يأخذ من أرض السواد عشر إلى يومنا هذا فالقول بوجوب العشر فيها يخالف الإجماع فيكون باطلاص. قال صاحب الهداية: لم يجمع أحد من أئمة العدل والجور بينهما يعني بين الخراج والعشر وكفى بإجماعهم حجة وأجيب عن الحديث بأنه باطل لا أصل له، قال البيهقي: هذا حديث باطل وصله ورفعه. ويحيى بن عنبسة متهم بالوضع، وقال ابن عدي: يحيى بن
عنبسة منكر الحديث، وإنما يروي هذا من قول إبراهيم، وقد رواه أبوحنيفة عن حماد عن إبراهيم قوله: فجاء يحيى بن عنبسة فأبطل فيه ووصله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويحيى بن عنبسة مكشوف الأمر في ضعفه لروايته عن الثقات الموضوعات- انتهى. وقال ابن حبان: ليس هذا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحيى بن عنبسة دجال يضع الحديث لا تحل الرواية عنه، وقال الدارقطني: يحيى هذا دجال يضع الحديث هو كذب على أبي حنيفة ومن بعده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات، كذا في نصب الراية (ج3:ص442) وأجيب عن دعوى الإجماع بأنها باطلة جداً، قال الحافظ في الدراية:(ص268) راداً على صاحب الهداية ولا إجماع مع خلاف عمر بن عبد العزيز والزهري، بل لم يثبت عن غيرهما التصريح بخلافهما - انتهى. وقال أبوعبيد في الأموال (ص90) لا نعلم أحداً من الصحابة، قال: لا يجتمع عليه العشر والخراج ولا نعلمه من التابعين إلا شيء يروي عن عكرمة، رواه عنه رجل من أهل خراسان يكنى أباالمنيب سمعه يقول ذلك- انتهى. واحتج لهم أيضاً بما روى أن عتبة بن فرقد قال لعمر رضي الله عنه حين اشترى أرض خراج ضع عن أرضي الصدقة فقال: أدعنها ما كانت تؤدي أو أرددها إلى أهلها وإن رجلا قال لعمر رضي الله عنه: أسلمت فضع عن أرضى الخراج فقال: إن أرضك أخذت عنوة، وقول عمر: في المرأة التي أسلمت من أهل نهر الملك (كورة واسعة ببغداد بعد نهر عيسى) فقال إن أدت ما على أرضها وإلا فخلوا بين المسلمين وبين أرضهم، وقول علي رضي الله عنه فيمن أسلم من أهل السواد: إن أقمت بأرضك تؤدي ما كانت تؤدي وإلا قبضناها منك وإن الرفيل أسلم فأعطاه عمر أرضه بخراجها. خرج هذه الآثار يحيى بن آدم والبيهقي في المعرفة وغيرهما، قال يحيى:(ص168) وليس في شيء من هذه الأحاديث إلا الخراج وحده ثم أجاب عنها قال: وذلك عندنا؛ لأنهم طلبوا طرح الخراج حتى يصير عليها العشر وحده فلم يفعل عمر رضي الله عنه لم يطرح الخراج ولم يذكر العشر بطرح ولا غيره؛ لأن العشر زكاة على كل مسلم، أي فهو واجب عليه في كل حال لا يحتاج إلى تصريحه وقال أبوعبيد:(ص87) ليس في ترك ذكر عمر وعلي رضي الله عنهما العشر دليل على سقوطه عنهم، لأن العشر حق واجب على المسلمين في أراضيهم لأهل الصدقة لا يحتاج إلى اشتراطها عليهم عند دخولهم في الأرضين، قال: وذلك أن حكم الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على كل مسلم في أرضه أن ذكر ذلك أو ترك. وإنما أرض الخراج كالأرض يكتريها الرجل المسلم من ربها الذي يملكها بيضاء فيزدرعها أفلست ترى أن عليه كراءها لربها وعليه عشر ما تخرج إذا بلغ ما يجب فيه الزكاة. ومما يفرق بين العشر والخراج ويوضح لك أنهما حقان إثنان أن موضع الخراج الذي يوضع فيه سوى موضع العشر إنما ذلك في أعطية المقاتلة والأرزاق الذربة وهذا صدقة يعطاها الأصناف الثمانية فليس واحد من الحقين قاضياً عن
الآخر - انتهى. وقد ظهر بما ذكرنا أنه لم يقم دليل صحيح أو سقيم على أن الخراج والعشر لا يجتمعان على مسلم، بل الآية المذكورة وحديث "فيما سقت السماء العشر" وما في معناه يدلان بعمومهما على الجمع بينهما، وأثر عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد العدل، وأثر الزهري يدلان على أن العمل كان ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده، فالحق والصواب في ذلك هو ما ذهب إليه الجمهور. تنبيه: إختلف أصحاب الفتوى من الحنفية في أراضي المسلمين في بلاد الهند في زمن الانكليز وتخبطوا في ذلك فقال بعضهم: لا عشر فيها لأنها أراضي دار الحرب، وقال بعضهم إن أراضي الهند ليست بعشرية ولا خراجة بل أراضي الحوز أي أراضي بيت المال وأرض المملكة. (أرجع لتعريفها إلى رد المختار (ج3:ص353-354) وقال بعضهم: إن الرجل الذي لا يعلم إن أرضه انتقلت إليه من أيدي الكفار والأرض الآن في ملكه فعليه فيها العشر وجعل بعضهم أراضيها على عدة أنواع، وقال الأحوط أداء العشر من جميع هذه الأنواع. والحق عندنا وجوب العشر في أراضي الهند مطلقاً أي على أي صفة كانت، فيجب والعشر أو نصفه على المسلم فيما يحصل له من الأرض، إذا بلغ النصاب سواء كانت الأرض ملكاً له أو لغيره زرع فيها على سبيل الإجارة أو العارية أو المزارعة. لأن العشر في الحب والزرع والعيرة لمن يملكه، فيجب الزكاة فيه على مالكه المسلم وليس من مؤنة الأرض فلا يبحث عن صفتها والضريبة التي تأخذها المملكة من أصحاب المزارع في الهند ليست خراجها شرعياً ولا مما يسقط فرضة العشر كما لا يخفى وارجع إلى المغني (ج2:ص728) فائدة في حد أرض العشر من أرض الخراج. قال أبوعبيد في كتاب الأموال (ص512) لا تكون الأرض عشرية إلا من أربعة أنواع. أحدها كل أرض أسلم عليها أهلها فهم مالكون لرقابها كالمدينة والطائف واليمن. والنوع الثاني: كل أرض أخذت عنوة ثم أن الإمام لم ير أن يجعلها فيئاً موقوفاً ولكنه رأى أن يجعلها غنيمة فخمسها وقسم أربعة أخماسها بين الذين إفتتحوها خاصة كفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرض خيبر، فهذه أيضاً ملك إيمانهم ليس فيها غير العشر وكذلك الثغور كلها إذا قسمت بين الذين إفتتحوها خاصة. والنوع الثالث: كل أرض عادية لا رب لها ولا عامر أقطعها الإمام رجلاً من جزيرة العرب أو غيرها. والنوع الرابع: كل أرض ميتة استخرجها رجل من المسلمين فأحياها بالماء والنبات فهذه الأرضون التي جاءت فيها السنة بالعشر أو نصف العشر وكلها موجودة في الأحاديث- انتهى مختصراً. وقال أبويوسف في كتاب الخراج: (ص82) كل أرض أسلم عليها أهلها وهي من أرض العرب أو أرض العجم فهي لهم. وهي أرض عشر بمنزلة المدينة حين أسلم عليها أهلها وبمنزلة اليمن، وكذلك كل من لا تقبل منه الجزية ولا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل فأرضهم أرض عشر وإن ظهر عليها الإمام، قال: وأيما دار من دور الأعاجم قد ظهر عليها الإمام وتركها في أيدي أهلها فهي أرض خراج، وإن قسمها
بين الذين غنموها فيه أرض عشر. ألا ترى أن عمر رضي الله عنه ظهر على أرض الأعاجم وتركها في أيديهم فهي أرض خراج وكل أرض من أراضي الأعاجم صالح عليها أهلها وصاروا ذمة فهي أرض خراج- انتهى. باختصار يسير. وقال ابن قدامة: (ج2:ص716) الأرض قسمان. صلح، وعنوة فأما الصلح: فكل أرض صالح أهلها عليها لتكون لهم ويؤدون خراجها معلوماً وهذا الخراج في حكم الجزية وأما الثاني: وهو ما فتح عنوة فهي ما أجلى عنها بالسيف ولم يقسم بين الغانمين فهذه تصير وقفاص للمسلمين يضرب علياً خراج معلوم يؤخذ منها في كل عام وتقر في أيدي أربابها ماداموا يؤدون خراجها وسواء كانوا مسلمين أو من أهل الذمة ولا يسقط خراجها بإسلام أربابها ولا بانتقالها إلى مسلم- انتهى مختصراً. الخامسة: يجب الزكاة عند أحمد فيما جمع هذه الأوصاف الكيل والبقاء واليبس من الحبوب والثمار مما ينبته الآدميون سواء كان قوتاً كالحنطة والشعير والسلت والارزة والذرة والدخن. أو من القطنيات كالفول والعدس والماش والحمص، أو من الأبازير أي التوابل كالكمون والكراويا أو البزور كبزر القثاء والخيار، أو حب البقول كحب الفجل والسمسم وسائر الحبوب، وتجب أيضاً فيما جمع هذه الأوصاف من الثمار كالتمر والزبيب واللوز والفستق والبندق إذا بلغ خمسة أوسق. ولا زكاة في سائر الفواكه كالخوخ والإجاص والكمثري والتفاح والتين ولا في الخضر كالقثاء والخيار والباذنجان واللفت والجزر. ونحوه قول أبي يوسف ومحمد فإنهما قالا: لا شيء فيما تخرجه الأرض إلا ما كانت له ثمرة باقية يبلغ مكيلها خمسة أوسق، واختلفت أقوالهم في ما لا يكال كالزعفران والقطن واستدل ابن قدامة لما ذهب إليه أحمد ومن وافقه بأن عموم قوله "فيما سقت السماء العشر". وقوله لمعاذ "خذ الحب من الحب" يقتضي وجوب الزكاة في جميع ما تناوله خرج منه مالاً يكال وما ليس بحب بمفهوم قوله. ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق. رواه مسلم والنسائي، فدل هذا الحديث على انتفاء الزكاة مما لا توسيق فيه وهو مكيال ففيما هو مكيل يبقى على العموم والدليل على انتفاء الزكاة مما سوى ذلك ما ذكر من اعتبار التوسيق وروى عن علي وعائشة وطلحة وأنس مرفوعاً: ليس في الخضروات صدقة، رواهن الدارقطني. وذهب مالك والشافعي إلى أنه لا زكاة في ثمر إلا التمر والزبيب ولا في حب إلا ما كان قوتاً في حال الاختيار لذلك إلا في الزيتون على اختلاف. وقال أبوحنيفة: تجب الزكاة في كل ما يقصد بزراعته نماء الأرض إلا الحطب والقصب الفارسي والحشيش، وهو قول عمر بن عبد العزيز وأبي بردة بن أبي موسى وحماد وإبراهيم وإليه ذهب داود الظاهري إلا أنه قال: إن كل ما يدخل فيه الكيل يراعى فيه النصاب وما لا يدخل فيه الكيل ففي قليلة وكثيرة الزكاة، قال الحافظ: وهذا نوع من الجمع بين الحديثين. واستدل لقول أبي حنيفة بقوله تعالى: {ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] وبقوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر" وهذان عامان؛ ولأن هذا يقصد بزراعته نماء الأرض فأشبه الحب
وخص الجمهور هذا العموم بحديث الخضروات. وحكى عن أحمد لا زكاة إلا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب وهو قول موسى بن طلحة والحسن البصري وابن سيرين والشعبي والحسن بن صالح وابن أبي ليلى وابن المبارك وأبي عبيد، ورجح هذا المذهب الأمير اليماني والشوكاني والعلامة الأمير القنوجي البوفالي واستدل لهذا القول بأن ما عدا هذه الأربعة لا نص فيها ولا إجماع ولا هو في معناها في غلبة الإقتيات بها وكثرة نفعها ووجودها فلم يصح قياسه عليها ولا إلحاقه بها فيبقى على النفي الأصلي، وأما عموم الآية والحديث فهو مخصوص بأحاديث الخضروات وبالأحاديث الواردة بصيغة الحصر في الأقوات الأربعة قالوا: وهي مروية بطرق متعددة يقوى بعضها بعضاً فتنتهض لتخصيص هذه العمومات. فمنها ما روى الدارقطني (ص201) والحاكم (ج1:ص401) والبيهقي (ج4:ص125) والطبراني من طريق طلحة بن يحيى عن أبي بردة عن أبي موسى ومعاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهما إلى اليمن فأمرهما أن يعلما الناس أمر دينهم، وقال لا تأخذوا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر، قال الحاكم: إسناده صحيح ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، ونقل الحافظ في التلخيص (ص178) عن البيقهي، أنه قال رواته ثقات وهو متصل. وقال في الدراية (ص164) في الإسناد طلحة بن يحيى مختلف فيه وهو أمثل مما في الباب- انتهى. قلت: وفيه أيضاً اختلف في رفعه ووقفه وانظر الخراج ليحيى بن آدم (ص153) رقم (537-538) والسنن الكبرى للبيهقي (ج4:ص125) ونصب الراية للزيلعي (ج2:ص389) والمحلي (ج5:ص221) ومنها ما روى ابن شيبة وأبوعبيد في الأموال (ص468) ويحيى بن آدم في الخراج (ص148) عن موسى بن طلحة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير والنخل والعنب وهذا منقطع؛ لأن موسى بن طلحة لم يدرك معاذاً بعقله قاله ابن حزم (ج5:ص222) وقال الحافظ في التلخيص (ص179) : فيه انقطاع، وقال أبوزرعة موسى بن طلحة عبيد الله عن عمر مرسلة ومعاذ، توفي في خلافة عمر فرواية موسى بن طلحة عنه أولى بالإرسال، وقال تقي الدين في الإمام وفي الاتصال بين موسى بن طلحة ومعاذ نظر، فقد ذكروا أن وفاة موسى سنة ثلاث ومائة، وقيل: سنة أربع ومائة. ذكره الزيلعي (ج2:ص387) . وقال ابن عبد البر: لم يلق موسى معاذاً ولا أدركه- انتهى. والمشهور في ذلك ما روى عن عمرو بن عثمان عن موسى بن طلحة قال: عندنا كتاب معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إنما أخذ الصدقة من الحنطة والشعير والزبيب والتمر أخرجه أحمد (ج5:ص228) والدارقطني (ص201) والبيهقي (ج4:ص129) وابن حزم في المحلي (ج5:ص222) وأبويوسف في الخراج (ص64) ومنها ما روى الدارقطني (ص201) والحاكم
(ج1:ص401) والبيهقي (ج4:ص129) والطبراني من طريق إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عمه موسى بن طلحة عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فيما سقت السماء والبعل والسيل العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر وإنما يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب فأما، القثاء والبطيخ والرمان والقصب فقد عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. قلت في تصحيحهما لهذا الحديث نظر، فإنه حديث ضعيف، إسحاق بن يحيى بن طلحة ضعيف، متروك. وموسى بن طلحة عن معاذ منقطع، كما تقدم. ومنها ما روى الدارقطني (ص201) وأبويوسف في الخراج (ص65) من طريق محمد بن عبيد الله العزرمي عن الحكم عن موسى بن طلحة عن عمر بن الخطاب. قال: إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في هذه الأربعة الحنطة، والشعير، والزبيب، والتمر، وفيه أن العزرمي متروك، وموسى بن طلحة عن عمر منقطع كما تقدم. ومنها ما روى ابن ماجه والدارقطني (ص200) من طريق العزرمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال: إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في هذه الخمسة الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والذرة، ورواه يحيى بن آدم في الخراج (ص150) من طريق يحيى بن أبي أنيسة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا ًبلفظ: أربع ليس فيما سواها شيء الحنطة، والشعير، والتمر والزبيب، وهذا أيضا ضعيف، العزرمي متروك ويحيى بن أبي أنيسة ضعيف جداً. ومنها ما روى الدارقطني (ص203) من حديث جابر. قال: لم تكن المقاثي فيما جاء به معاذ إنما أخذ الصدقة من البر، والشعير، والتمر، والزبيب، وليس في المقاثي شيء وفي سنده عدي بن الفضل وهو متروك الحديث. ومنها ما روى يحيى بن آدم في الخراج (ص150) عن أبي حماد الحنفي عن إبان عن أنس. قال: لم يفرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة إلا من الحنطة، والشعير، والتمر والأعناب، وهذا أيضاً ضعيف، لضعف أبي حماد مفضل بن صدقة الحنفي الكوفي، قال: ابن معين ليس بشيء، وقال النسائي متروك، وقال أبوحاتم ليس بقوى يكتب حديثه. ومنها ما روى يحيى بن آدم في الخراج (ص149-150) والبيهقي من طريقه (ج4:ص129) عن عتاب بن بشير عن خصيف عن مجاهد قال: لم تكن الصدقة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في خمسة أشياء الحنطة، والشعير، والتمر والزبيب، والذرة وهذا مرسل، وفيه خصيف وهو صدوق سيئ الحفظ خلط بآخره أنكروا عليه أحاديث رواها عنه عتاب بن بشير. ومنها ما روى أيضاً يحيى بن آدم (ص149) والبيهقي من طريقه (ج4:ص129) عن ابن عيينة عن عمرو بن عبيد عن الحسن البصري. قال: لم يفرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة إلا في عشر أشياء الإبل، والبقر والغنم. والذهب، والفضة، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، قال ابن عيينة أراه قال والذرة، وذكر في رواية للبيهقي السلت
وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقه،
ــ
مكان الذرة وهذا أيضاً مرسل، وقال العراقي: مراسيل الحسن شبه الريح، وقال أحمد: ليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن، وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن عبيد متكلم فيه كان يكذب على الحسن في الحديث. ومنها ما روى أيضاً يحيى بن آدم (ص149) والبيهقي من طريقه (ج4 ص129) عن أبي بكر بن عياش عن الأجلح عن الشعبي. قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن: إنما الصدقة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، وهذا أيضاً مرسل، وأبوبكر بن عياش ثقة إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابة صحيح. وأجاب الحنفية عن هذه الأحاديث بأنها ضعيفة لا يخلو واحد منها عن الكلام على أنها أخبار آحاد، ولا يجوز تخصيص عموم القرآن، والخبر المشهور بالأخبار الآحادية لو كانت صحيحة فكيف بالضعاف. وأجاب عنها الشافعية ومن وافقهم في عدم حصر العشر في الأشياء الأربعة بأن الحصر فيها ليس حصراً حقيقاً بل إضافي أي بالنسبة إلى الخضروات يدل على هذا قوله، في الحديث الثالث إنما يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب فأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب فقد عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية القصب والخضر فعفو عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترجم البيهقي في السنن الكبرى (ج4 ص128) لهذه الأحاديث، باب الصدقة فيما يزرعه الآدميون وييبس ويدخر ويقتات دون ما تنتبه الأرض من الخضر- انتهى. وفي المسألة أقوال آخر، ذكرها العيني في شرح البخاري وأبوعبيد في الأموال، وأرجح هذه الأقوال، وأقواها عندي قول داود الظاهري، ثم قول من ذهب إلى الحصر العشر في الأربعة الحنطة، والشعير، من الحبوب، والتمر، والزبيب، من الثمار والله تعالى أعلم. (وليس فيما دون خمس أواق) قال الحافظ: بالتنوين وبإثبات التحتانية مشدداً ومخففاً جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد التحتانية وحكى الجياني وقيه بحذف الألف وفتح الواو ومقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهماً بالإتفاق، والمراد بالدراهم الخالص من الفضة سواء كان مضروبا أو غير مضروب (من الورق) بفتح الواو وكسر الراء وسكونها والمراد به ههنا الفضة مطلقاً أي مضروبة كانت أو غيرها، واختلف أهل اللغة في أصله، فقيل يطلق في الأصل على جميع الفضة، وقيل: هو حقيقة للمضروب دراهم، ولا يطلق على غير الدراهم إلا مجازاً، هذا قول كثيرين من أهل اللغة، وبالأول قال ابن قتيبة وغيره قاله النووي (صدقة) قال الحافظ: لم يخالف في أن نصاب الزكاة مائتا درهم يبلغ مائة وأربعين مثقالاً من الفضة الخالصة إلا ابن حبيب الأندلسي فإنه انفرد إن أهل كل بلد يتعاملون بدراهم، وذكر ابن عبد البر اختلافاً في الوزن بالنسبة إلى دراهم الأندلس وغيرها من دراهم البلاد، وكذا خرق المريسي الإجماع فاعتبر النصاب بالعدد لا الوزن، وانفرد السرخسي من الشافعية بحكاية وجه في المذهب أن الدراهم المغشوشة إذا بلغت قدر الوضم إليه قيمة الغش من نحاس مثلاً لبلغ نصاباً فإن الزكاة تجب
فيه كما نقل عن أبي حنيفة - انتهى. وقال ابن قدامة (ج3 ص1) : نصاب الفضة مائتا درهم لا نعلم في ذلك خلافاً بين علماء الإسلام وقد بينته السنة يعني بها هذا الحديث وحديث أنس الآتي، ففيه وفي الرقة ربه العشر فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها قال ابن قدامة، والدراهم التي يعتبر بها النصاب هي الدراهم التي كل عشر منها وزن سبعة مثاقيل بمثقال الذهب وكل درهم نصف مثقال وخمسة وهي الدراهم الإسلامية التي تقدر بها نصف الزكاة ومقدار الجزية والديات ونصاب القطع في السرقة وغير ذلك، وكانت الدراهم في صدر الإسلام صنفين سوداً وطبرية، وكانت السود ثمانية دوانيق والطبرية أربعة دوانيق فجمعا في الإسلام وجعلا درهمين متساويين في كل درهم ستة دوانيق فعل ذلك بنوا أمية- انتهى. قلت: روى ابن سعد في الطبقات (ج5 ص170) عن الواقدي، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه. قال: ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير والدراهم سنة خمس وسبعين وهو أول من أحدث ضربها ونقش عليها، وقال الواقدي: عن خالد بن ربيعة ابن أبي هلال عن أبيه قال: كانت مثاقيلاً الجاهلية التي ضرب عليها عبد الملك بن مروان اثنتين وعشرين قيراطاً إلا حبة بالشامي وكانت العشرة (دراهم) وزن سبعة (مثاقيل) وقال أبوعبيد في الأموال (ص524) كانت الدراهم قبل الإسلام كباراً وصغاراً، فلما جاء الإسلام وأرادو ضرب الدراهم وكانوا يزكونها من النوعين فنظروا إلى الدراهم الكبير فإذا هو ثمانية دوانيق وإلى الدرهم الصغير فإذا هو أربعة دوانيق فوضعوا زيادة الكبير على نقصان الصغير فجعلوها درهمين سواء كل واحد ستة دوانيق، ثم اعتبروها بالمثاقيل ولم يزل المثقال في آباد الدهر محدود إلا يزيد ولا ينقص فوجدوا عشرة من هذه الدراهم التي واحدها ستة دوانيق يكون وزن سبعة مثاقيل سواء فاجتمعت فيه وجوه الثلاثة، أن العشرة منها وزن سبعة مثاقيل وأنه عدل بين الصغار والكبار وأنه موافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقة فمضت سنة الدراهم على هذا واجتمعت عليه الأمة، فلم يختلف أن الدرهم التام ستة دوانيق فما زاد أو نقص قيل:"فيه" زائد أو ناقص، والناس في زكاتهم بحمد الله تعالى على الأصل الذي هو السنة لم يزيغوا عنه وكذلك في المبعايعات والديات على أهل الورق انتهى كلامه ملخصاً محرراً. قال العيني (ج8 ص258) : وفي كتاب المكائيل عن الواقدي عن معبد بن مسلم عن عبد الرحمن ابن سابطة. قال: كان لقريش أوزان في الجاهلية فلما جاء الإسلام أقرت على ما كانت عليه الأوقية أربعون درهماً والرطل اثنا عشر أوقية فذلك أربع مائة وثمانون درهما وكان لهم النش وهو عشرون درهماً والنواة وهي خمسة دراهم وكان المثقال اثنين وعشرين قيراطاً إلا حبة وكانت العشرة دراهم وزنها سبعة مثاقيل والدرهم خمسة عشر قيراطاً (إلى ما آخر قال) وأما مقدار نصاب الفضة بحسب أوزان بلادنا الهندية، فهو اثنان
وخمسون تولجة ونصف تولجة. قال القاضي ثناء الله الفاني فتى صاحب التفسير المظهري وتلميذ الشاة ولي الله الدهلوي: في رسالته الفارسية "ما لا بد منه" نصاب زر بيست مثقال ست كه هفت ونيم تولة باشد، ونصاب سيم دوصد درم ست. كه بنجاه وشش روبيه سكه دهلي وزن آن مى شود- انتهى. قال في حاشيتها: جون دوصد نزم محققين مساوى بنجاه ودونيم تولة است، جناجنة صاحب فتاوى جواهر اخلاطي مى أرد. فيكون مائتا درهم اثنين وخمسين تولجة ونصف تولجة من الفضة - انتهى. بس هر روبيه كه بوزن يازدة ماشه وباؤ ماشه بالا باشد بنجاه وشش روبيه خواهد بود، جناجة مصنف رحمة الله عليه فرموده است. وهمين روبيه در عهد مصنف رحمة الله علية رواج ميداشت وهر روبيه كه بوزن يازدة ماشا باشد از سيم مذكور بنجاه وجهار روبيه وسه ماشه خواهد بود - انتهى. وقال شيخ مشائخنا العلامة الشيخ عبد الله الغازيفوري في رسالته ما معربه نصاب الفضة مائتا درهم أي خمسون واثنتان تولجة ونصف تولجة، وهي تساوي ستين روبية من الروبية الإنكليزية (النافقة في الهند في زمن الإنكليز) التي تكون بقدر عشر ماهجة ونصف ماهجة. وقال الشيخ بحر العلوم اللكنوى الحنفي: في رسائل الأركان الأربعة (ص178) وزن مائتي درهم وزن خمس وخمسين روبية، وكل روبية أحد عشر ما شج واستدل بهذا الحديث على عدم الوجوب فيما إذا نقص من النصاب ولو حبة واحدة. قال ابن قدامة: نصاب الفضة مائتا درهم ولا فرق في ذلك بين التبر والمضروب، ومتى نقص النصاب عن ذلك فلا زكاة فيه، سواء كان كثيراً أو يسيراً هذا ظاهر كلام الخرقي. ومذهب الشافعي وإسحاق وابن المنذر لظاهر قوله عليه السلام: ليس فيما دون خمس أواق صدقة، والأوقية أربعون درهماً بغير خلاف فيكون ذلك مائتي درهم. وقال غير الخرقي من أصحابنا: إن كان النقص يسيراً كالحبة والحبتين وجبت الزكاة، لأنه لا يضبط غالباً فهو كنقص الحول ساعة أو ساعتين، وإن كان نقصاً بيناً كالدانق والدانقين فلا زكاة فيه. وقال مالك: إذا نقصت نقصاً يسيراً يجوز جواز الوازنة وجبت الزكاة، لأنها تجوز الوازنة فأشبهت الوازنة. والأول ظاهر الخبر فينبغي أن لا يعدل عنه- انتهى. قلت: وإليه ذهبت الحنفية والشافعية وهو الحق عندنا. واختلفوا في الفضة هل فيها وقص أم لا، وسيأتي الكلام عليه في الفصل الثاني في شرح حديث على هذا، واقتصر في حديث أبي سعيد وحديث أنس الآتي على ذكر نصاب الفضة؛ لأنها الأغلب. وأما الذهب فقال النووي في شرح مسلم: لم يأت في الصحيح بيان نصاب الذهب، وقد جاءت فيه أحاديث تحديد نصاب بعشرين مثقالاً، وهي ضعاف ولكن أجمع من يعتد به الإجماع على ذلك. وقال ابن عبد البر: لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في نصاب الذهب شيء إلا ما روى عن الحسن بن عمارة عن علي وابن عمارة أجمعوا على ترك حديثه لسوء حفظه وكثرة خطأه. ورواه الحفاظ موقوفاً على علىّ لكن عليه الجمهور الأئمة الأربعة
وغيرهم. وقال المهلب: لم ينقل عن الشارع زكاة الذهب من طريق الخبر كما تنقل عنه زكاة الفضة. وقال عياض نصاب الفضة خمس أوراق وهي مائتا درهم بنص الحديث، وأما الذهب فعشرون مثقالاً والمعول فيه على الإجماع. قال: وقد حكى فيه خلاف شاذ وروى فيه أيضاً حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الشافعي: في كتاب الرسالة (ص52) في باب الزكاة وفرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في الورق صدقة، وأخذ المسلمون في الذهب صدقة بعده، إما بخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغنا، وإما قياساً على أن الذهب والورق فقد الناس الذي اكتنزوه وأجازوه إثماناً على ما يتابعون به في البلدان قبل الإسلام وبعده. وقال في الأم (ج2 ص34) : لا أعلم اختلافاً في أن ليس في الذهب صدقة، حتى تبلغ عشرين مثقالاً فإذا بلغت عشرين مثقالاً ففيها الزكاة. وقال مالك: في الموطأ السنة التي لا اختلاف فيها عندنا إن الزكاة تجب في عشرين ديناراً عيناً كما تجب في مائتي درهم. قال الباجي: وهذا كما قال إن نصاب الذهب عشرون ديناراً من الدنانير الشرعية، وهو كل عشرة دراهم سبعة دنانير ولا خلاف في ذلك بين فقهاء الأمصار، إلا ما روى عن الحسن البصري أنه قال: لا زكاة في الذهب حتى يبلغ أربعين ديناراً فيكون فيه دينار. والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور أن الإجماع أنعقد بعد الحسن على خلافه، وهذا من أقوى الأدلة على أن الحق في خلافه، ودليلنا من جهة السنة ما روى عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: وليس عليك شيء يعني في الذهب حتى يكون لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، وهذا الحديث ليس اسناده هناك غير إن اتفاق العلماء على الأخذ به دليل على صحة حكمه، ودليلنا من جهة المعنى أن المأتى الدرهم نصاب الورق ولا خلاف في ذلك. والدينار كان صرفه في وقت فرض الزكاة عشرة دراهم فوزن المأتى درهم عشرون مثقالاً، فكان ذلك نصاب الذهب - انتهى. وقال أبوعبيد في الأموال (ص409) : بعد ذكر حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في نصاب الذهب عشرين مثقالاً. ما لفظه فهذا، لا اختلاف فيه بين المسلمين، إذا كان الرجل قد ملك في أول السنة من المال ما تجب في مثله الصدقة وذلك مائتا درهم أو عشرون ديناراً أو خمس من الإبل أو ثلاثون من البقر أو أربعون من الغنم، فإذا ملك واحدة من هذه الأصناف من أول الحول إلى آخره فالصدقة واجبة عليه في قول الناس جميعاً - انتهى. وقال في شرح الأحياء نصاب الذهب عشرون ديناراً خالصة بالإجماع، ووقع في المنهاج مثقالاً بدل ديناراً ومآلهما واحد. لأن كل دينار زنة مثقال - انتهى. وقال ابن قدامة (ج3 ص4) : قال ابن منذر أجمع العلم على أن الذهب إذا كان عشرين مثقالاً قيمتها مائتا درهم، إن الزكاة تجب فيها، إلا ما حكى عن الحسن أنه لا زكاة
فيها حتى تبلغ أربعين وأجمعوا على أنه إذا كان أقل من عشرين مثقالاً ولا يبلغ مائتي درهم فلا زكاة فيه. وقال عامة الفقهاء: نصاب الذهب عشرون مثقالاً من غير اعتبار قيمتها. إلا ما حكى عن عطاء طاووس والزهري وسليمان بن حرب الواشحي وأيوب السختياني أنهم قالوا: هو معتبر بالفضة فما كانت قيمته مائتى درهم ففيه الزكاة (كان وزن ذلك من الذهب عشرين ديناراً أو أقل أو أكثر، هذا فيما كان منها دون الأربعين ديناراً، فإذا بلغت أربعين ديناراً كان الاعتبار بها نفسها لا بالدراهم لا صرفاً ور قيمة) واستدل للحسن بما روى ابن حبان والحاكم (ج1 ص395) والبيهقي (ج4 ص89) وابن حزم في المحلى (ج6 ص93) والطبراني من حديث يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عمرو بن حزم مطولاً. وفيه بعد ذكر نصاب الفضة وفي كل أربعين ديناراً دينار، قال الحاكم: صحيح ووافقه الذهبي وقال أحمد كتاب عمرو بن حزم في الصدقات صحيح، وقال بعضهم في نسخة كتاب عمرو بن حزم تلقاها الأمة بالقبول. وهي متوارثة كنسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهي دائرة على سليمان بن أرقم وسليمان بن داود الخولاني عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده وكلاهما ضعيف، بلى المرجح في روايتهما سليمان بن أرقم وهو متروك، لكن الشافعي في الرسالة (ص113) : لم يقبلوه حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أحمد: أرجو أن يكون هذا الحديث صحيحاً، وقال يعقوب بن سفيان الفسوي لا أعلم في جميع الكتب المنقولة أصح منه، كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون يرجعون إليه ويدعون آراءهم، وقال البيهقي (ج4 ص90) : حديث سليمان بن داود مجود الإسناد قد اثنى على سليمان بن داود الخولاني. هذا أبوزرعة الرازي وأبوحاتم الرازي وعثمان بن سعيد الدارمي وجماعة من الحفاظ ورأوه هذا الحديث الذي رواه في الصدقة موصول الإسناد حسناً - انتهى. واستدل للحسن أيضاً بما روى الدارقطني (ص200) من حديث محمد بن عبد الله بن جحش عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن، أن يأخذ من كل أربعين ديناراً ديناراً - الحديث. وفيه عبد الله بن شيب قال ابن حبان في الضعفاء يقلب الأخبار ويسرقها ولا يجوز الاحتجاج به بحال - انتهى. وأجاب من وافق الحسن عن أحاديث العشرين مثقالاً بأنها لم تصح، فيكون الاعتماد في نصاب الذهب على الإجماع المتيقن المقطوع به وهو اتفاقهم على وجوبها في الأربعين واستدل للذين جعلوا الزكاة فيما دون الأربعين تبعاً للدراهم بأنه لما كانا من جنس واحد جعل الفضة هي الأصل، إذ كان النص قد ثبت فيها وجعل الذهب تابعاً لها في القيمة لا في الوزن وذلك فيما دون موضع الإجماع. قلت: واحتج بضعهم لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أنس الآتي، وفي الرقة ربع العشر الخ بناء على ما قيل إن الرقة يطلق على الذهب
والفضة بخلاف الورق، فعلى هذا فقيل إن الأصل في زكاة النقدين نصاب الفضة فإذا بلغ الذهب ما قيمته مائتا درهم وجبت فيه الزكاة وهو ربع العشر كذا في الفتح وقد ورد في ذلك حديث صريح، رواه ابن حزم في المحلى (ج6 ص13) من طريق أبي أويس عن عبد الله ومحمد ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيهما عن جدهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه كتب هذا الكتاب لعمرو بن حزم حين أمره على اليمن، وفيه بعد ذكر نصاب الفضة فإذا بلغت الذهب قيمة مائتى درهم ففي قيمة كل أربعين درهماً درهم حتى تبلغ أربعين ديناراً فإذا بلغت أربعين ديناراً ففيها دينار - انتهى. ورواه الحاكم (ج1 ص395) مختصراً بلفظ:"فإذا بلغ قيمة الذهب مائتى درهم ففي كل أربعين درهماً درهم:" وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي وفي تصحيحيهما له نظر، فإن أباأويس هذا هو عبد الله بن أويس ابن عم مالك بن أنس وزوج أخته وهو صالح صدوق بهم. قال ابن عبد البر: لم يحك أحد عنه جرحة في دينه وأمانته، وإنما عابوه بسوء حفظه وأنه يخالف في بعض حديثه - انتهى. وأخرج له مسلم فسي الشواهد والمتابعات دون الأصول، ولم يحتج به، وقد تفرد أبوأويس بهذا اللفظ، ورواه الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وليس فيه ما ذكره أبوأويس كما تقدم. ومع ذلك فحديثه هذا مرسل لأنه عن محمد بن عمرو بن حزم جد عبد الله ومحمد ابن أبي بكر بن عمرو بن حزم فلا يصح الاحتجاج برواية أبي أويس هذه ولا الاستشهاد والاعتبار. واستدل للجمهور بأحاديث منها حديث علي رواه أبوداود من طريق ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم وسمي آخر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم وليس عليك شيء، يعني في الذهب حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كانت لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك قال فلا أدري أعليُّ يقول فبحساب ذلك أو رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال وراه شعبة وسفيان وغيرهما عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي ولم يرفعوه - انتهى. قال الزيلعي (ج2 ص328) : وفيه عاصم والحارث فعاصم وثقة المديني وابن معين والنسائي، وتكلم فيه ابن حبان وابن عدي فالحديث حسن. قال النووي في الخلاصة: وهو حديث صحيح أو حسن- انتهى. ولا يقدح فيه ضعف الحارث لمتابعة عاصم له- انتهى كلام الزيلعي. وضعفه ابن حزم أولاً (ج6 ص70) ثم رجع عن ذلك حيث قال (ج6 ص74) ثم استدركنا فرأينا إن حديث جرير بن حازم مسند صحيح لا يجوز خلافه، وإن الاعتلاال فيه بأن عاصم بن ضمرة أو أن أباإسحاق أو جريراً أخلط إسناد الحارث بإرسال عاصم. هو الظن الباطل الذي لا يجوز وما علينا من مشاركة الحارث لعاصم، ولا لإرسال من أرسله ولا لشك زهير فيه شيء، وجرير ثقة فالأخذ بما أسنده لازم - انتهى. وقال الحافظ في بلوغ المرام: وهو حسن وقد اختلف في رفعه وقال في التلخيص (ص182) حديث علي هذا
وليس فيما دون خمس ذود
ــ
معلول، فإنه قال أبوداود حدثنا سليمان بن داود المهري ثنا ابن وهب ثنا جرير بن حازم وسمي آخر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة، والحارث عن علي ونبه ابن المواق على علة خفية فيه وهي إن جرير بن حازم لم يسمعه من أبي إسحاق. فقد رواه حفاظ أصحاب ابن وهب سحنون وحرملة ويونس وبحر بن نصر، وغيرهم عن ابن وهب عن جرير بن حازم والحارث بن نبهان عن الحسن بن عمارة عن أبي إسحاق، فذكره قال ابن المواق: الحمل فيه على سليمان شيخ أبي داود فإنه وهم في إسقاط رجل - انتهى. فلعل من حسن هذا الحديث إنما حسنه لشواهده والله تعالى أعلم ومنها حديث ابن عمر وعائشة أخرجه ابن ماجه والدارقطني من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن عبد الله بن واقد عن ابن عمر وعائشة، إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من كل عشرين ديناراً نصف دينار - انتهى. وابن مجمع قال فيه ابن معين لا شئ وقال أبوحاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به فإنه كثير الوهم ومنها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه الدارقطني (ص199) من طريق ابن أبي ليلى عن عبد الكريم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ليس في أقل من عشرين مثقالاً من الذهب ولا في أقل من مائتي درهم صدقة، وذكره أبوعبيد في الأموال (ص409-445) وابن حزم في المحلى (ج6:ص69) معلقاً. قال الحافظ في التلخيص (ص182) : إسناده ضعيف. ورواه أبوأحمد بن زنجوية في الأموال كما في نصب الراية (ج2:ص369) من طريق العزرمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً بلفط:"ليس فيما دون مائتي درهم شئ ولا فيما دون عشرين مثقالاً من الذهب شئ وفي المائتين خمسة دراهم وفي عشرين مثقالاً ذهباً نصف مثقال" قال الحافظ في الدراية (ص161) : بإسناد ضعيف أي لأن العزرمي متروك ومنها حديث محمد بن عبد الرحمن الأنصاري أخرجه أبوعبيد (ص408) عن يزيد بن هارون عن حبيب بن أبي حبيب عن عمرو بن هرم عن محمد ابن عبد الرحمن الأنصاري، إن في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كتاب عمر في الصدقة. إن الذهب لا يؤخذ منه شئ حتى يبلغ عشرين ديناراً فإذا بلغ عشرين ديناراً ففيه نصف دينار- الحديث. وذكره ابن حزم في المحلي (ج6:ص69) وقال هو حديث مرسل ومنها حديث ابن مسعود رواه الدارقطني (ص206) من طريق يحيى بن أبي أنيسة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم إن لإمرأتي حلياً من عشرين مثقالاً، قال فأد زكاته نصف مثقال. قال الدارقطني: يحيى بن أبي أنيسة متروك وهذا وهم، والصواب مرسل موقوف- انتهى. وقد ظهر بما ذكرنا إن أحاديث تحديد نصاب الذهب ضعيفة إلا حديث علي، واختلف فيه أيضاً فحسنه النووي والحافظ في البلوغ والزيلعي، وصححه ابن حزم وأعله الحافظ في التلخيص. وقد تقدم إن المعول في ذلك إجماع المسلمين على تحديده بعشرين مثقالاً فهو المعتمد ومقداره من أوزان بلادنا سبع تولجات ونصف تولجة كما تقدم والله تعالى أعلم (وليس فيما دون خمس ذود) بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها دال
من الإبل صدقة)) . متفق عليه.
1810-
(2) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس على المسلم صدقة في عبده
ــ
مهملة والرواية المشهورة بإضافة خمس إلى ذود وروى بتنوين خمس على أن ذود بدل منه، وقوله: "من الإبل صفة مؤكدة لذود لأنه إسم الإبل خاصة، والأكثر على أن الذود من الثلاثة إلى العشرة وإنه لا واحد له من لفظه. وإنما يقال في الواحد بعير. وقيل: بل ناقة، فإن الذود في الإناث دون الذكور، لكن حملوه في الحديث على ما يعم الذكر والأنثى فمن ملك خمساً من الإبل ذكوراً يجب عليه فيها الصدقة. وقيل الذود ما بين الثنتين إلى التسع. وقيل: من الثلاثة إلى العشرة. وقيل: إلى خمس عشرة. وقيل: إلى عشرين. وقيل: إلى الثلثين، قال القسطلاني: القياس في تمييز ثلاثة إلى عشر أن يكون جمع تكسير جمع قلة فمجيئة اسم جمع كما في هذا الحديث قليل، والذود يقع على المذكر والمؤنث والجمع والمفرد فلذا أضاف خمس إليه - انتهى. قال القرطبي: أصله زاد يذود إذا دفع شيئاً فهو مصدر، وكان من كان عنده دفع عن نفسه معرة الفقر وشدة الفاقة والحاجة (من الإبل) بيان للذود (صدقة) أي إذا كان الإبل أقل من خمس فلا صدقة فيها، قال ابن قدامة: وجوب زكاة الإبل مما أجمع عليه علماء الإسلام وصحت فيه السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وأجمع المسلمون على أن ما دون خمس من الإبل لا زكاة فيه لحديث أبي سعيد هذا، ولقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أنس الآتي، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها (متفق عليه) وأخرجه أحمد ومالك والشافعي والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
1810-
قوله: (ليس على المسلم) قال القسطلاني: خص المسلم وإن كان الصحيح عند الأصوليين والفقهاء تكليف الكافر بالفروع، لأنه مادام كافراً فلا يجب عليه الإخراج حتى يسلم، فإذا أسلم سقطت، لأن الإسلام يجب ما قبله. وقال ابن حجر: يؤخذ منه إن شرط وجوب زكاة المال بأنواعها الإسلام، ويوافقه قول الصديق في كتابه الآتي على المسلمين، قال القاري: هذا حجة على من يقول إن الكفار مخاطبون بالشرائع في الدنيا بخلاف من يقول إن الكافر مخاطب بفروع الشريعة بالنسبة للعقاب عليها في الآخرة كما أفهمه قوله تعالى: {وويل المشركين الذين لا يؤتون الزكاة} [فصلت:7] وقالوا {ولم نك نطعم المسكين} [مدثر:44] وعليه جمع من أصحابنا وهو الأصح عند الشافعية - انتهى. وقد سبق الكلام على هذا من أوائل الزكاة (صدقة) أي زكاة (في عبده) أي رقيقه ذكراً كان أو أنثى ونفي الصدقة في العبد مطلقاً، لكنه مقيد بما ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم ليس في العبد
ولا في فرسه
ــ
صدقة إلا صدقة الفطر، ولأبي داود ليس في الخيل والرقيق زكاة الفطر. (ولا في فرسه) الشامل للذكر ولأنثى وجمعه الخيل من غير لفظه وهذا إذا لم يكوناً للتجارة فإنه إذا اشتراهما للتجارة تجب الزكاة في قيمتهما كسائر أموال التجارة. واستدل بهذا الحديث من قال من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة فيهما مطلقاً ولو كانا للتجارة، وأجيبوا بأن زكاة التجارة ثابتة بالإجماع، كما نقله ابن المنذر وغيره فيخص به عموم هذا الحديث. وتعقب هذا بأنه كف الإجماع مع خلاف الظاهرية، وأجيبوا أيضاً بأن زكاة التجارة متعلقها القيمة لا العين، فالحديث يدل على عدم التعلق بالعين فإنه لو تعلقت الزكاة بالعين من العبيد والخيل لثبتت ما بقيت العين وليس كذلك. فإنه لو نوى القنية لسقطت الزكاة والعين باقية وإنما الزكاة متعلقة بالقيمة بشرط نية التجارة. قال النووي هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا زكاة فيها وإنه لا زكاة في الخيل والرقيق إذا لم تكن للتجارة، وبهذا قال العلماء كافة من السلف والخلف، إلا أباحنيفة وشيخه حماد بن أبي سليمان وزفر أوجبوا في الخيل، إذا كانت إناثاً أو ذكوراً وإناثاً في كل فرس ديناراً وإن شاء قومها وأخرج عن كل مائتي درهم خمسة دراهم وليس لهم حجة في ذلك. وهذا الحديث صريح في الرد عليهم - انتهى. قلت: مذهب أبي حنيفة كما في البدائع أنه إذا كانت الخيل تسام للدر والنسل وهي ذكور وإناث يجب فيها الزكاة، وفي الذكور المنفردة والإناث المنفردة روايتان، وفي المحيط المشهور عدم الوجوب فيهما أي لعدم تحقق النماء في الذكور والإناث منفردة بالتوالد والتناسل. وقال ابن الهمام في الفتح: الراجح في الذكور عدمه وفي الإناث الوجوب أي لأنها تناسل بالفجل المستعار، واختلف متأخروا الحنفية في أن الفتوى على قول أبي حنيفة أو صاحبيه أبي يوسف ومحمد الذين وافقا الجمهور، ففي فتاوى (قاضي خان (ج1:ص119) قالوا: الفتوى على قولهما وأجمعوا على أن الإمام لا يأخذ منه صدقة الخيل جبراً- انتهى. وقال ابن عابدين (ج2:ص26) قال الطحاوي: هذا أي قول الصاحبين أحب القولين الينا، ورجحه القاضي أبوزيد في الأسرار وفي الينابيع وعليه الفتوى، "وفي الجواهر" والفتوى على قولهما "وفي الكافي" هو المختار للفتوى، وتبعه الزيلعي والبزازي تبعاً للخلاصة "وفي الخانية" قالوا: الفتوى على قولهما تصحيح العلامة قاسم. قال ابن عابدين وبه جزم "في الكنز" لكن رجح قول الإمام (أبي حنيفة) في الفتح (أي فتح القدير)"وفي التحفة" الصحيح قوله ورجحه الإمام السرخسي في المبسوط، والقدوري في التجريد وصاحب البدائع وصاحب الهداية. وهذا القول أقوى حجة على ما شهد به التجريد والمبسوط وشرح شيخنا- انتهى كلام ابن عابدين. قلت: والقول الراجح المعول عليه عندنا هو ما قال به جمهور أهل العلم لحديث أبي هريرة هذا، ولحديث علي الآتي في الفصل الثاني، ولحديث عمرو بن حزم عند ابن حبان والحاكم والبيهقي والطبراني، ولحديث عمر وحذيفة عند أحمد (ج1:ص118) وسنده ضعيف لانقطاعه. فإن راشد بن سعد لم يدرك عمر ولأن أبابكر بن عبد الله بن أبي مريم
ضعيف لاختلاطه وسوء حفظه ولحديث ابن عباس عند الطبراني في "الصغير والأوسط" وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وفيه كلام. قال أبوعبيد: في "كتاب الأموال"(ص465) إيجاب الصدقة في سائمة الخيل التي يبتغي منها النسل ليس على إتباع السنة ولا على طريق النظر، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عفا عن صدقتها ولم يستثن سائمة ولا غيرها، وبه عملت الأئمة والعلماء بعده فهذه السنة. وأما في النظر فكان يلزمه إذا رأى فيها صدقة أن يجعلها كالماشية تشبيها بها لأنها سائمة مثلها ولم يصر إلى واحد من الأمرين على أن تسمية سائمتها قد جاءت عن غير واحد من التابعين بإسقاط الزكاة منها. ثم روى ذلك عن إبراهيم والحسن وعمر بن عبد العزيز. قلت: وأجاب الحنفية عن حديث أبي هريرة بأنه محمول على فرس الركوب والحمل والجهاد في سبيل الله، قال صاحب الهداية: وتأويله فرس الغازي هو المنقول عن زيد بن ثابت- انتهى. قلت: نقله عنه زيد الديوسي في "كتاب الأسرار" فقال إن زيد بن ثابت لما بلغه حديث أبي هريرة قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما أراد فرس الغازي قال ومثل هذا لا يعرف بالرأي فثبت أنه مرفوع- انتهى. قال الحافظ:"في الدراية"(ص158) تبع أي صاحب الهداية في ذلك أبازيد الدبوسي فإنه نقله عن زيد بن ثابت بلا إسناد - انتهى. فما لم يعرف إسناده وأنه قوي صالح للإعتماد عليه لا يصح الاستناد إليه على أنه قول صحابي، وفيه مسرح للإجتهاد وحمل الحديث على فرس الغازي مخالف لظاهره، وأما ما روى ابن أبي شيبة وأبوعبيد "في الأموال" (ص464) وأبوأحمد بن زنجوية بإسناد صحيح عن طاووس قال: سألت ابن عباس عن الخيل أفيها صدقة فقال: "ليس على فرس الغازي في سبيل الله صدقة" فليس فيه إن ابن عباس فسر بذلك حديث أبي هريرة، وبين المراد من الفرس المذكور فيه وغاية ما فيه أنه نفي الصدقة عن فرس الغازي وهذا مما لا ينكره أحد والمفهوم ليس بحجة عند الحنفية مع أن مفهومه يعارض عموم حديث أبي هريرة فلا يلتفت إليه على أنه يقتضي أن يجب الصدقة في فرس غير الغازي، وإن كان يعلف للركوب والحمل ولم يقل به أحد. قال ابن الهمام: لا شك إن هذه الإضافة للفرس المفرد لصاحبها في قولنا فرسه وفرس زيد كذا وكذا يتبادر منه الفرس الملابس للإنسان ركوباً ذهاباً ومجيئاً عرفاً وإن كان لغة أعم والعرف املك ويؤيد هذه القرينة قوله "في عبده" ولا شك أن العبد للتجارة تجب فيه الزكاة، فعلم أنه لم يرد النفي عن عموم العبد بل عبد الخدمة. وقد روى ما يوجب حمله على هذا المحمل لو لم تكن هاتان القرينتان العرفية واللفظية، وهو ما في الصحيحين من حديث مانعي الزكاة وفيه الخيل لثلاثة الحديث- انتهى. قلت: المراد بالفرس والعبد في الحديث الجنس كما يدل عليه رواية أبي داود الآتية، ولا نسلم أن المتبادر من الإضافة المذكورة الفرس الملابس للإنسان ركوباً عرفاً، ولو سلمنا فكلام النبي صلى الله عليه وسلم يجب حمله على مقتضي صرف اللغة لا على العرف فإن العرف يختلف على أنه ورد هذا الحديث في رواية ضعيفة لأبي داود بلفظ. "ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر في الرقيق" أي بلفظ الجمع وبغير الإضافة وفي لفظ في "مسند
عبد الله بن وهب" لا صدقة على الرجل في خيله ولا في رقيقه، ولا يتمشى فيه تأويل ابن الهمام ويرد تأويله أيضاً ما رواه مالك في "الموطأ" عن الزهري عن سليمان بن يسار إن أهل الشام قالوا: لأبي عبيدة بن الجراح خذ من خيلنا ورقيقنا صدقة فأبى ثم كتب إلى عمر بن الخطاب فأبى عمر - الحديث. فافهم. وأما ما ذكر لتأييد ذلك من القرينة اللفظية ففيه أن الأصل أن يبقى اللفظ المطلق على إطلاقه والعام على عمومه ولا يقيد ولا يخص إلا بدليل شرعي، وقد قام الدليل من السنة والإجماع على وجوب الزكاة في عبد التجارة. فلم يكن بد من حمل العبد في الحديث على عبد الخدمة بخلاف الفرس، فإنه لم يقم دليل شرعي على استثناء غير فرس التجارة ولم يرد في السنة ما يدل على وجوب الزكاة في شي من الفرس إلا ما كان للتجارة فلا يصح حمل لفظ الفرس في الحديث على فرس الركوب خاصة وإستثناء السائمة منه وأما ما أشار إليه من حديث مانعي الزكاة في الصحيحين فليس فيه ما يوجب حمله على فرس الركوب كما ستعرف. وأجاب عن الحديث في "المحيط البرهاني" بأن المنفي ولاية أخذ الساعي فإن الفرس مطمع كل طامع، فالظاهر أنه إذا علموا به لا يتركوه لصاحبه- انتهى. وحاصله: أنه لم يرد نفي الزكاة عن الفرس رأسا بل أراد عدم وجوب أداءها إلى بيت المال على شاكلة الأموال الباطنة. قلت: لا دليل على هذا الحمل وظاهر الحديث يرده فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نفى الصدقة عن الفرس والعبد معاً بكلام واحد، فكما أن الزكاة معفوة ومنفية عن عبد غير التجارة رأساً كذلك منفية وساقطة عن الفرس الذي لم يكن للتجارة، وفي الفرق بين الأموال الظاهرة والباطنة عندي كلام. قال ابن الهمام: معتذراً عن عدم أخذه صلى الله عليه وسلم الزكاة عن الفرس ما نصه وعدم أخذه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن في زمانه أصحاب الخيل السائمة من المسلمين، بل أهل الإبل وما تقدم. إذ أصحاب هذه إنما هم أهل المدائن والدشت والتراكمة وإنما فتحت بلادهم في زمن عمر وعثمان- انتهى. قلت: هذا الاعتذار إنما يحتاج إليه لو ثبت وجوب الزكاة في الفرس السائمة بحديث مرفوع صحيح صريح فإنه حينئذٍ يسوغ أن يقال. بأنه صلى الله عليه وسلم إنما لم يأخذ الزكاة عن الفرس مع الوجوب لعزة أصحاب الخيل السائمة من المسلمين في ذلك الوقت لكن لم يثبت الوجوب بحديث مرفوع صحيح أصلاً وإنما لم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة عن الفرس كما لم يأخذ عن الرقيق. لأنه لا زكاة فيهما أصلاً، لا لكون الخيل قليلة إذ ذاك ولا أنه ترك زكاتها إلى المالكين بأن يؤدوها فيما بينهم وبين الله لمعنى يعلمه على أن أهل اليمن قد كانت عندهم الخيل كما يدل عليه رواية عبد الرزاق الآتية، وهم قد أسلموا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينقل أنه أخذ زكاتها منهم ولا أنه أمرهم بأدائها فيما بينهم وبين الله تعالى. قلت: واحتج الحنفية على أصل الوجوب بما تقدم من حديث أبي هريرة وهو أقوى ما احتجوا به، وفيه الخيل ثلاثة هي لرجل وزر وهي لرجل ستر وهي لرجل أجر قال: وأما التي هي له ستر فرجل ربطها
في سبيل الله (وفي رواية ربطها تغنياً وتعففاً) ثم ليس ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها فهي له ستر الحديث. قالوا: إن الحق الثابت لله تعالى على رقاب الحيوانات ليس إلا الزكاة، فدل ذلك على وجوبها لأنه رتب على الخروج منه كونها له حينئذٍ ستراً يعني من النار. وأجاب عنه الطحاوي في شرح معاني الآثار: بأنه يجوز إن ذلك الحق سوى الزكاة فإنه قد روى لنا عن فاطمة بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في المال حق سوى الزكاة. وحجة أخرى إنا رأينا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الإبل السائمة فقال: فيها حق فسئل ما هو فقال: إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنحة سمنها فاحتمل أن يكون هو في الخيل - انتهى ملخصاً. وقال ابن الجوزي: في التحقيق بعد ذكر الدليل هنا للحنفية وجوابه من وجهين، أحدهما. إن حقها إعارتها وحمل المنقطعين عليها فيكون ذلك على وجه الندب. والثاني: أن يكون واجباً ثم نسخ بدليل قوله "قد عفوت لكم عن صدقة الخيل" إذ العفو لا يكون إلا عن شئ لازم - انتهى. وأجاب العيني عن الوجه الأول بأن الذي يكون على وجه الندب لا يطلق عليه حق، وعن الثاني بأن النسخ لو كان اشتهر زمن الصحابة لما قرر عمر الصدقة في الخيل وإن عثمان ما كان يصدقها- انتهى. وتعقب بأن الحق لغة بمعنى الشيء الثابت سواء كان لازماً أو غير لازم. وأيضاً قد روى البخاري مرفوعاً ومن حقها أي حق الإبل أن تحلب على الماء، وفي رواية أبي داود قلنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما حقها؟ قال: إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنحتها وحلبها على الماء وحمل عليها في سبيل الله- انتهى ومن المعلوم أن هذه الأمور من الحقوق المندوبة لا الواجبة، وأما ما ذكر من أن عمر وعثمان أخذ الصدقة عن الخيل ففيه أنه كان ذلك على سبيل الندب والأختيار لا الإيجاب كما سيأتي. وقال الشيخ عبد العلي الحنفي المعروف ببحر العلوم اللكنوي صاحب فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت: في "رسائل الأركان الأربعة"(ص172) بعد ذكر استدلال الحنفية بحديث أبي هريرة ما لفظه هذا إنما يتم لو أريد بحق الله الحق الواجب وإن عمم، كما يدل عليه عطف "ولا ظهورها" لأنه ليس في الظهور حق واجب. وقد حمل ابن الهمام الحق في الظهور على حمل منقطعي الحاج ففيه أن هذا ليس حقاً واجبا بل الغاية الاستحباب، ثم الحديث إن دل على وجوب الزكاة فهو غير فارق بين الذكور والإناث والسائمة وغير السائمة وهو خلاف المذهب- انتهى. واحتج الحنفية لكمية الواجب في الفرس بما روى الدارقطني (ص214) والبيهقي (ج4:ص119) والطبراني من طريق الليث بن حماد الأصطخري عن أبي يوسف عن غورك بن الخضرم أبي عبد الله السعدي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في الخيل السائمة في كل فرس دينار ورد هذا بوجهين أحدهما إن سنده ضعيف جداً، قال الدارقطني: تفرد به غورك وهو ضعيف جداً ومن دونه ضعفاء، وقال الهيثمي: فيه ليث بن حماد وغورك وكلاهما ضعيف. قال البيهقي: لو كان هذا الحديث صحيحاً
عند أبي يوسف لم يخالفه ذكره الزيلعي. والثاني أنه ليس في هذا الحديث ذكر للفرق بين الذكور المنفردة والإناث المنفردة والمختلط منهما ولا للتخيير بين الدينار والقيمة الذي قال به أبوحنيفة، وأجاب ابن الهمام عن الوجه الأول بما يقضي منه العجب حيث قال: ولعل ملحظهم في تقدير الواجب ما روى عن جابر من قوله عليه السلام في كل فرس دينار بناء على أنه صحيح في نفس الأمر، ولو لم يكن صحيحاً على طريقة المحدثين إذ لا يلزم من عدم الصحة على طريقتهم إلا عدمها ظاهراً دون نفس الأمر على أن الفحص عن مأخذهم لا يلزمنا إذ يكفي العلم بما اتفقوا عليه من ذلك- انتهى. وفي ذكر هذا غنى عن الرد ولعله حمله على ذلك غلوه في حماية مذهبه وشدة التعصب عليه وقد يحمل الإنسان عصبيته العمياء على اقبح من ذلك. واحتج الحنفية أيضاً بما روى الدارقطني في غرائب مالك بإسناد صحيح عنه عن الزهري إن السائب بن يزيد أخبره قال. رأيت أبي يقيم الخيل ثم يدفع صدقتها إلى عمر، وأخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني ابن أبي حسين إن ابن شهاب أخبره إن عثمان كان يصدق الخيل، وإن سائب بن يزيد أخبره إنه كان يأتي عمر بصدقة الخيل. قال ابن عبد البر: الخبر في صدقة الخيل عن عمر صحيح من حديث الزهري عن السائب بن يزيد. وأجاب عنه الطحاوي بأنه لم يأخذه عمر على أنه حق واجب عليهم بل بسبب آخر، ثم أخرج بسنده عن حارثة قال حججت مع عمر فأتاه أشراف الشام قالوا: إنا أصبنا خيلاً وأموالاً فخذ من أموالنا صدقة، فقال هذا شي لم يفعله اللذان كانا قبلي لكن إنتظروا حتى أسأل المسلمين. فسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم علي فقالوا حسن وعلي ساكت فقال عمر مالك يا أباالحسن فقالوا قد أشاروا عليك ولا باس بما قالوا إن لم يكن واجباً وجزية راتبة يؤخذون بها بعدك. فدل ذلك على أنه إنما أخذ على سبيل التطوع بعد ابتغاءهم ذلك لا على سبيل إنه شي واجب وقد أخبر إنه لم يأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبوبكر - انتهى. وقال ابن قدامة: في المغني (ج2:ص621) وأما عمر فإنما أخذ منهم شيئاً تبرعوا به وسألوه أخذه وعوضهم عنه برزق عبيدهم ثم ذكر هذا الحديث من رواية أحمد وقال: فصار حديث عمر حجة عليهم من وجوه، أحدها قوله ما فعله صاحباي قبلي يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ولو كان واجباً لما تركا فعله، الثاني إن عمر امتنع من أخذها ولا يجوز أن يمتنع من الواجب، الثالث قول علي حسن إن لم يكن جزية يؤخذون بها بعدك فسمى جزية إن أخذوا بها وجعل مشروطا بعدم أخذهم به فيدل على أن أخذهم بذلك غير جائز. الرابع استشارة عمر أصحابه في أخذه ولو كان واجباً لما احتاج إلى الاستشارة. الخامس إن عمر عوضهم عنه رزق عندهم (وكذا رزق فرسهم كما في رواية الدارقطني ص214) والزكاة لا يؤخذ عنها عوض- انتهى. وأجاب الحنفية عن هذا الجواب بأن رواية الدارقطني (ص219)"فوضع على فرس ديناراً" في قصة أهل الشام المذكور. ورواية عبد الرزاق من طريق يعلى بن أمية إن عمر قال له إن الخيل لتبلغ في بلادكم هذا وقد كان اشترى
وفي رواية، قال: ليس في عبده صدقة إلا صدقة الفطر)) متفق عليه.
ــ
من رجل من أهل اليمن فرساً بمائة قلوص قال: فنأخذ من كل أربعين شاة شأة ولا نأخذ من الخيل شيئاً خذ من كل فرس ديناراً فقرر على الخيل ديناراً، وفي رواية ابن حزم والبيهقي فضرب على الخيل ديناراً دينار توجب خلاف ما قلتم من أن أخذه كان على سبيل إنه تطوع وتبرع لا للإيجاب، قلت: رواية الطحاوي في قصة أهل الشام صريحة في نفي الوجوب ورواها مالك بلفظ إن أهل الشام قالوا لأبي عبيدة: خذ من خيلنا ورقيقنا صدقة فأبى ثم كتب إلى عمر بن الخطاب فأبى عمر ثم كلموه أيضاً فكتب إلى عمر فكتب إليه عمر إن أحبوا فخذها منهم (يعني إنهم إذا تطوعوا بذلك فيقبل عنهم تطوعاً) وأردد عليهم (أي على فقراءهم) وارزق رقيقهم - انتهى. وهذه الرواية ظاهرة في أن عمر لم يقل بإيجاب الزكاة في الخيل لأنه إنما أمر بذلك حين أحبه أربابها وتبرعوا وتطوعوا بها، وأما ما ذكروه من رواية الدارقطني وعبد الرزاق وما شاكلها فهو محمول على هذه لتتافق الروايات ولا تختلف، قال بعض من كتب علي الموطأ من أهل عصرنا من الحنفية: والظاهر إن ذلك أي عدم الإيجاب كان عن عمر أولاً ثم قال: بالزكاة فيها أي إن الآخر من أمرى عمر أخذ الزكاة من الخيل كما يدل عليه رواية الدارقطني ورواية عبد الرزاق. قلت: ليس في شي من روايات قصة أهل الشام ما يدل أن ذاك كان أولاً وهذا كان آخراً والجمع بما قلنا واضح فالقول به متعين، ولو سلمنا فهو اجتهاد من عمر ومن وافقه كما اعترف به ابن الهمام وحديث أبي هريرة الذي نحن في شرحه يخالفه ويقطع بنفي الصدقة عنها فلا يلتفت إلى ما سواه لأنه لا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم والله تعالى أعلم. هذا وقد استدل ابن الهمام برواية الدارقطني في قصة أهل الشام على وجوب الزكاة في الفرس، وادعى وقوع إجماع الصحابة على ذلك، وقد رد عليه بحر العلوم اللكنوي الحنفي في رسائل "الأركان الأربعة" (ص173) رداً حسنا فعليك أن تراجعه (وفي رواية قال) أي النبي صلى الله عليه وسلم (ليس في عبده) في مسلم ليس في العبد (صدقة إلا صدقة الفطر) بالرفع على البدلية وبالنصب على الاستثنائية قال النووي: هذا صريح في وجوب صدقة الفطر على السيد عن عبده سواء كان للقنية أم للتجارة وهو مذهب مالك والشافعي والجمهور، وقال أهل الكوفة لا تجب في عبيد التجارة وحكى عن داود قال: لا تجب على السيد بل تجب على العبد ويلزم السيد تمكينه من الكسب ليؤديها- انتهى. وقال ابن حبان: فيه دليل على أن العبد لا يملك إذ لو ملك لوجب عليه صدقة الفطر (متفق عليه) إلا قوله "إلا صدقة الفطر" فإنه من إفراد مسلم وهذه الزيادة عند ابن حبان أيضاً ورواه الدارقطني بلفظ: لا صدقة على الرجل في فرسه ولا في عبده إلا زكاة الفطر وفي لفظ لأبي داود ليس: في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر في الرقيق، والرواية الأولى أخرجها أيضاً أحمد ومالك والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وغيرهم.
1811-
(3) وعن أنس، أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين، بسم الله الرحمن الرحيم. هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها،
ــ
1811-
قوله: (إن أبابكر) الصديق (كتب له) أي لأنس، لما استخلف (هذا الكتاب) أي المكتوب الآتي (لما وجهه) أي حين أرسله أبوبكر (إلى البحرين) أي عاملاً عليها وهو تثنية بحر خلاف البر موضع معروف بين بحري فارس والهند ومقارب جزيرة العرب، ويقال هو إسم لاقليم مشهور يشتمل على مدن معروفة قاعدتها هجر وهكذا ينطق به بلفظ التثنية والنسبة إليه بحراني (بسم الله الرحمن الرحيم) بدل من الكتاب بمعنى إسم المفعول وهو واضح، لأن المراد كتب له هذه النقوش التي هي بسم الله الخ. قال الماوردي: يستدل به على إثبات البسملة في إبتداء الكتب وعلى أن الابتداء بالحمد ليس بشرط. وقال الحافظ: لم تجر العادة الشرعية ولا العرفية بابتداء المراسلات بالحمد وقد جمعت كتبه صلى الله عليه وسلم إلى الملوك وغيرهم، فلم يقع في واحد منها البداءة بالحمد بل بالبسملة (هذه) أي المعاني الذهنية الدالة عليها النقوش اللفظية الآتية (فريضة الصدقة) أي نسخة فريضة الصدقة فحذف المضاف للعلم به والفريضة بمعنى المفروضة (التي فرض رسول الله على المسلمين) هذا ظاهر في رفع الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنه ليس موقوفاً على أبي بكر وقد صرح برفعه في رواية إسحاق بن راهوية في مسنده ومعنى "فرض" هنا أوجب يعني بأمر الله تعالى قال الخطابي: معنى الفرض الإيجاب وذلك أن يكون الله تعالى قد أوجبها وأحكم فرضها في كتابه ثم أمر رسوله بالتبليغ فأضيف الفرض إليه بمعنى الدعاء اليه وحمل الناس عليه، وقد فرض الله طاعته على الخلق فجاز أن يسمى أمره وتبليغه عن الله عزوجل فرضاً على هذا المعنى. وقيل: معناه قد رأى بين وفصل لأن إيجابها ثابت بنص القرآن على سبيل الإجمال وبين صلى الله عليه وسلم مجملة بتقدير الأنواع والأجناس ففرض النبي صلى الله عليه وسلم لها بيانه للمجمل من الكتاب، ومن هذا فرض نفقة الأزواج وفرض أرزاق الجند. وقيل: معنى الفرض هنا السنة ومنه ما روى أنه صلى الله عليه وسلم فرض كذا أي سنة يعني شرعه بأمر الله تعالى (والتي) عطف على "التي" عطف تفسير أي الصدقة التي. ولأحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه "التي" بدون العطف على أنها صفة بعد صفة أو يدل من الجملة الأولى (أمر الله بها) أي بتلك الصدقة أي أمر بتبلغيها أو بتقدير أنواعها وأجناسها والقدر المخرج منها (فمن سألها) بضم السين على بناء المفعول أي من سأل الزكاة (من المسلمين) بيان لمن (على وجهها) حال من المفعول الثاني في سئلها أي حال كونها على حسب ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم من فرض مقاديرها يعني على هذه الكيفية المبينة في هذا الكتاب (فليعطها) أي على الكيفية المذكورة في هذا الحديث. وفيه دلالة على دفع صدقة الأموال
ومن سأل فوقها فلا يعط في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كل خمس شاة،
ــ
الظاهرة إلى الإمام (ومن سئل فوقها) أي فوق حقها يعني زائداً على الفريضة المعينة في السن أو العدد، وقال الطيبي: أي أزيد من واجبها كمية أو كيفية، وتكون المسألة إجماعية إجمالاً، لا اجتهادية فإنها حينئذٍ يقدم الساعي (فلا يعط) أي فله المنع يعني لا يعطي الزائد على الواجب. وقيل: لا يعطي شيئاً من الزكاة لهذا الساعي، لأنه يصير خائناً بطلبه فوق الواجب فتسقط طاعته بظهور خيانته، لأن شرطه أن يكون أميناً وحينئذٍ يتولى هو إخراجه بنفسه أو يعطيه لساع آخر. قال الحافظ: لكن محل هذه إذا طلب الزيادة بغير تأويل - انتهى. وكأنه يشير بهذا إلى الجمع بين هذا الحديث وحديثي جرير وجابر بن عتيك المتقدمين في أوائل الزكاة، فيكون هذان الحديثان محمولين على أن للعامل تأويلاً في طلب الزائد على الواجب. قال القاري: هذا أي حديث أبي بكر يدل على أن المصدق إذا أراد أن يظلم المزكي فله أن يأباه ولا يتحرى رضاه، ودل حديث جرير وقوله:"أرضوا مصدقيكم وإن ظلمتم" على خلاف ذلك. وأجاب الطيبي بأن أولئك المصدقين من الصحابة وهم لم يكونوا ظالمين، وكان نسبة الظلم إليهم على زعم المزكي أو جريان على سبيل المبالغة وهذا عام فلا منافاة بينهما- انتهى. وقد يجاب بأن الأول محمول على الاستحباب وهذا على الرخصة والجواز، أو الأول إذا كان يخشى التهمة والفتنة وهذا عند عدمهما. قال في شرح السنة: فيه دليل على إباحة الدفع عن ماله إذا طولب بغير حقه- انتهى. (في أربع وعشرين) قال الطيبي: استئناف بيان لقوله "هذا فريضة الصدقة" وكأنه أشار بهذه إلى ما في الذهن ثم آتى به بياناً له. قال ابن الملك: "في أربع" خبر مبتدأ محذوف أي الواجب أو المفروض أو المعطى في أربع وعشرين (من الإبل) كلمة "من" بيانية وبدأ بزكاة الإبل لأنها كانت جل أموالهم وأنفسها (فما دونها) أي فما دون أربع وعشرين إلى الخمس (من الغنم) بيان للام الواجب المقدر، لأنه بمعنى الذي (من كل خمس شأة) أي الواجب من الغنم في أربع وعشرين إبلاً من كل خمس إبل شأة. وقال الطيبي:"من" الأولى ظرف مستقر، لأنه بيان لشأة توكيداً كما في قوله:"خمس ذود من الإبل" والثانية لغو إبتدائية متصلة بالفعل المحذوف، أي ليعط في أربع وعشرين من الإبل شأن كائنة من الغنم لأجل كل خمس من الإبل. وقيل:"من الغنم" خبر لمبتدأ محذوف أي الصدقة في أربع وعشرين من الإبل من الغنم. وقوله:"من كل خمس شأة" مبتدأ وخبر بيان للجملة المتقدمة. وقال الحافظ: قوله من الغنم كذا للأكثر وفي رواية ابن السكن بإسقاط "من" وصوبها بعضهم وقال عياض: كل صواب فمن أثبتها فمعناها زكاتها أي الإبل من الغنم و"من" للبيان لا للتبعيض، ومن حذفها فالغنم مبتدأ والخبر مضمر في قوله في أربع وعشرين. وإنما قدم الخبر لأن الغرض بيان المقادير التي تجب فيها الزكاة، والزكاة إنما تجب بعد وجود النصاب فحسن تقديمه. وههنا مسألتان خلافيتان، الأولى أنه ذهب الشافعي في قوله الجديد أي في غير البويطي ومالك في
رواية. وأحمد وأبوحنيفة وأبويوسف إلى أن الزكاة في النصاب فقط دون العفو والوقص (بفتح الواو والقاف ويجوز إسكانها وبالصاد المهملة وهو ما بين الفرضين عند الجمهور) وقال الشافعي: في القديم أي في البويطي ومالك في رواية ومحمد وزفر، إلى أنها في النصاب والعفو جميعاً. قال الحافظ: ويظهر أثر الخلاف فيمن له مثلاً تسع من الإبل فتلف منها أربعة بعد الحول وقبل التمكن من الأداء، حيث قلنا إنه شرط في الوجوب وجبت عليه شاة بلا خلاف. وكذا إن قلنا التمكن شرط في الضمان وقلنا الوقص عفو، وإن قلنا يتعلق به الفرض وجب خمس اتساع شاة – انتهى واستدل للقول الأول بقوله صلى الله عليه وسلم في الإبل في خمس شاة وفي عشر شاتان وفي الغنم إذا زادت على ثلاث مائة ففي كل مائة شأة، قال القاري في النقاية: هذا ظاهر في أن الزكاة في النصاب فقط- انتهى. وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن حزم في خمس من الإبل شاة وليس في الزيادة شيء حتى تبلغ عشراً قال في البدائع: هذا نص على أن الواجب في النصاب دون الوقص- انتهى. لكن قد تكلم العيني في البناية في هذه الرواية. وقال الحافظ في الدراية (ص159) : لم أجده وذكره أبوإسحاق الشيرازي في المهذب وأبويعلى الفراء في كتابة وقد يستأنس له بحديث محمد بن عبد الرحمن الأنصاري أن في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقات إن الإبل إذا زادت على عشرين ومائة فليس فيما دون العشر شيء أخرجه أبوعبيد (ص363) – انتهى. واستدل للقول الثاني بقول النبي صلى الله عليه وسلم في خمس من الإبل شاة إلى تسع ذكره في البدائع. وروى البيهقي (ج4 ص87) معناه من كتاب عمر قال الكاساني: وأخبر أي النبي صلى الله عليه وسلم إن الواجب يتعلق بالكل- انتهى. وقد يستدل لهذا القول أيضاً بظاهر قوله في كتاب أبي بكر في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم من كل خمس شأة، فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض- الحديث. وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شأة، قال الزيلعي (ج2 ص362) : وجه الدليل أنه غير الوجوب إلى النصاب الآخر فدل على أن الوجوب الأول منسحب إلى الوجوب الثاني وما بينهما هو العفو- انتهى. وقد رجح ابن الهمام هذا القول الثاني إذ قال ولا يخفى إن هذا الحديث (أي حديث عمرو بن حزم الذي استدل به للقول الأول، وفيه ليس في الزيادة حتى تبلغ عشراً) لا يقوي قوة حديثهما (أي الحديثين اللذين استدل بهما لمحمد وزفر) في الثبوت إن ثبت والله أعلم. وإنما نسبة ابن الجوزي في التحقيق، إلى رواية أبي يعلى القاضي وأبي إسحاق الشيرازي في كتابيهما، فقول محمد أطهر من جهة الدليل- انتهى. قال صاحب بذل المجهود: فمدار الحنيفة في الاستلال في استيناف الصدقة أيضاً على حديث عمرو بن حزم فلو كان الحديث عندهم ضعيفاً لا يصح الاستدلال به على الاستيناف، ومع هذا فقد ورد في حديث أبي داود (في كتاب عمر في الصدقة) وليس فيها شيء حتى تبلغ المائة فثبت بطريقين إن الأوقاص لا يجب فيها الزكاة- انتهى. المسألة الثانية قال الحافظ: استدل بقوله في أربع وعشرين من الإبل
فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى،
ــ
فما دونها من الغنم على تعين من الغنم إخراج الغنم في مثل ذلك، وهو قول مالك وأحمد فلو أخرج بعيراً عن الأربع والعشرين لم يجزه، وقال الشافعي والجمهور: يجزئه لأنه يجزيء عن خمس وعشرين فما دونها أولى، ولأن الأصل أن يجب من جنس المال. وإنما عدل عنه رفقاً بالمالك فإذا رجع باختياره إلى الأصل أجزأه قال الزرقاني: ورد بأنه قياس في معرض النص فإن كانت قيمة البعير مثلاً دون قيمة أربع شياه ففيه خلاف عند الشافعية وغيرهم، قال الحافظ: والأقيس أنه لا يجزيء - انتهى. ويجوز عند الحنفية إذا ساوى قيمة المؤدى قيمة الواجب كما بسط في فروعهم. وقوله من كل خمس شاة يقتضي إن الشأة هي الواجبة فيها، فلو أخرج عن خمس من الإبل واحدا منها لم يجزه وإنما يجزئه أن يخرج ما وجب عليه وهي شأة، وإليه ذهبت الحنابلة كما في المغنى (ج4 ص578) وبه قال ابن العربي والباجي من المالكية، وذهبت الشافعية والمالكية إلى الجواز، وبه قالت الحنفية لكن باعتبار القيمة (فإذا بلغت) أي الإبل (خمساً وعشرين) قال الحافظ: فيه إن في هذا القدر بنت مخاض وهو قول الجمهور إلا ما جاء عن علي إن في خمس وعشرين خمس شياه، فإذا صارت ستاً وعشرين كان فيها بنت مخاض. أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنه موقوفاً ومرفوعاً وإسناده المرفوع ضعيف - انتهى. قال الأمير اليماني: والموقوف ليس بحجة فلذا لم يقل به الجمهور (إلى خمس وثلاثين ففيها) أي ففي الإبل التي بلغت خمساً وعشرين (بنت مخاض) بفتح الميم وبالخاء المعجمة الخفيفة وفي آخره ضاد معجمة. قال الجزري في جامع الأصول (ج5 ص472) : بنت المخاض من الإبل وابن المخاض ما استكمل السنة الأولى. ودخل في الثانية ثم هو ابن مخاض وبنت مخاض إلى آخر الثانية سمي بذلك، لأن أمه من المخاض أي الحوامل والمخاض الحوامل لا واحد له من لفظه- انتهى. وقال الحافظ: هي التي أتى عليها حول ودخلت في الثانية وحملت أمها، والماخض الحامل أي دخل وقت حملها وإن لم تحمل - انتهى. وقال ابن قدامة: سميت بذلك لأن أمها قد حملت غيرها والماخض الحامل وليس كون أمها ماخضاً شرطا فيها وإنما ذكر تعريفا لها بغالب حالها وقال في المجمع (ج2 ص285) : الماخض اسم للنوق الحوامل واحدتها خلفة وابن مخاض وبنته ما دخل في السنة الثانية. لأن أمه لحقت بالمخاض أي الحوامل، وإن لم تكن حاملاً وقيل: هو الذي حملت أنه أو حملت الإبل التي فيها أمه، وإن لم تحمل هي، وهذا معنى ابن مخاض لأن الواحد لا يكون ابن نوق وإنما يكون ابن ناقة واحدة. والمراد أن يكون وضعتها أمها في وقت ما وقد حملت النوق التي وضعت مع أمها، وإن لم تكن أمها حاملة فنسبتها إلى الجماعة بحكم مجاورتها أمها، وسمي ابن مخاض في السنة الثانية لأن العرب إنما كانت تحمل الفحول على الإناث بعد وضعها لسنة ليشتد ولدها فهي تحمل في السنة الثانية وتمخض - انتهى. (أنثى) قيد بالأنثى للتأكيد كما يقال رأيت بعيني وسمعت بأذني، وقال الطيبي: ذكره تأكيداً، كما قال تعالى:{نفخة واحدة} [الحاقة: 13] ولئلا يتوهم إن البنت ههنا والابن في ابن لبون كالبنت والابن في بنت طبق،
فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين، ففيها حقة طروقه الجمل. فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة. فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون. فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتان الجمل.
ــ
وابن آوى يشترك فيهما الذكر والأنثى. وحاصله إن وصف البنت بالأنثى لئلا يتوهم إن المراد منه الجنس الشامل للذكر والأنثى كالولد، إذ في غير الآدمي قد يطلق البنت والابن ويراد بهما الجنس كما في ابن عرس وبنت طبق وهي السلحفاة وزاد في رواية حماد بن سلمة عن ثمامة عن أنس عند أحمد (ج1 ص11) وأبي داود والنسائي والدارقطني والبيهقي، فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر وهو الذي استكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة وهو كذلك إلى تمامها، سمي بذلك لأن أمه صارت لبوناً أي ذاب لبن بوضع الحمل. (فإذا بلغت) الإبل (ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين) الغاية داخلة في المغيا بدليل قوله بعد ذلك فإذا بلغت ستاً وأربعين فعلم أن حكمها حكم ما قبلها (ففيها بنت لبون) هي التي تمت لها سنتان ودخلت في الثالثة إلى تمامها (أنثى) زاده تأكيداً كما عرفت (حقة) بكسر الحاء المهملة وفتح القاف المشددة والجمع حقاق بالكسر والتخفيف وهي من الإبل ما استكمل السنة الثالثة ودخل في الرابعة وهي كذلك إلى تمامها، ويقال للذكر الحق سميت بذلك لاستحقاقها أن تركب ويحمل عليها ويركبها الفحل ولذلك قال في صفتها (طروقة الجمل) بفتح أوله أي مطروقته فعولة بمعنى مفعولة كحلوبة بمعنى محلوبة صفة لحقة، والمراد من شأنها أن تقبل ذلك وإن لم يطرقها الفحل يعني إنها بلغت وصلحت أن يغشاها الجمل ويطأها من الطرق بمعنى الضرب (جذعة) بفتح الجيم والذال المعجمة قال الجزري: الجذعة والجذع من الإبل ما استكمل الرابعة ودخل في الخامسة إلى آخرها. قال القسطلاني: سميت بذلك لأنها جذعت مقدم أسنانها أي أسقطته وهي غاية أسنان الزكاة. وقال ابن قدامة: قيل لها ذلك لأنها تجذع إذا سقطت سنها وهي أعلى سن تجب في الزكاة. وقال القاري: سميت بذلك لأنها سقطت أسنانها والجذع السقوط. وقيل: لتكامل أسنانها. وقال التوربشتي يقال للإبل في السنة الخامس أجذع وجذع اسم له في زمن ليس سن ينبت ولا يسقط والأنثى جذعة - انتهى. (فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل) أجمع العلماء على المذكور من أول الحديث إلى هذا إلا ما تقدم عن علي إنه قال: في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه، وفي ست وعشرين بنت مخاض، حكى هذا الإجماع العيني وابن قدامة وأبوعبيد والسرخسي. قال ابن قدامة: هذا كله مجمع عليه إلى أن يبلغ عشرين ومائة، ذكره ابن المنذر. وقال أبوعبيد (ص363) : هذا ما جاء في فرائض الإبل إلى أن تبلغ
فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
ــ
عشرين ومائة لم يختلفوا إلا في هذا الحروف الواحد وحده، فإذا جاوزت عشرين ومائة فهناك الاختلاف، ثم ذكره كما سيأتي بيانه. وقال السرخسي: على هذا اتفقت الآثار وأجمع العلماء إلا ما روى شاذاً عن علي. وقال العيني: لا خلاف فيه بين الأئمة وعليها اتفقت الأخبار عن كتب الصدقات التي كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلاف فيما إذا زادت على مائة وعشرين. (فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة) أي إذا زاد يجعل الكل على عدد الأربعينات والخمسينات، مثلاً إذا زاد واحد على العدد المذكور يعتبر الكل ثلاث أربعينات وواحد والواحد لا شيء فيه، وثلاث أربعينات فيها ثلاث لبونات إلى ثلاثين ومائة، وفي ثلاثين ومائة حقة لخمسين وبنتا لبون لأربعينين. وهكذا، ولا يظهر التغيير إلا عند زيادة عشر قاله السندي. وقال الشوكاني: المراد أنه يجب بعد مجاوزة المائة والعشرين بواحدة في كل أربعين بنت لبون، فيكون الواجب في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، وإلى هذا ذهب الجمهور. ولا اعتبار بالمجاوزة بدون واحد كنصف أو ثلث أو ربع خلافاً للأصطخري من الشافعية، فقال: يجب ثلاث بنات لبون بزيادة بعض واحدة لصدق الزيادة ويرد عليه ما عند الدارقطني في آخر هذا الحديث وما في كتاب عمر، فإذا كانت أحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعاً وعشرين ومائة ومثله في كتاب عمرو بن حزم - انتهى. إعلم أنهم اختلفوا فيما زادت على عشرين ومائة، فذهب الشافعي الأوزاعي وإسحاق بن راهوية إلى أنها إذا زادت على العشرين والمائة واحدة ففيها ثلاث بنات لبون إلى أن تصير مائة وثلاثين فيجب فيها حقة وبنتا لبون. ثم كلما زادت عشرة كان في خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، والمختار عند الحنابلة، وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن حزم وأبي سليمان داود والزهري وأبي ثور وابن القاسم صاحب مالك. قال الباجي: قول ابن القاسم رواية لمالك أيضاً واحتج لهذا القول بقوله صلى الله عليه وسلم، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، فإنه علق النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحكم بنفس الزيادة والواحدة زيادة فعندها يجب في كل أربعين بنت لبون. وقد جاء مصرحاً بذلك كما تقدم في كلام الشوكاني. وقال الخطابي في المعالم (ج2 ص20) فيه دليل على أن الإبل إذا زادت على العشرين ومائة لم يستأنف لها الفريضة لأنه علق تغير الفرض بوجود الزيادة، وقد يحصل وجود الزيادة بالواحدة كحصولها بأكثر منها، وعلى هذا وجد الأمر في أكثر الفرائض فإن زيادة الواحد بعد منتهى الوقص توجب تغير الفريضة كالواحدة بعد الخامسة والثلاثين وبعد الخامسة والأربعين وبعد كمال الستين. وذهب أبوعبيد ومحمد بن إسحاق وأحمد في رواية إلى أنها لا يجب فيما زاد على العشرين والمائة شيء، حتى تكون مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون، فلا يتغير الفرض عندهم ولا يتعدى إلى ثلاثين ومائة وهو رواية عن مالك، رواها عنه عبد الملك وأشهب وابن نافع. واستدل بأن لهم بأن قوله صلى الله عليه وسلم فإذا زادت على عشرين ومائة -
الحديث. يقتضي أن يكون تغير الفرض في عدد يجب السِنَّان معاً، أي المراد بالزيادة هي التي يمكن اعتبار المنصوص عليه فيها وذلك لا يكون فيما دون العشر، وأجيب عنه بأن هذا غير لازم وذلك أنه إنما علق تغير الفرض بوجود الزيادة على المائة والعشرين، وجعل بعدها في أربعين ابنة لبون، وفي خمسين حقة، وقد وجدت الأربعونات الثلث في هذا النصاب، فلا يجوز أن يسقط الفرض ويتعطل الحكم. وإنما اشترط وجود السنين في محلين مختلفين لا في محل واحد فاشتراطهم وجودهما معاً في واحد غلط، واستدل لهم أيضاً بأن الفرض لا يتغير بزيادة الواحد كسائر الفروض، وأجيب عنه بأنه ما تغير بالواحدة وحدها، وإنما تغير بها مع ما قبلها فأشبهت الواحدة الزائدة عن التسعين والستين وغيرهما. واستدل لهم أيضاً بما روى أبوعبيد (ص363) عن يزيد عن حبيب بن أبي حبيب عن عمرو بن هرم عن محمد بن عبد الرحمن، إن في كتاب صدقة النبي صلى الله عليه وسلم وفي كتاب عمر في الصدقة، إن الإبل إذا زادت على عشرين ومائة فليس فيما دون العشر شيء حتى تبلغ ثلاثين ومائة، وأجيب بأن هذا مرسل ولا حجة فيه. وأيضاً قد رواه الدارقطني (ص210) والحاكم (ج1 394- 395) والبيهقي (ج4 ص92) مطولاً، وفيه فإذا زادت على العشرين ومائة واحدة ففيها ثلاث بنات لبون، حتى تبلغ تسعاً وعشرين ومائة، فإذا كانت الإبل أكثر من ذلك فليس فيما لا يبلغ العشر منها شيء حتى يبلغ العشر- انتهى. وهذا كما ترى نص في القول الأول وصريح في الرد على القول الثاني. وذهب مطرف وابن أبي حازم وابن دينار وأصبغ إلى أن الساعي بالخيار بين أن يأخذ في إحدى وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون، أو حقتين أي الصفتين أدى أجزأه إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة، فيجب فيها حقة وبنتا لبون وهو رواية عن مالك أيضاً وهو مختار فروع المالكية. قال ابن حزم (ج5 ص31) : قول مالك في التخيير بين إخراج حقتين أو ثلاث بنات لبون خطأ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق بين حكم العشرين ومائة، فجعل حقتين بنص كلامه وبين حكم ما زاد على ذلك فلم يجز أن يسوى بين حكمين، فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ولا نعلم أحداً قبل مالك قال بهذا التخيير- انتهى. وقد ظهر بما قدمنا أن فيما زاد على عشرين ومائة إلى تسع وعشرين ومائة لمالك ثلاث روايات التخيير، وعدم التغيير، ووجوب ثلاث بنات لبون من غير أن يخير الساعي. ومختار فروع المالكية الرواية الأولى ومذهب الشافعي وأحمد وجوب ثلاث بنات لبون من غير تخيير. وهو القول الراجح عندنا ثم إن هؤلاء الأئمة الثلاثة اتفقوا على أنه يدور الحكم بعد العشرين والمائة على الأربعينات والخمسينات أبداً من غير أن يستأنف الفريضة فتتغير الفريضة عندهم بعد العدد المذكور إلى بنت لبون في كل أربعين، وإلى حقة في كل خمسين. ولا تعود إلى الأول. واستدلوا لذلك بما روى في كتاب أبي بكر الصديق وفي كتاب عمر وفي كتاب عمرو بن حزم وفي كتاب زياد بن لبيد زياد بن لبيد إلى حضر الموت، من قوله صلى الله عليه وسلم زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت
لبون، وفي كل خمسين حقة، بسط طرق هذه الكتب الزيلعي في نصب الراية (ج2 ص335، 345) وأخرج الثلاثة الأول منها الدارقطني (ص208، 210) والحاكم (ج1 ص390، 397) والبيهقي (ج4 ص85 و92) . وأما ما وقع في بعض الطرق من الاقتصار على قوله "في كل خمسين حقة" فهو من اختصار الراوي لا أنه صلى الله عليه وسلم ترك ذكر الأربعين قصداً. وذهب أبوحنيفة وأصحابه والثوري والنخعي إلى أنه يستأنف الفريضة بعد العشرين ومائة، كما في الأول وخمسين، إلا أنه لا تجب في هذا الاستيناف بنت لبون وجذعة فليس عندهم فيما بعد العشرين ومائة إلا حقتان فقط. حتى تتم خمساً وعشرين ومائة فيجب فيها حقتان وشأة إلى ثلاثين ومائة، فإذا بلغتها ففيها حقتان وشأتان إلى خمس وثلاثين ومائة، ففيها حقتان وثلاث شياه إلى الأربعين ومائة، ففيها حقتان وأربع شياه إلى خمس وأربعين ومائة، فإذا بلغتها ففيها حقتان وبنت مخاض إلى خمسين ومائة، فإذا بلغتها ففيها ثلاث حقاق. هذا هو الاستيناف الأول ثم تستأنف الفريضة وتجب فيها بنت لبون أيضاً على خلاف الاستيناف الأول، فيجب في مائة وخمس وخمسين ثلاث حقاق وشأة. ثم كما ذكرنا في كل خمس شاة مع الثلاث حقاق إلى أن تصير خمساً وسبعين ومائة، فيجب فيها بنت مخاض وثلث حقاق إلى ست وثمانين ومائة، فإذا بلغتها كانت فيها بنت لبون وثلث حقاق إلى ست وتسعين ومائة، فإذا بلغتها ففيها أربع حقاق إلى مائتين ثم تستأنف الفريضة كما بعد مائة وخمسين، فتجب في كل خمس شأة. فإذا صارت مائتين وخمساً وعشرين ففيها أربع حقاق وبنت مخاض، وفي ست وثلاثين ومائتين أربع حقاق وبنت لبون إلى ست وأربعين ومائتين، فإذا بلغتها كانت فيها خمس حقاق إلى خمسين ومائتين، وهكذا إلى ما لا نهاية له كلما بلغت الزيادة خمسين زاد حقة ثم استأنف تزكيتها بالغنم ثم بنت المخاض ثم ببنت اللبون ثم بالحقة. ولا يخفى أن هذا المذهب لا يصدق عليه قوله صلى الله عليه وسلم فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، فإنه يدل على أن مدار الحكم والحساب بعد العشرين ومائة هو الأربعون والخمسون، وعلى أنه يجعل الكل على عدد الأربعينات والخمسينات، وقد عرفت أنهم لم يجعلوا الأربعين والخمسين مداراً للحكم، بل قالوا بالعود إلى أول الفريضة والاستيناف، وتقدم أنه ليس في الاستئناف الأول بنت لبون أصلاً. ثم إنها وإن كانت في الاستيناف الثاني لكن الفريضة لا تدور على الأربعين عندهم، فإنه تجب بنت لبون من ست وثلاثين إلى ست وأربعين والأربعون واقع في البين، فلم يكن مدار الحكم ولا يكون لتخصيصه بالذكر على مذهبهم، معنى لكون بنت لبون واجبة فيما دونه وفيما فوقه أيضاً، وكذا الحقة تجب من ست وأربعين إلى خمسين فلا يكون الخمسون فلا يكون الخمسون مداراً، ولا يظهر لتخصيصه في قوله وفي كل خمسين حقة معنى أيضاً. قال صاحب العرف الشذى: الحق إن حديث الباب أقرب بمذهب الحجازيين لأنه عليه السلام قد أجمل بعد مائة وعشرين،
ومذهب الحجازيين مستقيم على هذا الحديث بعد مائة وعشرين إلى الأبد. وأما مذهبنا الحنفية فاستقامته إنما هو بعد خمسين ومائة - انتهى. قلت: الحديث الذي استدل به أهل الحجاز لا يصدق على مذهب أهل العراق أصلاً، فإن مذهبهم كما لا يستقيم قبل خمسين ومائة لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أنس عند الدارقطني (ص209) فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، كذلك لا يستقيم بعده أيضاً فإن مدار بنت اللبون هو ست وثلاثون لا أربعون، ومدار الحقة ست وأربعون لا خمسون، فإن هذين العددين يكونان في البين. والحديث نص في كون الأربعينات والخمسينات مداراً بعد العشرين، ومائة مطرداً دائماً. هذا وقد تصدى الحنفية كالطحاوي في شرح الآثار والسرخسي في المبسوط وأبي بكر الرازي في أحكام القرآن وابن الهمام في فتح القدير، والزيلعي في شرح الكنز والعيني في شرح البخاري للجواب عن حديث الباب. والتخلص من مخالفته ولولا أنه يطول البحث جداً لذكرنا كلاهم أجمعين، وبينا ما في أجوبتهم من التكلف والتمحل والتلبيس والتخليط والفساد، وقد ذكر تقرير ابن الهمام وجوابه الشيخ عبد العلي بحر العلوم اللكنوي الحنفي في رسائل الأركان الأربعة (ص170- 171) . ثم رد عليه ورجح مذهب الجمهور وقال في آخر كلامه فالأشبهة ما عليه الإمام الشافعي والإمام أحمد. واحتج الحنفية لمذهبهم بما روى أبوداود في المراسيل وإسحاق بن راهوية في مسنده، والطحاوي في مشكله عن حماد بن سلمة قال: قلت لقيس بن سعد خذ لي كتاب محمد بن عمرو بن حزم فأعطاني كتاباً أخبر أنه أخذه من أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. إن النبي صلى الله عليه وسلم كتبه لجده فقرأته فكان فيه ذكر ما يخرج من فرائض الإبل فقص الحديث إلى أن يبلغ عشرين ومائة، فإذا كانت أكثر من عشرين ومائة فإنه يعاد إلى أول فريضة الإبل، وما كان أقل من خمس وعشرين ففيه الغنم في كل خمس ذود شاة كذا في نصب الراية. وأجيب عنه بما قال ابن الجوزي في التحقيق: إن هذا حديث مرسل. وقال هبة الله الطبري: هذا الكتاب صحيفة ليس بسماع ولا يعرف أهل المدينة كلهم عن كتاب عمرو بن حزم إلا مثل روايتنا، رواها الزهري وابن المبارك وأبوأويس كلهم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده مثل قولنا. ثم لو تعارضت الروايتين عن عمرو بن حزم بقيت روايتنا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهي في الصحيح وبها عمل الخلفاء الأربعة. وقال البيهقي في السنن (ج4 ص94) هذا منقطع بين أبي بكر بن حزم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقيس بن سعد أخذه عن كتاب لا عن سماع، وكذلك حماد بن سلمة أخذه عن كتاب لا سماع، وقيس بن سعد وحماد بن سلمة. وإن كانا من الثقات فروايتهما هذه بخلاف رواية الحفاظ عن كتاب عمرو بن حزم وغيره، وحماد بن سلمة ساء حفظه في آخر عمره، فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه ويتجنبون ما ينفرد به عن قيس بن سعد خاصة وأمثاله، وهذا الحديث قد جمع الأمرين
مع ما فيه من الانقطاع. وقال في معرفة السنن: الحفاظ مثل يحيى القطان وغيره يضعفون رواية حماد عن قيس ابن سعد، ثم أسند عن أحمد بن حنبل قال: ضاع كتاب حماد بن سلمة عن قيس بن سعد فكان يحدثهم من حفظه ثم أسند عن ابن المديني نحو ذلك. قال البيهقي: ويدل على خطأ هذه الرواية إن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم رواه عن أبيه عن جده بخلافه، وأبوالرجال محمد بن عبد الرحمن الأنصاري رواه بخلافه، والزهري مع فضل حفظه رواه بخلافه في رواية سليمان بن داود الخولاني عنه موصولاً، في رواية غيره مرسلاً وإذا كان حديث حماد عن قيس مرسلاً ومنقطعاً وقد خالفه عدد، وفيهم ولد الرجل والكتاب بالمدينة بأيديهم يتوارثونه بينهم، وأمر به عمر بن عبد العزيز فنسخ له فوجد مخالفاً لما رواه حماد عن قيس وموافقاً لما في كتاب أبي بكر وما في كتاب عمر وكتاب أبي بكر في الصحيح، وكتاب عمر أسنده سفيان بن حسين وسليمان بن كثير عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكتبه عمر عن رأية إذ لا مدخل للرأي فيه وعمل به وأمر عماله، فعملوا به. وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم متوافرون، وأقرأ ابنه عبد الله بن عمر وأقرأه عبد الله ابنه سالماً ومولاه نافعاً. وكان عندهم حتى قرأه مالك بن أنس أفما يدلك ذلك كله على خطأ هذه الرواية - انتهى. وقال ابن قدامة في المغنى:(ج2 ص584) بعد الإشارة إلى كتاب أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الذي استدل به الحنفية، ولنا أن في حديثي الصدقات الذي كتبه أبوبكر لأنس، والذي كان عند آل عمر بن الخطاب مثل مذهبنا وهما صحيحان، وقد رواه أبوبكر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما كتاب عمرو بن حزم فقد اختلف في صفته فرواه الأثوم في سنته مثل مذهبنا والأخذ بذلك أولى لموافقته الأحاديث الصحاح وموافقته القياس، فإن المال إذا وجب فيه من جنسه لم يجب من غير جنسه، كسائر بهيمة الأنعام، ولأنه مال احتمل المواساة من جنسه فلم يجب من غير جنسه كالبقر والغنم. وإنما وجب في الابتداء من غير جنسه، لأنه ما احتمل المواساة من جنسه فعدلنا إلى غير الجنس ضرورة. وقد زال ذلك بزيادة المال وكثرته ولأنه عندهم ينقل من بنت مخاض إلى حقة بزيادة خمس من الإبل وهي زيادة يسيرة لا تقتضي الانتقال إلى حقة، فإنا لم ننقل في محل الوفاق من بنت مخاض إلى حقة إلا بزيادة إحدى وعشرين - انتهى. وقال ابن حزم:(ج6 ص41) والعجب أنهم يدعون أنهم أصحاب قياس وقد خالفوا في هذا المكان النصوص والقياس. فهل وجدوا فريضة تعود بعد سقوطها؟ وهل وجدوا في أوقاص الإبل وقصاً من ثلاثة وثلاثين من الإبل إذ لم يجعلوا بعد الإحدى والتسعين حكماً زائداً إلى خمسة وعشرين ومائة، وهل وجدوا في شيء من الإبل حكمين مختلفين في إبل واحدة؟ بعضها يزكي بالإبل وبعضها يزكي بالغنم، وهلا إذ ردوا الغنم وبنت المخاض بعد إسقاطهما ردوا أيضاً في ست وثلاثين زائداً على العشرين والمائة بنت اللبون، فإن قالوا منعنا عن ذلك قوله عليه السلام في كل خمسين حقة قيل لهم فهلا منعكم من رد الغنم قوله عليه السلام؟ وفي كل أربعين بنت لبون - انتهى.
واحتج الحنفية أيضاً بما روى ابن أبي شيبة (ج3 ص11) عن يحيى بن سعيد عن سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه قال: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة يستقبل بها الفريضة - انتهى. ورواه البيهقي (ج4 ص92) بلفظ: إذا زادت على عشرين ومائة فبحساب ذلك ليستأنف بها الفرائض. قال الحافظ في الدراية: إسناده حسن إلا أنه اختلف على أبي إسحاق - انتهى. ورواه أبوعبيد (ص363) بلفظ استؤنف بها الفريضة بالحساب الأول. وأجيب عنه بما قال البيهقي (ج4 ص92) قد أنكر أهل العلم هذا على عاصم بن ضمرة لأن رواية عاصم بن ضمرة عن علي خلاف كتاب آل عمرو بن حزم، وخلاف كتاب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وقال: في (ص93) واستدلوا على خطأه بما فيه من الخلاف للروايات المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في الصدقات. وقال: في (ص94) بعد ما روى من طريق عاصم بن ضمرة، والحارث عن علي في خمس وعشرين خمس من الغنم، فإذا زادت واحدة ففيها بنت مخاض ما لفظه وفيه وفي كثير من الروايات عنه في خمس وعشرين خمس شياه. وقد أجمعوا على ترك القول به لمخالفة عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي الروايات المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر وعمر في الصدقات في ذلك، كذلك رواية من روى عنه الاستئناف مخالفة لتلك الروايات المشهورة مع ما في نفسها من الاختلاف والغلط وطعن أئمة أهل النقل فيها، فوجب تركها والمصير إلى ما هو أقوى منها - انتهى. ونقل الخطابي في المعالم عن ابن المنذر أنه قال ليس هذا القول بثابت عن علي. قلت: وروى البيهقي (ج4 ص93) من طريق شريك وشعبة وابن حزم (ج6 ص38) من طريق معمر كلهم عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال: إذا زادت على عشرين ومائة ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين ابنة لبون موافقاً للروايات المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الحازمي في كتاب الاعتبار: (ص10) الوجه الثامن عشر من الترجيحات أن يكون أحد الحديثين قد اختلفت الرواية فيه والثاني لم يختلف فيه فيقدم الذي لم يختلف فيه، وذلك نحو ما رواه أنس في زكاة الإبل إذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة. وهو حديث مخرج في الصحيح من رواية ثمامة عن أنس، ورواه عن ثمامة ابنه عبد الله وحماد بن سلمة ورواه عنهما جماعة كلهم، قد اتفقوا عليه من غير اختلاف بينهم، ثم ذكر الاختلاف في رواية أبي إسحاق عن عاصم عن علي ثم قال: فحديث أنس لم تختلف الرواية فيه وحديث علي اختلفت الرواية فيه كما ترى، فالمصير إلى حديث أنس أولى للمعنى الذي ذكرناه على أن كثيراً من الحفاظ أحالوا الغلط في حديث علي على عاصم وإذا تقابلت حجتان فما سلم منهما من المعارض كان أولى كالبينات إذا تقابلت فإن الحكم فيها كذلك - انتهى. وقال الشافعي: بعد ذكر رواية شريك عن أبي إسحاق موافقاً لحديث أنس كما قدمنا وبهذا نقول، وهو موافق للسنة وهم يعني بعض العراقيين لا يأخذون بهذا فيخالفون ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم -
ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها فإذا بلغت خمساً ففيها شأة. ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها
ــ
وأبي بكر وعمر والثابت عن علي عندهم إلى قول إبراهيم (النخعي) وشيء يغلط به عن علي رضي الله عنه انتهى. وقد تصدى الحنفية وتمحلوا الإثبات إن رواية سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي مسنده مرفوعة، وقد رد عليهم ابن حزم فأجاد من أحب الوقوف عليه رجع إلى المحلى (ج6 ص37- 38) . واحتجوا أيضاً بما روى الطحاوي عن خصيف عن أبي عبيدة وزيادة بن أبي مريم عن ابن مسعود قال: فإذا بلغت العشرين ومائة استقبلت الفريضة بالغنم في كل خمسين شاة فإذا بلغت خمساً وعشرين ففرائض الإبل. قال الزيلعي: واعترضه البيهقي بأنه موقوف ومنقطع بين أبي عبيدة وزيادة وبين ابن مسعود قال وخصيف غير محتج به - انتهى. وأخرج عن إبراهيم النخعي نحوه انتهى، كلام الزيلعي. وقد ظهر بما حررنا فساد قول الحنفية وخلافهم للروايات المرفوعة المشهورة ولأبي بكر وعمر وعلي وأنس وابن عمر وسائر الصحابة والتابعين دون أن يتعقلوا برواية صريحة صحيحة عن أحد منهم بمثل قولهم إلا عن إبراهيم النخعي وحده هذا. وقد ذهب ابن جرير إلى أنه يتخير بين الاستيناف وعدمه. قال الخطابي في المعالم:(ج2 ص21) وقال محمد بن جرير الطبري: هو مخير إن شاء إستأنف الفريضة إذا زادت الإبل على مائة وعشرين، وإن شاء أخرج الفرائض لأن الخبرين جميعاً قد رويا - انتهى. ثم رد عليه الخطابي (ومن لم يكن معه) أي في ملكه (إلا أربع من الإبل فليس) عليه (فيها) أي في إبله الأربع (صدقة إلا أن يشاء ربها) أي مالكها وصاحبها أن يتبرع ويتطوع بها يعني يخرج عنها نفلاً منه وإلا فلا واجب عليه فهو استثناء منقطع ذكر لدفع توهم نشأ من قوله فليس فيها صدقة، إن المنفي مطلق الصدقة لاحتمال اللفظ له وإن كان غير مقصود، وفيه دليل على أن ما دون خمس من الإبل لا زكاة فيه وهذا بالإجماع. (ومن بلغت عنده من الإبل) قال القاري: يتعين أن "من" زائدة على مذهب الأخفش داخلة على الفاعل أي ومن بلغت إبله (صدقة الجذعة) بالنصب والإضافة قال الطيبي: أي بلغت الإبل نصاباً يجب فيه الجذعة - انتهى. قال القاري: وفي نسخة يعني من المشكاة برفع "صدقة" بتنوينها ونصب "الجذعة" وفي نسخة بالإضافة. وقال العيني: قوله "صدقة الجذعة" كلام إضافي مرفوع، لأنه فاعل بلغت (وليست عنده جذعة) أي والحال إن الجذعة ليست موجودة عنده (وعنده حقة) أي والحال إن الموجودة عنده حقة (فإنها) أي القصة أو الحقة أو ضمير مبهم (تقبل منه الحقة) تفسير، أي تقبل الحقة من المالك من الزكاة، وقوله فإنها" الخ خبر المبتدأ الذي هو من بلغت (ويجعل) ضميره راجع إلى من (معها) أي مع الحقة
شأتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهماً.
ــ
(شأتين) بصفة الشأة المخرجة عن خمس من الإبل. قال ابن حجر: ذكرين أو أنثيين أو أنثى، وذكر من الضأن مالها السنة، ومن المعز مالها سنتان. وقال ابن قدامة (ج2 ص578) ولا يجزيء في الغنم المخرجة في الزكاة إلا الجذع من الضأن والثني من المعز، وكذلك شاة الجبران وأيهما أخرج أجزأه، ولا يعتبر كونها من جنس غنمه ولا جنس غنم البلد، لأن الشأة مطلقة في الخبر الذي ثبت به وجوبها وليس غنمه ولا غنم الولد سبباً لوجوبها، فلم بتقييد بذلك كالشأة الواجبة في الفدية وتكون أنثى، فإن أخرج ذكراً لم يجزئه. لأن الغنم الواجبة في نصبها إناث، ويحتمل أن يجزئه لأن النبي صلى الله عليه وسلم. أطلق لفظ الشأة فدخل فيه الذكر والأنثى، ولأن الشأة إذا تعلقت بالذمة دون العين أجزأ فيها الذكر كالأضحية (إن استيسرتا له) أي وجدتا في ماشيته، يقال تيسر واستيسر بمعنى (أو عشرين درهماً) أو يجعل عشرين درهماً فضة من النقرة. قال الخطابي: فيه من الفقه إن كل واحدة من الشأتين والعشرين الدرهم أصل في نفسه ليست ببدل، وذلك لأنه قد خيره بينهما بحرف أو. وقد اختلف الناس في ذلك فذهب إلى الظاهر الحديث إبراهيم النخعي والشافعي وأحمد وأصحاب الحديث والظاهرية وذهب سفيان الثوري إلى ما روى عن علي أنه يرد عشرة دراهم أو شاتين. قال ابن حزم (ج6 ص23) وروى أيضاً عن عمر رضي الله عنه وإليه ذهب أبوعبيد (ص368) . وقال مالك: لا يعطي إلا ما وجب عليه بأن يبتاع للساعي والسن الذي يجب له، ولا يعطي سناً مكان سن برد شاتين أو عشرين درهماً. وقال أبوحنيفة: يأخذ قيمة السن الذي وجب عليه، وإن شاء أخذ الفضل منها ورد عليه فيه دراهم، وإن شاء أخذ دونها وأخذ الفضل دراهم، ولم يعين عشرين درهماً ولا غيرها فجبران ما بين السنين غير مقدر عنده ولكنه بحسب الغلاء والرخص. وحمل هذا الحديث على أن تفاوت ما بين السنين كان ذلك القدر في تلك الأيام لا أنه تقدير شرعي، بدليل ما روى عن علي رضي الله عنه أنه قدر جبران ما بين السنين بشأتين أو عشرة دراهم. وفيه أنه لا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه لو قدر تفاوت ما بين السنين بشيء، أدى إلى الأضرار بالفقراء أو الإجحاف بأرباب الأموال فالواجب هو تفاوت القيمة لا تعيين ذلك. واستدل به على جواز أداء القيم من العروض وغيرها بدل الزكاة الواجبة وإن كان المأمور بأخذ ممكناً وأجاب الجمهور الذين لم يقولوا بجواز أداء القيم في الزكاة عن ذلك، بأنه لو كان كذلك لكان ينظر إلى ما بين السنين في القيمة، فكان العرض يزيد تارة وينقص أخرى لاختلاف ذلك في الأمكنة والأزمنة، فلما قدر الشارع التفاوت بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص كان ذلك هو الواجب في الأصل في مثل ذلك. قال الخطابي في المعالم (ج2 ص22) : وأصح هذه الأقاويل قول من ذهب إلى أن كل واحد من الشأتين والعشرين الدرهم أصل في نفسه، وإنه ليس له أن يعدل عنهما إلى القيمة،
ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة، فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين. ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا بنت لبون، فإنها تقبل منه بنت لبون، ويعطي شاتين أو عشرين درهمًا. ومن بلغت صدقته بنت لبون وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة، ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين. ومن بلغت صدقته بنت صدقته بنت لبون وليست عنده وعنده بنت مخاض، فإنها تقبل منه بنت مخاض، ويعطي معها عشرين درهماً أو شاتين.
ــ
ولو كان للقيمة، فيها مدخل لم يكن لنقله الفريضة إلى سن فوقها وأسفل منها ولا لجبران النقصان فيهما بالعشرين أو بالشأتين معنى قال: ويشبه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل الشاتين أو العشرين الدرهم تقديراً في جبران النقصان والزيادة بين السنين ولم يكل الأمر في ذلك إلى اجتهاد الساعي وإلى تقديره. لأن الساعي إنما يحضر الأموال على المياه، وليس بحضرته حاكم ولا مقوم يحمله، ورب المال عند اختلافها على قيمة يرتفع بها الخلاف وتنقطع معها مادة النزاع، فجعلت فيها قيمة شرعية كالقيمة في المصراة والجنين حسماً لمادة الخلاف مع تعذر الوصول إلى حقيقة العلم بما يجب فيها عند التعديل، يعني فضبطه بشيء يرفع التنازع كالصاع في المصراة والغرة في الجنين (ومن بلغت عنده صدقة الحقة) أي وجبت الحقه عليه من أجل إن كانت الإبل ستاً وأربعين (وليست عنده) أي في ملكه (الحقة وعنده الجذعة) الواو للحال (فإنها تقبل منه الجذعة) عوضاً عن الحقة، وإن كانت الجذعة زائدة على ما لم يلزمه فلا يكلف تحصيل ما ليس عنده، وقوله "الجذعة" بدل من الضمير الذي هو اسم "إن" أو فاعل "تقبل" فالضمير للقصة (ويعطيه المصدق) بضم الميم وتخفيف الصاد وكسر الدال كمحدث، أخذ الصدقة وهو الساعي الذي يأخذ الزكاة (عشرين درهماً أو شاتين) كما سلف في عكسه. قال في التوضيح: وعندنا إن الخيار في الشأتين والدراهم لدافعها سواء كان المالك أو الساعي، وفي قول إن الخيرة إلى الساعي مطلقاً، فعلى هذا إن كان هو المعطى راعي المصلحة للمساكين (فإنها تقبل منه بنت لبون) إعرابه كما سبق (ويعطي) أي رب المال (شأتين أو عشرين درهماً) قال الطيبي: فيه دليل على أن الخيرة في الصعود والنزول من السن الواجب إلى المالك - انتهى. وعلل بأنهما شرعاً تخفيفاً له ففوض الأمر إلى اختباره (ومن بلغت صدقته بنت لبون) بنصب "بنت" على المفعولية (ويعطيه) أي رب المال (المصدق) أي العامل (عشرين درهماً أو شاتين) مقابل ما زاد عنده (وليست عنده) أي والحال إن بنت اللبون ليست موجودة عنده (ويعطي) أي رب المال (معها) أي مع بنت المخاض ومعها حال مما بعده لأنه صفة له تقدم عليه (عشرين درهماً) قال الطيبي: أي عشرين درهماً
ومن بلغت صدقته بنت مخاض، وليست عنده، وعنده بنت لبون، فانها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين. فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها، وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه وليس معه شيء.
ــ
كائناً مع بنت المخاض، فلما قدم صار حالاً (ومن بلغت صدقته) بالرفع (بنت مخاض) بالنصب على المفعولية (وليست) أي بنت مخاض (عنده وعند بنت لبون فإنها تقبل منه) أي من مالك (ويعطيه المصدق) أي الساعي (عشرين درهماً أو شاتين) فيه دليل على أن جبر كل مرتبة بشأتين أو عشرين درهماً. وجواز النزول والصعود من الواجب عند فقده إلى سن آخر يليه، والخيار في الشأتين والدراهم لدافعها، سواء كان مالكاً أو ساعياً وفي الصعود والنزول للمالك في الأصح (فإن لم يكن) بالتذكير وفي بعض النسخ بالتأنيث (عنده) أي المالك (بنت مخاض على وجهها) بأن فقدها حساً أو شرعاً قاله القاري: قيل: أي على وجهها المفروض (فأنه يقبل منه) أي بدلاً من بنت مخاض وإن كان أقل قيمة منها ولا يكلف تحصيلها (وليس معه شئ) أي لا يلزمه مع ابن لبون شئ آخر من الجبران. قال ابن الملك تبعاً للطيبي: وهذا يدل على أن فضيلة الأنوثة تجبر بفضل السن. وقال الخطابي: هذا دليل على أنه ابنة المخاض مادامت موجودة، فان ابن اللبون لا يجزيء عنها وموجب هذا الظاهر أنه يقبل منه سواء كانت قيمته قيمة ابنة المخاض أو لم يكن، ولو كانت القيمة مقبولة لكان الأشبه أن يجعل بدل ابنة مخاض قيمتها دون أن يؤخذ الذكران من الإبل فان سنة الزكاة قد جرت بأن لا يؤخذ فيها إلا الإناث إلا ما جاء في البقر من التبيع - انتهى. وفيه دليل على أن ابن اللبون يجزىء عن بنت المخاض عند عدمها. وهو أمر متفق عليه لا خلاف في ذلك عند الأئمة، حكى هذا الإجماع جمع من الشراح كالباجي والحافظ والزرقاني وابن قدامة وابن رشد، لكن المدار عند الحنفية على القيمة وعليه حملوا الحديث بأن ابن اللبون كانت قيمته مساوية لقيمة بنت المخاض في ذلك الزمان، فعند الحنفية لا يتعين أخذ ابن اللبون خلافاً لمن عداهم من أهل العلم فانه يتعين عندهم أخذه وهو الحق والصواب. ولو لم يجد واحداً منهما لا بنت مخاض ولا ابن لبون يتعين شراء بنت مخاض، وهو قول مالك وأحمد. والأصح عند الشافعية إن له أن يشتري أيهما شاء. قال ابن قدامة (ج2:ص580) في شرح قول الخرقي: "فان لم يكن فيها ابنة مخاض فابن لبون" أراد إن لم يكن في إبله ابنة مخاض أجزأه ابن لبون ولا يجزئه مع وجود ابنة مخاض، لأنه صلى الله عليه وسلم شرط في إخراجه عدمها فان اشتراها وأخرجها جاز وإن أراد إخراج ابن لبون بعد شراءها لم يجز، لأنه صار في إبله بنت مخاض. فان لم يكن في إبله ابن لبون وأراد الشراء لزمه شراء بنت مخاض، وهذا قول مالك. وقال الشافعي: يجزئه شراء ابن لبون لظاهر الخبر وعمومه، ولنا أنهما استويا في
وفي صدقة الغنم
ــ
العدم فلزمته بنت مخاض كما لو استويا في الوجود. والحديث محمول على وجوده لأن ذلك للرفق به أغناء له عن الشراء، ومع عدمه لا يستغنى عن الشراء فكان شراء الأصل أولى على أن في بعض ألفاظ الحديث. "فمن لم يكن عنده ابنة مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه وليس معه شئ" فشرط في قبوله وجوده وعدمها وهذا في حديث أبي بكر وإن لم يجد إلا ابنة مخاض معيبة فله الانتقال إلى ابن لبون لقوله في الخبر "فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها" ولأن وجودها كعدمها لكونها لا يجوز إخراجها، فأشبه الذي لا يجد إلا ما لا يجوز الوضوء به في انتقاله إلى التيمم. وإن وجد ابنة مخاض أعلى من صفة الواجب لم يجزه ابن لبون لوجود بنت مخاض على وجهها، ويخير بين إخراجها وبين شراء بنت مخاض على صفة الواجب. ولا يخير بعض الذكورية بزيادة سن في غير هذا الموضع ولا يجزيه أن يخرج عن ابن لبون حقاً، ولا عن الحقة جذعاً لعدمهما ولا وجودهما. وقال القاضي وابن عقيل: يجوز ذلك مع عدمهما لأنهما أعلى وأفضل فيثبت الحكم فيهما بطريق التنبيه، ولنا أنه لا نص فيهما ولا يصح قياسهما على ابن لبون مكان بنت مخاض، لأن زيادة سن ابن لبون على بنت مخاض يمتنع بها من صغار السباع ويرعى الشجر بنفسه ويرد الماء، ولا يوجد هذا في الحق مع بنت لبون لأنهما يشتركان في هذا، فلم يبق إلا مجرد السن فلم يقابل إلا بتوجيه. وإن أخرج عن الواجب سناً أعلى من جنسه مثل أن يخرج بنت لبون عن بنت مخاض وحقه عن بنت لبون، أو بنت مخاض، أو أخرج عن الجذعة ابنتي لبون، أو حقتين جاز. لا نعلم فيه خلافاً، لأنه زاد على الواجب عن جنسه ما يجزى عنه مع غيره فكان مجزئاً عنه على انفراده كما لو كانت الزيادة في العدد. ثم ذكر حديث أبي ابن كعب في قبوله صلى الله عليه وسلم: ناقة فتية سمينة عظيمة عن ابنة مخاض حين تطوع بها صاحبها، وقوله صلى الله عليه وسلم: ذاك الذي وجب عليك فان تطوعت بخير اجزل الله فيه وقبلناه منك، أخرجه أحمد وأبوداود. ثم قال ابن قدامة: وهكذا الحكم إذا أخرج أعلى من الواجب في الصفة. وإن عدم السن الواجبة والتي تليها كمن وجبت عليه جذعة فعدمها وعدم الحقة أو وجبت عليه حقة فعدمها وعدم ابنة اللبون فقال القاضي: يجوز أن ينتقل إلى السن الثالث مع الجبران فيخرج ابنة اللبون في الصورة الأولى، ويخرج معها أربعة شياه أو أربعين درهماً، ويخرج ابنة مخاض في الثانية ويخرج معها مثل ذلك وذكر إن أحمد أومأ إليه وهذا قول الشافعي. وقال أبوالخطاب: لا ينتقل إلا إلى سن تلي الواجب فأما إن انتقل من حقه إلى بنت مخاض، أو من جذعة إلى بنت لبون لم يجز، لأن النص ورد بالعدول إلى سن واحد فيجب الاقتصار عليها كما اقتصرنا في أخذ الشياه عن الإبل على الموضع الذي ورد به النص، هذا قول ابن المنذر (وابن حزم) ثم ذكر ابن قدامة وجه القول الأول (وفي صدقة الغنم) خبر مقدم والغنم بفتحتين الشاء لا واحد لها من لفظها،
في سائمتها
ــ
وإنما يقول للواحد شاة وهو اسم جنس يقع على الذكور والإناث ويعم الضان والمعز. قال ابن الهمام: سمي به لأنه ليس له آلة الدفاع فكانت غنيمة لكل طالب والشأة تذكر وتؤنث وأصلها شاهة، لأن تصغيرها شويهة، والجمع شياه بالهاء إلى العشر يقال ثلث شياه فإذا جاوزت العشر فبالتاء (في سائمتها) أي راعيتها لا المعلوفة في الأهل، قال القسطلاني: وفي سائمتها كما قاله في شرح المشكاة بدل على من الغنم بإعادة الجار والمبدل في حكم الطرح فلا يجب في مطلق الغنم شئ، وهذا أقوى في الدلالة من أن لو قيل ابتداء في سائمة الغنم أو في الغنم السائمة، لأن دلالة البدل على المقصود بالمنطوق ودلالة غيره عليه بالمفهوم، وفي تكرار الجار أشار إلى أن للسوم في هذا الجنس مدخلاً قوياً وأصلاً يقاس عليه بخلاف جنسي الإبل والبقر- انتهى. والسائمة هي التي ترعى ولا تعلف في الأهل، والمراد السوم، لقصد الدر والنسل فلو اسيمت الابل أو البقر أو الغنم للحمل أو الركوب أو اللحم فلا زكاة فيها وإن اسيمت للتجارة ففيها زكاة التجارة، وإن كانت أقل من النصاب إذا سادت مائتي درهم. والمعتبر عند أحمد وأبي حنيفة السوم في أكثر الحول لأن اسم السوم لا يزول بالعلف اليسير. ولأن العلف اليسير لا يمكن التحرز عنه فاعتباره في جميع السنة يسقط الزكاة بالكلية سيما عند من يسوغ له الفرار من الزكاة، فإنه إذا أراد إسقاط الزكاة يوماً فأسقطها بالإسامة، ولأن الضرورة تدعو إليه في بعض الأحيان. ولأن هذا وصف معتبر في رفع الكلفة في الزرع والثمار، واعتبر الشافعي السوم في جميع الحول فلا تجب الزكاة فيها إذا لم تكن سائمة في جميع السنة. وفي الحديث دليل على أن الزكاة إنما تجب في الغنم إذا كانت سائمة، فأما المعلوفة فلا زكاة فيها، ولذلك لا تجب الزكاة في عوامل البقر والابل عند عامة أهل العلم، وإن كانت سائمة، وأوجبها مالك في عوامل البقر والابل. قال الزرقاني: لا خلاف في وجوب زكاة السائمة، واختلف في المعلوفة فقال مالك والليث: فيها الزكاة رعت أم لا، لأنها سائمة في صفتها والماشية كلها سائمة ومنعها من الرعي لا يمنع تسميتها سائمة، والحجة عموم أقواله صلى الله عليه وسلم: في الزكاة لم يخص سائمة من غيرها وقال سائر فقهاء الأمصار: لا زكاة في غير السائمة منها، وروى عن جمع من الصحابة. وقال ابن قدامة (ج2:ص576) وفي ذكر السائمة احتراز من العلوفة والعوامل فإنه لا زكاة فيها عند أكثر أهل العلم، وحكى عن مالك في الإبل النواضح والعلوفة الزكاة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم في كل خمس شأة، قال أحمد: ليس في العوامل زكاة وأهل المدينة يرون فيها الزكاة، وليس عندهم في هذا أصل. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في كل سائمة في كل أربعين بنت لبون في حديث بهز بن حكيم فقيده بالسائمة، فدل على أنه لا زكاة في غيرها وحديثهم مطلق فيحمل على المقيد، ولأن وصف النماء معتبر في الزكاة والمعلوفة يستغرق علفها نماءها، إلا أن يعدها للتجارة فيكون فيها زكاة التجارة - انتهى. وقال العيني (ج9:ص22) وحجة من اشتراط السوم كتاب الصديق وحديث عمرو بن حزم مثله وشرطه في الإبل حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعاً، في كل سائمة
إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شأة. فإذا زادت عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان. فإذا زادت على مائتين إلى ثلاث مائة، ففيها ثلاث شياه. فإذا زادت على ثلاث مائة ففي كل مائة شأة.
ــ
من كل أربعين من الإبل بنت لبون رواه أبوداود والنسائي والحاكم، وقال صحيح الإسناد. وقد ورد تقييد السوم وهو مفهوم الصفة والمطلق يحمل على المقيد إذا كانا في حادثة واحدة، والصفة إذا قرنت بالاسم العلم تنزل منزل العلة لا يجاب الحكم، ثم ذكر العيني أحاديث نفي الصدقة عن العوامل. وقال الخطابي في المعالم (ج2:ص25) فيه دليل على أن لا زكاة في المعلوفة من الغنم، لأن الشيء إذا كان يعتوره وصفان لازمان فعلق الحكم بأحد وصفيه كان ما عداه بخلافه وكذلك هذا في عوامل البقر والإبل قال الأمير اليماني: البقر لم يأت فيها ذكر السوم وإنما قاسوها على الإبل والغنم (إذا كانت) أي غنم الرجل، وفي رواية إذا بلغت (شأة) مبتدأ مؤخر "وفي صدقة الغنم" خبره وقيل: قوله"في صدقة الغنم" يتعلق بفرض أو كتب مقدراً أي فرض في صدقتها شاة أو كتب في شأن صدقة الغنم هذا، وهو إذا كانت أربعين إلى آخره، وحينئذٍ يكون "شأة" خبر مبتدأ محذوف أي فزكاتها شاة، أو بالعكس أي ففيها شاة (فإذا زادت) غنمه (على عشرين ومائة) واحدة فصاعداً ففي كتاب عمر، فإذا كانت أحدى وعشرين حتى تبلغ مائتين ففيها شاتان، وقد تقدم قول الاصطخري في ذلك والتعقب عليه (إلى مائتين ففيها شاتان) كذا في جميع النسخ للمشكاة وفي المصابيح، وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول والمجد في المنتقي والحافظ في البلوغ وكذا وقع عند أبي داود والنسائي وغيرهما والذي في البخاري "إلى مائتين شاتان" أي بإسقاط لفظه "ففيها" وهكذا نقله الزيلعي في نصب الراية عن البخاري، وعلى هذا فقوله "شاتان" مرفوع على الخبرية أي فزكاتها شاتان أو الإبتدائية أي فيها شاتان (فإذا زادت) غنمه (على مائتين) ولو واحدة (إلى ثلاث مائة ففيها ثلاث شياه فإذا زادت) غنمه (على ثلاث مائة) مائة أخرى لا دونها (ففي كل مائة شاة) ففي أربع مائة أربع شياه وفي خمس مائة خمس وفي ست مائة ست. وهكذا قال الخطابي: قوله "فإذا زادت على ثلاث مائة" الخ. إنما معناه أن يزيد مائة أخرى فيصير أربع مائة، وذلك لأن المائتين لما توالت إعدادها حتى بلغت ثلاث مائة وعلقت الصدقة الواجبة فيها بمائة مائة. ثم قيل: فإذا زادت عقل إن هذه الزيادة اللاحقة بها إنما هي مائة لا ما دونها وهو قول عامة الفقهاء الثوري وأصحاب الرأي وقول الحجازيين مالك والشافعي وغيرهم. وقال الحافظ: وهو قول الجمهور قالوا وفائدة ذكر الثلاث مائة لبيان النصاب الذي بعده لكون ما قبله مختلفاً، وعن بعض الكوفيين كالحسن بن صالح بن حي ورواية عن أحمد إذا زادت على الثلاث مائة واحدة وجبت الأربع - انتهى. واعلم إن مسألة نصاب الغنم من أوله إلى ثلاث مائة إجماعية حكى الإجماع عليها ابن المنذر وابن رشد وابن قدامة والعيني وغيرهم. قال ابن قدامة (ج2:ص597) إذا ملك أربعين من الغنم فأسامها أكثر السنة ففيها
فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة، فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها. ولا تخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار
ــ
شأة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه وهذا كله مجمع عليه قاله ابن المنذر - انتهى. واختلفوا فيما زاد على ثلاث مائة قال ابن قدامة تحت قول الخرقي:"فإذا زادت ففي كل مائة شاة شأة" ظاهر هذا القول إن الفرض لا يتغير بعد المائتين وواحدة حتى يبلغ أربع مائة فيجب في كل مائة شاة ويكون الوقص ما بين المائتين وواحدة إلى أربع مائة وذلك مائة وتسعة وتسعون وهذا إحدى الروايتين عن أحمد وقول أكثر الفقهاء. وعن أحمد رواية أخرى، إنها إذا زادت على ثلاث مائة واحدة ففيها أربع شياه ثم لا يتغير الفرض حتى تبلغ خمس مائة فيكون في كل مائة شاة، ويكون الوقص الكبير بين ثلاث مائة وواحدة إلى خمس مائة وهو أيضاً مائة وتسعة وتسعون وهذا إختيار أبي بكر. وحكى عن النخعي والحسن بن صالح لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الثلاث مائة حداً للوقص وغاية له، فيجب أن يتعقبه تغير النصاب كالمائتين، ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم "فإذا زادت ففي كل مائة شأة" وهذا يقتضي أن لا يجب في دون المائة شئ وفي كتاب الصدقات الذي كان عند آل عمر بن الخطاب، فإذا زادت على ثلاث مائة واحدة فليس أخرج معناه أبوعبيد (ص386) وابن أبي شيبة فيها شئ حتى تبلغ أربع مائة شاة ففيها أربع شياه، وهذا نص لا يجوز خلافه إلا بمثله أو أقوى منه وتحديد النصاب لاستقرار الفريضة لا للغاية - انتهى. (فإذا كانت سائمة الرجل) وكذا المرأة (ناقصة) خبر"كانت"(من أربعين شأة) تمييز (واحدة) بالنصب على نزع الخافض أي بواحدة، أو على أنه مفعول ناقصة أي إذا كان عند الرجل سائمة تنقص واحدة من أربعين فلا زكاة عليه فيها وبطريق الأولى إذا نقصت زائداً على ذلك ويحتمل أن يكون شاة مفعول ناقصة وواحدة وصف لها والتمييز محذوف للدلالة عليه وروى بشأة واحدة بالجر (فليس فيها) أي في الناقصة عن الأربعين (صدقة) واجبة (إلا أن يشاء ربها) أن يتطوع ويخرج الصدقة نفلاً كما سلف (ولا تخرج) على بناء المجهول وفي رواية لا يؤخذ (في الصدقة) المفروضة أي الزكاة (هرمة) بفتح الهاء وكسر الراء أي كبيرة سقطت أسنانها. وقال الجزري: الكبيرة، الطاعنة في السن، وقال التوربشتي: أراد التي نال منها كبر السن وأضربها (ولا ذات عوار) بفتح العين المهملة وبضمها أي معيبة وقيل: بالفتح العيب، وبالضم العور في العين، واختلف في ضبطها فالأكثر على أنه ما يثبت به الرد في البيع. وقيل: ما يمنع الأجزاء في الأضحية ويدخل في المعيب المريض والذكورة بالنسبة إلى الأنوثة والصغير سناً بالنسبة إلى سن أكبر منه كذا في الفتح. وقال الجزري: بفتح العين وبضم أي صاحبة عيب ونقص. قال ابن حجر: فهو من عطف العام على الخاص إذا العيب يشمل المرض والهرم وغيرهما. قال ابن الملك: هذا إذا كان كل ماله أو بعضه سليماً فإن كان
ولا تيس، إلا ما شاء المصدق.
ــ
كله معيباً فإنه يأخذ واحداً من وسطه (ولا تيس) وفي رواية ولا تيس الغنم وهو بفتح التاء الفوقية وسكون التحتية بعدها سين مهملة أي فحل الغنم المعد لضرابها قال في القاموس: هو الذكر من الظباء والمعز والوعول أو إذا أتى عليه سنة. وقال الباجي: التيس الذكر من المعز وهو الذي لم يبلغ حد الفحولة فلا منفعة فيه لضراب ولا لدر ولا نسل وبنحوه فسره الإمام مالك كما في المدونة قال العيني: معناه إذا كانت ماشيته كلها أو بعضها إناثاً لا يؤخذ منه الذكر إنما تؤخذ الأنثى إلا في موضعين وردت بهما السنة. أحدهما: أخذ التبيع من ثلاثين من البقر. والآخر: أخذ ابن اللبون من خمس وعشرين من الإبل بدل بنت مخاض عند عدمها، وأما إذا كانت ماشيته كلها ذكوراً فيؤخذ الذكر. وقال الخطابي: إنما لا يؤخذ التيس لأنه مرغوب عنه لنتنه وفساد لحمه. وقيل: لأنه ربما يقصد به المالك منه الفحولة فيتضرر بإخراجه (إلا أن يشاء المصدق) اختلف في ضبطه ومصداقه، فقيل: المراد به رب الماشية لا الساعي، وعلى هذا هو إما بتخفيف الصاد وفتح الدال المشددة، وهذا اختيار أبي عبيد أي الذي أخذت صدقة ماله، أو بتشديد الصاد والدال معا وكسر الدال، وأصله المتصدق فأدغمت التاء بعد قلبها في الصاد. قال تعالى:{إن المصدقين والمصدقات} [الحديد:18] أو بتخفيف الصاد وكسر الدال المشددة اسم فاعل من قوله تعالى: {فلا صدق ولا صلى} [القيامة: 31] قال الراغب: يقال صدق وتصدق وتقدير الحديث لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب أصلاً ولا يؤخذ التيس إلا برضاك المالك لكونه يحتاج إليه ففي أخذه بغير اختياره أضرار به وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث وهو التيس. وقيل: المراد به الساعي وعلى هذا هو بتخفيف الصاد وكسر الدال المشددة لا غير، وهذا هو المشهور في ضبطها وهو قول جمهور المحدثين وعامة الرواة كما قال الخطابي: أي العامل الذي يستوفي الزكاة من أربابها. قال في القاموس: المصدق كمحدث آخذ الصدقات – انتهى. والاستثناء متعلق بالأقسام الثلاث ففيه إشارة إلى التفويض إلى إجتهاد العامل لكونه كالوكيل للفقراء فيفعل ما يرى فيه المصلحة، والمعنى لا تخرج كبيرة السن ولا المعيبة ولا التيس، إلا أن يرى العامل إن ذلك أفضل للمساكين فيأخذه نظراً لهم. قال الحافظ: وهذا أشبه بقاعدة الشافعي في تناول الاستثناء جميع ما ذكر قبله فلو كانت الغنم كلها معيبة أو تيوساً أجزأه أن يخرج منها، وعن المالكية، يلزم المالك أن يشتري شاة مجزئة تمسكاً بظاهر هذه الحديث، وفي رواية أخرى عندهم كالأول - انتهى. وقيل: الاستثناء مخصوص بما إذا كانت المواشي كلها معيبة أو تيوساً. قال ابن قدامة: ج2:ص598) وعلى هذا أي ضبط المصدق بكسر الدال بمعنى العامل لا يأخذ المصدق وهو الساعي أحد هذه الثلاثة إلا أن يرى ذلك بأن يكون جميع النصاب من جنسه، فيكون له أن يأخذ من جنس المال فيأخذ هرمة من الهرمات، وذات عوار من أمثالها وتيساً من التيوس- انتهى. وهذا كله إذا كان الاستثناء متصلاً. قال الطيبي: ويحتمل أن يكون منقطعاً، والمعنى لا يخرج المزكي الناقص
ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة
ــ
والمعيب لكن يخرج ما شاء المصدق من السليم والكامل (لا يجمع) بضم أوله وفتح ثالثه، أي لا يجمع المالك والمصدق (بين متفرق) بتقديم التاء على الفاء من التفرق وفي رواية مفترق بتقديم الفاء على التاء من الافتراق (ولا يفرق) بضم أوله وفتح ثالثه مشدد، أو يخفف أي لا يفرق المالك والمصدق (بين مجتمع) بكسر الميم الثانية (خشية) منصوب على أنه مفعول لأجله متعلق بالفعلين على التنازع. ويحتمل أن يتعلق بفعل مقدر يعم الفعلين أي لا يفعل شيئاً من ذلك خشية الصدقة، فيحصل المراد من غير تنازع (الصدقة) أي خشية وجوب الصدقة أو كثرتها هذا إن رجع إلى المالك وخشية سقوط الصدقة، أو قلتها إن رجع إلى المصدق فالنهى للمالك والساعي كليهما. والخشية خشيتان: خشية المالك أن يجب الصدقة أو تكثر، وخشية الساعي أن تسقط الصدقة أو تقل، وهذا إنما يقع في زكاة الخلطاء. قال الخطابي: قال الشافعي: الخطاب في هذا للمصدق ولرب المال معاً، وقال ابن رشد في مقدماته: ذهب الشافعي إلى أن النهى فيه إنما هو للسعاة، وذهب مالك إلى أن النهى إنما هو لأرباب المواشي والصواب على عمومه لهما جميعاً لا يجوز للساعي أن يجمع غنم رجلين أن لم يكونا خليطين على الخلطة ليأخذ أكثر من الواجب له، ولا أن يفرق غنم الخليطين فيزكيهما على الانفراد ليأخذ أكثر من الواجب له. وكذلك أرباب الماشية لا يجوز لهم إذا لم يكونوا خلطاء أن يقولوا نحن خلطاء ليؤدوا على الخلطة أقل مما يجب عليهم في الانفراد، ولا يجوز لهم إذا كانوا خلطاء أن ينكروا الخلطة ليؤدوا على الانفراد أقل مما يجب عليهم على الخلطة. وأما أبوحنيفة الذي لا يقول بالخلطة له (أي بخلطة الجوار) فيقول: المعنى في ذلك أنه لا يجوز للساعي أن يجمع ملك الرجلين فيزكيهما على ملك واحد مثل أن يكون للرجلين أربعون شاة فيما بينهما، ولا أن يفرق بملك الرجل الواحد فيزكيه على إملاك متفرقة مثل أن يكون له مائة وعشرون فلا يجوز له أن يجعلها ثلاثة أجزاء - انتهى. قلت: ومثال جمع المالك بين المتفرق خشية كثرة الصدقة أي لتقليلها رجل ملك أربعين شاة فجمعها وخلطها بأربعين لغيره عنده حضور المصدق فراراً عن لزوم الشاة إلى نصفها، إذ عند الجمع والخلط يؤخذ من كل المال شاة واحدة فنهى عن ذلك. ومثال تفريق المالك خشية وجوب الصدقة، أي لإسقاطها رجل كان له عشرون شاة مخلوطة بمثلها لغيره ففرقها لئلا يكون نصاباً فلا يجب شيء ومثال تفريقه أيضاً خشية كثرتها رجل يكون له مائة شاة وشاة مخلوطة بمثلها لغيره فيكون عليهما عند الاجتماع والخلط ثلاثة شياه، ففرقا ما لهما لتقل الصدقة ويكون على كل واحد شاة فقط. ومثال جمع المصدق خشية سقوط الصدقة أي لايجابها أو خشية قلتها أي لتكثيرها، رجلان كان لهما أربعون شاة متفرقة، فجمعها وخلطها المصدق ليجب فيها الزكاة ويأخذ شأة، أو كان لكل واحد منهما مائة وعشرون، فجمع بينهما ليصير الواجب ثلاثة شياه. ومثال تفريق المصدق خشية قلة الصدقة، أي لتكثيرها ثلاثة خلطاء في مائة وعشرين شاة وواجبها عليهم شأة، ففرقها الساعي أربعين أربعين ليكون فيها، ثلاث شياه. والحاصل: إن الخلط في الجوار عند الجمهور
وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينما بالسوية،
ــ
مؤثر في زيادة الصدقة ونقصانها كخلطة الشيوع، لكن لا ينبغي لأرباب الأموال أن يفعلوا ذلك فراراً عن زيادة الصدقة ولا للسعاة أن يفعلوا ذلك لوجوب الصدقة أو زيادتها، وأما عند أبي حنيفة لا أثر للخلطة، فمعنى الحديث عنده على ظاهر النفي على أن النفي راجع إلى القيد. وحاصله نفي الخلط لنفي الأثر أي لا أثر للخلطة والتفريق في تقليل الزكاة وتكثيرها، أي لا يفعل شيء من ذلك خشية الصدقة إذ لا أثر له في الصدقة فيكون ذلك لغوا عبثا لا فائدة فيه كذا قرره السندي. ولا يخفى ما فيه من التكلف بل من إهمال الحديث، وحمله عامة الحنفية كالكاساني في البدائع وابن الهمام في فتح القدير وغيرهما على خلطة الشيوع كما حملوا عليها قوله "وما كان من خلطين الخ. قالوا: والمراد الجمع والتفريق في الملك لا في المكان، والخشية خشيتان: خشية الساعي، وخشية المالك، وكذا النهي نهيان النهي للساعي. عن جمع المتفرق، وعن تفريق المجتمع، والنهي للمالك عن جمع المتفرق، وعن تفريق المجتمع، مثال الأول: كخمس من الإبل بين اثنين أو ثلاثين من البقر أو أربعين من الغنم حال عليها الحول، وأراد الساعي أن يأخذ منها الصدقة ويجمع بين الملكين، ويجعلهما كملك واحد خشية فوت الصدقة، أي يعدهما كملك رجل واحد لأخذ الصدقة فليس له ذلك. ومثال الثاني: كرجل له ثمانون من الغنم في مرعتين مختلفتين أنه يجب عليه شاة واحدة ولو أراد الساعي أن يفرق المجتمع خشية قلة الصدقة كأنها لرجلين، فيأخذ منها شاتين ليس له ذلك، لأن الملك مجتمع فلا يملك الساعي تفريقة لتكثير الصدقد ومثال الثالث: كثمانين من الغنم بين اثنين حال عليها الحول، أنه يجب فيها شاتان على كل واحد منهما شأة، ولو أراد أن يجمعا بين الملكين فيجعلاهما ملكاً واحداً خشية كثرة الصدقة، أي لتقليها، فيعطي الساعي شاة واحدة ليس لهما ذلك لتفرق ملكيهما فلا يملكان الجمع في الملك لأجل تقليل الزكاة. ومثال الرابع: كرجل، له أربعون من الغنم في مرعتين مختلفتين تجب عليه الزكاة لأن الملك مجتمع فلا يجعلها كالمتفرقين في الملك، أي كأنها في ملك رجلين خشية وجوب الصدقة أي لإسقاطها. قلت: حمله على خلطة الشيوع وعلى الجمع والتفريق في الملك بعيدا جدا، فإن المتبادر من لفظ الجمع والتفريق هو ما كان في المكان أي بالمخالطة لا في الملك، فإنه لا يعبر عن جعل الملكين كملك واحد أو جعل الملك الواحد كملكين بالجمع بين المتفرق أو بالتفريق بين المجتمع. وقد اعترف بذلك صاحب فيض الباري حيث قال: وقع في الحنفية بحمله على خلطة الشيوع في بعد من ألفاظ الحديث فإن الجمع والتفريق لا يتبادر منه إلا ما كان بحسب المكان ولا يأتي هذا التعبير في الجمع والتفريق ملكا، ثم حمله على خلطة الجواز كما فعل السندي (وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية) ما، هنا تامة نكرة متضمنة معنى حرف الاستفهام، ومعناها أي شيء كان من خليطين فإنهما يترادان الفصل بينهما بالسوية على قدر عدد أموالهما كما سيأتي توضيحة. واعلم أن الخلطة بضم الخاء على نوعين: خلطة اشتراك، وخلطة جوار، وقد يعبر عن الأول بخلطة الأعيان وخلطة الشيوع، وعن الثاني بخلطة الأوصاف:
والمراد بالأول لا يتميز نصيب أحد الرجلين أو الرجال عن نصيب غيره، كما شيه ورثها قوم أو ابتاعوها معاً. وبالثاني أن يكون مال كل واحد معيناً متميزاً، واختلف في المراد بالخليط في هذا الحديث فذهب أبوحنيفة إلى أنه الشريك، لأن الخليطين في اللغة العربية هما الشريكان اللذان اختلط ما لهما ولم يتميز كالخليطين من النبيذ، وما لم يختلط مع غيره فليسا بخليطين، وإذا تميز مال كل واحد منهما من مال الآخر فلا خلطة وذهب الجمهور: إلى أن المراد بالخليط المخالط وهو أعم من الشريك، وحكم الخليطين عندهم إن تصدق ما شيتهما كأنهما على رجل واحد، والخلطة عندهم أن يجتمعا في المسرح والمبيت والحوض والفحل. واعترض على أبي حنيفة بأن الشريك لا يعرف عين ماله وقد قال: إنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ومما يدل على أن الخليط لا يستلزم أن يكون شريكاً قوله تعالى:{وإن كثير من الخلطاء} [ص: 24] وقد بينه قبل ذلك بقوله: {إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة} [ص: 23] واختلف أيضاً في أن الخلطة مؤثرة في الزكاة أم لا، فذهب الجمهور إلى كونها مؤثرة. وقال أبوحنيفة: لا تأثير للخلطة سواء كانت خلطة شيوع واشتراك في الأعيان أو خلطة أوصاف وجوار في المكان فلا يجب على أحد الشريكين أو الشركاء إلا مثل الذي كان يجب عليه لو لم يكن خلط. وتعقبه ابن جرير: بأنه لو كان تفريقها مثل جمعها في الحكم لبطلت فائدة الحديث، وإنما نهي عن أمر لو فعله كانت فيه فائدة قبل النهي. ولو كان كما قال: لما كان لتراجع الخليطين بينهما بالسوية معنى. واعتذر بعضهم عن الحنفية بأن الأصل قوله صلى الله عليه وسلم. ليس فيما دون خمس ذود صدقة وحكم الخلطة يغير هذا الأصل فلم يقولوا به. ورد بأن ذلك مع الانفراد وعدم الخلطة، لا إذا انضم ما دون الخمس إلى عدد الخليط يكون به الجميع نصاباً، فإنه يجب تزكية الجميع لهذا الحديث وما ورد في معناه ولا بد من الجمع بهذا. قال ابن قدامة (ج2 ص607) إن الخلطة في السائمة تجعل مال الرجلين كمال الرجلين الواحد في الزكاة سواء كانت خلطة أعيان، وهي أن تكون المشتركة بينهما لكل واحد منهما، منها نصيب أن يرثا نصاباً أو يشترياه أو يوهب لهما فيبقياه بحاله أو خلطة أوصاف وهي أن يكون مال كل واحد منهما مميزاً، فخلطاء واشتركا في الأوصاف التي نذكرها (يعني المسرح والمبيت والمحلب والمشرب والفحل) وسواء تساويا في الشركة أو اختلفا مثل أن يكون لرجل شاة ولآخر تسعة وثلاثون، أو يكون لأربعين رجلاً أربعون شاة لكل واحد منهم شاة نص عليهما أحمد. وهذا قول عطاء (كما في البيهقي) والأوزاعي والشافعي والليث وإسحاق. وقال مالك: إنما تؤثر الخلطة إذا كان لكل واحد من الشركاء نصاب، وحكى ذلك عن الثوري وأبي الثور واختاره ابن المنذر. وقال أبوحنيفة: لا أثر لها بحال لأن ملك كل واحد دون النصاب فلم يجب عليه زكاة كما لو لم يختلط بغيره، ولأبي حنيفة فيما إذا اختلطا في نصابين، إن كل واحد
منهما يملك أربعين من الغنم فوجبت عليه السلام في أربعين شاة شاة. ولنا ما روي البخاري في حديث أنس لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع وما كان من خليطين الخ. ولا يجيء التراجع إلا على قولنا في خلطة الأوصاف وقوله "لا يجمع بين متفرق" إنما يكون هذا إذا كان لجماعة فإن الواحد يضم ماله بعضه إلى بعض وإن كان في أماكن، وهذا لا يفرق بين مجتمع. ولأن للخلطة تأثيراً في تخفيف المؤنة فجاز أن تؤثر في الزكاة كالسوم والسقي وقياسهم مع مخالفة النص غير مسموع - انتهى. وقال ابن رشد في البداية:(ج1 ص237) أكثر الفقهاء إن للخلطة تأثيرا في قدر الواجب من الزكاة، واختلف القائلون بذلك هل لها تأثير في قدر النصاب أم لا. وأما أبوحنيفة وأصحابه فلم يروا للخلطة تأثيراً، لا في قدر الواجب ولا في قدر النصاب. وتفسير ذلك إن مالكا والشافعي وأكثر فقهاء الأمصار اتفقوا على أن الخلطاء يزكون زكاة المالك الواحد. واختلفوا من ذلك في موضعين: أحدهما: في نصاب الخلطاء هل يعد نصاب مالك واحد سواء لكل واحد منهم نصاب أو لم يكن، أم إنما يزكون زكاة الرجل الواحد إذا كان لكل واحد منهم نصاب. والثاني: في صفة الخلطة التي لها تأثير في ذلك وأما اختلافهم أولا في، هل للخلطة تأثير في النصاب وفي الواجب، أوليس لها تأثير، فسبب اختلافهم في مفهوم ما ثبت في كتاب الصدقة من قوله عليه الصلاة والسلام. لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية، فإن كل واحد من الفريقين أنزل مفهوم هذا الحديث على اعتقاده، وذلك إن الذين رأوا للخلطة تأثيراً، إما في النصاب والقدر الواجب، أو في القدر الواجب فقط. قالوا: إن قوله عليه الصلاة والسلام "وما كان من خليطين" الخ وقوله "لا يجمع بين متفرق" الخ يدل دلالة واضحة إن ملك الخليطين كملك رجل واحد فإن هذا الأثر مخصص لقوله عليه الصلاة والسلام "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة" إما في الزكاة عند مالك وأصحابه أعنى في قدر الواجب وإما في الزكاة والنصاب معاً عند الشافعي وأصحابه. وأما الذين لم يقولوا بالخلطة فقالوا: إن الشريكين قد يقال لهما خليطان، ويحتمل أن يكون قوله عليه الصلاة والسلام. "لا يجمع بيم متفرق" الخ إنما هو نهي للسعاة أن يقسم ملك الرجل الواحدة قسمة توجب عليه كثرة الصدقة أو يجمع ملك رجل واحد إلى ملك رجل آخر حيث يوجب الجمع كثرة الصدقة. قالوا: وإذا كان هذا الاحتمال في هذا الحديث وجب إلا تخصص به الأصول الثابتة المجمع عليها أعنى أن النصاب والحق الواجب في الزكاة يعتبر بملك الرجل الواحد، وأما الذين قالوا بالخلطة فقالوا: إن لفظ الخلطة هو أظهر في الخلطة نفسها منه في الشركة. وإذا كان ذلك كذلك فقوله عليه الصلاة والسلام "فيهما أنهما يتراجعان بينهما بالسوية" مما يدل على أن الحق الواجب عليهما حكمه حكم رجل واحد. وعلى إن الخليطين ليسا بشريكين، لأن الشريكين ليس يتصور بينهما تراجع، إذ المأخوذ هو من مال الشركة، فمن اقتصر على هذا المفهوم ولم يقس عليه النصاب قال: الخليطان إنما يزكيان زكاة الرجل الواحد إذا كان لكل واحد منهما نصاب، ومن جعل حكم النصاب تابعاً لحكم
الحق الواجب. قال: نصابهما نصاب الرجل الواحد كما أن زكاتهما زكاة الرجل الواحد. وأما القائلون بالخلطة فإنهم اختلفوا فيما هي الخلطة المؤثرة في الزكاة، فذكره ابن رشد مختصراً ثم قال: وسبب اختلافهم اشتراك اسم الخلطة، ولذلك لم يرقوم تأثيرا الخلطة في الزكاة وهو مذهب أبي محمد بن حزم الأندلسي- انتهى كلام ابن رشد مختصرا. قلت: الأصل في اعتبار أوصاف الخلطة هو ما رواه الدارقطني (ص204) وأبوعبيد (ص395) وابن حزم (ج6 ص55- 56) من طريق أبي عبيد عن سعد بن أبي وقاص. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي، وروى المرعى وهو حديث ضعيف تفرد به ابن لهيعة وأخطأ فيه، وانظر الكلام عليه في التلخيص (ص175) إذا تحققت هذا فاعلم أن معنى قوله "ما كان من خليطين" الخ على مذهب الجمهور، إن ما كان متميزاً لأحد الخليطين من المال فأخذ الساعي من ذلك المتميز يرجع إلى صاحبه بحصته، بأن كان لكل عشرون شاة وأخذ الساعي من مال أحدهما يرجع إلى صاحب الأربعين بالثلثين، وإن أخذ منه يرجع على صاحب عشرين بالثلاث وهذا عند الشافعي. وأما عند مالك فهو كخليطين بينهما مائة شاة لأحدهما ستون وللآخر أربعون ففيها عليهما شاة واحدة يكون على صاحب الأربعين خمساها وعلى رب الستين ثلاثة أخماسها، فإن أخذ الساعي الشاة الواجبة من الأربعين، رجع صاحبها على صاحب الستين بقيمة ثلاثة أخماسها، وإن أخذها من الستين رجع صاحبها على صاحب الأربعين بخميسها. وعند أبي حنيفة الذي يحمل الخليط على الشريك ويقول بأن الخلطة غير مؤثرة، إذا كان المال بينهما على الشركة بلا تميز وأخذ الساعي الزكاة من المال المشترك، لأنه ليس عليه أن ينتظر قسمتهما لمالهما يجب التراجع بالسوية، أي يرجع كل منهما على صاحبه بقدر ما يساوي ماله، مثلاً لأحدهما أربعون بقرة وللآخر ثلاثون والمال مشترك غير متميز فأخذ الساعي عن صاحب أربعين مسنة، وعن صاحب ثلاثين تبيعاً، وأعطى كل منهما من المال المشترك فيرجع صاحب أربعين، وهكذا كلما كانت الشركة بينهما على التفاوت فأخذ من أحدهما زيادة لأجل صاحبه فإنه يرجع على صاحبه بذلك القدر. وأما إذا كان المأخوذ حصة كل واحد منهما لا غير بأن كان المال بينهما على السوية فلا تراجع بينهما. لأن ذلك القدر وكان واجبا على كل واحد منهما بالسوية هذا، وقد بسط أبو عبيد (ص391، 400) وابن حزم (ج6 ص51و 59) الكلام في بيان معنى الجمع بين المتفرق والتفريق بين المجتمع وتراجع الخليطين، وذكر مذاهب العلماء ووافق أبوعبيد الشافعي وابن حزم الحنفية ورجح مذهبهم. قيل: وإليه ميل البخاري كما يظهر من ذكر أثر طاووس وعطاء وأثر سفيان الثوي في باب ما كان من خلطين فإنهما يتراجعان بالسوية وفيه نظر قوى، فإن قول طاووس
وفي الرقة ربع العشر،
ــ
وعطاء يدل على الفرق بين الخلطة الجوار وخلطة الشيوع، بأن الأولى غير مؤثرة والثانية مؤثرة وهذا قول مخالف للحنفية، فإنه لا تأثير للخلطة عندهم مطلقاً على أنه روى البيهقي (ج4 ص106) من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج. قال: سألت عطاء عن النفر الخلطاء لهم أربعون شاة قال عليهم شاة قلت فإن كانت لواحدة تسع وثلاثون، ولآخر شاة قال عليهما شاة وهذا كما ترى عين. مذهب الشافعي. وأما قول سفيان فهو موافق للمالكية لا للحنفية كما لا يخفى، وعلى هذا فما قيل إن البخاري وافق الحنفية بعيد عن الصواب. والقول الراجح عندنا: هو ما ذهب إليه الشافعي ومن وافقه والله تعالى أعلم فائدة اختلف القائلون بتأثير الخلطة أنها هل تؤثر في غير السائمة من الزرع والثمار والعروض والنقدين أم لا، فقال الشافعي على ما ذكره ابن حزم: تؤثر في غير المواشي أيضاً. وقالت المالكية والحنابلة وأبوعبيد والأوزاعي: لا تأثير لها في غير الماشية، وهذا هو الراجح عندي. قال ابن قدامة (ص619) إذا اختلطوا في غير السائمة كالذهب والفضة وعروض التجارة والزروع والثمار لم تؤثر خلطتهم شيئاً وكان حكمهم حكم المنفردين وهذا قول أكثر أهل العلم، وعن أحمد رواية أخرى إن شركة الأعيان تؤثر في غير الماشية، فإذا كان بينهم نصاب يشتركون فيه فعليهم الزكاة وهذا قول إسحاق والأوزاعي في الحب والثمر، والمذهب الأول قال أبوعبد الله الأوزاعي يقول: في الزرع إذا كانوا شركاء فخرج لهم خمسة أوسق يقول فيه الزكاة قاسه على الغنم ولا يعجبني قول الأوزاعي. وأما خلطة الأوصاف فلا مدخل لها في غير الماشية بحال، لأن الاختلاط لا يحصل، وخرج القاضي وجهاً آخر إنها تؤثر لأن المؤنة تحف إذا كان الملقح واحداً والصعاد والناطور والجرين، وكذلك أموال التجارة والدكان واحد والمخزن والميزان والبائع فأشبه الماشية ومذهب الشافعي على نحو مما حكينا من مذهبنا، والصحيح إن الخلطة لا تؤثر في غير الماشية لقول النبي صلى الله عليه وسلم. والخليطان ما اشتركا في الحوض والفحل والراعي فدل على أن ما لم يوجد فيه ذلك لا يكون خلطة مؤثرة، قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يجمع بين متفرق خشية الصدقة" إنما يكون في الماشية لأن الزكاة تقل بجمعها تارة وتكثر أخرى، وسائر الأموال تجب فيها فيما زاد على النصاب بحسابه فلا أثر لجمعها، ولأن الخلطة في الماشية تؤثر في النفع تارة وفي الضرر أخرى. ولو اعتبرنا في غير الماشية أثرت ضرراً محضاً برب المال فلا يجوز اعتبارها إذا ثبت هذا، فإن كان لجماعة حائط مشترك بينهم فيه ثمرة أو زرع فلا زكاة عليهم إلا أن يحصل في يد بعضهم نصاب كامل فيجب عليه، وعلى الرواية الأخرى إذا كان الخارج نصاباً ففيه الزكاة - انتهى. (وفي الرقة) بكسر الراء وتخفيف القاف الفضة سواء كانت مضروبة وغير مضروبة، أصله ورق حذف منه الواو وعوض عنه التاء كما في عدة ودية. وقيل: هي الدرهم المضروبة (ربع العشر) بضم الأول وسكون الثاني وضمهما فيهما يعني إذا كانت الفضة مائتي درهم فربع العشر
فإن لم تكن إلا تسعين ومائة، فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها)) . رواه البخاري.
ــ
خمسة دراهم، ومران الاقتصار عليها للغالب (فإن لم تكن) أي الرقة التي عنده (إلا تسعين) أي درهماً (ومائة) أي دراهم، والمعنى إذا كانت الفضة ناقصة عن مائتى درهم (فليس فيها شيء) أي لا يجب إجماعاً. في شرح السنة هذا يوهم إنها إذا زادت على التسعين والمائة شيئاً قبل أن تتم مائتين كانت فيه الصدقة وليس الأمر كذلك، لأن نصابها المائتان وإنما ذكر تسعين لأنه آخر فصل أي عقد من فصول المائة والحساب، إذا جاوز المائة كان تركيبه بالفصول والعشرات والمئات والألوف، فذكر التسعين ليدل على أن لا صدقة فيما نقص عن كمال المائتين بدليل قوله عليه الصلاة والسلام:"ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة". قال الطيبي: أراد أن دلالة هذا الحديث على أقل ما نقص من النصاب، إنما يتم بحديث ليس فيما دون خمس أواق صدقة ويسمى هذا في الأصول النص المقيد بمفارقة نص آخر وينصره الحديث الآتي عن علي رضي الله تعالى عنه، وليس في تسعين ومائة شيء فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم (إلا أن يشاء ربها) أي يريد مالكها أن يعطي على سبيل التبرع فإنه لا مانع له فيها، وهذا كقوله في حديث الأعرابي في الإيمان إلا أن تطوع (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً أحمد (ج1 ص11- 12) والشافعي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي وصححه الدارقطني وابن حبان وغيرهما واعلم أن هذا الحديث أخرجه البخاري مقطعاً في عشرة مواضع من صحيحة في الزكاة في ستة مواضع، وفي الشركة، وفي الخمس، وفي اللباس، وفي ترك الحيل، مطولاً ومختصراً بسند واحد. قال حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري قال حدثني أبي قال حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس إن أنساً حدثه أن أبابكر كتب له هذا الكتاب الخ وقد انتقد عليه الدارقطني في التتبع والاستدراك حيث قال إن ثمامة لم يسمع من أنس ولا سمعه عبد الله بن المثنى من ثمامة. ثم روى عن علي بن المديني عن عبد الصمد حدثني عبد الله بن المثنى. قال دفع إلى ثمامة هذا الكتاب قال وثنا عفان ثنا حماد قال أخذت من ثمامة كتاباً عن أنس نحو هذا وكذا قال حماد بن زيد عن أيوب أعطاني ثمامة كتاباً فذكر هذا - انتهى. قال الحافظ في مقدمة الفتح: ليس فيما ذكر الدارقطني ما يقتضي إن ثمامة لم يسمعه من أنس كما صدر به كلامه فأما كون عبد الله بن المثنى لم يسمعه من ثمامة فلا يدل على قدح في هذا الإسناد بل فيه على صحة الرواية بالمناولة إن ثبت أنه يسمعه مع أن في سياق البخاري عن عبد الله بن المثنى، حدثني ثمامة إن أنساً حدثه وليس عبد الصمد فوق محمد بن عبد الله الأنصاري في الفقه، ولا أعرف بحديث أبيه منه - انتهى. وقال ابن حزم في المحلى (ج20 ص6) هذا الحديث في نهاية الصحة وعمل به أبوبكر الصديق بحضرة جميع الصحابة لا يعرف له منهم مخالف أصلاً رواه عن أبي بكر أنس وهو صاحب، ورواه عن أنس ثمامة وهو ثقة سمعه من أنس، ورواه عن ثمامة حماد بن سلمة وعبد الله بن المثنى وكلاهما ثقة وإمام. ورواه عن ابن المثنى ابنه القاضي محمد، وهو مشهور ثقة ولي قضاء البصرة، ورواه عن حماد بن سلمة يونس بن محمد (عند البيهقي وابن حزم)
1812-
(4) وعن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثريا العشر، وما سقي بالنضح
ــ
وشريح بن النعمان (عند النسائي وابن حزم) وموسى بن إسماعيل التبوذكي (عند أبي داود) وأبوكامل المظفر بن مدرك (عند النسائي وأحمد) وغيرهم (كالنضر بن شميل عند الدارقطني والحاكم) وكل هؤلاء إمام ثقة مشهور ولا مغمز لأحد في أحد من رواة هذا الحديث - انتهى. وتكلم ابن معين أيضاً على حديث أنس هذا، ففي الأطراف للمقدسي. قيل: لابن معين حديث ثمامة عن أنس في الصدقات، قال لا يصح وليس بشئ ولا يصح في هذا حديث في الصدقات - انتهى. قال ابن حزام: كلام ابن معين مردود لأنه دعوى بلا برهان: وقال البيهقي في المعرفة: لا نعلم من الحفاظ أحداً استقصى في انقاد الرواة ما استقصاه محمد بن إسماعيل البخاري مع إمامته في معرفة علل الأحاديث وأسانيدها. وهو قد اعتمد فيه على حديث ابن المثنى فأخرجه في صحيحه وذلك لكثرة الشواهد له بالصحة - انتهى. وقال في السنن الكبرى (ج4:ص90) قد روينا الحديث من حديث ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس من أوجه صحيحة ورويناه عن سالم ونافع موصولاً ومرسلاً ومن حديث عمرو بن حزم موصولاً وجميع ذلك يشد بعضه بعضاً - انتهى.
1812-
قوله: (فيما سقت السماء) أي المطر أو الثلج أو البرد أو الطل من باب ذكر المحل وإرادة الحال (والعيون) أي الأنهار الجارية التي يستسقى منها بإساحة الماء من دون اغتراف بآلة، والمراد ما لا يحتاج في سقيه إلى مؤنة. (أو كان عثرياًَ) بفتح العين المهملة وفتح المثلثة المخففة وكسر الراء وتشديد التحتية. قال الخطابي: هو الذي يشرب بعروقة من غير سقى لأنه عثر على الماء، وذلك حيث كان الماء قريباً من وجه الأرض فيغرس عليه فيصل إلى الماء عروق الشجر فيستغنى عن السقى وهو المسمى بالبعل في رواية أبي داود والنسائي وابن ماجه. وقال الحافظ في التلخيص: العثري بفتح المهملة والمثلثة وحكى إسكان ثانية. قال الأزهري وغيره: العثري مخصوص بما سقى من ماء السيل فيجعل عاثوراً وهو شبه ساقية تحفر ويجرى فيها الماء إلى أصوله وسمي كذلك. لأنه يتعثر به المار الذي لا يشعر به والنضح السقي بالسانية. وقال ابن قدامة قال القاضي: (أبويعلى) هو الماء المستنقع في بركة أو نحوها يصب إليه ماء المطر في سواقي تشق له فإذا اجتمع سقى منه، واشتقاقه من العاثور وهي الساقية التي يجرى فيها الماء لأنها يعثر بها من يمر بها (إذا لم يعلمها) قال الحافظ في الفتح بعد ذكر تفسير الخطابي: وهذا أولى من إطلاق أبي عبيد (ص478) أن العثري ما تسقيه السماء لأن سياق الحديث يدل على المغايرة (العشر) مبتدأ خبره "فيما سقت السماء" أي العشر واجب فيما سقت السماء أو أنه فاعل محذوف أي فيما ذكر يجب العشر (وما سقى) ببناء المجهول (بالنضح) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة بعدها حاء مهملة هو السقى
نصف العشر)) . رواه البخاري.
ــ
بالرشا والغرب والدالية. وقال الحافظ: أي بالسانية وهي رواية مسلم يعني حديث جابر، والمراد بها الإبل يستقي عليها وذكر الإبل كالمثال وإلا فالبقر وغيرها كذلك في الحكم، والمراد ما يحتاج إلى مؤنة الآلة. قلت: وفي رواية أبي داود والنسائي وفيما سقي بالسواني والنضح، وهذا يدل على التغاير بين السانية والنضح وإن السواني المراد بها الدواب والنضح ما كان بغيرها كنضح الرجال بالآلة (نصف العشر) فيه دليل على التفرقة بين ما سقي بالسواني والنضح وبين ما سقي بماء السماء ونحوه وقد أجمع العلماء عليه. قال ابن قدامة: لا نعلم في هذه التفرقة خلافاً والفارق ثقل المؤنة هنا وخفتها في الأول. قال الخطابي: إنما كان وجوب الصدقة مختلفة المقادير في النوعين، لأن ما عمت منفعته وخفت مؤنة كان أحمل للمواساة فأوجب فيه العشر توسعة على الفقراء، وجعل فيما كثرت مؤنته نصف العشر رفقاً بأرباب الأموال - انتهى. وقد استدل أبوحنيفة بهذا الحديث: على عدم اشتراط النصاب في زكاة الخارج من الأرض وعلى وجوب الزكاة في جميع ما يخرج من الأرض، وقد تقدم الكلام على المسألتين مبسوطاً. قال السندي: استدل أبوحنيفة بعموم الحديث على وجوب الزكاة في كل ما أخرجته الأرض من قليل وكثير، والجمهور جعلوا هذا الحديث لبيان محل العشر ونصفه. وأما القدر الذي يؤخذ منه فأخذوا من حديث ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وهذا أوجه لما فيه من استعمال كل من الحديثين فيما سيق له - انتهى. فائدة إن وجد ما يسقي بالنضح تارة وبغير النضح أخرى فإن كان ذلك على جهة الاستواء وجب فيه ثلاثة أرباع العشر وهو قول أهل العلم، قال ابن قدامة (ج2 ص699) : لا نعلم فيه مخالفاً، وإن سقي بأحدهما أكثر من الآخر اعتبر أكثرهما فوجب مقتضاه وسقط حكم الآخر أي كان حكم الأقل تبعاً للأكثر نص عليه أحمد وهو قول عطاء والثوري وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي. وقال ابن حامد: يؤخذ بالقسط وهو القول الثاني للشافعي، لأنهما لو كانا نصفين أخذ بالحصة، فكذلك إذا كان أحدهما أكثر كما كانت الثمرة نوعين، ووجه الأول إن اعتبار مقدار السقي وعدد مراته وقدر ما يشرب في كل سقيه يشق ويتعذر، فكان الحكم للأغلب منهما كالسوم في الماشية. قال الحافظ: ويحتمل أن يقال إن أمكن فصل كل واحد منهما أخذ بحسابه، وعن ابن القاسم صاحب مالك العبرة بما تم به الزرع وانتهى ولو كان أقل - انتهى. قال ابن قدامة: وإن جهل المقدار غلبنا إيجاب العشر احتياطاً نص عليه أحمد (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً الترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والدارقطني وابن الجارود وأبوعبيد البيهقي، وأخرجه أحمد ومسلم وأبوداود والنسائي من حديث جابر والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة، والنسائي وابن ماجه من حديث معاذ، وأبوداود من حديث علي ويحيى بن آدم من حديث أنس.
1813 -
(5) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((العجما جرحها جبار،
ــ
1813-
قوله: (العجماء) بفتح المهملة وسكون الجيم وبالمد تأنيث الأعجم وهي البهيمة، سميت بذلك لأنها لا تتكلم وكل من لا يقدر على الكلام أصلاً فهو أعجم ومستعجم. وعن أبي حاتم يقال: لكل من لم يبين الكلام من العرب والعجم والصغار أعجم ومستعجم، وكذلك من الطير والبهائم كلها والاسم العجمة (جرحها) بضم الجيم وفتحها والمفهوم من النهاية نقلاً عن الأزهري إنه بالفتح لا غير، لأنه مصدر وبالضم الجراحة والمراد إتلافها، قال عياض: إنما عبر بالجرح لأنه الأغلب. وقيل: هو مثال نبه به على ما عداه كذا في المرقاة. وقال السندي: جرحها بفتح الجيم على المصدر لا غير وهو بالضم اسم منه، وذلك لأن الكلام في فعلها، لا في ما حصل في جسدها من الجرح وإن حمل جرحها بالضم على جرح حصل في جسد مجروحها يكون الإضافة بعيدة، وأيضاً الهدر حقيقة هو الفعل لا أثره في المجروح فليتأمل - انتهى. ووقع في رواية للبخاري العجماء جبار، ولا بد فيه من تقدير مضاف ليصح حمل المبتدأ على الخبر، أي فعل العجماء هدر. قال الولي العراقي لا بد في هذه الرواية من تقدير إذ لا معنى لكون العجماء نفسها هدراً، وقد دل غير هذه الرواية على أن ذلك المقدر هو الجرح فوجب الرجوع إليه لكن الحكم غير مختص به بل هو مثال منه يستدل به على ما عداه كما تقدم، ولو لم تدل رواية أخرى على تعيين ذلك المقدر لم يكن لرواية البخاري هذه عموم في جميع المقدرات التي يستقيم الكلام بتقدير واحد منها هذا هو الصيح المنصور في الأصول إن المقتضى لا عموم له - انتهى. وفي رواية للبخاري أيضاً العجماء عقلها جبار. قال الزين العراقي في شرح الترمذي: ليس ذكر الجرح قيداً، وإنما المراد به إتلافها بأي وجه كان سواء كان بجرح أو غيره، والمراد بالعقل الدية أي لا دية فيما تتلفه (جبار) بضم الجيم وتخفيف الباء الموحدة أي هدر غير مضمون أي لا شيء فيه، يقال ذهب دمه جباراً أي هدراً، وعن مالك أي هدر لا دية فيه يعني الدابة المرسلة في رعيها أو المنفلتة من صاحبها ليس لها قائد ولا سائق ولا راكب، إذا جرحت أحداً أو أتلفت شيئاً وكان نهاراً فلا ضمان، وإن كان معها أحد فهو ضامن لأن الإتلاف حصل بتقصيره، وكذلك إذا كان ليلاً لأن المالك قصر في ربطها إذ العادة أن تربط الدواب ليلاً. وتسرح نهاراً كذا ذكره الطيبي وابن الملك. وفي إعراب هذه الجملة وجهان. أحدهما: أن يكون قوله "جرحها جبار" جملة من المبتدأ وخبر وهي خبر عن المبتدأ الذي هو العجماء. والثاني: أن يكون قوله "جرحها" بدلاً من "العجماء" وهو بدل اشتمال والخبر قوله "جبار" والكلام جملة واحدة والمصدر في قوله "جرحها" مضاف للفاعل أي كون العجماء تجرح غيرها غير مضمون. وقد استدل بإطلاق الحديث من قال لا ضمان فيما اتلفت البهيمة سواء كانت منفردة أو معها أحد سواء كان راكبها أو سائقها أو قائدها وهو قول الظاهرية واستثنوا ما إذا كان الفعل منسوباً إليه بأن حملها على ذلك الفعل، إذا كان راكباً كان يلوى عنانها فتتلف شيئاً
والبئر
ــ
برجلها مثلاً أو يطعنها أو يزجرها حين يسوقها أو يقودها حتى تتلف ما مرت عليه، وإما ما لا ينسب إليه فلا ضمان فيه. وقال الشافعية: إذا كان مع البهيمة إنسان فإنه يضمن ما أتلفته من نفس أو عضو أو مال سواء كان راكباً أو سائقاً أو قاعداً، وسواء كان مالكاً أو أجيراً أو مستأجراً أو مستعيراً أو غاصباً، وسواء اتلفت بيدها أو رجلها أو ذنبها أو رأسها أو عضها، وسواء كان ذلك ليلاً أو نهاراً، والحجة في ذلك أن الإتلاف لا فرق فيه بين العمد وغيره ومن هو مع البهيمة حاكم عليها فهي كالآلة بيده ففعلها منسوب إليه سواء حملها عليه أم لا، سواء علم به أم، لا وعن مالك كذلك إلا أن رمحت بغير أن يفعل بها أحد شيئاً ترمح بسببه وحكاه ابن عبد البر عن الجمهور. وقال الحنفية: إن الراكب والقائد لا يضمنان ما نفحت الدابة برجلها أو ذنبها إلا أن أوقفها في الطريق. واختفلوا في السائق. فقال القدوري وآخرون: إنه ضامن لما أصابت بيدها أو رجلها لأن النفحة بمرأى عينه فيمكنه الاحتراز عنها وقال أكثرهم: لا يضمن النفحة أيضاً وإن كان يراها إذ ليس على رجلها ما يمنعها به فلا يمكنه التحرز عنه بخلاف الكدم لا مكان كبحها بلجامها، صححه صاحب الهداية: وكذلك قال الحنابلة: إن الراكب لا يضمن ما تتلفه البهيمة برجلها وحكى ابن حزم نفي الضمان من النفحة عن شريح القاضي والحسن البصري وإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رباح وعن الحكم والشعبي، يضمن لا يبطل دم المسلم وتمسك من نفي الضمان من النفحة بعموم هذا الحديث مع الرواية التي فيها الرجل جبار لكنها ضعيفة، ضعفها الدارقطني والشافعي وغيرهما. واستدل بالحديث على أنه لا فرق في إتلاف البهيمة للزروع وغيرها من الأموال في الليل والنهار فيما إذا لم يكن صاحبها معها وهو قول الحنفية والظاهرية. وقال الجمهور: إنما يسقط الضمان عن صاحب البهيمة إذا كان ذلك نهاراً. وأما بالليل فإن عليه حفظها فإذا انفلتت بتقصير منه وجب عليه ضمان ما اتلفت ودليل هذا التخصيص ما أخرجه الشافعي وأبوداود والنسائي وابن ماجه عن البراء بن عازب. قال: كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطاً فأفسدت فيه فقضي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وإن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وإن على أهل المواشي ما أصابت ماشيتهم بالليل، وأشار الطحاوي إلى أنه منسوخ بحديث الباب. وتعقبوه بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال مع الجهل بالتاريخ وأقوى من ذلك قول الشافعي، أخذنا بحديث البراء لثبوته ومعرفة رجاله ولا يخالفه حديث العجماء جبار، لأنه عام المراد به الخاص فلما قال العجماء جبار وقضي فيما أفسدت العجماء بشيء في حال دون حال دل ذلك على أن ما أصابت العجماء من جرح وغيره في حال جبار وفي حال غير جبار. ثم نقض على الحنفية إنهم لم يستمروا على الأخذ بعمومه في تضمين الراكب متمسكين بحديث الرجل جبار مع ضعف رواية، كذا في الفتح. (والبئر) بكسر الموحدة ثم ياء ساكنة
جبار والمعدن جبار وفي الركاز
ــ
مهموزة ويجوز تسهيلها وهي مؤنثة، وقد تذكر على معنى القليب والطوى والجمع أبؤر وآبار بالمد والتخفيف وبهمزتين بينهما موحدة ساكنة (جبار) . وفي رواية لمسلم:"البئر جرحها جبار" قال أبوعبيد: المراد بالبئر هنا العادية القديمة التي لا يعلم لها مالك تكون في البادية فيقع فيها إنسان أو دابة فلا شيء في ذلك على أحد، وكذلك لو حفر بئراً في ملكه أو في موات فوقع فيها إنسان أو غيره، فتلف فلا ضمان إذا لم يكن منه تسبب إلى ذلك ولا تغرير، وكذا لو استأجر إنساناً ليحفر له البئر، فانهارت عليه فلا ضمان. وأما من حفر بئراً في طريق المسلمين وكذا في ملك غيره بغير إذن فتلف بها إنسان فإنه يجب ضمانه على عاقله الحافر والكفارة في ماله، وإن تلف بها غير آدمي وجب ضمانه في مال الحافر ويلتحق بالبئر كل حفرة على التفصيل المذكور (والمعدن) بفتح الميم وكسر الدال أي المكان من الأرض يخرج منه شيء من الجواهر والأجساد، كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص وغير ذلك مأخوذ من عدن بالمكان إذا أقام به يعدن بالكسر عدوناً سمي بذلك لعدون ما أنبته الله فيه قاله الأزهري وقال في القاموس: المعدن كمجلس منبت الجواهر من ذهب ونحوه لإقامة أهله فيه دائماً أو لإثبات الله عزوجل إياه فيه - انتهى. وقيل: أصل المعدن المكان بقيد الاستقرار فيه ثم اشتهر في نفس الأجزاء المستقرة التي ركبها الله تعالى في الأرض يوم خلق الأرض حتى صار الانتقال من اللفظ إليه ابتداء بلا قرينة (جبار) أي هدر وليس المراد أنه لا زكاة فيه، وإنما المعنى إن من حفر معدناً في ملكه أو في موات لاستخراج ما فيه فوقع فيه إنسان أو أنهار على حافره الأجير فهي هدر ولا ضمان فيه. قال الحافظ: وقع في رواية مسلم والمعدن جرحها جبار والحكم فيه ما تقدم في البئر، ولكن البئر مؤنثة والمعدن مذكر فكأنه ذكره بالتأنيث للمواخاة أو لملاحظة أرض المعدن. فلو حفر معدنا في ملكه أو في موات فوقع فيه شخص فمات فدمه هدر، وكذا لو استأجر أجيراً يعمل له فانهار عليه فمات ويلتحق بالبئر والمعدن في ذلك كل أجير على عمل، كمن استوجر على صعود نخلة فسقط منها فمات - انتهى. (وفي الركاز) بكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره زاي من الركز بفتح الراء. قال ابن قدامة:" الركاز المدفون في الأرض، واشتقاقه من ركز يركز مثل غرز يغرز إذا خفي، يقال ركز الرمح إذا غرز أسفله في الأرض ومنه الركز وهو الصوت الخفي قال الله تعالى:{أو تسمع لهم ركزاً} [مريم: 98] وفي القاموس: الركاز ما ركزه الله تعالى في المعادن، أي أحدثه ودفين أهل الجاهلية وقطع الذهب والفضة من المعدن واركز الرجل وجد الركاز والمعدن صارفيه ركاز وارتكز ثبت - انتهى. واعلم أنهم اختلفوا في المراد من الركاز في الحديث فقال مالك والشافعي وأحمد والجمهور. إن الركاز كنز الجاهلية والمدفون في الأرض وليس المعدن بركاز ولا خمس في المعدن بل فيه الزكاة وسيأتي ببيانه في آخر الفصل الثاني من هذا الباب. وقال الحنفية: المعدن ركاز أيضاً فيجب الخمس فيهما. قال ابن الهمام: الركاز يعم المعدن والكنز لأنه من الركز مراداً به المركوز أعم من كون راكزه الخالق والمخلوق فكان
إيجاباً فيهما. وقال الكاساني: المستخرج من الأرض نوعان: أحدهما: يسمى كنزاً وهو المال الذي دفنه بنو آدم في الأرض. والثاني: يسمى معدناً وهو المال الذي خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلق الأرض. والركاز اسم يقع على كل واحد منهما إلا أن حقيقته للمعدن واستعماله للكنز مجازاً. قال في النهر: لا يجوز أن يكون حقيقة في المعدن، مجازاً في الكنز، لامتناع الجمع بينهما بلفظ واحد. وقال في الدر المختار: هو لغة: من الركز أي الإثبات بمعنى المركوز. وشرعاً: مال مركوز تحت أرض أعم من معدن خلقي ومن كنز مدفون دفنه الكفار واحتج الجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم "والمعدن جبار وفي الركاز الخمس، ووجه الاستدلال إنه عطف الركاز على المعدن. وفرق بينهما بواو فاصلة، فعلم إن المعدن ليس بركاز عنده صلى الله عليه وسلم بل هما شيئان متغايران، ولو كان المعدن ركازاً عنده لقال المعدن جبار، وفيه الخمس ولما لم يقل ذلك ظهر أنه غيره لأن العطف يدل على المغايرة. قال الحافظ: والحجة للجمهور التفرقة من النبي صلى الله عليه وسلم بين المعدن والركاز بواو العطف فصح أنه غيره وأجيب عن هذا بأنه لا يرد على الحنفية لأنهم قالوا إن الركاز يعم المعدن والكنز والمغايرة. بين العام والخاص مما لا يخفي، فلو قال فيه الخمس يعلم حكم المعدن دون الكنز، وأيضاً وضع المظهر محل المضمر مما لا ينكر على أنه ورد في رواية للبخاري في الديات، العجماء عقلها جبار والمعدن جبار والبئر جبار وفي الركاز الخمس، فلو قال: وفيه الخمس لحصل الالتباس باحتمال رجوع الضمير إلى البئر. قال ابن التركماني: المعدن هو الركاز فلما أراد أن يذكر له حكماً آخر ذكره بالاسم الآخر وهو الركاز، ولفظ الصحيح في الحديث والبئر جبار وفي الركاز الخمس فلو قال، وفيه الخمس لحصل الالتباس بعود الضمير إلى البئر. وقال في المواهب اللطيفة أخذاً من ابن الهمام: إن المغايرة بينهما إنما حصلت لاختلاف كل منهما في أمر يمتاز به عن الآخر، وذلك إن قوله "المعدن جبار" معنا إن إهلاكه أو الهلاك به للأجير الحافر له غير مضمون، لا أنه لا شيء فيه بنفسه، وإلا لم يجب شيء أصلاً وهو خلاف المتفق عليه (إذا الخلاف إنما هو في كميته لا في أصله) وغاية ما هناك أنه أثبت للمعدن بخصوصه حكماً فنص على خصوص اسمه ثم أثبت له حكماً آخر مع غيره فعبر بالاسم الذي يعمهما ليثبت فيهما فإنه صلى الله عليه وسلم علق الحكم أعنى وجوب الخمس بما يسمى ركازاً فما كان من أفراده وجب فيه - انتهى. وقال بعضهم: احتجاج الجمهور غير صحيح، فإن المراد بالمعدن حفرته فإنه إذا وقع فيها إنسان فلا ضمان فيه، والمراد بالركاز المال الذي في المعدن بأن المال المستخرج منها فيه الخمس، فعلى هذا دلالة العطف صحيحة لأن مدلول أحدهما غير مدلول الآخر فلا حجة فيه للجمهور واحتج الجمهور أيضاً بالركاز في لغة أهل الحجاز هو دفين الجاهلية، ولا شك في أن النبي الحجازي صلى الله عليه وسلم: تكلم بلغة أهل الحجاز وأراد به ما يريدون منه. قال ابن الأثير الجزري:
في النهاية الركاز عند أهل الحجاز كنوز الجاهلية المدفونة في الأرض، وعند أهل العراق المعادن والقولان تحتملها اللغة لأن كلاً منهما مركوز في الأرض أي ثابت، يقال ركزه يركزه ركزاً إذا دفنه وأركز الرجل إذا وجد الركاز. والحديث إنما جاء في التفسير الأول وهو الكنز الجاهلي، وإنما كان فيه الخمس لكثرة نفعه وسهولة أخذه. وقال في جامع الأصول:(ج5 ص481) الركاز عند أهل الحجاز كنز الجاهلية ودفنها لأن صاحبه ركزه في الأرض أي أثبته وهو أهل العراق المعدن، لأن الله ركزه في الأرض ركزاً. والحديث إنما جاء في التفسير الأول منهما وهو الكنز الجاهلي على ما فسره الحسن. وإنما كان فيه الخمس لكثرة نفعه وسهولة أخذه، والأصل فيه إن ما خفت كلفته كثر الواجب فيه، وما ثقلت كلفته قل الواجب فيه - انتهى. وقيل: إنما جعل الركاز الخمس لأنه مال كافر فنزل من وجده منزلة الغنائم فكان له أربعة أخماسه. وقال الزين بن المنير: كان الركاز مأخوذ من أركزته في الأرض إذا غرزته فيها، وأما المعدن فإنه ينبت في الأرض بغير وضع واضع هذه حقيقتهما فإذا افترقا في أصلهما فكذلك في حكمهما كذا في الفتح. واحتج الحنفية بما روى ابن عبد البر في التمهيد والحاكم (ج2 ص65) والبيهقي (ج4 ص155) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: في كنز وجده في خربة جاهلية إن وجدته في قرية مسكونة أو سبيل ميتاء فعرفه، وإن وجدته في خربة جاهلية أو في قرية مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس، وروى أبوعبيد عنه بلفظ: إن المزني قال يا رسول الله فما يوجد في الخرب العادي، قال فيه وفي الركاز الخمس. قال التوربشتي: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: هذا عن المال المدفون ثم عطف عليه الركاز والمعطوف غير المعطوف عليه. وقال أبوعبيد: تبين لنا أن الركاز سوى المال المدفون لقوله فيه وفي الركاز، فجعل الركاز غير المال المدفون، فعلم بهذا أنه المعدن. وقال الكاساني: عطف النبي صلى الله عليه وسلم الركاز على الكنز، والشيء لا يعطف على نفسه هو الأصل فدل على أن المراد منه المعدن وأجيب عن هذا بأنه ورد فيما وجد من أموال الجاهلية ظاهراً فوق الأرض في الطريق غير الميتاء وفي القرية الغير المسكونة، فيكون فيه وفي الركاز الخمس وليس ذلك من المعدن بسبيل. وتعقبه ابن التركماني: بأن الرواية المذكور أولاً تدفع هذا الجواب لأن الكنز على ما ذكره أهل اللغة الجوهري وغيره، هو المال المدفون، وعطف الركاز على الكنز دليل على أن الركاز غير الكنز وأنه المعدن كما يقوله أهل العراق. ورد ذلك بأن الكنز هو المال المجموع بعضه على بعض، سواء كان على ظهر الأرض أو بطنها. قال الراغب: الكنز هو جعل المال بعضه على بعض وحفظه، وأصله من كنزت التمر في الوعاء. وقال ابن جرير: هو كل شيء جمع بعضه على بعض في بطن الأرض أو ظهرها - انتهى. وعلى هذا يصح حمل الحديث المذكور على ما وجد من مال الجاهلية ظاهراً فوق الأرض. واحتج الحنفية أيضاً
الخمس)) .
ــ
بما روى البيهقي وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في الركاز الخمس. قيل وما الركاز يا رسول الله؟ قال الذهب والفضة الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت. وأجيب عنه بأنه تفرد به عبد الله ابن سعيد ضعيف جداً، بل رماه بعضهم بالكذب. واحتجوا أيضاً بتسمية المعدن بالركاز. قال الهروي في كتابه الغريب: الركاز القطع العظام من الذهب والفضة كالجلاميد، واحده ركزة وقدار كز المعدن أنال - انتهى. وقال في القاموس: اركز (الرجل) وجد الركاز والمعدن صار فيه ركاز. وقال الإمام محمد بن الحسن في كتاب الحجج: إنما الركاز وجد في المعادن، وإنما قال: المدفون جعل نظيراً لمال يستخرج من المعدن، هذا أمر لم يكن أرى إن أهل المدينة يخالفونه من كلام العرب، إنما يقال أركز المعدن يعنون أنه استخرج منه مال كثير- انتهى. وقال التوربشتي في شرح المصابيح: قد نقل عن محمد بن الحسن الشيباني وهو مع رسوخه في الفقه يعد من علماء العربية أنه قال: إن العرب تقول أركز المعدن إذا كثر ما فيه من الذهب والفضة - انتهى. وأجيب عنه بأنه لا يلزم من الاشتراك في الاسم الاشتراك في الحكم والمعنى وإلا لوجب على من ربح ربحاً كثيراً الخمس في ربحه، لأنه يقال له أركز ولم يقل به أحد. قال الإمام البخاري في صحيحه: وقال بعض الناس المعدن ركاز مثل دفن الجاهلية، لأنه يقال أركز المعدن إذا أخرج منه شيء قيل له فقد يقال لمن وهب له الشيء أو ربح ربحاً كثيراً أو كثرة ثمره أركزت - انتهى. قال ابن بطال: ما ألزم به البخاري القائل المذكور وحجة بالغة لأنه لا يلزم من الاشتراك في الأسماء الاشتراك في المعنى، إلا إن أوجب ذلك من يجب التسليم له. وقد أجمعوا على أن المال الموهوب لا يجب فيه الخمس، وإن كان يقال له أركز فكذلك المعدن - انتهى. وارجع للتفصيل إلى رفع الالتباس عن بعض الناس والقول الراجح عندنا: هو ما ذهب إليه الجمهور من أن الركاز إنما هو كنز الجاهلية الموضوع في الأرض، وإنه لا يعم المعدن بل هو غيره الله تعالى أعلم (الخمس) فيه دليل على وجوب الخمس في الركاز وهو إجماع العلماء إلا ما حكى عن الحسن البصري. قال ابن قدامة:(ج2 ص17- 18) الأصل في صدقة الركاز ما روى أبوهريرة مرفوعاً العجماء جبار، وفي الركاز الخمس، متفق عليه. وهو أيضاً مجمع عليه. قال ابن المنذر: لا نعلم أحداً خالف هذا الحديث إلا الحسن، فإنه فرق بين ما يوجد في أرض الحرب وأرض العرب فقال: في ما يوجد في أرض الحرب الخمس وفيما يوجد في أرض العرب الزكاة - انتهى. ثم ههنا مسائل لا بد للطالب من الوقوف عليها فلنذكرها مختصراً والبسط في المنتقى للباجي وغيره من كتب الفروع وشروح الحديث. الأولى وأنه لا فرق بين قليل الركاز وكثيره عند الجمهور خلافاً للشافعي في قوله الجديد أنه لا يجب الخمس حتى يبلغ النصاب. قال البخاري في صحيحه قال مالك وابن إدريس: الركاز دفن الجاهلية في قليله وكثيره الخمس. قال الحافظ: قوله في قليله وكثيره
الخمس نقله ابن المنذر عن مالك كذلك، وفيه عند أصحابه عنه اختلاف وهو قول الشافعي في القديم كما نقله ابن المنذر واختاره. وأما في الجديد فقال: لا يجب الخمس يبلغ نصاب الزكاة، والأول قول الجمهور كما نقله ابن المنذر أيضاً وهو مقتضى ظاهر الحديث - انتهى. وقال ابن قدامة:(ج3 ص21) الخمس يجب في قليله وكثيره في قول إمامنا ومالك وإسحاق أصحاب الرأي والشافعي في القديم. وقال في الجديد: يعتبر النصاب فيه لأنه حق مال يجب فيما استخرج من الأرض فاعتبر فيه النصاب كالمعدن والزرع، ولنا عموم الحديث، ولأنه مال مخموس فلا يعتبر له نصاب كالغنيمة. ولأنه مال كافر مظهور عليه في الإسلام فأشبه الغنيمة والمعدن والزرع يحتاجان إلى عمل ونوائب، فاعتبر فيه النصاب تخفيفاً بخلاف الركاز، ولأن الواجب فيهما مواساة فاعتبر النصاب ليبلغ حداً يحتمل المواساة منه بخلاف مسألتنا - انتهى. الثانية قال الحافظ: اتفقوا على أنه لا يشترط فيه الحول بل يجب إخراج الخمس في الحال وأغرب ابن العربي في شرح الترمذي فحكى عن الشافعي الاشتراط ولا يعرف ذلك في شيء من كتبه ولا من كتب أصحابه الثالثة قال ابن قدامة (ج3 ص20) الركاز الذي فيه الخمس هو كل ما كان ما لا على اختلاف أنواعه من الذهب والفضة والحديد والرصاص والصفر والنحاس وغير ذلك، وهو قول إسحاق وأبي عبيد وابن المنذر وأصحاب الرأي وإحدى الروايتين عن مالك وأحد قولي الشافعي والقول الآخر لا تجب إلا في الأثمان. ولنا عموم قوله عليه السلام "وفي الركاز الخمس" ولأنه مال مظهور عليه من مال الكفار فوجب فيه الخمس مع اختلاف أنواعه كالغنيمة - انتهى. قلت: المشهور عند المالكية هو العموم والمذهب عند الشافعية خصوصه بالنقدين، وظاهر الحديث العموم فالراجح هو قول الجمهور. الرابعة قال الحافظ: اختلفوا في مصرفه فقال مالك وأبوحنيفة والجمهور مصرفه مصرف خمس الفيء وهو اختيار المزني. وقال الشافعي: في أصح قوليه مصرف الزكاة وعن أحمد روايتان. وينبني على ذلك ما إذا وجده ذمي فعند الجمهور يخرج منه الخمس وعند الشافعي لا يؤخذ منه شيء - انتهى. وقال ابن قدامة: (ج3 ص121) اختلفت الرواية عن أحمد في مصرفه مع ما فيه من اختلاف أهل العلم. فقال الخرقي: هو لأهل الصدقات ونص عليه أحمد في رواية حنبل فقال: يعطي الخمس من الركاز على مكانه، وإن تصدق على المساكين أجزأه وهذا هو قول الشافعي، لأن علي بن أبي طالب أمر صاحب الكنز أن يتصدق به على المساكين، حكاه الإمام أحمد والرواية الثانية مصرفه مصرف الفيء نقله محمد بن الحكم عن أحمد وهذه الرواية أصح وأقيس على مذهبه، وبه قال أبوحنيفة والمزني لما روى أبوعبيد (ص342) عن هشيم عن مجالد عن الشعبي، إن رجلاً وجد ألف دينار مدفونة خارجاً من المدينة فأتى بها عمر بن الخطاب فأخذ منه الخمس مائتي دينار، ودفع إلى الرجل بقيتها وجعل عمر يقسم المائتين بين من حفرة من المسلمين إلى أن فضل منها فضلة فقال عمر ابن صاحب الدنانير فقام إليه فقال عمر: خذ هذه الدنانير فهي لك ولو
كانت زكاة لخص بها أهلها ولم يرده على واجده، ولأنه يجب على الذمي والزكاة لا تجب عليه ولأنه مال مخموس زالت عنه يد الكافر أشبه خمس الغنيمة - انتهى. الخامسة اختلفوا فيمن يجب عليه الخمس وفي الأربعة الأخماس باعتبار اختلاف الواجد من كونه حراً أو عبداً أو مكاتباً قال ابن قدامة:(ج3 ص22) يجب الخمس على كل من وجده من مسلم وذمي وحر وعبد ومكاتب وكبير وصغير وعاقل ومجنون، إلا أن الواجد له إذا كان عبداً فهو لسيده لأنه كسب مال، وإن كان مكاتباً ملكه وعليه خمسة لأنه بمنزلة كسبه وإن كان صبياً أو مجنوناً فهو لهما ويخرج عنهما وليهما وهذا قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن على الذمى في الركاز يجده الخمس قاله مالك وأهل المدينة والثوري والأوزاعي وأهل العراق وأصحاب الرأي وغيرهم وقال الشافعي: لا يجب الخمس إلا على من تجب عليه الزكاة لأنه زكاة، وقال الثوري والأوزاعي وأبوعبيد: إذا كان الواجد له عبداً يرضخ له منه ولا يعطاه كله، ولنا عموم قوله عليه السلام وفي الركاز الخمس، فإنه يدل بعمومه على وجوب الخمس في كل ركاز يوجد ومفهومه إن باقية لواجده من كان ولأنه مال كافر مظهور عليه فكان فيه الخمس على من وجده وباقية لواجده كالغنيمة ولأنه اكتساب مال فكان لمكتسبة إن كان حراً أو لسيده إن كان عبداً كالاحتشاش والاصطياد - انتهى. السادسة يعرف كون الركاز من دفن الجاهلية بأن ترى عليه علامتهم كأسماء ملوكهم وصورهم وصلبهم وصور أصنامهم ونحو ذلك، واستشكله الرافعي وغيره بأنه لا يلزم من روية علامتهم عليه كونه من دفنهم لاحتمال أنه وجد مسلم كنزاً جاهلياً فكنزه ثانياً. والحكم مدار على كونه من دفن الجاهلية لا على روية علامتهم عليه وأجيب عنه بأن هذا الاحتمال مدفوع بالأصل ولا يخفى ما فيه قالوا فإن كان عليه علامة الإسلام أو اسم النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من خلفاء المسلمين أو وال لهم أو آية من قرآن أو نحو ذلك فهو لقطة لأنه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه فيعرفه الواجد سنة ثم له تملكه إن لم يظهر مالكه. وقيل: هو مال ضائع يمسكه الآخذ للمالك أبداً فلو لم يعرف إن الموجود من ضرب الجاهلية أو الإسلام ففيه للشافعي قولان: أظهرهما أنه ليس بركاز بل هو لقطة على الأصح. والقول الثاني: أنه ركاز في خمس وهو الأصح عند الحنفية: قال صاحب الهداية: ولو اشتبه الضرب يجعل جاهلياً في ظاهر المذهب لأنه الأصل. وقيل: إسلامياً في زماننا لتقادم العهد - انتهى. السابعة ليس في الحديث تعرض لمن يتعاطى إخراج الخمس من الركاز أهو الواجد أو يتعين الفاعل لذلك الإمام أو نائبه. وينبغي أن يقال إن قلنا مصرفه مصرف الزكاة، وأنه يجوز أن يتولى الرجل إخراج زكاته بنفسه فلو أخرجه الواجد له وقع الموقع. وإن قلنا أنه لا يتولى الرجل إخراج زكاته بنفسه أو إن مصرف الزكاة مصرف الفيء فذلك من وظيفة الإمام أو نائبه الذي أقامه لذلك. وقد حكى ابن المنذر عن أبي ثور: أنه لا يسعه أن يتصدق بخمسه فإن فعل ضمنه الإمام وعن أصحاب الرأي أنه يسعه ذلك قال ابن المنذر: وهذا أصح. وقال
متفق عليه.
ــ
ابن قدامة في المغنى: (ج3 ص23) ويجوز أن يتولى الإنسان تفرقة الخمس بنفسه، وبه قال أصحاب الرأي وابن المنذر. لأن علياً أمر واجد الكنز بتفرقة على المساكين قاله الإمام أحمد. ثم قال: ويتخرج أن لا يجوز ذلك لأن الصحيح أنه فئ فلم يملك تفرقته بنفسه كخمس الغنيمة. قال القاضي من الحنابلة: وليس للإمام رد خمس الركاز على واجده لأنه حق مال، فلم يجز رده على من وجب عليه كالزكاة وخمس الغنيمة. وقال ابن عقيل: يجوز لأنه روى عن عمر أنه رد بعضه على واجده، ولأنه فيء فجاز رده أو بعضه على واجده كخراج الأرض وهذا قول أبي حنيفة. الثامنة استدل به الحنفية على وجوب الخمس في المستخرج من المعادن، سواءاً كان ذهباً أو فضة أو غيرهما من معادن الأرض كالحديد والنحاس والرصاص وغيرها بناء على دخول ذلك في إسم الركاز، ولم يعتبروا في ذلك نصاباً ولا حولاً وجعلوا مصرفه مصرف الفيء، وذهب الأئمة الثلاثة والأكثرون إلى أن المعدن لا يدخل تحت اسم الركاز ولا له حكمه. واتفقوا على الإخراج منه في الجملة، وإن مصرف المخرج منه مصرف الزكاة، والمشهور من مذاهبهم اعتبار النصاب فيه دون الحول. ثم اختلفت تفاصيل مذاهبهم في ذلك. فقال الشافعية: إن كان المستخرج من المعدن غير الذهب والفضة فلا زكاة فيه إلا في وجه شاذ، وإن كان أحد النقدين ففيه الزكاة. وفي قدر الواجب ثلاثة أقوال للشافعي أصحها ربع العشر كزكاة النقدين. والثاني: الخمس. والثالث: إن ناله بلا تعب ومؤنة فالخمس وإلا فربع العشر ولم يخص الحنابلة ذلك بالذهب والفضة بل قالوا: بوجوب الزكاة في كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرهما مما له قيمة، إذا بلغ قيمة عشرين مثقالاً من الذهب أو مائتي درهم من الفضة، كالحديد والصفر والنحاس والزئبق والياقوت والزبرجد والبلور والعقيق والسبج والكحل والزاج والزرنيخ والمغرة بل وسعوا ذلك حتى قالوه: في المعادن الجارية كالقار والنفط والكبريت، والحنفية خصوا ذلك بما ينطبع كالحديد والنحاس. قال الحنابلة: والواجب فيه ربع العشر، وخص المالكية ذلك بالنقدين وقالوا إن الواجب ربع العشر إلا ما لا يتكلف فيه إلى عمل ففيه الخمس، واعتبر إسحاق بن راهوية وابن المنذر في زكاة المعدن الحول، وحكى قولاً عن الشافعي وسيأتي مزيد الكلام في ذلك. التاسعة اختلفوا في حكم الركاز باعتبار اختلاف موضعه، وقد بسطه ابن قدامة في المغني (ج3:ص20،18) والباجي في المنتقي (ج2:ص106،105) والكاساني في البدائع (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة وفي الديات ومسلم في الحدود وأخرجه أيضاً أحمد (ج2:ص228-239) ومالك في الزكاة مختصراً وفي الديات مطولاً، والترمذي في الزكاة وفي الأحكام وأبوداود مختصراً في آخر الخراج، والنسائي في الزكاة، وابن ماجه مختصراً في اللقطة، والبيهقي، وأبوعبيد وغيرهم، وفي الباب عن جماعة من الصحابة ذكرهم العيني في شرح البخاري (ج9:ص102،101) والمقصود من ذكر هذا الحديث في هذا الباب هو قوله في الركاز الخمس.