الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{الفصل الثاني}
1814-
(6) عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قد عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا، صدق الرقة من كل أربعين درهماً درهم. وليس في تسعين ومائة شي. فإذا بلغت مائتين، ففيها خمسة دراهم)) . رواه الترمذي وأبوداود.
ــ
1814-
قوله: (قد عفوت عن الخيل والرقيق) أي إذا لم يكونا للتجارة، وفي الخيل السائمة للنسل خلاف تقدم قال السندي: أي تركت لكم أخذ زكاتهما وتجاوزت عنه، هذا لا يقتضى سبق وجوبه ثم نسخه، وقال الطيبي: عفوت مشعر بسبق ذنب من إمساك المال عن الإنفاق أي تركت وجاوزت عن أخذ زكاتهما مشيراً إلى أن الأصل في كل مال أن تؤخذ منه الزكاة - انتهى. وفيه دليل على أنه لا زكاة في الخيل خلافاً للحنفية. فقالوا: المراد بالخيل فيه الخيل المعدة للركوب والغزو بدليل أنه قرن بين الخيل والرقيق والمراد منها عبيد الخدمة، أو المراد عفوت عن إتيانكم بها إلي لأني ما كلفتكم بإحضارها عندي لقلة محالها بالغاية، وإن كانت واجبة فيها فلا تنسوا حق الله في رقابها بل أدوه فيما بينكم وبين الله تعالى - انتهى. ورد الأول. بأن هذه القرينة يبطل دلالتها مع كون دلالة الاقتران ضعيفة أحاديث نفي وجوب الزكاة في الخيل مطلقاً. منها حديث عمر ما فعله صاحباي قبلي فافعله ورد الثاني بأن هذا التأويل خلاف الظاهر وبأن مقتضاه مع قوله فهاتوا صدقة الرقة بعد ذلك، أن يجب إحضار صدقة الرقة عند الإمام ودفعها إليه مع أن زكاة الأموال الباطنة عند الجمهور يجوز لأصحابها أن يصرفوها بأنفسهم في مصارفها (فهاتوا) أي أعطوا من هاتاه مهاتاة أي أعطاه يقال هات يا رجل: أي أعط وهاتي يا امرأة وما أهاتيك أي ما أنا بمعطيك (صدقة الرقة) بكسر الراء وتخفيف القاف أي زكاة الفضة (من كل أربعين درهماً درهم) أي إذا بلغت الدراهم النصاب. وقال الخطابي: هذا تفصيل لجملة قد تقدم بيانها في حديث أبي سعيد الخدري وهو قوله ليس فيما دون خمس أواق شي وتفصيل الجملة لا يناقض الجملة (وليس) يجب (في تسعين ومائة شي) من الزكاة (فإذا بلغت) أي الرقة. وقيل: أي الدراهم (مائتين ففيها خمسة دراهم) أي الواجب فيها خمسة دراهم بعد جولان الحول (رواه الترمذي وأبوداود) من طريق أبي عوانة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي، وأخرجه أيضاً من هذا الطريق أحمد (ج1:ص92-145) والبيهقي (ج4:ص118) وأخرجه النسائي من طريق الأعمش وسفيان الثوري وأحمد (ج1: ص113-114-148) والدارقطني (ص214) من طريق الأعمش عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة مختصراً، وأخرجه ابن ماجه من طريق الثوري وأحمد من طريق حجاج بن أرطاة (ج1:ص121) والثوري (ج1:ص132) وشريك (ج1:ص146) والبيهقي من طريق ابن عيينة والثوري (ج4:ص118)
وفي رواية لأبي داود عن الحارث الأعور عن علي قال زهير: أحسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
ــ
عن أبي إسحاق عن الحرث الأعور عن علي مختصراً أيضاً. قال الترمذي: روى هذا الحديث الأعمش وأبوعوانة وغيرهما عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي، وروى سفيان الثوري وابن عيينة وغير واحد عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: كلاهما عندي صحيح عن أبي إسحاق يحتمل أن يكون عنهما جميعاً- انتهى. وقال الحافظ في الفتح: بعد ذكر حديث علي هذا أخرجه أبوداود وغيره وإسناده حسن (وفي رواية لأبي داود عن الحارث الأعور عن علي) هذه الرواية: أخرجها أبوداود من طريق عبد الله ابن محمد النفيلي نا زهير نا أبوإسحاق عن عاصم بن ضمرة وعن الحارث الأعور عن علي وأخرجها أيضاً البيهقي (ج4:ص93-94-99) والحارث هذا هو الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الحوتي الكوفي أبوزهير وهو ممن اشتهر بصحبة علي بن أبي طالب، وروى عن ابن مسعود وزيد بن ثابت وعنه الشعبي وأبوإسحاق السبيعي وعطاء بن أبي رباح وغيرهم. قال شعبة: لم يسمع أبوإسحاق منه إلا أربعة أحاديث. وكذلك قال العجلي: وزاد وسائر ذلك كتاب أخذه وقد تكلم فيه الأئمة. فقال الشعبي وأبوإسحاق وابن المديني: هو كذاب. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ. وقال ابن حبان: كان الحارث غالباً في التشيع واهياً في الحديث، وقال النسائي: ليس بالقوى. وقال في موضع آخر: ليس به بأس. وكذا قال ابن معين: في رواية الدوري عنه. وقال ابن أبي خيثمة. قيل: ليحيى يحتج بالحارث. فقال: مازال المحدثون يقبلون حديثه. وقال ابن عبد البر: لم يبين من الحارث كذبه وإنما نقم عليه إفراطه في حب علي. وقال أحمد بن صالح المصري الحارث الأعور: ثقة ما أحفظه وما أحسن ما روى عن علي وأثنى عليه. قيل له فقد قال الشعبي: كان يكذب. قال: لم يكن يكذب في الحديث إنما كان كذبه في رأيه. وقال ابن أبي داود: كان الحارث أفقه الناس وأحسب الناس وأفرض الناس تعلم الفرائض من علي. وقال الذهبي والنسائي: مع تعنته في الرجال قد احتج به وقوى أمره والجمهور على توهين أمره مع روايتهم لحديثه في الأبواب هذا الشعبي يكذبه ثم يروي عنه. والظاهر أنه كان يكذب في لهجته وحكاياته لا في الحديث النبوي: قال الحافظ: لم يحتج به النسائي. وإنما أخرج له في السنن حديثاً واحداً مقروناً بابن ميسرة وآخر في اليوم والليلة متابعة هذا جميع ماله عنده. وقال في التقريب: رمى بالرفض وفي حديثه ضعف مات في خلافة ابن الزبير سنة (65)(قال زهير) بالتصغير وهو زهير بن معاونة بن حُديج أبوخيثمة الجعفي الكوفي نزيل الجزيرة ثقة ثبت إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بآخره. قال أحمد: زهير فيما روى عن المشائخ ثبت بخ بخ وفي حديثه عن أبي إسحاق لين سمع منه بآخره. وقال أبوزرعة: ثقة إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط مات في رجب سنة (172) أو (173) أو (174) وكان مولده سنة مائة (أحسبه) أي أظن هذا الحديث مروياً (عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه) أي النبي صلى الله عليه وسلم (قال) يعني قال زهير: أظن أباإسحاق. قال: في حديثه بعد قوله عن
((هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهماً درهم، وليس عليكم شيء، حتى تتم مائتي درهم. فإذا كانت مائتي درهم، ففيها خمسة دراهم، فما زاد فعلى حساب ذلك.
ــ
علي رضي الله عنه "عن النبي صلى الله عليه وسلم " وهذا يدل على أن زهيراً شك في رفعه قال الزيلعي: (ج2 ص353، 360، 365، 366) ورواه الدارقطني في سننه مجزوماً به ما ليس فيه. وقال زهير: وأحسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن القطان: إسناده صحيح وكل من فيه ثقة معروف ولا أعنى رواية الحارث وإنما أعنى رواية عاصم - انتهى كلامه. قال الزيلعي: وهذا منه توثيق لعاصم - انتهى. قلت: لم أجد حديث زهير هذا بهذا السياق الطويل الآتي في الدارقطني في مظانة إلا ما في باب ليس في العوامل صدقة (ص204) فإنه هناك مجزوم برفعه ولكن متنه مختصر جداً، فإنه اقتصر على الجملة بلفظ: ليس في البقر العوامل شيء (هاتوا) أي في كل حول (ربع العشر) وفي أبي داود ربع العشور أي من الفضة وبيانه (من كل أربعين درهماً) نصب على التمييز (درهم) بالرفع على الابتداء وفي بعض نسخ أبي داود درهماً، أي بالنصب على المفعولية (وليس) يجب (عليكم شيء) أي من الزكاة (حتى تتم) بالتأنيث أي تبلغ الرقة (مائتي درهم) قال الطيبي: نصبه على الحالية أي بالغة مائتين كقوله تعالى: {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} [الأعراف: 142](فإذا كانت) أي الرقة (مائتي درهم) أي وزنها (ففيها) أي حينئذٍ (خمسة دراهم فما زاد) أي على مائتي درهم (فعلى حساب ذلك) أي تجب الزكاة في الزائد على النصاب بقدره قل أو كثر حتى إذا كانت الزيادة درهماً يجب فيها جزء من أربعين جزءاً من درهم. وفيه دليل على أنه لا وقص في نصاب الفضة فيخرج عما زاد على المائتي درهم بحسابه ربع العشر قلت الزيادة أو كثرت. وكذا فيما زاد على العشرين ديناراً في الذهب وهو قول أكثر أهل العلم، روى هذا عن علي وابن عمر، وبه قال عمر بن عبد العزيز والنخعي والثوري وابن أبي ليلى وأبويوسف ومحمد بن الحسن وأبوعبيد وأبوثور وابن المنذر، وهو قول مالك والشافعي وأحمد. وروى عن الحسن البصري والشعبي ومكحول وسعيد بن المسيب والأوزاعي وعطاء والزهري وعمرو بن دينار إنهم قالوا: لا شيء في زيادة الدراهم حتى تبلغ أربعين، ولا في زيادة الدنانير حتى تبلغ أربعة دنانير. وبه قال أبوحنيفة. واحتج أهل هذا القول بما روى الدارقطني (ص200) والبيهقي (ج4 ص135) من طريق ابن إسحاق عن المنهال بن الجراح عن حبيب بن نجيح عن عبادة بن نُسي عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره حين وجهه إلى اليمن أن لا تأخذ من الكسور شيئاً، إذا كانت الورق مائتي درهم فخذ منها خمسة دراهم، ولا تأخذ مما زاد شيئاً حتى تبلغ أربعين درهماً، فإذا بلغت أربعين فخذ منها درهماً. قال الدارقطني: المنهال بن الجراح متروك الحديث واسمه الجراح بن المنهال وكان ابن إسحاق يقلب اسمه إذا روى عنه وعبادة لم يسمع من معاذ - انتهى. وقال ابن حبان: المنهال بن الجراح كان يكذب. وقال عبد الحق: كذاب. وقال أبوحاتم: متروك الحديث واهية، لا يكتب حديثه. وقال البيهقي: إسناد
هذا الحديث ضعيف جداً. واحتجوا أيضاً بما روى من طريق الحسن بن عمارة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: هاتوا ربع العشر من كل مائتي خمسة دراهم، ومن كل عشرين ديناراً نصف دينار، وليس في مائتي درهم شيء حتى يحول عليها الحول. فإذا حال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، فما زاد ففي كل أربعين درهماً درهم ذكره ابن حزم في المحلى. (ج6 ص61) والحسن بن عمارة متروك فالحديث ضعيف جداً، واحتجوا أيضاً بما روى الحاكم (ج1 ص395) والبيهقي (ج4 ص89) والطبراني وغيرهم من حديث عمرو ابن حزم الطويل وفيه " في كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم وما زاد ففي كل أربعين درهماً درهم" وهذا حديث سنده جيد، وإن تكلم عليه ابن التركماني في الجوهر النقي، وأجيب عنه بأن غاية ما فيه إن في أربعين درهماً زائد درهم، ولا ينكره أهل القول الأول، وليس فيه إسقاط الزكاة عن أقل من أربعين زائدة على المائتين، أي ليس فيه أن لا زكاة فيما بين المأتين وبين الأربعين فلا يترك به منطوق حديث الباب. واحتجوا أيضاً بما روى ابن أبي شيبة عن الحسن البصري. قال: كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري فيما زاد على المائتين ففي كل أربعين درهماً درهم. وروى أبوعبيد في الأموال (ص422) من طريق يحيى بن أيوب عن حميد عن أنس قال: ولاني عمر بن الخطاب الصدقات فأمرني أن آخذ من كل عشرين ديناراً نصف دينار، وما زاد فبلغ أربعة دنانير ففيه درهم وإن آخذ من مائتي درهم خمسة دراهم فما زاد فبلغ أربعين درهماً ففيه درهم. وأجيب عن الأول. بأنه منقطع فإن الحسن لم يولد إلا لسنتين باقيتين من خلافة عمر. وعن الثاني: بما قال أبوعبيد (ص423) قد يحتمل قول عمر أن يكون إنما أراد أن يفهم الناس الحساب وأن يعلمهم إن في كل أوقية درهماً، وهو مع هذا يرى إن ما زاد على المائتين وعلى عشرين ديناراً ففيه الزكاة بالحساب - انتهى. واحتجوا أيضاً بأن له عفواً في الابتداء فكان له عفو بعد النصاب كالماشية وأجيب عنه بأن الماشية يشق تشقيصها بخلاف الأثمان. واستدل أهل القول الأول بحديث الباب وهو حديث صحيح أو حسن وله طرق ذكرها الزيلعي، وأجاب عنه أهل القول الثاني بأنه محمول على أن يكون الزائد على المائتين هو الأربعين جمعاً بين الأحاديث ولا يخفى ما فيه. واستدلوا أيضاً بما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم. "ليس فيما دون خمس أواق صدقة" قال أبوعبيد:(ص424) القول الأول هو المعمول به عندنا والذي عليه الجمهور الأعظم من المسلمين ومع اجتماعهم عليه أنه موافق لتأويل الحديث المرفوع. قال: ألا ترى! أنه صلى الله عليه وسلم حين أخبر إن ليس في أقل من خمس أواق شيء، قد جعل الخمس حداً فاصلاً فيما بين ما تجب فيه الصدقة وبين ما لا تجب. فتبين لنا بقوله هذا إن الزائد على الخمس سواء قليله أو كثيره. وإن الزكاة واجبة فيه إذ لم يذكر بعد الخمس وقتاً آخر كتوقيته في الماشية حين قال: في كل خمس شاة وفي كل عشر شاتان، فجعل صدقة
وفي الغنم في كل أربعين شأة، شأة، إلى عشرين ومائة، فإن زادت واحدة، فشأتان إلى مائتين. فإن زادت، فثلاث شياه إلى ثلاث مائة. فإذا زادت على ثلاثمائة، ففي كل مائة شأة. فإن لم تكن إلا تسع وثلاثون، فليس عليك فيها شيء.
ــ
الماشية خاصة مراتب بعضها فوق بعض وألغى ما بينهما، وجعل الصامت وما تخرج الأرض كله بمنزلة واحدة، إذا بلغت الخمس فصاعداً. ثم شرحه علي وابن عمر وإبراهيم وعمر بن عبد العزيز بقولهم وما زاد فبالحساب. وقال الخطابي في المعالم:(ج2 ص14) في قوله ليس فيما دون خمس أواق صدقة دليل على أن ما زاد على المائتين، فإن الزكاة تجب فيه بحسابه لأن في دلالته إيجاباً في الخمس الأواقي وفيما زاد عليه، وقليل الزيادة وكثيرها سواء في مقتضى الاسم ولا خلاف في أن فيما زاد على الخمسة الأوسق من التمر صدقة قلت الزيادة أو كثرت. وقد اسقط النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة عن الخمسة الأوسق كما أسقطها عما نقص عن الخمس الأواق، فوجب أن يكون حكم ما زاد على الخمس الأواقي من الورق حكم الزيادة على الخمسة الأوسق لأن مخرجهما في اللفظ مخرج واحد- انتهى. واستدل ابن حزم لذلك بما تقدم من قوله عليه السلام في كتاب أبي بكر الصديق وفي الرقة ربع العشر الخ. قال ابن حزم: أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة في الرقة ربع العشر عموماً لم يخص عن ذلك شيئاً إلا ما كان أقل من خمس أواقي فبقي ما زاد على ذلك على وجوب الزكاة فيه، فلا يجوز تخصيص شيء منه أصلاً - انتهى. واستدل لذلك أيضاً بما روى أبوعبيد (ص420) وعبد الرزاق عن علي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة (ج3 ص7) وأبوعبيد (ص421) عن ابن عمر قالا في كل مائتي درهم خمسة دراهم وما زاد فبالحساب، وهذا القول هو الراجح المعول عليه المعول به عندنا والله تعالى أعلم. (في كل أربعين) بدل من في الغنم بإعادة الجار (شأة) قال القاري: تمييز للتأكيد كما في قوله تعالى: {ذرعها سبعون ذراعاً} [الحاقة: 32] . قال الطيبي: وليس شاة ههنا تمييزاً مثله في قوله في كل أربعين درهماً درهم، لأن درهماً بيان مقدار الواحد من أربعين ولا يعلم هذا من الرقة فيكون شاة هنا لمزيد التوضيح ونظر فيه ابن حجر (شأة) مبتدأ مؤخر "وفي الغنم" خبره. قال القاري: ثم الظاهر إن لفظ "كل" زائدة، أو المراد بها استغراق أفراد الأربعين ليفيد تعلق الزكاة بكل من أربعين أو الواجب شاة مبهمة. والحاصل إنها ليست مثلها في كل أربعين درهماً درهم، وإلا لفسد المعنى إذ لا تتكر الزكاة هنا بتكرر الأربعين إجماعاً ثم لا شيء فيما زاد على الأربعين. (إلى عشرين ومائة فإن زادت واحدة فشأتان إلى مائتين فإن زادت) أي واحدة أو الغنم على مأتين (فثلاث شياه إلى ثلاث مائة فإذا زادت) أي الشأة (على ثلاث مائة) مائة أخرى لا ما دونها (ففي كل مائة شاة فإن لم تكن) بالتأنيث وفي أبي داود فإن لم يكن بالتذكير (إلا تسع وثلاثون) من الغنم (فليس عليك فيها شيء) لأنها لم تبلغ النصاب، وليس في هذا الحديث عند أبي داود ما ذكر المصنف من سياق صدقة الغنم فإن أباداود لم يذكر سياقه بل أحاله
وفي البقر في كل ثلاثين تبيع، وفي الأربعين مسنة)) .
ــ
على حديث الزهري ولفظه "وفي الغنم في كل أربعين شاة شأة فإن لم يكن إلا تسع وثلاثون فليس عليك فيها شيء" وساق صدقة الغنم مثل الزهري - انتهى. أي وساق أبوإسحاق صدقة الغنم كما تقدم في حديث سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن أبيه (وفي البقر) اسم جنس للمذكر والمؤنث إشتقت من بقرت الشيء إذا شققته، لأنها تبقر الأرض بالحراثة. وفيه دليل على وجوب الزكاة في البقر، قال ابن قدامة:(ج2 ص591) صدقة البقر واجبة بالسنة والإجماع. أما السنة فما روى أبوذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمن فتنطحه بقرونها الحديث. وقد تقدم في أوائل الزكاة ثم ذكر ابن قدامة حديث معاذ الآتي وحديثاً آخر له عن مسند الإمام أحمد. ثم قال: وأما الإجماع فلا أعلم اختلافاً في وجوب الزكاة في البقر. وقال أبوعبيد: (ص379) لا أعلم الناس يختلفون فيه اليوم (في كل ثلاثين) أي بقراً (تبيع) هو ما تم له الحول من ولد البقر وطعن في السنة الثانية سمي به، لأنه فطم عن أمه فهو يتبعها وتجزيء عنه تبيعة بل أولى للأنوثة (وفي الأربعين) من البقر (مسنة) هي التي استكملت سنتين وطعنت في الثالثة وهي الثنية وسميت بذلك لأنها طلعت سنها والاقتصار على المسنة يدل على أنه لا يجزيء المسن ولكن أخرج الطبراني عن ابن عباس مرفوعاً في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسن أو مسنة. قال الهيثمي: وفيه ليث ابن أبي سليم وهو ثقة لكنه مدلس - انتهى. وهذا يدل على أنها لا تتعين الأنوثة في البقر بخلاف الإبل، وسيأتي مزيد من الكلام عليه في شرح الحديث الذي يليه. والحديث دليل على أن نصاب الزكاة في البقر ما ذكر فيه. قال ابن عبد البر: في الاستذكار لا خلاف بين العلماء إن السنة في زكاة البقر ما في حديث معاذ الآتي وإنه النصاب المجمع عليه فيها - انتهى. وفيه دلالة على أنه لا يجب فيما دون الثلاثين شيء وفيه خلاف الزهري. فقال: يجب في كل خمس شاة قياساً على الإبل. وأجاب الجمهور بأن النصاب لا يثبت بالقياس وبأنه قد روى (النسائي) ليس فيما دون ثلاثين من البقر شيء وهو وإن كان مجهول الإسناد فمفهوم حديث معاذ يؤيده كذا في سبل السلام. وقال ابن قدامة: لا زكاة فيما دون الثلاثين من البقر في قول جمهور العلماء، وحكى عن سعيد بن المسيب والزهري أنهما قالا: في كل خمس شاة لأنها عدلت الإبل في الهدى والأضحية فكذلك في الزكاة، ولنا ما تقدم من الخبر، ولأن نصب الزكاة إنما ثبتت بالنص والتوقيف وليس فيما ذكراه نص ولا توقيف فلا يثبت وقياسهم فاسد فإن خمساً وثلاثين من الغنم تعدل خمساً من الإبل في الهدى ولا زكاة فيها- انتهى. ثم قال ابن حجر: ولا شيء فيما زاد على الأربعين حتى تبلغ سنتين ففيها تبيعان ثم يتغير الفرض بزيادة عشر فعشر، ففي كل أربعين مسنة وفي كل ثلاثين تبيع - انتهى. وقال الخطابي في المعالم:(ج2 ص30) في الحديث دليل على أن البقر إذا زادت على الأربعين لم يكن فيها شيء حتى تكمل ستين، ويدل على صحة ذلك ما روى عن معاذ أنه أتى بوقص البقر فلم يأخذه، ومذهب أبي حنيفة إن ما
وليس على العوامل شيء.
1815-
(7) وعن معاذ، أن النبي صلى الله عليه وسلم:((لما وجهه إلى اليمن، أمره أن يأخذ من البقرة، من كل ثلاثين تبيعاً، أو تبيعة. ومن كل أربعين مسنة)) .
ــ
زاد على الأربعين فبحسابه - انتهى. وسيأتي تفصيل الكلام عليه في شرح الحديث الذي يليه. (وليس على العوامل شيء)"على" بمعنى في أو التقدير على صاحب العوامل وعند الدارقطني في حديث عاصم ليس في البقر العوامل شيء، وفي حديث الحارث ليس على البقر العوامل شيء وهي جمع عاملة وهي التي يستقي عليها ويحرث وتستعمل في الاشتغال. وفيه دليل على أنه لا يجب في البقر العوامل شيء ولو بلغت نصاباً، وظاهره سواء كانت سائمة أو معلوفة وقد ثبتت شرطية السوم في الغنم في حديث أبي بكر المتقدم. وفي الإبل في حديث بهز عند أبي داود والنسائي. قال الدميري: وألحقت البقر بهما. قال ابن قدامة: لا زكاة في غير السائمة من البقر في قول الجمهور وحكى عن مالك إن في العوامل والمعلوفة صدقة كقوله في الإبل وقد تقدم الكلام معه، ثم ذكر حديث عليه هذا وما روى في نفي الصدقة عن البقر العوامل من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً، ومن آثار الصحابة كعلي ومعاذ وجابر. قال ولأن صفة النماء معتبرة في الزكاة ولا يوجد إلا في السائمة - انتهى. وحديث على هذا أخرجه ابن عدي في الكامل عن زيد بن حبان الكوفي عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هاتوا ربع العشور من كل أربعين درهماً درهم، وما زاد فبحساب ذلك- انتهى. ولين زيد بن حبان. وقال: لا أرى برواياته بأساً - انتهى.
1815-
قوله: (وعن معاذ) بضم الميم (وجهه) أي بعثه (إلى اليمن) عاملاً على الزكاة وغيرها (من البقر) وفي بعض النسخ من البقر كما في أبي داود والنسائي والدارمي والتاء في بقرة للوحدة لا للتأنيث فيقع على الذكر والأنثى والمراد الجنس (تبيعاً أو تبيعة) فيه أنه مخير بين الأمرين (ومن كل أربعين مسنة) يعني أو مسناً كما تقدم في حديث ابن عباس عند الطبراني. واختلف العلماء فيه، فذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد إلى أنه لا يجزيء فيها المسن أي الذكر، وقال أبوحنيفة: ذكورها وإناثها في الصدقة سواء. قال في المبسوط: لا فرق بين الذكر والإناث في زكاة البقر بخلاف الإبل فإنه لا يؤخذ منها إلا الإناث، وذلك لتقارب ما بين الذكور والإناث في الغنم والبقر وتباين ما بينهما في الإبل - انتهى. وقال ابن قدامة:(ج2 ص593) لا يخرج الذكر في الزكاة أصلاً إلا في البقر فإن ابن اللبون ليس بأصل، إنما هو بدل عن ابنة مخاض. ولهذا لا يجزيء مع وجودها وإنما يجزيء الذكر في البقر عن الثلاثين وما تكرر منها كالستين والسبعين، وما تركب من الثلاثين
وغيرها كالسبعين فيها تبيع ومسنة والمائة فيها مسنة وتبيعان، وإن شاء أخرج مكان الذكور إناثاً لأن النص ورد بهما جميعاً، فأما الأربعون وما تكرر منها كالثمانين فلا يجزيء في فرضها إلا الإناث إلا أن يخرج عن المسنة تبيعين فيجوز، وإذا بلغت البقر مائة وعشرين اتفق الفرضان جميعاً فيخير رب المال بين إخراج ثلاث مسنات، أو أربع أتبعه، والواجب أحدهما أيهما شاء، والخيرة في الإخراج إلى رب المال. وهذا التفصيل فيما إذا كان فيها إناث فإن كانت كلها ذكوراً أجزأ الذكر فيها بكل حال، ويحتمل أنه لا يجزئه إلا إناث في الأربعينات. لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على المسنات في حديث معاذ عند أحمد فيجب إتباع مورده فيكلف شراءها والأول. أولى لأننا أجزنا المذكر في الغنم مع أنه لا مدخل له في زكاتها مع وجود الإناث، فالبقر التي للذكر فيها مدخل أولى انتهى. قلت: والراجح عندي أنه يجزيء المسن عن الأربعين لحديث ابن عباس المتقدم والله تعالى أعلم. هذا وقد اختلفوا فيما زاد على الأربعين فذهب أكثر أهل العلم، ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد وأبويوسف ومحمد والثوري والنخعي والشعبي والحسن وإسحاق وأبوعبيد وطاووس وعمر بن عبد العزيز والليث وأبوثور، لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين فإذا بلغتها ففيها تبيعان إلى تسع وستين، فإذا بلغت سبعين ففيها مسنة وتبيع، ثم هكذا أبداً لا شيء فيها حتى تبلغ عشراً زائدة، فإذا بلغتها ففي كل ثلاثين من العدد تبيع وفي كل أربعين مسنة. وقال أبوحنيفة في الرواية المشهورة عنه: فيما زاد على الأربعين بحسابه في كل بقرة ربع عشر مسنة، وهكذا إلى ستين فراراً من جعل الوفص تسعة عشر وهو مخالف لجميع أوقاصها فإن جميع أوقاصها عشرة عشرة، فإذا بلغت الستين ففيها تبيعان ثم لا شيء فيها إلا في كل عشرة زائدة. قال في الهداية: إذا زادت على أربعين وجب في الزيادة بقدر ذلك إلى ستين عند أبي حنيفة، ففي الواحدة ربع عشر مسنة وهكذا وهو رواية الأصل، لأن العفو ثبت نصاً بخلاف القياس ولا نص ههنا. وروى الحسن عن أبي حنفية أنه لا يجب في الزيادة شيء حتى تبلغ خمسين، ثم فيها مسنة وربع مسنة أو ثلث تبيع لأن مبني هذا النصاب على أن يكون بين عقدين وقص وفي كل عقد واجب. وقال أبويوسف ومحمد: لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين وهو رواية عن أبي حنيفة. قال العيني: وبه قال مالك والشافعي وأحمد: وفي المحيط هو أوفق الروايات عن أبي حنفية وفي جوامع الفقه هو المختار - انتهى. قلت: وهو القول الراجح المعول عليه عندنا لما روى أحمد (ج5 ص240) والطبراني من طريق ابن وهب عن حيوة بن شريح عن يزيد بن أبي حبيب عن سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم إن معاذاً قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصدق أهل اليمن وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعاً، ومن كل أربعين مسنة. قال: فعرضوا علي أن آخذ ما بين الأربعين والخمسين وبين الستين والسبعين، وما بين الثمانين والتسعين فأبيت ذاك. وقلت لهم حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقدمت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم -
فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعاً ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين ومن السبعين مسنة وتبيعاً، ومن الثمانين مسنتين ومن التسعين ثلاث أتبعة، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعاً، ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات، أو أربعة أتبعه. قال: وأمرني أن لا أخذ فيما بين ذلك شيئاً إلا أن تبلغ مسنة أو جذعاً وزعم إن الأوقاص لا فريضة فيها - انتهى. قال ابن قدامة: (ج2 ص593) هذا صريح في محل النزاع وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة، يدل على أن الاعتبار بهذين العددين، ولأن البقر أحد بهيمة الأنعام، ولا يجوز في زكاتها كسر كسائر الأنواع، ولا ينقل من فرض فيها إلى فرض بغير وقص كسائر الفروض، ولأن هذه زيادة لا يتم بها أحد العددين فلا يجب فيها شيء كما بين الثلاثين والأربعين، وما بين الستين والسبعين. ومخالفة قول أبي حنيفة المشهور للأصول أشد من الوجوه التي ذكرناها على أن أوقاص الإبل والغنم مختلفة، فجاز الاختلاف ههنا - انتهى. قلت: حديث معاذ المذكور أخرجه أبوأحمد ابن زنجوية في كتاب الأموال، من طريق بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم. وأخرجه أيضاً أبوعبيد في الأموال (ص383) من هذا الطريق، إلا أنه قال عن سلمة بن أسامة إن معاذ بن جبل قال بعثني الخ ولم يذكر يحيى بن الحكم. ونقل الزيلعي عن صاحب التنقيح أنه قال: هذا أي حديث معاذ المذكور حديث فيه إرسال، وسلمة بن أسامة ويحيى بن الحكم غير المشهورين ولم يذكرهما ابن أبي حاتم في كتابة - انتهى. واعترض بعض العلماء على هذا الحديث بأن معاذاً لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه من اليمن، بل توفي عليه السلام قبل قدوم معاذ من اليمن. قلت: اختلفت الروايات في قدوم معاذ على النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن بعد أن أرسله، ففي رواية مالك من طريق طاووس عن معاذ فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يقدم معاذ، وهذا منقطع طاووس لم يدرك معاذاً. وفي حديث ابن مسعود عند الحاكم (ج3 ص272) وقد صححه كان معاذ شاباً سمحاً فلم يزل يدَّان حتى أغرق ماله الحديث في تأمير النبي صلى الله عليه وسلم له على اليمن، وفيه فلم يزل فيها حتى توفي النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رجع معاذ فوافي عمر بمكة أميراً على الموسم وعن كعب بن مالك نحوه (ج3 ص273) وصححه أيضاً وعن جابر بمعناه (ج3 ص274) وسكت عنه. وروى ابن سعد من طريق أبي وائل استعمل النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً على اليمن فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبوبكر ومعاذ باق باليمن ويعارض هذه الأحاديث ما روى الدارقطني (ص202) والبيهقي (ج4 ص99) والبزار وابن حزم (ج6 ص6) من حديث بقية عن المسعودي عن الحكم عن طاووس عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن الحديث. وفيه فلما رجع سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه يعني الوقص فقال: ليس فيها شيء، تفرد به بقية عن المسعودي والمسعودي قد اختلط، وتابعه الحسن بن عمارة عن الحكم، والحسن بن عمارة متروك. وما روى أبويعلى
رواه أبو داود والترمذي والنسائي والدارمي.
ــ
وغيره بإسناد فيه ضعف، من طريق صهيب إن معاذاً لما قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن سجد له. فقال ما هذا يا معاذ: إني وجدت اليهود والنصارى يسجدون لعظمائهم، وقالوا هذه التحية أنبياءنا قال صلى الله عليه وسلم: كذبوا على أنبياءهم الحديث. وأخرج أحمد من وجه آخر (ج5:ص227) نحوه ذكر هذه الأحاديث المتعارضة الزيلعي في نصب الراية، والحافظ في الدراية: وسكتا عن الترجيح أو الجمع. وقال القاري: بعد ذكر هذه الروايات، ولعل الجمع بتعدد الواقعة. وقال الحافظ في الفتح: اتفقوا على أن معاذاً لم يزل على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر ثم توجه إلى الشام فمات بها. وقال في الإصابة في ترجمته: قدم من اليمن في خلافة أبي بكر وكانت وفاته بالطاعون في الشام سنة سبع عشرة أو التي بعدها وهو قول الأكثر- انتهى. (رواه أبوداود والترمذي والنسائي والدارمي) واللفظ لأبي داود وأخرجه أيضاً أحمد (ج5:ص230) وابن ماجه وابن حبان والحاكم (ج1:ص398) والدارقطني (ص203) والبيهقي (ج4:ص98) كلهم من طريق الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ، وصححه ابن حبان والحاكم وأقره الذهبي وحسنه الترمذي. وقال ابن عبد البر: في التمهيد ولاستذكار إسناده متصل صحيح ثابت وكذا قال ابن بطال كما في الفتح. وأعله عبد الحق في أحكامه فقال مسروق لم يلق معاذاً. وقال الحافظ في الفتح: في الحكم بصحته نظر، لأن مسروقاً لم يلق معاذاً، وإنما حسنه الترمذي لشواهده وبالغ ابن حزم في المحلي (ج6:ص11) أولاً في تقرير إن هذا الحديث منقطع ثم استدركه في آخر المسألة، ورجع عن رأيه هذا حيث قال:(ج6:ص16) وجدنا حديث مسروق إنما ذكر فيه فعل معاذ باليمن في زكاة البقر، وهو بلا شك قد أدرك معاذاً وشهد حكمه وعمله المشهور المنتشر، فصار نقله لذلك، ولأنه عن عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نقلاً عن الكافة عن معاذ بلا شك فوجب القول به - انتهى. وقال ابن القطان: لا أقول إن مسروقاً سمع من معاذ إنما أقول إنه يجب على أصولهم أن يحكم بحديثه عن معاذ، بحكم حديث المتعاصرين الذين لم يعلم انتفاء اللقاء بينهما، فإن الحكم فيه أن له بالاتصال عند الجمهور. وشرط البخاري وابن المديني أن يعلم إجتماعهما ولو مرة واحدة، فهما إذا لم يعلما لقاء أحدهما للآخر لا يقولون في حديث أحدهما عن الآخر منقطع، إنما يقولان لم يثبت سماع فلان من فلان فإذن ليس في حديث المتعاصرين إلا رأيان أحدهما: أنه محمول على الاتصال. والآخر أن يقال لم يعلم اتصال ما بينهما. فأما الثالث وهو أنه منقطع فلا - انتهى. وقال الأمير اليماني: وأجيب عن دعوى الانقطاع بأن مسروقاً همداني النسب من وداعة يماني الدار، وقد كان في أيام معاذ باليمن فاللقاء ممكن بينهما، فهو محكوم باتصاله على رأي الجمهور- انتهى. قلت: فالاحتجاج بحديث مسروق عن معاذ هذا تام صحيح على رأي الجمهور، وعلى ما وجه ابن حزم هذا. وقد أشار الترمذي وأبوداود إلى اختلاف
1816-
(8) وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المعتدي في الصدقة، كمانعها)) .
ــ
في وصله. قال الترمذي بعد تحسينه: وروى بعضهم هذا الحديث عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق أن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا أي المرسل أصح أي من رواية مسروق عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا رجح الدارقطني في العلل الرواية المرسلة، وهذه الرواية المرسلة أخرجها ابن أبي شيبة (ج3:ص12) وأبوعبيد (ص378) بسنديهما. قلت: والحديث له طرق أخرى وشواهد قد اعتضد بعضها ببعض، فمنها: عن أبي وائل عن معاذ وهي عند أحمد (ج5: ص233-247) وأبي داود والنسائي. ومنها: عن إبراهيم النخعي عن معاذ، وهي عند النسائي والدارمي والبيهقي. ومنها: عن إبراهين النخعي عن مسروق عن معاذ، وهي عند أبي داود والنسائي والدارقطني والبيهقي. ومنها: عن طاووس عن معاذ، وهي في موطأ مالك. قال في الإمام: ورواية إبراهيم عن معاذ منقطعة بلا شك، ورواية طاووس عن معاذ كذلك قال الشافعي وطاووس عالم بأمر معاذ، وإن كان لم يلق لكثرة من لقيه مما أدرك معاذاً وهذا مما لا أعلم من أحد فيه خلافاً - انتهى. وقال البيهقي: طاووس وإن لم يلق معاذاً إلا أنه يماني وسيرة معاذ بينهم مشهورة - انتهى. ومنها: عن يحيى بن الحكم عن معاذ، وهي عند أحمد وقد تقدم. وأما الشواهد. فمنها: حديث ابن مسعود عند الترمذي وابن ماجه والبيهقي وهو منقطع، ورواه ابن الجارود في المنتقي موصولاً. ومنها: حديث طاووس عن ابن عباس عند الدارقطني والبيهقي والبزار وابن حزم وهو ضعيف. وتقدم الإشارة إليه، ولابن عباس حديث آخر عند الطبراني والدارقطني، من طريق ليث عن مجاهد وطاووس عن ابن عباس. وقد تقدم الإشارة إليه أيضاً. ومنها: حديث أنس عند البيهقي (ج4:ص99) واختلف في وصله ورجح الدارقطني الإرسال. ومنها: حديث عمرو بن حزم الطويل عند الحاكم والبيهقي والطبراني. ومنها: حديث علي الذي قبل هذا الذي نحن في شرحه.
1816-
قوله: (المعتدي في صدقة كمانعها) الاعتداء مجاوزة الحد، فيحتمل أن يكون المراد به المالك الذي يعتدى بإعطاء الزكاة غير مستحقيها أي يعطيها في غير المصرف، أو الذي يجاوز الحد في الصدقة بحيث لا يبقى لعياله شيئاً، أو الذي يعتدى بكتم بعضها أو وصفها على الساعي حتى أخذ منه مالاً يجزئه، أو ترك عنه بعض ما هو عليه كمانعها من أصلها في الإثم. أو المراد الساعي الذي يأخذ أكثر وأجود من الواجب، لأنه إذا فعل ذلك سنة فصاحب المال يمنعه في السنة الأخرى، فيكون سبباًً للمنع فشارك المانع في إثم المنع. قال المظهر: يعني العامل الذي يأخذ في الزكاة أكثر من القدر الواجب، ويظلم أرباب الأموال هو في الوزر كالذي لا يعطي الزكاة، ويظلم الفقراء بمنع الزكاة عنهم، وكذلك العامل يظلم أرباب الأموال بأخذ الزيادة منهم - انتهى. وقال البغوي في
رواه أبوداود والترمذي.
1817-
(9) وعن أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((ليس في حب ولا تمر صدقة، حتى يبلغ خمسة أوسق)) . رواه النسائي.
1818-
(10) وعن موسى بن طلحة
ــ
شرح السنة: معنى الحديث إن على المعتدى في الصدقة من الإثم ما على المانع فلا يحل لرب المال، كتمان المال، وإن اعتدى عليه الساعي- انتهى. قال شيخنا في شرح الترمذي: الظاهر إن المراد بالمعتدى في الصدقة العامل المعتدى في أخذ الصدقة، ويؤيده حديث بشير بن الخصاصية. قال: قلنا إن أهل الصدقة يعتدون علينا أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون قال: لا. رواه أبوداود (رواه أبوداود والترمذي) وأخرجه أيضاً ابن ماجه وأبوعبيد (ص401) والبيهقي (ج4:ص97) وابن خزيمة في صحيحه كلهم من رواية سعد بن سنان عن أنس. وقال الترمذي: حديث غريب. وقد تكلم أحمد بن حنبل في سعد بن سنان - انتهى. قلت: سعد بن سنان هذا كندي مصري، واختلف في إسمه فقيل: هكذا. وقيل: سنان بن سعد، وصوب هذا الثاني البخاري وابن يونس، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. قال الجوزجاني: أحاديثه واهية. وقال النسائي وابن سعد منكر الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال أحمد: لم أكتب أحاديثه لأنهم اضطربوا فيه وفي حديثه. وقال ابن معين: ثقة. ونقل ابن القطان إن أحمد يوثقه. وقال المنذري: في آخر الترغيب بعد ذكر الجروح المذكورة. وروى عن أحمد توثيقه وحسن الترمذي حديثه، واحتج به ابن خزيمة في صحيحه في غير ما موضع - انتهى. وقال الحافظ في التقريب: صدوق له أفراد - انتهى. فالظاهر أنه من رجال الحسن، وإن حديثه هذا حسن والله تعالى أعلم.
1817-
قوله: (ليس في حب ولا تمر) أي ولا زبيب (صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق) تقدم بيانه، وقد استدل بعضهم بمفهوم الحديث على أنه لا زكاة فيما ليس بحب، كالزعفران والعصفر والقطن وغيرها من الأزهار وكالجزر والبطاطة والخيار والقثاء وغيرها من الخضر والبقول. وفي هذا الاستدلال نظر، فإن المتبادر إن هذا بيان للنصاب في الحب والتمر لا لحصر الزكاة فيهما (رواه النسائي) بل رواه مسلم أيضاً، فكان ينبغي إيراده في الفصل الأول. وأخرجه أيضاً أحمد والبيهقي (ج4:ص128) .
1818-
قوله: (وعن موسى بن طلحة) أي ابن عبيد الله القرشي التيمي يكنى أباعيسى وأبامحمد المدني نزيل الكوفة ثقة جليل من كبار التابعين. وقال ابن عساكر: يقال أنه ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وسلم وسماه.
قال: ((عندنا كتاب معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: إنما أمره أن يأخذ الصدقة،
ــ
وقال ابن الهمام: لم يثبت هذا. وذكره الحافظ في الإصابة في القسم الثاني من حرف الميم، أي فيمن ذكر في الصحابة من الأطفال الذين ولدوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لبعض الصحابة ممن مات صلى الله عليه وسلم وهو في دون سن التميز. قال الحافظ: لكن أحاديث هؤلاء عنه من قبيل المراسيل عند المحققين - انتهى. روى عن أبيه طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرة، وعن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وغيرهم من الصحابة، وعنه ابنه عمران وحفيده سليمان وابنا أخيه إسحاق، وطلحة إبناً يحيى بن طلحة، وعمرو بن عثمان وغيرهم مات سنة ثلاث ومائة على الصحيح (قال عندنا كتاب معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال القاري: قال بعضهم أخذاً من كلام الطيبي إن تعلق عن النبي صلى الله عليه وسلم: بقوله عن موسى بن طلحة كان الحديث مرسلاً لأنه تابعي، ويكون قوله عندنا كتاب معاذ معترضاً ولا معنى له. قلت: قائله القاري) بل معناه إن كتابه بهذا المضمون أو موافق للرواية لفظاً ومعنى. ويؤيده قوله "قال" ويقويه قول المؤلف مرسل. قال: وإن تعلق بقوله عندنا كتاب معاذ كان حالاً من ضمير كتاب في الخبر، أي صادراً عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون الحديث مرسلاً بل يكون هذا وجادة - انتهى. قال القاري: لكن يتوقف كونه وجادة على ثبوت كون الكتاب بخط معاذ. قال ثم رأيت الطيبي قال: هذا من باب الوجادة، لأنه من باب نقل من كتاب الغير من غير إجازة ولا سماع ولا قراءة - انتهى. قلت: الحق والصواب إن قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم متعلق بقوله عندنا كتاب معاذ، وهو من باب الوجادة بشرط أن يكون الكتاب المذكور بخط معاذ. والوجادة المصطحلة هي أن يقف على أحاديث بخط، راويها غير المعاصر له أو المعاصر ولم يلقه أو لقيه ولم يسمع منه أو سمع منه، ولكن لا يروي تلك الأحاديث الخاصة عنه بسماع ولا إجازة. فله أن يقول وجدت أو قرأت بخط فلان عن فلان، وهو من باب المنقطع لكن فيه شوب إتصال لقوله وجدت بخط فلان. وإذا وجد حديثاً في تأليف شخص وليس بخطه، قال ذكر فلان أو قال فلان. وهذا منقطع لا شوب من الاتصال فيه. وهذا كله إذا وثق بأنه خطه أو كتابه، وإلا فليقل بلغني عن فلان أو وجدت عنه إلى آخر ما قال السيوطي في التدريب. وروى هذا الحديث أبويوسف في الخراج (ص64) قال حدثنا عمرو بن عثمان عن موسى بن طلحة، أنه كان لا يرى صدقة إلا في الحنطة والشعير والنخل والكرم والزبيب. قال: وعندنا كتاب كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ، أو قال نسخة أو وجدت نسخة هكذا - انتهى. وهذا يدل على أن المراد بكتاب معاذ في رواية الباب كتاب كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ في الصدقة، لا كتاب كتبه معاذ في الصدقة، وكيف ما كان الأمر الحديث مرسل كما قال المؤلف (أنه) أي معاذاً (قال إنما أمره) أي النبي صلى الله عليه وسلم (أن يأخذ الصدقة) أي الزكاة وهي العشر أو نصفه ورواه أحمد (ج5:ص528) والحاكم (ج1:ص401) والدارقطني (ص201)
من الحنطة والشعير والزبيب والتمر)) . مرسل، رواه في شرح السنة.
ــ
والبيهقي (ج4:ص228) بلفظ: عن موسى بن طلحة. قال: عندنا كتاب معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنه إنما أخذ الصدقة الخ. قال البيهقي: ورواه عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان، وزاد فيه بعث الحجاج موسى بن المغيرة على الخضر والسواد، فأراد أن يأخذ من الخضر الرطاب والبقول. فقال موسى بن طلحة: عندنا كتاب معاذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمره أن يأخذ الخ. (من الحنطة والشعير والزبيب والتمر) فيه دليل على أنه لا زكاة إلا في هذه الأربعة واحتج به من قال بحصر العشر أو نصفه في الحنطة والشعير من الحبوب والتمر الزبيب من الثمار. وأجاب من لم يقل بذلك بأن الحديث منقطع كما تقدم وسيأتي أيضاً، وبأنه ليس معناه أنه لا تجب الزكاة إلا في هذه الأربعة فقط، بل الزكاة واجبة فيما ينبته الآدميون إذا كان قوتاً في حال الاختيار كما قال الشافعي أو إذا كان مكيلاً مدخراً كما ذهب إليه أحمد، أو في جميع ما يقصد بزراعته نماء الأرض كما ذهب إليه أبوحنيفة وداود الظاهري. وإنما أمره أن يأخذ الزكاة من هذه الأربعة، لأنه لم يكن، ثم غير هذه الأربعة قال الطيبي: هذا إن صح بالنقل فلا كلام وإن فرض إن ثمة شيئاً غير هذه الأربعة مما تجب الزكاة فيه، فمعناه أنه إنما أمره أن يأخذ الصدقة من المعشرات من هذه الأجناس، وغلب الحنطة والشعير على غيرهما، من الحبوب لكثرتهما في الوجود، وإصالتهما في القوت. واختلف فيما تنبت الأرض مما يزرعه الناس وتغرسه، فعند أبي حنيفة تجب الزكاة في الكل سواء كان قوتاً أو غير قوت، فذكر التمر والزبيب عنده للتغليب أيضاً. وقيل: الحصر فيه ليس حصراً حقيقياً، بل هو إضافي بالنسبة إلى الخضروات ونحوها. لما روى الدارقطني وغيره عن موسى بن طلحة عن معاذ مرفوعاً، فيما سقت السماء والبعل والسيل العشر، وفيما سقى بالنضح نصف العشر. وإنما يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب، فأما القثاء والبطخ والرمان والقصب فقد عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه إسحاق بن طلحة وهو ضعيف متروك. وقد تقدم بسط الكلام على هذه المسألة في شرح حديث الأوساق (مرسل) أي منقطع. قال ابن حزم في المحلي (ج5:ص222) هذا منقطع لأن موسى بن طلحة لم يدرك معاذاً بعقله. وقال الحاكم: موسى بن طلحة تابعي كبير لم ينكر له أن يدرك أيام معاذ أي لا ينكر له لقي معاذ. قال الحافظ: قد منع ذلك أبوزرعة. وقال ابن عبد البر: لم يلق معاذاً ولا أدركه - انتهى. وقال ابن دقيق العيد: في الاتصال بين موسى بن طلحة ومعاذ نظر، فقد ذكروا إن وفاة موسى سنة ثلاث ومائة، وقيل: سنة أربع ومائة - انتهى. وقال ميرك: فيه شائبة الاتصال بواسطة الوجادة إن صح إن الكتاب بخط معاذ (رواه في شرح السنة) وأخرجه أيضاً أحمد والدارقطني والحاكم والبيهقي، وفي معناه أحاديث أخرى ذكرناها في شرح حديث الأوساق.
1819-
(11) وعن عتاب بن أسيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((في زكاة الكروم، إنها تخرص
ــ
1819-
قوله: (وعن عتاب) بفتح المهملة وتشديد المثناة الفوقية آخره موحدة (بن أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين المهملة ابن أبي العيص بن أمية بن عبدشمس الأموي المكي صحابي. وكان أمير مكة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومات في يوم مات أبوبكر الصديق فيما ذكر الواقدي لكن ذكر الطبراني أنه كان عاملاً على مكة لعمر سنة إحدى وعشرين كذا في التقريب. وقال ابن عبد البر: استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على مكة عام الفتح في خروجه إلى حنين، فحج بالناس سنة ثمان، وحج المشركون على ما كانوا عليه، ولم يزل على مكة حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقره أبوبكر فلم يزل عليها والياً إلى أن مات فكانت وفاته فيما ذكر الواقدي يوم مات أبوبكر الصديق وكان رجلاً صالحاً فاضلاً، وكان عمره حين استعمل نيفاً وعشرين سنة له عند أصحاب السنن حديث الخرص. رووه من رواية سعيد بن المسيب عنه. قال أبوداود وأبوحاتم: لم يسمع سعيد من عتاب. وقال ابن قانع: لم يدركه وقال المنذري: إن قطاعه ظاهر. لأن مولد سعيد في خلافة عمر (لسنتين مضتا من خلافة عمر) ومات عتاب يوم مات أبوبكر. قال الحافظ في تهذيب التهذيب: في ترجمة سعيد بن المسيب بعد ذكر اختلاف أحمد ومالك وأبي حاتم في سماع سعيد من عمر ما لفظه. وقال ابن سعد: عن الواقدي لم أر أهل العلم يصححون سماعة من عمر، وإن كانوا قد رووه. قلت: قد وقع لي حديث بإسناد صحيح لا مطعن فيه تصريح بسماعه من عمر فذكره ثم قال: وأما حديثه عن بلال وعتاب بن أسيد فظاهر الانقطاع بالنسبة إلى وفاتيهما ومولده والله أعلم. وقال في ترجمة عتاب: روى الطيالسي والبخاري في تاريخه (ج4:ص54) من طريق أيوب عن عبد الله بن يسار عن عمرو بن عقرب، سمعت عتاباً فذكر حديثاً وإسناده حسن، ومقتضاه إن عتاباً تأخرت وفاته عما قال الواقدي. لأن عمرو بن عقرب ذكره البخاري في التابعين وقال سمع عتاباً، ويؤيد ذلك إن الطبري ذكر عتاباً فيمن لا يعرف تاريخ وفاته، وقال في تاريخه إنه كان والي عمر سنة عشرين، وذكره قبل ذلك في سني عمر، ثم ذكره في سنة (22) ثم قال في مقتل عمر سنة (23) قتل وعامله على مكة نافع بن عبد الحارث - انتهى. فهذا يشعر بأن موت عتاب كان في أواخر سنة (22) أو أوائل سنة (23) فعلى هذا فيصح سماع سعيد بن المسيب منه - انتهى. (قال في زكاة الكروم) أي في كيفية زكاتها وهي بضمتين، جمع الكرم بفتح الكاف وسكون الراء وهو شجر العنب. قال ابن حجر: ولا ينافي تسمية العنب كرماً خبر الشيخين لا تسموا العنب كرماً، فإن الكرم هو المسلم. وفي رواية: فإنما الكرم قلب المؤمن لأنه نهى تنزيه على أن تلك التسمية من لفظ الراوي لم يبلغه النهى أو خاطب به من لا يعرفه إلا به - انتهى. وسيأتي مزيد الكلام عليه في باب الأسامي في شرح حديث النهى المذكور (إنها تخرص)
كما تخرص النخل، ثم تؤدي زكاة زبيباً، كما تؤدي زكاة النخل تمراً)) .
ــ
على بناء المجهول من باب ضرب ونصر أي تحزر (بتقديم الزاي المعجمة على الراء المهملة) من خرص الكرمة والنخلة يخرصها خرصاً بفتح المعجمة وسكون الراء إذا قدر ما عليها من الرطب تمراً، ومن العنب زبيباً. قال السندي: الخرص هو تقدير ما على النخل من الرطب تمراً، وما على الكروم من العنب زبيباً، ليعرف مقدار عشره ثم يخلى بينه وبين مالكه، ويؤخذ ذلك المقدار وقت قطع الثمار. وحكى الترمذي عن بعض أهل العلم إن تفسيره إن الثمار إذا أدركت من الرطب والعنب مما فيه الزكاة بعث السلطان خارصاً ينظر، فيقول يخرج من هذا كذا وكذا زبيباً، أو كذا وكذا تمراُ، فيحصيه وينظر مبلغ العشر من ذلك، فيثبته عليهم ويخلى بينهم وبين الثمار، فإذا جاء وقت الجذاذ أخذ منهم العشر- انتهى. وفائدة الخرص التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها، والبيع من زهوها، وإيثار الأهل والجيران والفقراء لأن في منعهم تضييقاً لا يخفى. قال الأمير اليماني: فائدة الخرص أمن الخيانة من رب المال، ولذلك يجب عليه البينة في دعوى النقص بعد الخرص وضبط حق الفقراء على المالك ومطالبة المصدق بقدر ما خرصه وانتفاع المالك بالأكل ونحوه. وقال الخطابي: فائدة الخرص ومعناه إن الفقراء شركاء أرباب الأموال في الثمر، فلو منع أرباب الأموال من حقوقهم ومن الانتفاع بها إلى أن تبلغ الثمرة غاية جفافها لا ضرر ذلك بهم، ولو انبسطت أيديهم فيها لا خل ذلك بحصة الفقراء منها، إذا ليس مع كل أحد من التقية ما تقع به الوثيقة في أداء الأمانة، فوضعت الشريعة هذا العيار ليتوصل به أرباب الأموال إلى الإنتفاع ويحفظ على المساكين حقوقهم. وإنما يفعل ذلك عند أول وقت بدو صلاحها، قبل أن يؤكل ويستهلك ليعلم حصة الصدقة منها فيخرج بعد الجفاف بقدرها تمراً وزبيباً - انتهى. كما تخرص النخل ثم تؤدي زكاته) أي المخروص (زبيباً) هو اليابس من العنب يعني إذا ظهر في العنب وثمر النخل حلاوة يخرص على المالك ويقدر الخارص، إن هذا العنب إذا صار زبيباً كم يكون. وكذلك الرطب إذا صار تمراً كم يكون، ثم ينظر فإن كان نصاباً يجب عليه زكاته وإن لم يكن نصاباً لم يجب عليه (كما تؤدي زكاة النخل تمراً) قال الخطابي: إنما يخرص من الثمر ما يحيط به البصر بارزاً لا يحول دونه حائل، ولا يخفى موضعه في خلال ورق الشجر والعنب في هذا المعنى كثمراً النخل. فأما سائر الثمار فإنها لا تجري فيها الخرص لأن هذا المعنى فيها معدوم - انتهى. وقيل: إن حكمة جعل النخل فيه أصلاً مقيساً عليه، إن خيبر فتحت أول سنة سبع وبها نخل، وقد بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة. فخرصها فلما فتح الطائف وبها العنب الكثير أمر بخرصه كخرص النخل المعروف عندهم ذكره صاحب البيان وهو الأحسن. أو إن النخل كانت عندهم أكثر وأشهر كذا في المرقاة. والحديث دليل على مشروعية الخرص في العنب والنخل واليه ذهب أكثر أهل العلم، منهم عمر بن الخطاب وسهل بن أبي حثمة
................................
ــ
ومروان والقاسم بن محمد وعطاء والزهري، وعمرو بن دينار ومالك والشافعي وأحمد وأبوعبيد وأبوثور. ثم اختلفوا هل هو واجب أو مستحب أو جائز؟ فقال الشافعي: في أحد قوليه بوجوبه مستدلاً بما في حديث عتاب بن أسيد عند أبي داود والنسائي وغيرهما من أن النبي صلى الله عليه وسلم: أمر أن يخرص العنب كما يخرص النخل. إلخ. قال الأمير اليماني: قول الراوي "أمر" يفهم منه أنه أتى صلى الله عليه وسلم بصيغة تفيد الأمر والأصل فيه الوجوب. وقال الجمهور هو مستحب (وهي رواية عن الشافعي) إلا أن تعلق به حق لمحجور مثلاً أو كان شركاءه غير مؤتمنين فيجب لحفظ مال الغير. وروى عن الشافعي أيضاً أنه جائز فقط. قال العيني: وقال الشعبي والثوري وأبوحنيفة وأبويوسف ومحمد: الخرص مكروه. وقال الشعبي: الخرص بدعة. وقال الثوري: خرص الثمار لا يجوز. وقال ابن رشد قال أبوحنيفة وصاحباه: الخرص باطل وعلى رب المال أن يؤدي عشر ما تحصل بيده زاد على الخراص أو نقص منه. وقال في المسوى قالت الحنفية: الخرص ليس بشئ، وأوّلوا ما روى من ذلك بأنه كان تخويفاً للأكرة لئلا يخونوا، فأما أن يكون به حكم فلا - انتهى. قال صاحب العرف الشذي: اعتبر الخرص الحنفية أيضاً إلا أنهم لم يجعلوه حجة ملزمة وأمراً فاصلاً، فإن وقع الاختلاف بين الخارص والمالك لا يقضى عليه بقول الخارص فقط، ومن سوء بعض عبارات أصحابنا نسب إلينا عدم اعتباره مطلقاً وليس بصواب. فإن الأحاديث قد وردت به صراحة - انتهى. وقال صاحب الكوكب الدري: الخرص بالمعنى الذي بينه الترمذي جوزه الإمام أبوحنيفة في العشر والخراج - انتهى. وهذا كما ترى مخالف لما نسبه شراح الحديث وغيرهم إلى الحنفية من أنهم انكروا الخرص مطلقاً. وقالوا ببطلانه وكراهته. ووجه بعضهم هذا الاختلاف بأن محمل قول من حكى عن الحنفية بأن الخرص باطل أو ليس بشئ هو إلزام مقدار معين من العشر بذلك الخرص فإنه باطل، لأنه تخمين وليس بحجة ملزمة، ومن حكى الكراهة أراد أخذ التمر بدل الرطب بالخرص، فإنه من البيوع المنهية في الأحاديث. ومن حكى الجواز والاعتبار أراد جواز الخرص لمجرد التخمين والطمأنينة بغلبة الظن لتخويف الأكرة، ولئلا يتجاسروا على إضاعة العشر والخراج - انتهى. قلت: إعتلال الحنفية عن أحاديث الخرص بما روى من النهى عن الخرص وبأنه من المزابنة المنهي عنها وبأن جوازه منسوخ بنسخ الرباء، وبأنه كان قبل تحريم القمار، وبأنه تخمين وغرور صريح في أن مذهب الحنفية هو عدم جواز الخرص وعدم اعتباره مطلقاً، وهذا مستلزم للقول ببطلانه وإنه ليس بشئ. وأما ما نسب إليهم صاحب العرف الشذي وغيره من القول بجوازه فلا أثر له في شئ من كتب فروعهم، والظاهر إن هؤلاء لما رأو قول الكراهة والبطلان مخالفاً للسنة الثابتة الصريحة، ذهبوا إلى جوازه وإعتباره ثم نسبوه إلى الحنفية وجعلوه مذهباً لهم، فراراً من إلزام مخالفة السنة ومنابذته قلت: واستدل الجهور لمشروعية الخرص بأحاديث منها حديث عتاب وهو حديث حسن كما ستعرف.
................................
ــ
ومنها حديث أبي حميد الساعدي الطويل عند الشيخين في خرصه صلى الله عليه وسلم على امرأة بوادي القرى حديقة لها. ومنها حديث عائشة الآتي قال الماروردي: الدليل على جواز الخرص ورود السنة قولاً وفعلاً وامتثالاً، أما القول فحديث عتاب. وأما الفعل فحديث البخاري يعني حديث أبي حميد الساعدي الذي أشرنا إليه. وأما الإمتثال فما روى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له خراصون، يعني حديث عائشة وما في معناه. ومنها حديث ابن عمر في صحيح ابن حبان، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم غلب أهل خيبر على الأرض والزرع والنخل فصالحوه وفيه، فكان ابن رواحة يأتيهم فيخرصها عليهم ثم يضمنهم الشطر ذكره العيني. قلت: ولابن عمر حديث آخر عند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ابن رواحة إلى خيبر يخرص عليهم، ثم خيرهم أن يأخذوا أو يردوا إلخ. وفيه العمري وفيه كلام. ومنها: حديث جابر في المصنف. قال العيني: بسند صحيح. قال: خرصها عليهم ابن رواحة يعني خيبر أربعين ألف وسق وله حديث آخر بمعناه عند الدارقطني (ص217) والبيهقي (ج4:ص123) . ومنها: حديث ابن عباس عند أبي داود وابن ماجه إن النبي صلى الله عليه وسلم: حين افتتح خيبر الحديث. وفيه فلما كان حين يصرم النخل بعث إليهم ابن رواحة فحزر النخل وهو الذي يسميه أهل المدينة الخرص. ومنها: حديث الصلت ابن زبيد عن أبيه عن جده عند البيهقي (ج4:ص123، 124) وأبي نعيم وابن مندة في الصحابة وفيه محمد بن مغيث. قال العلائي: لا أعرفه. وقال البيهقي: هذا إسناد مجهول. ومنها: حديث جابر عند ابن عبد البر مرفوعاً، خففوا في الخرص الحديث. وفيه ابن لهيعة. ومنها حديث سهل بن أبي حثمة الآتي وهو حديث صحيح وله حديث آخر عند الدارقطني (ص217-218) والطبراني، وفيه محمد بن صدقة وهو ضعيف. ومنها: حديث عمر عند البيهقي وغيره في أمره بالخرص. وأجاب الحنفية عن هذه الأحاديث بوجوه. الأول: الكلام في أسانيدها. قال ابن العربي: ليس في الخرص حديث صحيح، إلا حديث أبي حميد الساعدي عند الشيخين، ويليه ما روى في خرص ابن رواحة على أهل خيبر. وتعقب بأن حديث عتاب حسن وحديث سهل صحيح كما ستعرف، قالوا: والجواب عن حديث أبي حميد أنه صلى الله عليه وسلم أراد بذلك الخرص معرفة مقدار ما في نخل تلك المرأة خاصة، ثم يأخذ منها الزكاة وقت الصرام على حسب ما تجب فيها، وأيضاً فقد خرص حديقتها وأمرها أن تحصى، وليس فيه أنه جعل زكاتها في ذمتها وأمرها أن تتصرف في ثمرها كيف شاءت. وفيه إن الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم خرص عليها حديقتها، وأمرها أن تحصى كيلها ليأخذ منها الزكاة حسب خرصه، ولتنتفع هي بالتناول كيف شاءت فتكون الزكاة في ذمتها. قالوا: والجواب عن الخرص على أهل خيبر إنه لم يكن للزكاة، إذ كانوا ليسوا بأهل زكاة فكان تخميناً ليعلم ما
...........................
ــ
بأيدي كل قوم من الثمار فيؤخذ مثله بقدره في وقت الصرام لا أنهم يملكون منه شيئاً مما يجب لله فيه ببدل لا يزول ذلك البدل. ويرده ما في حديث ابن عمر عند ابن حبان إن ابن رواحة كان يضمن أهل خيبر الشطر، وما في عامة الروايات من تخيير إياهم فإنه يدل على أنهم لو دفعوها إلى المسلمين كان يجب عليهم أن يضمنوا الشطر ويتصرفوا فيها كيف شاءوا. ثم يعطوا اليهود حقهم بحسب خرص ابن رواحة ويؤدوا ما يجب عليهم من الزكاة إلى بيت المال بحسب ذلك الخرص، فكان هذا الخرص في الظاهر لأخذ الحق على اليهود، وفي الحقيقة عليهم وعلى المسلمين جميعاً. الثاني: الكلام في معناها وهو إن الخرص لم يكن على وجه تضمين رب المال بقدر الصدقة، لأنه غير جائز لكونه من باب بيع الرطب بالتمر، وإنما وجهه إنهم فعلوا ذلك تخويفاً للمزارعين لئلا يخونوا، لا ليلزم به الحكم لأنه تخمين وغرور. الثالث: إنه منسوخ بنسخ الرباء. قال الخطابي: قال بعض: أصحاب الرأي إنما كان جوازه قبل تحريم الرباء والقمار. وتعقبه في المعالم (ج2:ص44) بأن تحريم الربا والقمار والميسر متقدم، والخرص عمل به في حياة النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات، ثم أبوبكر وعمر فمن بعدهم، ولم ينقل عن أحد منهم ولا عن التابعين خلاف فيه إلا عن الشعبي - انتهى. وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: المثال التاسع والعشرون رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في خرص الثمار في الزكاة والعرايا وغيرها إذا بدا صلاحها، ثم ذكر أحاديث الخرص ثم قال: فردت هذه السنن كلها بقوله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} [المائدة: 90] قالوا: والخرص من باب القمار والميسر فيكون تحريمه نسخاً لهذه الآثار، وهذا من أبطل الباطل. فإن الفرق بين القمار والميسر والخرص المشروع كالفرق بين البيع والرباء والميتة والمذكي، وقد نزه الله رسوله وأصحابة عن تعاطي القمار وعن شرعه وإدخاله في الدين، ويا لله العجب! أكان المسلمون يقامرون إلى زمن خيبر ثم استمروا على ذلك إلى عهد الخلفاء الراشدين. ثم انقضى عصر الصحابة وعصر التابعين على القمار، ولا يعرفون إن الخرص قمار حتى بينه بعض فقهاء الكوفة، هذا والله الباطل حقاً والله الموفق - انتهى كلام ابن القيم. قال العيني: قول الخطابي تحريم الربا والميسر متقدم، يحتاج إلى معرفة التاريخ، وعندنا ما يدل على صحة النسخ، وهو ما رواه الطحاوي من حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى عن الخرص. وقال: أرأيتم إن هلك التمر أيجب أحدكم أن يأكل مال أخيه بالباطل؟ والحظر بعد الإباحة علامة النسخ - انتهى كلام العيني. قلت تقدم تحريم الربا والميسر واضح جداً ظاهر معلوم، لكل من له فهم وعقل صحيح. فإن الخرص قد عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم طول عمره وعمل به أبوبكر وعمر في زمانها، ولو كان الخرص قماراً أو رباً أو كان ذلك قبل تحريم القمار والربا لما خفي عليهم ذلك ولم يعملوا به قط، وعملهم بالخرص طول أعمارهم دليل على أن الخرص ليس بقمار ولا رباً، وأما
..............................
ــ
حديث جابر فالمراد بالخرص فيه الخرص في المزارعة والمساقاة والبيع لا في الصدقة والعرايا، قال الخطابي: وأما قول أصحاب الرأي: إنه تخمين وغرور فليس كذلك، بل هو اجتهاد في معرفة مقدار الثمار وأدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير والمعايير كما يعلم ذلك بالمكاييل والموازين، وإن كان بعضها أحصر من بعض. وإنما هذا كإباحته الحكم بالاجتهاد عند عدم النص مع كونه معرضاً للخطأ، وفي معناه تقويم المتلفات من طريق الاجتهاد وباب الحكم بالظاهر باب واسع لا ينكره عالم - انتهى. الرابع: إنه من باب المزابنة المنهي عنها، وهو بيع الثمر في رؤس النخل بالتمر كيلاً، وهو أيضاً من باب بيع الرطب بالتمر نسيئة فيدخله المنع من التفاضل، ومن النسيئة وكلاهما من أصول الربا. وأجيب عن هذا بأن الخرص مستثنى من تلك الأصول كالعرايا بل هو أصل مستقل بنفسه يدل على ذلك ورود السنة به قولاً وعملاً وتعامل المسلمين من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، إلى زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم. الخامس: إنه كيف يجوز ذلك وقد يجوز أن يحصل للثمرة آفة تتلفها فيكون ما يؤخذ من صاحبها مأخوذ، بدلاً مما لا يسلم له أعتل به الطحاوي. وأجيب بأن القائلين بالخرص لا يضمنون أرباب الأموال ما تلف بعد الخرص. قال ابن المنذر: اجمع من يحفظ عنه العلم إن المخروص إذا أصابته جائحة، قبل الجذاذ فلا ضمان بخلاف ما إذا أتلفه المالك، فإنه يضمن نصيب الفقراء أي تؤخذ منه الزكاة بحساب ما خرص، والفرق بين الإتلاف والتلف مما لا ينكره عالم. السادس: إن الخرص كان خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان يوفق من الصواب ما لا يوافق له غيره ذكره أبوعبيد (ص492) ثم تعقبه (ص493) بأنه لا يلزم من كون غيره لا يسدد لما كان يسدد له، سواء أن يثبت بذلك الخصوصية، وإن كان المرأ لا يجب عليه الإتباع إلا فيما يعلم أنه يسدد فيه، كتسديد الأنبياء لسقط الإتباع: قال الحافظ: وترد هذه الحجة أيضاً بإرسال النبي صلى الله عليه وسلم الخراص في زمانه والله أعلم - انتهى. قال الماوردي: واحتج أبوحنيفة بما رواه جابر مرفوعاً نهى عن الخرص. وبما رواه جابر بن سمرة إن رسول الله نهى بيع كل ثمرة يخرص وبأنه تخمين، وقد يخطىء وبأنه تضمين رب المال بقدر الصدقة، وذلك غير جائز؛ لأنه بيع رطب بتمر وأنه بيع حاضر بغائب. وأجيب عن الحديثين بأن المراد من الخرص فيهما الخرص في المزارعة والمساقاة لا في الصدقة كما تقدم. وأما القول بأنه تخمين وقد يخطىء، وبأنه بيع رطب بتمر الخ. فقد تقدم جوابه أيضاً فتذكر. وأعلم أنه اختلف القائلون بالخرص هل يختص أو يلحق به العنب أو يعم كل ما ينتفع به رطباً وجافاً؟. وبالأول قال شريح القاضي وبعض الظاهرية. (قال ابن رشد: لأنه لم يصح عندهم حديث عتاب) والثاني قول الجمهور. وإلى الثالث نحا البخاري. وهل يمضي قول الخارص أو يرجع ما آل إليه الحال بعد الجفاف الأول
............................
ــ
قول مالك وطائفة. والثاني: قول الشافعي. ومن تبعه وهل يكفي خارص واحد عارف ثقة أو لابد من اثنين وهما قولان الشافعي والجمهور على الأول، واختلف أيضاً هل هو إعتبار أو تضمين وهما قولان للشافعي أظهرهما الثاني: وفائدته جواز التصرف في جميع الثمرة، ولو اتلف المالك الثمرة بعد الخرص أخذت منه الزكاة بحساب ما خرص كذا في الفتح. واختلفوا أيضاً هل يحاسب أصحاب النخيل والثمار بما أكلوا قبل الجذاذ أم لا؟، وكذلك اختلفوا هل يؤخذ قدر العرايا والضيف وما في معناه أم لا؟. وسيأتي بيانه في شرح حديث سهل. واختلفوا أيضاً إذا غلط الخارص. قال ابن قدامة:(ج2 ص706، 710) وينبغي أن يبعث الإمام ساعيه إذا بدا صلاح الثمار ليخرصهما ويقدر الزكاة، ويعرف المالك ذلك، قال: ويجزئ خارص واحد لأن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يبعث ابن رواحة فيخرص ولم يذكر معه غيره، ولأن الخارص يفعل ما يؤديه اجتهاد إليه فهو كالحاكم ويعتبر في الخارص أن يكون أميناً غير متهم (لأن الفاسق لا يقبل خبره) . وصفة الخرص أن يطيف بكل نخلة أو شجرة وينظر كم في الجميع رطباً أو عنباً ثم يقدر ما يجيء منها تمراً، فإذا خرص على المالك وعرفه قدر الزكاة خيره بين أن يضمن قدر الزكاة ويتصرف فيها بما شاء من أكل وغيره، وبين حفظها إلى وقت الجذاذ والجفاف، فإن اختار حفظها ثم أتلفها أو تلفت بتفريطة فعليه ضمان نصيب الفقراء بالخرص، وإن تلفت بجائحة من السماء سقط عنهم الخرص. وإن ادعى تلفها بغير تفريطه فالقول قوله بغير يمين (وقال الأمير اليماني إذا أدعي المخروص عليه النقص بسبب يمكن إقامة البينة عليه وجب إقامتها وإلا صدق بيمينه) . وإن حفظها إلى وقت الإخراج فعليه زكاة الموجود لا غير، سواء إختار الضمان أو حفظها على سبيل الأمانة وسواء كانت أكثر مما خرصه الخارص أو أقل وبهذا قال الشافعي، وقال مالك: يلزمه ما قال الخارص زاد أو نقص، إذا كانت الزكاة متقاربة؛ لأن الحكم انتقل إلى ما قال الساعي بدليل وجوب ما قال عند تلف المال. ولنا إن الزكاة أمانة فلا تصير مضمونة بالشرط كالوديعة، ولا نسلم أن الحكم إنتقل إلى ما قاله الساعي، وإنما يعمل بقوله: إذا تصرف في الثمرة ولم يعلم قدرها؛ لأن الظاهر أصابته، وإن أدعى رب المال غلط الخارص وكان ما ادعاه محتملاً قبلاً قوله بغير يمين، وإن لم يكن محتملاً مثل أن يدعى غلط النصف ونحوه لم يقبل قوله؛ لأنه لا يحتمل فيعلم كذبه، وإن قال لم يحصل في يدي غير هذا قبل منه بغير يمين، لأنه قد يتلف بعضها بآفة لا نعلمها (وفيه ما قيل: إن هذا ما يليق بحال المؤمنين الصادقين. وقد قل عددهم في أكثر الأمصار فلو قبل السلطان قولهم لكذب أكثرهم) ويخرص النخل والكرم لما روينا من الأثر فيهما ولم يسمع بالخرص في غيرهما فلا يخرص الزرع في سنبله، وبهذا قال عطاء والزهري ومالك. لأن الشرع لم يرد بالخرص فيه ولا هو في معنى المنصوص عليه. لأن ثمرة النخل والكرم تؤكل رطباً فيخرص على أهله للتوسعة عليهم ليخلي بينهم وبين أكل الثمرة والتصرف فيها ثم يؤدون الزكاة منها على ما خرص، ولأن ثمرة النخل والكرم ظاهرة
رواه الترمذي وأبوداود.
1820-
(12) وعن سهل بن أبي حثمة، حدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((إذا خرصتم
ــ
مجتمعه، فخرصها أسهل من خرص غيرهما وما عداهما فلا يخرص. وإنما على أهله فيه الأمانة إذا صار مصفي يابساً ولا بأس أن يأكلوا منه ما جرت العادة بأكله ولا يحتسب عليهم - انتهى كلام ابن قدامة مختصراً ملتقطاً. (رواه الترمذي وأبوداود) واللفظ للترمذي وأخرجه أيضاً الدارقطني (ص217) ولفظ أبي داود: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يخرص العنب كما يخرص النخل وتؤخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ صدقة النخل تمراً. وأخرجه بهذا اللفظ النسائي والدارقطني وابن حبان أيضاً، وفي رواية للترمذي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي إن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يبعث على الناس من يخرص كرومهم وثمارهم. ومدار الحديث على سعيد بن المسيب عن عتاب، وقد تقدم قول أبي داود وأبي حاتم إن سعيد بن المسيب لم يسمع من عتاب وابن قانع، أنه لم يدركه، والمنذري إن انقطاعه ظاهر وقال الحافظ في بلوغ المرام: فيه انقطاع. وقال ابن السكن: لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجه غير هذا. وقد رواه الدارقطني بسند فيه الواقدي. فقال: عن سعيد بن المسيب عن المسور بن مخرمة عن عتاب. وقال أبوحاتم: الصحيح عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عتاباً مرسل. وهذه رواية عبد الرحمن بن إسحاق الزهري - انتهى. قلت: اختلف أصحاب الزهري عليه، فرواه الواقدي عن محمد بن عبد الله بن مسلم وعبد الرحمن ابن عبد العزيز عن الزهري عن سعيد عن المسور بن مخرمة عن عتاب، وهذا عند الدارقطني. ورواه محمد بن صالح الثمار عن الزهري عن سعيد عن عتاب، وهو عند الترمذي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي. وكذا رواه عبد الرحمن ابن إسحاق عن الزهري عند أبي داود والدارقطني والبيهقي. وروى عبد الرحمن بن إسحاق أيضاً عن الزهري عن سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمر عتاباً مرسل وهذا عند النسائي والبيهقي، ولم يظهر لي وجه كون المرسل صحيحاً والموصول خطأ، والحديث قد حسنه الترمذي. وسماع سعيد بن المسيب من عتاب ممكن على ما حققه الحافظ في تهذيب التهذيب والإصابة، وقد سبق كلامه. فالظاهر إن هذا الحديث موصول حسن والله تعالى أعلم. وقال النووي: وهو وإن كان مرسلاً فهو يعتضد بقول الأئمة ثم رأيت الزرقاني. قال في شرح الموطأ: ودعوى الإرسال بمعنى الانقطاع مبني على قول الواقدي، إن عتاباً مات يوم مات أبو بكر الصديق لكن ذكر ابن جرير الطبري إنه كان عاملاً لعمر على مكة سنة إحدى وعشرين، وقد ولد سعيد لسنتين مضتا من خلافة عمر على الأصح فسماعه من عتاب ممكن فلا انقطاع، وأما عبد الرحمن ببن إسحاق فصدوق احتج به مسلم وأصحاب السنن- انتهى.
1820-
قوله: (وعن سهل بن أبي حثمة) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة (إذا خرصتم) أي قدرتم
فخذوا، ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث، فدعوا الربع)) .
ــ
وحزرتم أيها السعاة والمصدقون (فخذوا) أي زكاة المخروص إن سلم من الآفة وهو بضم الخاء والذال المعجمتين أمر من الأخذ، وفي بعض نسخ أبي داود فجذوا بالجيم والدال من الجذ، أي فقطعوا، وفي بعضها فجدوا بالدال المهملة وهو القطع أيضاً وعلى هاتين النسختين جزاء الشرط محذوف، أي إذا خرصتم. ثم قطع أرباب النخل ثمرها فخذوا زكاة المخروص. وقيل: جذوا بضم الجيم صيغة أمر وهو جزاء الشرط، أي رخصوا لهم في الجذاذ وذلك لأن الجذر ليس إلى المصدقين (ودعوا) أي أتركوا (الثلث) بضم اللام. قال الطيبي:"فخذوا" جواب الشرط "ودعوا" عطف عليه أي إذا خرصتم فبينوا مقدار الزكاة، ثم خذوا ثلثي ذلك المقدار واتركوا الثلث لصاحب المال، حتى يتصدق به أي على جيرانه ومن يطلب منه. قال القاضي: الخطاب مع المصدقين أمرهم أن يتركوا للمالك ثلث ما خرصوا عليه أو ربعة توسعة عليه حتى يتصدق به هو على جيرانه، ومن يمر به ويطلب منه فلا يحتاج إلى أن يغرم ذلك من ماله- انتهى. قال الأمير اليماني: قد اختلف في معنى الحديث على قولين أحدهما: أن يترك الثلث أو الربع من العشر. وثانيهما: أن يترك ذلك من نفس الثمر قبل أن يعشر. وقال الشافعي: معناه أن يدع ثلث الزكاة أو ربعها ليفرقها هو على أقاربه وجيرانه. وقيل: يدع له ولأهله قدرما يأكلون ولا يخرص. قال في الشرح: والأولى الرجوع إلى ما صرحت به رواية جابر وهو التخفيف في الخرص ويترك من العشر قدر الثلث أو الربع، فإن الأمور المذكورة قد لا تدرك الحصاد فلا تجب فيها الزكاة- انتهى. قلت: حديث جابر رواه ابن عبد البر من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر مرفوعاً. قال: خففوا في الخرص فإن في المال العرية والوطئة والآكلة- الحديث. كذا في التلخيص، ويؤيده ما روى الدارقطني (ص218) والطبراني عن سهل ابن أبي حثمة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعث أباه أباحثمة خارصاً فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إن أباحثمة زاد علي، فدعا أباحثمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ابن عمك يزعم أنك قد زدت عليه فقال: يا رسول الله! قد تركت عرية أهله وما تطعمه المساكين وما يصيب الريح. فقال: قد زادك ابن عمك وأنصف- انتهى. وفيه محمد بن صدقة وهو ضعيف. واختلف العلماء في العمل بحديث الباب، فذهب مالك وسفيان وأبوحنيفة إلى أنه لا يترك لرب المال شيء، بل يحسب عليه ما أكل من ثمرة قبل الجذاذ في النصاب. قال الحافظ: وهو المشهور عن الشافعي. وقال ابن الملك وابن حجر: هو قول الشافعي في الجديد. قيل والجواب عن هذا الحديث إنه كان في حق يهود خيبر، وكانت قصتهم مخصوصة لأن الأرض أرضه والعبيد عبيده، فأمر صلى الله عليه وسلم: أن يترك لهم منها قدر نفقاتهم. وأجاب بعضهم بأن معنى الحديث أن يترك لهم ذلك من العشر الواجب ليتصدقوا منه بأنفسهم على الفقراء من أقاربهم وجيرانهم كما سبق عن الشافعي، وليس المعنى أنه لا زكاة عليهم في
رواه الترمذي وأبوداود، والنسائي.
ــ
ذلك أو لا يحسب لهم ما أكلوه في النصاب، وأجيب أيضاً بأن المراد به مؤنة الزرع أو مؤنة الأرض فيوضع ذلك ولا يحسب في النصاب. قال ابن العربي: والمتحصل من صحيح النظر أن يعمل بالحديث وهو قدر المؤنة، ولقد جربناه فوجدناه كذلك في الأغلب مما يؤكل رطباً. وذهب أحمد والليث وإسحاق والشافعي أيضاً على ما قال ابن رشد (ج1 ص241) وابن حزم إلى ظاهر الحديث. فقالوا: يترك لهم في الخرص من عرض المال الثلث أو الربع ولا يحسب ذلك في النصاب. قال الخطابي: ذهب بعض العلماء في تأويل الحديث إلى أنه متروك لهم من عرض المال توسعة عليهم، فلو أخذوا بإستيفاء الحق كله لا ضر ذلك بهم، وقد يكون منها السقاطة وبنتابها الطير ويخترفها الناس للأكل فترك لهم الربع توسعة عليهم. وكان عمر بن الخطاب يأمر الخراص بذلك، وبقول عمر قال أحمد وإسحاق. وذهب غير هؤلاء إلى أنه لا يترك لهم شيئاً شائعاً في جملة النخل بل يفرد لهم نخلات معدودة، قد علم مقدار ثمرها بالخرص- انتهى. قال الحافظ: قال بظاهر الحديث الليث وأحمد وإسحاق وغيرهم، وفهم منه أبوعبيد في كتاب الأموال أنه القدر الذي يأكلونه بحسب احتياجهم إليه: فقال يترك قدر احتياجهم- انتهى. وقال ابن قدامة: (ج2 ص706) وعلى الخارص أن يترك في الخرص الثلث أو الربع توسعة على أرباب الأموال. لأنهم يحتاجون إلى الأكل هم وأضيافهم ويطعمون جيرانهم وأهلهم وأصدقائهم وسؤالهم، ويكون في الثمرة السقاطة وينتابها الطير، وتأكل منه المارة فلو استوفى الكل منهم أضر بهم، وبهذا قال إسحاق ونحوه. قال الليث وأبوعبيد: والمرجع في تقدير المتروك إلى الساعي باجتهاد فإن رأي الآكلة كثيراً ترك الثلث وإن كانوا قليلاً ترك الربع، لحديث سهل بن أبي حثمة. وروى أبوعبيد (ص487) بإسناده عن مكحول قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا بعث الخراص قال: "خففوا فإن المال العرية والوطئة" وروى عن عمر أنه قال: خففوا على الناس في الخرص فإن المال العرية والواطئة والآكلة. قال أبوعبيد: الواطئة السابلة سموا بذلك، لوطئهم بلاد الثمار مجتازين والآكلة أرباب الثمار وأهلوهم ومن لصق بهم، ومنه حديث سهل بن أبي حثمة في مال سعد بن أبي سعد حين قال: لولا إني وجدت فيه أربعين عريشاً الخرصة تسعمأة وسق، وكانت تلك العرش لهؤلاء الآكلة والعرية النخلة أو النخلات يهب إنسانا ثمرتها فجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ليس في العرايا صدقة. وروى ابن المنذر (وأبوعبيد والحاكم والبيهقي) عن عمر أنه قال لسهل بن أبي حثمة: إذا أتيت على نخل قد حضرها قوم فدع لهم ما يأكلون، والحكم في العنب كالحكم في النخيل سواء، فإن لم يترك لهم الخارص شيئاً فلهم الآكل قدر ذلك، ولا يحتسب عليهم به؛ لأنه حق عليهم- انتهى. (رواه الترمذي وأبوداود والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد (ج4 ص2، 3) و (ج3 ص448) والنسائي وابن حبان والحاكم (ج1 ص402) والبيهقي (ج4 ص123)
1821-
(13) وعن عائشة، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم: ((يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود، فيخرص النخل، حين يطيب قبل أن يؤكل منه)) .
ــ
وأبوعبيد (ص485) وابن حزم (ج5 ص255) وقد سكت عنه أبوداود والمنذري، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي. قال الحاكم: وله شاهد بإسناد متفق على صحته إن عمر بن الخطاب أمر به- انتهى. وقد تقدم لفظه، ولم يحكم الترمذي على حديث سهل بشيء، نعم قال بعد روايته والعمل على حديث سهل عند أكثر أهل العلم وبحديث سهل يقول إسحاق وأحمد- انتهى. وفي سنده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار الراوي عن سهل. وقد قال البزار: إنه تفرد وهو معروف. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله.؟ قلت: عبد الرحمن هذا ذكره ابن حبان في الثقات وقال الحافظ: في التقريب: إنه مقبول.
1821-
قوله: (يبعث) أي يرسل (إلى يهود) أي في خيبر (فيخرص النخل) بضم الراء يحزرها (حين يطيب) بالتذكير والتأنيث أي يظهر في الثمار الحلاوة قاله القاري. (قبل أن يؤكل منه) هذه رواية أبي داود في الزكاة من طريق حجاج عن ابن جريج، أخبرت عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، وفيه واسطة بين ابن جريج والزهري ولم يعرف، ومن هذا الطريق أخرجه في آخر كتاب البيوع وزاد ثم يخير اليهود يأخذونه بذلك الخرص أم يدفعونه إليهم بذلك الخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق" ومن طريق أبي داود، أخرجه البيهقي (ج45 ص123) قال الطيبي: وهذه زكاة أموال المسلمين الذين تركوها في أيدي اليهود ويعملون فيها- انتهى. قال القاري: وفيه إشارة إلى دفع ما يرد عليه من أن الكافر لا زكاة عليه، فبينه بأن ابن رواحة لم يخرص عليهم إلا حصة الغانمين دفعوا إليها نخلها ليعملوا فيه بحصته من التمر- انتهى كلام القاري. وقال في عون المعبود:(ج3 ص274) مراد عائشة إن بعث ابن رواحة للخرص إنما كان لإحصاء الزكاة؛ لأن المساكين ليسوا شركاء معينين، فلو ترك اليهود وأكلها رطباً والتصرف فيها أضر ذلك سهم المسلمين. قال الزرقاني في شرح الموطأ قال ابن مزين: سألت عيسى عن فعل ابن رواحة يجوز للمستاقيين أو للشريكين فقال لا، ولا يصلح قسمه إلا كيلاً إلا أن تختلف حاجتهما إليه فيقتسمانه بالخرص فتأول خرص ابن رواحة للقسمة خاصة. وقال الباجي: يحتمل أنه خرصها لتميز حق الزكاة لأن مصرفها غير مصرف أرض العنوة؛ لأنه يعطيها الإمام للمستحق من غني وفقير، فيسلم مما خافه عيسى. وأنكره وقوله في رواية مالك ن شئتم فلكم، وإن شئتم فلي، حمله عيسى على أنه أسلم إليهم جميع الثمرة بعد الخرص ليضمنوا حصة المسلمين. ولو كان هذا معناه لم يجز، لأنه بيع الثمر بالثمر بالخرص في غير العرية. وإنما معناه خرص الزكاة فكأنه قال: إن شئتم أن تأخذوا الثمرة على أن تؤدوا زكاتها على ما خرصته، وإلا فأنا اشتريها من الفيء بما يشتري به، فيخرج بهذا الخرص، وذلك معروف لمعرفتهم بسعر
رواه أبوداود.
1822-
(14) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((في العسل، في كل عشرة أزق زق)) .
ــ
الثمر. وأن حمل على خرص القسمة لاختلاف الحاجة فمعناه، إن شئتم هذا النصيب فلكم، وإن شئتم فلي يبين ذلك إن الثمرة ما دامت في رؤس النخل ليس بوقت قسمة ثمر المساقاة، لأن على العامل جذها والقيام عليها حتى يجرى فيها الكيل أو الوزن. فثبت بهذا أن الخرص قبل ذلك لم يكن للقسمة إلا بمعنى اختلاف الأغراض. وقال ابن البر: الخرص في المساقاة لا يجوز عند جميع العلماء، لأن المساقيين شريكان لا يقتسمان إلا بما يجوز به بيع الثمار بعضها ببعض، وإلا دختله المزابنة. قالوا وإنما بعث صلى الله عليه وسلم من يخرص على اليهود لإحصاء الزكاة، لأن المساكين ليسوا شركاء معينين، فلو ترك اليهود وأكلها رطباً والتصرف فيها أضر ذلك سهم المسلمين. قالت: عائشة: إنما أمر صلى الله عليه وسلم: بالخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار- انتهى كلام ابن عبد البر. وهذا الحديث المطول قد رواه عبد الرزاق ومن طريقه الدارقطني (ص217) وابن حزم (ج5 ص255) عن ابن جريج عن الزهري ولم يذكر واسطة، وابن جريج مدلس فلعله تركها تدليساً، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه. قال: فرواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة. وأرسله معمر ومالك وعقيل ولم يذكروا أباهريرة. وقال صاحب الاستذكار قوله "في رواية عبد الرزاق "وإنما كان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخرص لكي تحصى الزكاة الخ. من قول عائشة. وقال الترمذي: بعد رواية حديث عتاب بن أسيد المتقدم. قد روى ابن جريج هذا الحديث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة وسألت محمداً عن هذا فقال: حديث ابن جريج غير محفوظ، وحديث سعيد عن عتاب أصح - انتهى. لكن أخرج أبوداود في كتاب البيوع من طريق ابن جريج أخبرني أبوالزبير أنه سمع جابراً يقول: خرصها ابن رواحة أربعين ألف وسق، وزعم إن اليهود لما خيرهم ابن رواحة، أخذوا الثمر وعليهم عشرون ألف وسق- انتهى. وهذا يؤيد حديث ابن جريج عن الزهري المتقدم، وكذا يؤيده ما رواه أبوداود أيضاً من طريق إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن جابر أنه قال: لما أفاء الله رسوله خيبر فأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم. فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها قال الزرقاني: أي لتميز حق الزكاة من غيرها لاختلاف المصرفين أو للقسمة لاختلاف الحاجة كما مر، وفيه جواز التخريص لذلك. (رواه أبوداود) أي في كتاب الزكاة وفي إسناده رجل مجهول لكن أخرج هو أيضاً في آخر البيوع شاهداً له، من حديث جابر برجال ثقات وقد ذكرنا لفظه.
1822-
قوله: (في العسل) بفتح العين والسين المهملتين لعاب النحل. قال في مختار الصحاح: العسل يذكر ويؤنث (في كل عشرة أزق) بفتح الهمزة وضم الزاي وتشديد القاف أفعل جمع قله (زق) بكسر الزاي
............................
ــ
مفرده وهو ظرف من جلد يجعل فيه السمن والعسل وغيرهما. وفيه دليل على وجوب العشر في العسل. واختلف العلماء فيه، فذهب مالك والشافعي وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وابن المنذر والثوري وأبوثور وداود وابن حزم إلى أنه لا زكاة في العسل، وبه قال من الصحابة علي رضي الله عنه أخرجه يحيى بن آدم في الخراج (ص31) والبيهقي (ج4 ص127) من طريقه، وفيه انقطاع، وعبد الله بن عمر رضي الله عنه. أخرجه أبوعبيد (ص499) بإسناد فيه ضعف، ومعاذ كما سيأتي. ومن التابعين المغيرة بن حكيم وعمر بن عبد العزيز، أخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بإسناد صحيح. قال ابن المنذر: ليس في العسل خبر يثبت ولا إجماع فلا زكاة. وهو قول الجمهور. وقال أحمد وأبوحنيفة وأبويوسف، ومحمد وإسحاق ومكحول والزهري وسليمان بن موسى وربيعة ويحيى بن سعيد وابن وهب بوجوب كل العشر فيه. ويروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، أخرجه عبد الرزاق ولكنه بإسناد ضعيف كما بينه الحافظ في الفتح، وابن حزم في المحلى (ج5 ص232) وأخرج أبوعبيد (ص498) عن خصيف أن عمر بن عبد العزيز رأى في العسل العشر. وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم. وأشار العراقي في شرح الترمذي إلى أن الذي نقله ابن المنذر عن الجمهور أقوى من نقل الترمذي. واحتج هؤلاء بحديث الباب وهو كما ستعرف، وبما روى عبد الرزاق والبيهقي من طريقه (ص126) من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: كتب إلى أهل اليمن أن يؤخذ من أهل العسل العشور، وفيه عبد الله بن محرر وهو متروك وبما روى الشافعي في الأم (ج2 ص33) وأبوعبيد (ص496) والبيهقي (ج4 ص127) وابن أبي شيبة (ج3 ص20) والطبراني في الكبير والبزار عن سعد بن أبي ذباب، أتيت النبي صلى الله عليه وسلم: فأسلمت فذكر الحديث، وفيه أنه أخذ من قومه زكاة العسل العشر، فأتى به عمر فأخذه. قال الهيثمي: فيه منير بن عبد الله وهو ضعيف. وقال الحافظ في التلخيص: ضعفه البخاري والازدي وغيرهما، وقال البخاري: وعبد الله الذي رواه عنه ابنه منير عن سعد بن أبي ذباب لم يصح حديثه. وقال ابن عبد البر: لا يقوم بهذا حجة. قلت: وفي سنده عند الشافعي عبد الرحمن بن أبي ذباب ولم أقف على ترجمته. وقال الشافعي: وسعد بن ذباب يحكى ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يأمره بأخذ الصدقة من العسل، وإنه شيء رأه هو فتطوع له به أهله، وبما روى أحمد (ج4 ص336) وابن ماجه والطيالسي (ص169) والبيهقي (ج4 ص126) وأبويعلى وعبد الرزاق وأبوعبيد (ص497) والطبراني من طريق سليمان بن يسار عن أبي سيارة المتعى. قال: قلت يا رسول الله! إن لي نحلا. قال: أد العشر. قلت: أحم لي جبلها فحماه لي. قال البيهقي: هذا أصح ما روى في وجوب العشر في العسل وهو منقطع. قال الترمذي في علله: سألت محمداً عن هذا الحديث. فقال: مرسل لأن سليمان لم يدرك أحداً من الصحابة، وليس في زكاة العسل شيء يصح. وبما روى أبوداود والنسائي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:
.................................
ــ
جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعشور نحل له وكان سأله أن يحمي له وادياً يقال له سلبة فحماه له فلما ولي عمر كتب إلى عامله سفيان بن وهب، إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عشور نحلة فاحم له سلبة وإلا فلا. ورواه ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ: إن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من العسل العشر. وروى الطبراني من هذا الوجه إن بني شبابه بطن من فهم كانوا يؤدون عن نحل لهم العشر من كل عشر قرب قربة- الحديث. ولأبي عبيد في الأموال (ص497) والبيهقي (ج4 ص127) من هذا الوجه إن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يؤخذ في زمانه من العسل في كل عشر قرب قربة من أوسطها، وفي إسناده ابن لهيعة. قال الحافظ في الفتح: بعد ذكر رواية أبي داود والنسائي إسناده صحيح إلى عمرو، وترجمة عمرو قوية على المختار، لكن حيث لا تعارض. وقد ورد ما يدل على أن هلالاً أعطى ذلك تطوعاً، فعند عبد الرزاق عن صالح بن دينار إن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عثمان بن محمد ينهاه، أن يأخذ من العسل صدقة. إلا كان النبي صلى الله عليه وسلم أخذها فجمع عثمان أهل العسل فشهدوا إن هلال بن سعد قدم النبي صلى الله عليه وسلم بعسل. فقال ما هذا، قال: صدقة فأمر برفعها ولم يذكر عشوراً لكن الإسناد الأول أقوى، إلا أنه محمول على أنه في مقابلة الحمى، كما يدل عليه كتاب عمر بن الخطاب- انتهى. وقال الخطابي في المعالم:(ج2 ص43) في هذا الحديث دليل على أن الصدقة غير واجبة في العسل. وإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخذ العشر من هلال المتعى، إذ كان قد جاء بها متطوعاً وحمى له الوادي رفاقاً ومعونة له بدل ما أخذ منه. وعقل عمر بن الخطاب المعنى في ذلك فكتب إلى عامله يأمره بأن يحمى له الواديان إن أدى إليه العشر وإلا فلا، ولو كان سبيله سبيل الصدقات الواجبة في الأموال لم يخيره في ذلك- انتهى. وقال الشوكاني: وأعلم أن حديث أبي سيارة وحديث هلال إن كان غير أبي سيارة لا يدلان على وجوب الزكاة في العسل، لأنهما تطوعاً بها وحمى لهما يدل ما أخذ وعقل عمر العلة فأمر بمثل ذلك، ولو كان سبيله سبيل الصدقات لم يخير في ذلك. وبقية أحاديث الباب لا تنتهض للاحتجاج بها- انتهى. ويؤيده ما رواه الحميدي بإسناده إلى معاذ بن جبل أنه أتى بوقص البقر والعسل فقال معاذ كلاهما لم يأمرني فيه صلى الله عليه وسلم بشيء- انتهى. قلت: حديث معاذ هذا أخرجه أيضاً أبوداود في المراسيل، وعبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي " (ج4 ص127) وابن حزم (ج5 ص233) من طريق طاووس عنه. وفيه انقطاع بين طاووس ومعاذ. لكن قال البيهقي: هو قوى لأن طاوساً كان عارفاً بقضايا معاذ. وقال الشافعي: الحديث في أن في العسل العشر ضعيف، وفي أن لا يؤخذ منه العشر ضعيف، إلا عن عمر بن عبد العزيز، واختياري أن لا يؤخذ منه؛ لأن السنن والآثار ثابتة فيما يؤخذ منه، وليست فيه ثابتة فكأنه عفو- انتهى. وتقدم قول ابن المنذر أنه ليس في وجوب الصدقة في العسل خبر يثبت ولا إجماع، فلا زكاة فيه، وقول البخاري أنه لا يصح فيه شيء- انتهى. قلت: واستدل الجصاص على وجوب الزكاة في العسل بقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة: 103] إذ قال ظاهر قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} يوجب الصدقة في العسل إذ هو من
رواه الترمذي، وقال: في إسناده مقال،
ــ
ماله- انتهى. قال ابن حزم: إن الله تعالى قال: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقر: 188] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، فلا يجوز إيجاب فرض زكاة في مال لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه إيجابها، فإن احتجوا بعموم قول الله تعالى:{خذ من أموالهم صدقة} قيل: لهم فأوجبوها فيما خرج من معادن الذهب والفضة، وفي القصب وفي ذكور الخيل، فكل ذلك أموال المسلمين بل أوجبوها حيث لم يوجبها الله تعالى، وأسقطوا مما خرج من النخل والبر والشعير في أرض الخراج، وفي الأرض المستأجرة. ولكنهم قوم يجهلون - انتهى. وقد ظهر بما ذكرنا أنه لم يثبت في زكاة العسل شيء، إلا حديث عمرو بن شعيب عند أبي داود والنسائي وابن ماجه، وهو محمول على أنه كان في مقابلة الحمى، كما قال الخطابي والحافظ والشوكاني: فالقول الراجح المعول عليه هو ما ذهب إليه مالك والشافعي من عدم وجوب الزكاة في العسل والله تعالى اعلم. واعلم إن أباحنيفة فرق بين أن يكون العسل في أرض العشر ففيه الزكاة وبين أن يكون في أرض الخراج فلا زكاة فيه، لأن مذهبه إن العشر والخراج لا يجتمعان في أرض، وسوى الإمام أحمد بين الأرضين، وأوجبه بما أخذه من ملكه أو وات. ثم اختلف الموجبون له هل له نصاب أم لا، على قولين. أحدهما: أنه يجب في قليله وكثيره، وهذا قول أبي حنيفة. قال ابن الهمام: بعد ذكر حديث عمرو بن شعيب المتقدم، من رواية الطبراني وأبي عبيد غاية ما في حديث القرب، أنه كان أداءهم من كل عشر قرب قربة وهو فرع بلوغ عسلهم هذا المبلغ؛ أما النفي عما هو أقل من عشر قرب فلا دليل فيه عليه. وأما حديث الترمذي فضعيف - انتهى. والثاني: إن له نصاباً معيناً، ثم اختلف في قدره. فقال أبويوسف: يجب إذا بلغت قيمته خمسة أوساق، وعنه أنه قدره بعشرة أرطال قال في المبسوط: وهي رواية الأمالي وهي خمسة أمناء وعنه أنه اعتبر فيه عشر قرب. وعن محمد؛ ثلاث روايات. إحداها: خمس قرب والقربة خمسون منا ذكره في الينابيع. وفي المغني القربة مائة رطل. والثانية: خمسة أمناء، والثالثة خمسة أواق. قال السرخسي: وهي تسعون منا. وقال أحمد: نصابه عشرة أفراق، لما روى الجوزجاني إن عمر قال: إن أديتم صدقتها من كل عشرة أفراق فرقاً حميناها لكم. قال الزهري: والفرق ستة عشر رطلاً فيكون نصابه مائة وستون رطلاً. وقال ابن حامد: الفرق ستون رطلا، فيكون النصاب ستمائة رطل. وقيل: الفرق ستة وثلاثون رطلاً فيكون النصاب ثلاث مائة رطل وستون رطلاً، والأول: هو ظاهر كلام الإمام أحمد وهو الذي رجحه ابن قدامة في المغني (ج2 ص715)(رواه الترمذي وقال إسناده مقال) ؛لأنه قد تفرد به صدقة بن عبد الله السمين وهو ضعيف، وأخرجه أيضاً ابن عدي في الكامل في ترجمة صدقة بن عبد الله، وأعله به وضعفه عن أحمد والنسائي وابن معين. ورواه البيهقي (ج4 ص126) وقال: تفرد به صدقة وهو ضعيف، ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما. ورواه ابن حبان في الضعفاء. وقال: في صدقة يروي الموضوعات عن الثقات. ورواه الطبراني في الأوسط من هذا الوجه. وقال: إنه تفرد به. ولفظه وقال: في العسل العشر في كل قرب قربة، وليس فيما
ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كثير شيء.
1823-
(15) وعن زينب امرأة عبد الله، قالت: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا معشر النساء! تصدقن ولو من حليكن، فإنكن أكثر أهل جهنم يوم القيامة)) .
ــ
دون ذلك شيء كذا في نصب الراية. وقال الحافظ في التلخيص: في سنده صدقة السمين وهو ضعيف الحفظ وقد خولف. وقال النسائي: هذا حديث منكر. وقال البيهقي: تفرد به صدقة وهو ضعيف. وقد تابعه طلحة بن زيد عن موسى بن يسار ذكره المروزي. ونقل عن أحمد تضعيفه، وذكر الترمذي أنه سأل البخاري عنه. فقال: هو عن نافع عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل. (ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب) أب باب زكاة العسل (كثير شيء) قال الطيبي: أي ما يعول عليه. وقال البخاري: ليس في زكاة العسل شيء يصح.
1823-
قوله: (وعن زينب) بنت معاوية ويقال بنت عبد الله بن معاوية بن عتاب الثقفية وتسمى أيضاً برائطة (امرأة عبد الله) بن مسعود (تصدقن) أي أخرجن زكاة أموالكن (ولو من حليكن) بضم الحاء وكسرها فكسر اللام وتشديد التحية جمع الحلي بفتح فسكون. قال في القاموس: الحلي بالفتح ما يزين به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة جمعه حلي بالضم والكسر كدلي، أو هو جمع والواحد حلية كظبية، والحلية بالكسر الحلي جمع حليً وحليً- انتهى. وقال في النهاية: الحلي اسم لكل ما يتزين به مصاغ الذهب والفضة، والجمع حُليٍّ بالضم والكسر، والجمع الحِلية حليً مثل لحية ولحي، وربما تضم وتطلق الحلية على الصفة أيضاً وانتهى. (فإنكن أكثر أهل جهنم يوم القيامة) أي لمحبة الدنيا الباعثة على ترك الزكاة والصدقة للعقبى. والحديث بظاهرة يدل على وجوب الزكاة في الحلي، وهو الذي فهمه الترمذي حيث أورده في باب ما جاء في الزكاة الحلي. قال أبوالطيب السندي في شرح الترمذي: مناسبته بالترجمة باعتبار إن الأمر فيه للوجوب؛ لأن الأصل فيه ذلك أي تصدقن وجوباً، ولو كانت الصدقة من حليكن وهو الذي فهمه المصنف. وأما القول: بأنه أمر ندب بالصدقة النافلة، لأنه خطاب بالحاضرات ولم تكن كلهم ممن فرضت عليهن الزكاة. والظاهر إن معنى قوله "ولو من حليكن" أي ولو تيسر من حليكن وهذا لا يدل على أنه يجب في الحلي إذ يجوز أن يكون واجباً على الإنسان في أمواله الأخر. ويؤديه من الحلي فذكر المصنف أي الترمذي الحديث في هذا الباب لا يخلو عن خفاء فعدول عن الأصل الذي هو الوجوب وتغيير للمعنى الذي هو الظاهر، لأن معناه تصدقن من جميع الأموال التي تجب فيها الزكاة عليكن، ولو كانت الصدقة الواجبة من حليكن. وإنما ذكر لدفع توهم من يتوهم إن الحلي من الحوائج الأصلية، ولا تجب فيها الزكاة ويؤيد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم، فإنكن أكثر أهل جهنم لترك الواجبات. وأما كون الخطاب
...................................
ــ
للحاضرات خصوصاً، فممنوع بل الخطاب، لكل من يصلح للخطاب نعم، فيه تلميح إلى حسن الصدقة في حق غير الغنيات، فلا يرد إن كون الأمر للوجوب لا يستقيم ويؤيده ما في آخر هذا الحديث في البخاري. قالت زينب لعبد الله قد أمرنا بصدقة فأته فَسَله، فإن كان ذلك يجزيء عنى وإلا صرفتها إلى غيركم الحديث، لأن الصدقات من النوافل لا كلام في جوازها لو صرفت إلى الزوج انتهى كلام أبي الطيب. قال شيخنا في شرح الترمذي:(ج2 ص10) قلت: في الاستدلال بهذا الحديث على وجوب الزكاة في الحلي نظر، فإنه ليس بنص صريح فيه لاحتمال أن يكون معنى قوله " ولو من حليكن" أي ولو تيسر من حليكن كما قيل. وهذا لا يدل على وجوب الزكاة في الحلي، إذ يجوز أن يكون واجباً على الإنسان في أمواله الأخر ويؤديه من الحلي، وقد ذكر أبوالطيب: هذا الاحتمال، ولم يجب عن هذا جواباً شافياً فتفكر انتهى كلام الشيخ. قلت: حمل الحنفية القائلون بوجوب الزكاة في الحلي، وعدم جواز دفع المرأة زكاتها إلى زوجها الفقير هذا الحديث على صدقة التطوع، وبه جزم النووي من الشافعية، واستدل الطحاوي (ج1 ص308) لذلك بما روى من طريق رائطة امرأة ابن مسعود، إنها كانت امرأة صنعاء اليدين تصنع بيديها فتبيع من ذلك فكانت تنفق على عبد الله وعلى ولده، قال فهذا يدل على أنها صدقة التطوع. واستدل أيضاً بقولها في حديث أبي هريرة عنده فأخذت حَلي، أتقرب به إلى الله عزوجل رجاء أن لا يجعلني الله من أهل النار؛ لأن الزكاة لا توجب الصدقة بكل المال، وإنما توجب الصدقة بجزء منه. واستدل لذلك أيضاً بما وقع في حديث أبي سعيد عند البخاري "زوجك وولدك أحق من أن تصدقت به عليهم" لأن الولد لا يعطي من الزكاة الواجبة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره، والأم يلزمها نفقة ولدها إذا كان أبوه فقيراً عاجزاً عن التكسب جداً عند الحنفية. ويمتنع إعطاء الصدقة الواجبة من يلزم المعطي نفقته وسيأتي الكلام على إعطاء الزكاة للزوج والولد. وما مسألة الحلي ففيها خلاف بين العلماء. فقال أبوحنيفة وأصحابه والثوري وعبد الله بن المبارك: تجب فيها الزكاة، وروى ذلك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وعبد الله عباس وابن عمر وعائشة، وبه قال عبد الله بن شداد وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء وابن سيرين، وجابر بن زيد ومجاهد والزهري وطاووس وميمون بن مهران والضحاك وعلقمة والأسود، وعمر بن عبد العزيز وإبراهيم النخعي وذر الهمداني والأوزاعي وابن شبرمة، والحسن بن حي وابن المنذر وابن حزم وهي رواية عن أحمد كما في المغني، وهو أحد أقوال الشافعي. وذهب مالك وأحمد وإسحاق والشافعي في أظهر قوليه إلى أنها لا تجب الزكاة فيها، وروي ذلك عن ابن عمر وجابر وأنس وعائشة وأسماء رضي الله عنهم، وبه قال القاسم ابن محمد والشعبي وقتادة ومحمد بن علي وعمرة وأبوعبيد وأبوثور، قال ابن المنذر: وقد كان الشافعي قال بهذا إذا هو
................................
ــ
بالعراق، ثم وقف عنه بمصر وقال: هذا مما استخير الله تعالى فيه ذكر المنذري في الترغيب. وقال الليث: ما كان من حلي يلبس ويعار فلا زكاة فيه، وإن اتخذ للتحرز من الزكاة ففيه الزكاة. وقال أنس بن مالك: يزكي عاماً واحداً لا غير. قال الأمير اليماني: في المسألة أربعة أقوال. الأول: وجوب الزكاة وهو مذهب الهادوية وجماعة من السلف وأحد أقوال الشافعي، عملاً بما روى في ذلك من الأحاديث. والثاني: لا تجب الزكاة في الحلية وهو مذهب مالك وأحمد والشافعي في أحد أقواله، لآثار وردت عن السلف قاضية بعدم وجوبها في الحلية، ولكن بعد صحة الحديث لا أثر للآثار. والثالث: إن زكاة الحلية عاريتها. والرابع: إنها تجب فيها الزكاة مرة واحدة، رواه البيهقي عن أنس وأظهر الأقوال دليلاً وجوبها لصحة الحديث وقوته- انتهى. قلت: القول بوجوب الزكاة في حلي الذهب والفضة هو الظاهر الراجح المعول عليه عندي، لعموم قوله تعالى:{والذين يكنزون الذهب والفضة} الآية ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم: في الرقة ربع العشر. قال ابن قتيبة: الرقة الفضة سواء كانت الدراهم أو غيرها، نقله ابن الجوزي في التحقيق، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة، والورق يطلق على الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة يدل على ذلك ما جاء في الحديث إن عرفجة اتخذ أنفاً من ورق، وفي حديث عائشة عند أبي داود وغيره فرأى في يدي فتخات من ورق. قال الخطابي في المعالم:(ج3:ص17) الطاهر من الكتاب يشهد لقول من أوجبها والأثر يؤيده، ومن أسقطها ذهب إلى النظر، ومعه طرف من الأثر والاحتياط أداءها- انتهى. وقال ابن حزم في المحلي:(ج6:ص80) لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقة ربع العشر وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، فإذا بلغ مائتي درهم ففيها خمسة دراهم وكان الحلي ورقاً وجب فيه حق الزكاة لعموم هذين الأثرين الصحيحين. وأما الذهب فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من صاحب ذهب لا يؤدي ما فيها إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار يكوي بها، فوجبت الزكاة في كل ذهب بهذا النص، ولم يأت إجماع قط بأنه عليه السلام لم يرد إلا بعض أحوال الذهب وصفاته، فلم يجز تخصيص شيء من ذلك بغير نص ولا إجماع. وقال: قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم إيجاب الزكاة في الذهب عموماً، ولم يخص الحلي منه بسقوط الزكاة فيه، لا بنص ولا بإجماع فوجبت الزكاة بالنص في كل ذهب وفضة، ولم يجز تخصيص شيء منهما إذ قد عمهما النص، فوجب أن لا يفرق بين أحوال الذهب بغير نص، ولا إجماع. والحلي فضة أو ذهب فلا يجوز أن يقال إلا الحلي بغير نص في ذلك ولا إجماع انتهى مختصراً. وقال الرازي في تفسيره: الصحيح عندنا وجوب الزكاة في الحلي، والدليل عليه قوله تعالى:{والذين يكنزون الذهب والفضة} الآية وأيضاً العمومات الواردة في إيجاب الزكاة في الحلي المباح، قال عليه السلام: في الرقة ربع العشر وغير ذلك من
............................
ــ
الأخبار فهذه الآية مع جميع هذه الأخبار توجب الزكاة في الحلي المباح، ثم نقول: ولم يوجد لهذا الدليل معارض من الكتاب وهو ظاهر؛ لأنه ليس في القرآن ما يدل أنه لا زكاة في الحلي المباح ولم يوجد في الأخبار أيضاً معارض إلا أن أصحابنا نقلوا فيه خبراً وهو قوله عليه السلام: لا زكاة في الحلي المباح، إلا إن أباعيسى الترمذي قال: لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلي خبر صحيح. وأيضاً بتقدير أن يصح هذا الخبر فنحمله على اللآلي؛ لأن الحلي في الحديث مفرد محلي بالألف واللام، وقد دللنا على أنه لو كان هناك معهود سابق وجب إنصرافه إليه، والمعهود في القرآن في لفظ الحلي اللآلي قال تعالى:{وتستخرجوا منه حلية تلبسونها} وإذا كان كذلك انصرف لفظ الحلي إلى اللآلي فسقطت دلالته، وأيضاً الاحتياط في القول بوجوب الزكاة، وأيضاً لا يمكن معارضة هذا النص بالقياس؛ لأن النص خير من القياس، فثبت إن الحق ما ذكرنا- انتهى. قلت: حديث لا زكاة في الحلي رواه ابن الجوزي في التحقيق بسنده عن عافية بن أيوب عن ليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس في الحلي زكاة. وعافية هذا قال الذهبي في الميزان: في ترجمته تكلم فيه ما هو بحجة وفيه جهالة- انتهى. وقال ابن عبد الهادي: الصواب وقفه. وقال الزيلعي (ج2:ص374) قال البيهقي في المعرفة: هو حديث باطل، لا أصل له إنما يروي عن جابر من قوله: وعافية بن أيوب مجهول، فمن احتج به مرفوعاً كان مغرراً بدينه داخلاً فيما يعيب المخالفين من الاحتجاج برواية الكذابين - انتهى. وقال الشيخ في الإمام: رأيت بخط شيخنا المنذري وعافية بن أيوب لم يبلغني فيه ما يوجب تضعيفه. قال الشيخ: ويحتاج من يحتج به إلى ذكر ما يوجب تعديله - انتهى. وقال الحافظ في التخليص (ص183) وعافية. قيل: ضعيف. وقال ابن الجوزي: ما نعلم فيه جرحاً. وقال البيهقي: مجهول. ونقل ابن أبي حاتم توثيقه عن أبي زرعة - انتهى. قلت: وفي وجوب الزكاة في الحلي أحاديث خاصة أيضاً فمنها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا. قالت لا، قال أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سواراً من نار. قال: فخلعتهما فألهتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت: هما لله ولرسوله أخرجه أبوداود والنسائي وأبوعبيد (ص439) والدارقطني (207) والبيهقي (ج4:ص140) كلهم من طريق حسين بن ذكوان المعلم عن عمرو بن شعيب وسكت عنه أبوداود. وقال الزيلعي (ج2:ص370) قال ابن القطان إسناده صحيح. وقال المنذري في مختصره. إسناده لا مقال فيه ثم بينه رجلاً رجلاً، وقال في آخر كلامه: وهذا إسناده تقوم به الحجة إنشاءالله انتهى. وقال ابن الملقن: رواه أبوداود بإسناد صحيح ذكره ميرك. وقال الحافظ في بلوغ المرام: إسناده قوي - انتهى. ورواه الترمذي بسند فيه مقال كما سيأتي. ومنها
..............................
ــ
حديث أم سلمة الآتي وهو حديث صحيح أو حسن كما ستعرف. ومنها: حديث أسماء بنت يزيد قالت: دخلت أنا وخالتي على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلينا أسورة من ذهب، فقال لنا: أتعطيان زكاته، فقلنا لا، قال: أما تخافان أن يسوركما الله أسورة من نار أديا زكاته، أخرجه أحمد (ج6:ص461) قال المنذري في الترغيب: بإسناد حسن. وقال الهيثمي: في مجمع الزوائد (ج3:ص67) إسناده حسن وذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه، وقال في الدراية في إسناده مقال- انتهى. قلت: في سنده علي بن عاصم وهو متكلم فيه، قال البخاري: ليس بالقوى عندهم. وقال مرة يتكلمون فيه، وقال الحافظ في التقريب: صدوق يخطيء ويصر، وفيه أيضاً شهر بن حوشب وهو صدوق كثير الإرسال والأوهام. والحق إن حديث أسماء هذا إن قصر عن درجة الحسن فلا يقصر عن أن يكون صالحاً للإستشهاد. ومنها: حديث عائشة قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال ما هذا يا عائشة! فقلت صنعتهن أتزين لك بهن يا رسول الله! قال أفتؤدين زكاتهن، فقلت لا، قال هن حسبك من النار، أخرجه أبوداود والدارقطني (ص205) والحاكم (ج1:ص389-390) والبيهقي (ج4:ص139) قال الخطابي في المعالم (ج2:ص17) والغالب إن الفتخات لا تبلغ نصاباً تجب فيها بمفردها الزكاة، وإنما معناه أن تضم إلى سائر ما عندها من الحلي فتؤدي زكاتها منه - انتهى. والحديث سكت عنه أبوداود والمنذري، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وقال ابن دقيق العيد: هو على شرط مسلم. ومنها: حديث فاطمة بنت قيس، قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم: بطوق فيه سبعون مثقالاً من ذهب، فقلت يا رسول الله! خذ منه الفريضة فأخذ منه مثقالاً وثلاثة أرباع مثقال. أخرجه الدارقطني (ص205) وفي إسناده أبوبكر الهذلي وهو ضعيف، ونصر بن مزاحم وهو أضعف منه، وتابعه عباد بن كثير أخرجه أبونعيم في ترجمة شيبان بن زكريا من تاريخه كذا في الدراية، وبسط الكلام فيه الزيلعي (ج2:ص373) ومنها: حديث عبد الله بن مسعود قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم إن لامرأتي حلياً من ذهب عشرين مثقالاً. قال: فأد زكاته نصف مثقال أخرجه الدارقطني (ص205) قال الحافظ: في الدراية إسناده ضعيف جداً. وأجاب القائلون: بعدم وجوب الزكاة في الحلي عن هذه الأحاديث بأجوبة كلها مردودة، فمنها إن الزكاة في هذه الأحاديث محمولة على أنه كان حين كان التحلي بالذهب حراماً على النساء، فلما أبيح لهن سقطت منه الزكاة بالاستعمال كما تسقط زكاة الماشية بالاستعمال، وهذا الجواب باطل. قال البيهقي في المعرفة، كيف يصح هذا القول من حديث أم سلمة، وحديث فاطمة بنت قيس، وحديث أسماء بنت يزيد، وفيها التصريح بلبسه مع الأمر بالزكاة، ذكره الزيلعي (ج2:ص374) ومنها إن الزكاة المذكورة في هذه الأحاديث. إنما كانت للزيادة على قدر الحاجة، وهذا إدعاء محض لا دليل عليه
رواه الترمذي.
1824-
(16) وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، إن امرأتين أتتا رسول الله صلى الله عليه وسلم: وفي أيديهما سوران من ذهب، فقال: لهما تؤديان زكاته، قالتا: لا، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم:((أتحبان أن يسور كما الله بسوارين من نار، قالتا: لا، قال فأديا زكاته)) . رواه الترمذي. وقال هذا حديث قد روى المثنى بن الصباح، عن عمر بن شعيب نحو هذا
ــ
بل في بعض الروايات ما يرده. قال الزيلعي: (ج2 ص374) بعد ذكر حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، من رواية أحمد وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهوية بلفظ: فأديا زكاة هذا الذي في أيديكما، ما نصه وهذا اللفظ يرفع تأويل من يحمله على أن الزكاة المذكورة فيه، شرعت للزيادة فيه على قدر الحاجة - انتهى. ومنها إن المراد بالزكاة في هذه الأحاديث التطوع لا الفريضة أو المراد بالزكاة العارية. قال القاري: وهما في غاية البعد إذ لا وعيد في ترك التطوع والإعارة مع أنه لا يصح إطلاق الزكاة على العارية لا حقيقة ولا مجازاً (رواه الترمذي) قال ميرك: ورجاله موثقون. قلت أصل الحديث في الصحيحين كما سيأتي في باب أفضل الصدقة.
1284-
قوله: (وفي أيديهما سواران) تثنية سوار ككتاب وغراب القلب كالأسوار بالضم، وجمعه أسورة وأساور وأساورة كذا في القاموس. ويقال له بالفارسية، دست برنجن، وفي الهندية كنكن. قال الطيبي: الظاهر أسورة لجمع اليد، والمعنى إن في يدي كل واحدة منهما سوارين. قلت: وقع في رواية لأحمد والدارقطني وعليهما أسورة وفي أخرى لأحمد وفي أيديهما أساور (تؤديان) أي أتؤديان (زكاته) أي الذهب أو ما ذكر من السوارين. قال الطيبي: الضمير فيه بمعنى اسم الإشارة كما في قوله تعالى: {لا فارضٌ ولا بكرٌ عوانٌ بين ذلك} [البقرة: 68](أن يسوركما الله بسوارين من نار) وعند أحمد في رواية: أن يسور كما الله يوم القيامة أساور من نار وفي أخرى: إن سور كما الله سوارين من نار، يقال سورت المرأة بالتشديد أي ألبستها سواراً. (فأديا زكاته) وفي رواية لأحمد: فأديا حق هذا الذي في أيديكما، وفي أخرى له: فأديا حق الله عليكما في هذا. وفي هذا الحديث أيضاً دليل على وجوب الزكاة في الحلي. قال شيخنا: وهو الحق (رواه الترمذي) من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأخرجه أحمد (ج2 ص178- 204- 208) والدارقطني (ص206) وابن أبي شيبة في مصنفه (ج3 ص27) الثلاثة من طريق الحجاج بن إرطاة عن عمرو بن شعيب نحوه (وقال) أي الترمذي (هذا الحديث قد روى المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب نحو هذا) قد تقدم أنه رواه عنه
والمثنى بن الصباح وابن لهيعة يضعفان الحديث، ولا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء.
ــ
الحجاج بن أرطاة أيضاً عند أحمد والدارقطني وابن أبي شيبة وحسين بن ذكوان المعلم عند أبي داود والنسائي وأبي عبيد والدارقطني والبيهقي، ولم أقف على من أخرجه من طريق المثنى بن الصباح. وأما قول الزيلعي وبسند الترمذي رواه أحمد وابن أبي شيبة واسحاق بن راهوية في مسانيدهم. وقوله:"طريق آخر أخرجه أحمد رضي الله عنه في مسنده عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب به وهي الطريق التي أشار إليها الترمذي" ففيه نظر. قال الشيخ أحمد شاكر في شرحه الترمذي للمسند: (ج10 ص200) بعد ذكر قولي الزيلعي المذكورين "لست أدري كيف كان هذان النقلان" أما مسند ابن راهوية فإني لم أراه ولكن مصنف ابن أبي شيبة أمامي وليس فيه إلا روايته من طريق الحجاج بن أرطاة، وكذلك مسند الإمام أحمد بين يدي وأستطيع أن أجزم بالاستقراء التام إنه لم يروه إلا من طريق الحجاج، فمن أين جاء بنسبة روايتي ابن لهيعة والمثنى بن الصباح لمسند أحمد؟ وهو أعنى الزيلعي لا يريد بإشارته إليهما رواية الحجاج بن أرطاة يقيناً، لأن كلامه صريح في الرواية من طريق ابن لهيعة والمثنى. ثم هو قد ذكر بعد ذلك رواية الحجاج بن أرطاة (ج3 ص371) ونسبها لأحمد والدارقطني فإن كان هذان النقلان سهواً منه يكن سهواً عجيباً، وإلا فإني عاجز أن أجد لشيء منه توجيهاً أو تأويلاً - انتهى. (والمثنى بن الصباح وابن لهيعة يضعفان) بصيغة المجهول (في الحديث) اعلم أنه روى الترمذي في جامعه هذا الحديث أولاً عن قتيبة نا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ثم قال: هذا حديث قد روى المثنى ابن الصباح عن عمرو بن شعيب الخ. وبهذا يظهر وجه تقريب ذكر ابن لهيعة وتضعيفه. وإنما وقع الإجمال والإغلاق في نقل صاحب المشكاة، وابن لهيعة هو عبد الله بفتح اللام وكسر الهاء ابن عقبة الحضرمي أبوعبد الرحمن المصري القاضي. قال في التقريب هو صدوق خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرون مات سنة أربع وسبعين ومائة، وقد ناف على الثمانين - انتهى. وارجع للبسط إلى تهذيب التهذيب (ولا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء) قال ابن الملقن: بل رواه أبوداود بإسناد صحيح، ذكره ميرك كذا في المرقاة، وقال الزيلعي في نصب الراية:(ج2 ص370) قال المنذري: لعل الترمذي قصد الطريقين الذي ذكرهما، وإلا فطريق أبي داود لا مقال فيها وقال ابن القطان: بعد تصحيحه لحديث أبي داود، وإنما ضعف الترمذي هذا الحديث؛ لأن عنده فيه ضعيفين ابن لهيعة والمثنى بن الصباح - انتهى. وقال الحافظ في الدراية:(ص161) بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه كذا قال، وغفل عن طريق خالد بن الحارث - انتهى. وأراد الحافظ بطريق خالد، هذا ما روى أبوداود عن أبي كامل
1825-
(17) وعن أم سلمة، قالت: كنت ألبس أوضاحاً من ذهب، فقلت يا رسول الله! أكنز هو؟ فقال:((ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي، فليس بكنز)) . رواه مالك، وأبوداود.
ــ
الجحدري، وحميد بن مسعدة والنسائي عن إسماعيل بن مسعود، كلهم عن خالد بن الحارث عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، إن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث. وقد ذكرنا سياقه. وقال في التلخيص:(ص183) بعد ذكر سياق أبي داود أخرجه من حديث حسين المعلم، وهو ثقة عن عمرو، وفيه رد على الترمذي حيث جزم بأنه لا يعرف إلا من حديث ابن لهيعة، والمثنى بن الصباح عن عمرو، وقد تابعهم حجاج بن أرطاة أيضاً. وقال الشيخ أحمد شاكر في شرحه لمسند الإمام أحمد:(ج10 ص197) بعد نقل كلام الترمذي المتقدم ما لفظه، والعجب من الترمذي كيف خفي عليه رواية الحجاج بن أرطاة هذا الحديث، عن عمرو بن شعيب مع كثرة من رووه عن الحجاج والثقة بهم. ثم إن أكثر ما يؤخذ على هؤلاء الثلاثة الحجاج ابن أرطاة وابن لهيعة والمثنى بن الصباح، خشية الغلط أو الاضطراب مع ما رمى به الحجاج من التدليس، ولم يجرح واحد منهم في صدقة وأمانته فإذا اتفق هؤلاء الثلاثة، أو اثنان منهم على رواية حديث كان احتمال الخطأ مرفوعاً أو بعيداً على الأقل. فإني يكون هذا الحديث ضعيفاً، وقد جاء نحو معناه بإسناد صحيح لا خلاف في صحته، فذكر رواية أبي داود والنسائي من طريق خالد بن الحارث، ولم ينفرد بذلك خالد بل تابعه محمد بن أبي عدي عند أبي عبيد، وأبوأسامة عند الدارقطني، فظهر بهذا أن قول الترمذي "ولا يصح في هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء" غير صحيح والله تعالى أعلم.
1825-
قوله: (كنت ألبس) بفتح الموحدة من باب سمع (أوضاحاً) في النهاية هو جمع وضح بفتحتين نوع من الحلي يعمل من الفضة سمي به لبياضه. وفي جامع الأصول (ج5 ص480) الأوضاح حلي من الدراهم الصحاح، هكذا قال الجوهري، وقال الأزهري: الأوضاح حلي من الفضة - انتهى. وفي منتهى الأرب بالفارسية وضح بمعنى خلخال أي حلقة طلا، ونقره كه در بائي كنند، وآنرا بفارسي بائي برنجن نامند (من ذهب) هذا يدل على أنها تسمى إذا كانت من ذهب أوضاحاً (أكنز هو) يعني استعمال الحلي كنز من الكنوز الذي بشر صاحبه بالنار في قوله تعالى:{والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة: 34](ما بلغ) أي الذي بلغ (أن تؤدي) بصيغة المجهول (زكاته) أي بلغ نصاباً (فزكى) بصيغة المجهول أي أدى زكاته (فليس بكنز) فيه دليل كما في الحديث الذي قبله على وجوب زكاة الحلية، وإن كل مال أخرجت زكاته فليس بكنز، فلا يشمله الوعيد في الآية (رواه مالك وأبوداود) ونسبه الجزري في جامع الأصول (ج5 ص331) إلى مالك فقط. حيث قال (ط عطاء بن أبي رباح) قال بلغني إن أم سلمة قالت: كنت ألبس
1826-
(18) وعن سمرة بن جندب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:((كان يأمرنا أن نخرج الصدقة، من الذي نعد للبيع)) .
ــ
أوضاحاً من الذهب فذكر مثل سياق الكتاب سواء. ثم قال: أخرجه الموطأ ولم أجد حديث أم سلمة هذا في النسخ الموجودة عندنا من الموطأ، ولم يعزه إليه أحد غير صاحب المشكاة وصاحب جامع الأصول فقد أورده الزيلعي في نصب الراية (ج2 ص371، 372) والحافظ في الفتح، والتلخيص والدراية، وبلوغ المرام، والعيني في شرح البخاري (ج9 ص34) والشوكاني في السيل الجرار، والنابلسي في ذخائر المواريث، ولكنه لم ينسبه أحد منهم إلى الموطأ، ولا أدري كيف كانت نسبة المصنف، والجزري هذه الرواية إلى الموطأ ولعل هذا سهو منهما. ويمكن أن يأول أن يوجه بأنها كانت موجودة في رواية غير يحيى المصمودي للموطأ والله تعالى اعلم - والحديث. أخرجه أبوداود من طريق عتاب بن بشير عن ثابت بن عجلان عن عطاء عن أم سلمة، وأخرجه الحاكم (ج1 ص390) عن محمد بن مهاجر عن ثابت به. ولفظه: إذا أديت زكاته فليس بكنز، وكذلك رواه الدارقطني (ص204) والبيهقي (ج4 ص83) وصححه الحاكم والذهبي على شرط البخاري. وقال الحافظ في الدراية: قواه ابن دقيق العيد: وقال في الفتح: بعد عزوه إلى الحاكم وصححه ابن القطان أيضاً، وأخرجه أبوداود. وقال ابن عبد البر في سنده مقال. وذكر شيخنا في شرح الترمذي إن سنده جيد - انتهى. قلت: تكلم في هذا الحديث البيهقي وابن الجوزي، وقد رد عليهما الزيلعي في نصب الراية (ج2 ص372) والحق عندي: أن هذا الحديث لا ينحط عن درجة الحسن بل هو صحيح، كما قال الحاكم والذهبي وابن القطان والله تعالى أعلم. فائدة يعتبر في النصاب في الحلي الذي تجب فيه الزكاة بالوزن، فلو ملك حلياً قيمته مائتا درهم ووزنه دون المائتين، لم يكن عليه زكاة، وإن بلغ مائتين وزناً ففيه الزكاة. وإن نقص في القيمة لقوله عليه السلام "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" اللهم إلا أن يكون الحلي للتجارة فيقوم، فإذا بلغت قيمته بالذهب والفضة نصاباً ففيه الزكاة؛ لأن الزكاة متعلقة بالقيمة، وما لم يكن للتجارة فالزكاة في عينه فيعتبر أن يبلغ بقيمته ووزنه نصاباً وهو، مخير بين إخراج ربع العشر حلية مشاعاً أو دفع ما يساوي ربع عشرها من جنسها. وإن زاد في الوزن على ربع العشر؛ لأن الربا لا يجري ههنا، لأن المخرج حق لله ولا ربوا بين العبد وسيده، ولو أراد كسرها ودفع ربع عشرها لم يكن منه لأنه ينقص قيمتها، وهذا مذهب الشافعي. وإن أراد إخراج الفضة عن حلي الذهب أو الذهب عن الفضة أخرج على الوجهين كما قدمنا في إخراج أحد النقدين عن الآخر كذا في المغنى (ج3 ص12) .
1826-
قوله: (كان يأمرنا أن نخرج الصدقة) أي الزكاة الواجبة (من الذي) أي المال الذي (نعده) بضم النون وكسر العين المهملة من الأعداد أي نهيئه (للبيع) أي للتجارة وخص لأنه الأغلب. قال الطيبي: وفيه
.................................
ــ
دليل على أن ما ينوي به القنية لا زكاة فيه - انتهى. قلت: الحديث دليل ظاهر على وجوب الزكاة في مال التجارة، لأن قول الراوي يأمرنا يفهم أنه صلى الله عليه وسلم كان يأتي بصيغة تفيد الأمر، والأصل فيه الوجوب وهي قرينة على حمل الصدقة على الزكاة الواجبة. واختلف العلماء في ذلك: قال ابن رشد في البداية: (ص230) اتفقوا على أن لا زكاة في العروض التي لم يقصد بها التجارة، واختلفوا في إيجاب الزكاة فيما اتخذ منها للتجارة. فذهب فقهاء الأمصار إلى وجوب ذلك ومنع ذلك أهل الظاهر - انتهى. وقال ابن قدامة:(ج3 ص29) تجب الزكاة في قيمة عروض التجارة في قول أكثر أهل العلم، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة، إذا حال عليها الحول. روى ذلك عن ابن عمر وابنه وابن عباس، وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر ابن زيد وميمون بن مهران، وطاووس والنخعي والثوري والأوزاعي والشافعي وأبوعبيد وإسحاق وأصحاب الرأي، وحكى عن مالك وداود لا زكاة فيها - انتهى. قلت: ما حكى عن مالك هو سهو من ابن قدامة؛ لأن الموطأ صريح في إيجاب الزكاة في مال التجارة، واتفقت فروع المالكية على إثباتها، ولم يحك أحد من نقله المذاهب خلاف مالك، في ذلك ويمكن أن تكون المسألة اشتبهت على ابن قدامة بالتاجر المحتكر، فإن الإمام مالكاً لم يقل بوجوب الزكاة عليه في كل سنة، خلافاً للجمهور. بل قال: إنما يجب الزكاة عليه في ثمنه إذا نض بالبيع لسنة واحدة فقط. وإن أقام عنده أحوالاً. قلت: واستدل للجمهور على وجوب الزكاة في مال التجارة بحديث الباب وفي سنده مقال. واختلف العلماء في تصحيحه وتضعيفه كما ستعرف. وبقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقةً} [التوبة: 103] قال ابن العربي: وهذا عام في كل مال على اختلاف أصنافه وتباين أسماءه واختلاف أغراضه، فمن أراد أن يخصه في شيء فعليه الدليل وبقوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم} [البقرة: 267] قال مجاهد: نزلت في التجارة. وبما روى عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: في الإبل صدقتها، وفي البَزِّ صدقته. أخرجه أحمد والدارقطني والحاكم والبيهقي. قال الحافظ في الدراية: وإسناده حسن - انتهى. وفسروا البز بالثياب المعدة للبيع عند البزارين. قلت: للحديث أربعة طرق إحداها: عن عاصم عن موسى بن عبيدة الربذي عن عمران بن أبي أنس عن مالك بن أوس أبي الحدثان عن أبي ذر. والثانية: عن سعيد بن سلمة بن أبي الحسام عن موسى بن عبيدة عن عمران بن أبي أنس، وهاتان الطريقتان عند الدارقطني (ص203) والبيهقي (ج4 ص147) قال الدارقطني: في آخر الطريق الأولى، وفي البز صدقته قالها بالزاي، وفي آخر الثانية كتبته من الأصل العتيق، وفي البز مقيداً - انتهى. وموسى بن عبيدة ضعيف. والثالثة: من رواية ابن جريج عن عمران بن أبي أنس وهي عند أحمد (ج6 ص179) والدارقطني (ص203) والحاكم (ج1 ص388) والبيهقي (ج4 ص147) رواها الدارقطني والبيهقي بلفظ: وفي البز
..................................
ــ
صدقته أي بالزاي المعجمة، ولفظ أحمد والحاكم في النسختين المطبوعتين من المسند والمستدرك وفي البر صدقته أي بالراء المهملة. وقال ابن دقيق العيد: الأصل الذي نقلت منه هذا الحديث من المستدرك، ليس فيه البز بالزاي المعجمة وفيه ضم الباء في الموضعين أي في هذا الطريق، وفي الطريق الآتي فيحتاج إلى كشفه من أصل آخر معتبر، فإن اتفقت الأصول على ضم الباء فلا يكون فيه دليل على مسألة زكاة التجارة - انتهى. قال الزيلعي: وهذا فيه نظر، فقد صرح به في مسند الدارقطني، قالها بالزاي كما تقدم (ولكن طريقة ضعيفة كما عرفت) . وقال النووي في تهذيب اللغات: هو بالباء والزاي، ومن الناس من صحفه بضم الباء وبالراء المهملة وهو غلط - انتهى. وهذا الطريق الثالث معلول، وإن صححه الحاكم والذهبي على شرط الشيخين، لأن ابن جريج رواه عن عمران أنه بلغه عنه كما في مسند الإمام أحمد ورواه الترمذي في العلل من هذا الوجه. وقال: سألت البخاري عنه، فقال لم يسمعه ابن جريج من عمران، هو يقول حُدِّثْتُ عن عمران. وقال ابن القطان: ابن جريج مدلس، لم يقل حدثنا عمران، فالحديث منقطع ثم نقل كلام الترمذي. والطريقة الرابعة: عن سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، ثنا عمران بن أبي أنس أخرجها الحاكم أيضاً وصححها على شرط الشيخين. وقال الحافظ في التلخيص: وهذا إسناد لا بأس به. قلت: فالحديث بمجوع طرقه حسن صالح للاحتجاج هذا مما لا شك فيه عندنا. واستدل للجمهور أيضاً بما روى الشافعي في الأم (ج2 ص39) وعبد الرزاق والدارقطني (ص213) وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والبيهقي (ج4 ص147) وأبوعبيد (ص425) عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه إن عمر قال له: قومها يعني الأدرم والجعاب ثم أد زكاتها. قال ابن قدامة: هذه قصة يشتهر مثلها ولم تنكر فيكون إجماعاً. وبما روى محمد بن الحسن في كتاب الآثار (ص48) وأبوعبيد (ص533) عن زيادة بن جدير. قال: بعثني عمر مصدقاً فأمرني أن آخذ من المسلمين من أموالهم إذا اختلفوا بها للتجارة ربع العشر الحديث. وبما روى البيهقي (ص147) بإسناد صحيح والشافعي (ج2 ص39) عن ابن عمر قال: ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة. وبما روى عبد الرزاق من وجه آخر صحيح عن ابن عمر أنه كان يقول: في كل مال يدار في عبيد أو دواب أو بز للتجارة تدار الزكاة فيه كل عام. قال الزرقاني قال الطحاوي: ثبت عن عمر وابنه زكاة عروض التجارة ولا مخالف لهما من الصحابة وهذا يشهد إن قول ابن عباس وعائشة، لا زكاة في العروض إنما هو في عروض القنية. وقال البيهقي: بعد رواية أثر ابن عمر المتقدم وهذا قول عامة أهل العلم، فالذي روى عن ابن عباس أنه قال: لا زكاة في العروض. فقد قال الشافعي: في كتابة القديم إسناد الحديث عن ابن عباس ضعيف، فكان إتباع حديث ابن عمر لصحته والاحتياط في الزكاة أحب إلي والله أعلم. قال البيهقي: وقد حكى ابن المنذر عن عائشة وابن عباس مثل ما روينا عن ابن عمر ولم يحك خلافهم عن أحد، فيحتمل أن يكون معنى قوله إن صح لا زكاة في العرض أي إذا لم يرد به التجارة - انتهى. وبما روى
رواه أبو داود
ــ
مالك في الموطأ إن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامل:انظر من مر بك من المسلمين فخذ مما ظهر من أموالهم مما يريدون من التجارة، من كل أربعين دينارا دينارا. قال ابن العربي: إن عمر بن عبد العزيز كتب بأخذ الزكاة من العروض والملأ الملأ والوقت الوقت، بعد أن استشار واستخار، وحكم بذلك وقضى به على الأمة. فارتفع الخلاف بحكمه، وقد أخذها عمر إلا على قبله وهو صحيح من رواية أنس- انتهى. وبأن العروض المتخذة للتجارة مال مقصود به التنمية فأشبه الأجناس الثلاثة التي فيها الزكاة باتفاق، أعني الحرث والماشية والذهب والفضة.
واستُدل للظاهرية بما تقدم من قوله عليه السلام: ليس على المسلم صدقة في عبده ولا في فرسه فإنه لم يقل إلا أن ينوي بهما التجارة. وأجيب عنه بأن المراد به زكاة العين لا زكاة القيمة بدليل ما تقدم على أن هذا الحديث عام وما استدل به الجمهور من الأحاديث والآثار خاص فيجب تقديمه هذا.
ومال الشوكاني إلى عدم وجوب الزكاة فى عروض التجارة حيث قال في السيل الجرار بعد الكلام في حديثي سمرة وأبي ذر. والحاصل أنه (ليس في المقام ما تقوم به الحجة. وإن كان مذهب الجمهور كما حكاه البيهقي فى سننه. فإنه قال إنه قول عامة أهل العلم والدين- انتهى.
قلت: والحق عندي: هو ما ذهب إليه الجمهور لما قدمنا من الدلائل وهي بمجموعها تنتهض للاستدلال على مسلك الجمهور، وتقوم بها الحجة في المقام والله تعالى أعلم.
ثم رأيت صاحب تفسيرالمنار قد قوى قول الجمهور بوجه آخر حسن فأحببت إيراده. قال: وجمهور علماء الملة يقولون بوجوب زكاة عروض التجارة، وليس فيها نص قطعي من الكتاب أو السنة. وإنما ورد فيها روايات يقوي بعضها بعضا مع الاعتبار المستند إلى النصوص، وهو إن عروض التجارة المتداولة للاستغلال نقود، لا فرق بينها وبين الدراهم والدنانير التى هي أثمانها، إلا في كون النصاب يتقلب ويتردد بين الثمن وهو النقد والمثمن وهو العروض، فلو لم تجب الزكاة فى التجارة لأمكن لجميع الأغنياء. أو أكثرهم أن يتجروا بنقودهم ويتحروا أن لا يحول الحول على نصاب من النقدين أبدا. وبذلك تبطل الزكاة فيهما عندهم، ورأس الاعتبار في المسئلة إن الله تعالى فرض في أموال الأغنياء صدقة لمواساة الفقراء، وإقامة المصالح العامة التي تقدم بيانها. وإن الفائدة فى ذلك للأغنياء تطهير أنفسهم من رذيلة البخل وتزكيتها بفضائل الرحمة بالفقراء، وسائر أصناف المستحقين ومساعدة الدولة والأمة فى إقامة المصالح العامة الأخرى التي يأتى ذكرها. والفائدة للفقراء وغيرهم إعانتهم على نوائب الدهر، مع ما في ذلك من سد ذريعة المفاسد، في تضخم الأموال وحصرها في أناس معدودين. وهو المشار إليه بقوله تعالى حكمه قسمة الفىء (كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم) فهل يعقل أن يخرج من هذه المقاصد الشرعية كلها التجار الذين ربما تكون معظم ثروة الأمة في أيديهم- انتهى.
(رواه أبو داود) وأخرجه أيضا الدارقطني (ص 214) والطبراني في الكبير والبزار والبيهقي
1827-
(19) وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن
ــ
(ج4 ص146) جميعهم من رواية جعفر بن سعد عن خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان بن سمرة عن جده سمرة. قال الحافظ في بلوغ المرام: إسناده لين وفي الدراية فيه ضعف، وفي التلخيص في إسناده جهالة وقال الهيثمي: في إسناده ضعف. وقال ابن حزم: رواته يعني من جعفر إلى سمرة مجهولون لا يعرف من هم، وتبعه ابن القطان. فقال: ما من هؤلاء من يعرف حاله، وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم وهو إسناد يروي به جملة أحاديث قد ذكر البزار منها نحو المائة وقال عبد الحق: خبيب هذا ضعيف وجعفر ليس ممن يعتمد عليه. وقال الذهبي في الميزان: خبيب لا يعرف، وقد ضعف، قال: وبكل حال هذا إسناد مظلم لا ينهض بحكم - انتهى. قلت: الحديث سكت عنه أبوداود ثم المنذري بعده وهذا تحسين منهما. وقال ابن عبد البر: وقد ذكر هذا الحديث رواه أبوداود وغيره بإسناد حسن - انتهى. وقال ابن القطان: متعقباً على عبد الحق فذكر في كتاب الجهاد حديث من كتم غالاً فهو مثله، وسكت عنه من رواية جعفر بن سعد هذا، عن خبيب بن سليمان عن أبيه فهو منه تصحيح. ذكره الزيلعي (ج2 ص376) والرواة الثلاثة أي جعفر وخبيب وأبوه سليمان ذكرهم ابن حبان في ثقاته. فائدة قال ابن قدامة:(ج3 ص30) من ملك عرضاً للتجارة فحال عليه الحول وهو نصاب قومه في آخر الحول، فما بلغ أخرج زكاته وهو ربع عشر قيمته، ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في اعتبار الحول، وقد دل عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" إذا ثبت هذا فإن الزكاة تجب فيه في كل حول، وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وأبوعبيد وأصحاب الرأي. وقال مالك: لا يزكيه إلا لحول واحد إلا أن يكون مديراً أي غير محتكر - انتهى. قلت: حاصل مذهب مالك ما ذكره الزرقاني من أن إدارة التجارة ضربان. أحدهما: التقلب فيها وإرتصاد الأسواق بالعروض فلا زكاة، وإن أقام أعواماً حتى يبيع فيزكي لعام واحد. والثاني: البيع في كل وقت بلا انتظار سوق كفعل أرباب الحوانيت فيزكي كل عام بشروط أشار إليها الباجي وذهب الأئمة الثلاثة وغيرهم إلى أن التاجر يقوم كل عام ويزكي مديراً كان أو محتكراً - انتهى. قلت: ظاهر الأحاديث والآثار المذكورة التي فيها الأمر بالزكاة، مما يعد للبيع يعم المدير والمحتكر من غير فرق، بين ما ينض وبين ما لا ينض، فالقول الراجح هو ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة ثم ههنا مسائل تتعلق بالزكاة في عروض التجارة، لا يستغني عنها الطالب فعليه أن يرجع إلى المغني.
1827-
قوله: (وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) التيمي مولاهم أبوعثمان المدني المعروف بربيعة الرأي واسم أبيه فروخ ثقة فقيه مشهور من صغار التابعين، أدرك بعض الصحابة والأكابر من التابعين، وكان أحد مفتى المدينة، وكان يجلس إليه وجوه الناس بالمدينة، وعنه أخذ مالك روى عن أنس والسائب بن يزيد وابن
عن غير واحد، ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع لبلال بن الحارث المزني، معادن القبلية
ــ
المسيب والقاسم بن محمد ومكحول وغيرهم، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك وشعبة والسفيانان، وحماد ابن سلمة والليث والدراوردي وغيرهم. قال ابن سعد: كانوا يتقونه لموضع الرأي مات سنة (136) على الصحيح وقيل سنة (133) وقال الباجي: في رجال البخاري سنة (142) قال مالك: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة. وقال الذهبي: كان ربيعة إماماً حافظاً فقيهاً مجتهداً بصيراً بالرأي، ولذلك يقال له ربيعة الرأي أخباره مستوفاة في تاريخ دمشق وتاريخ بغداد قال الخطيب: كان فقيهاً عالماً حافظاً للفقه والحديث - انتهى. (عن غير واحد) زاد رواية أبي والبيهقي من علماءهم (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال المنذري: هذا مرسل، وهكذا رواه مالك في الموطأ مرسلاً ولفظه عن غير واحد من علماءهم. وقال أبوعمر بن عبد البر: هكذا في الموطأ عند جميع الرواة مرسل، ولم يختلف فيه عن مالك، وذكر إن الدراوردي رواه عن ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني عن أبيه وقال أيضاً: وإسناد ربيعة فيه صالح حسن كذا في عون المعبود. قلت: وصله البزار وأبوعبيد (ص290) والحاكم (ج1 ص404) ومن طريقة البيهقي (ج4 ص152) من رواية عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عبد البر: ورواه أبوسبرة المديني عن مطرف عن مالك عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن بلال موصولاً، لكن لم يتابع عليه، قال ورواه أبوأويس عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده وعن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس. قلت: أخرجه من الوجهين الآخرين أحمد (ج1 ص306) وأبوداود وكثير بن عبد الله حسن حديثه البخاري والترمذي وتكلم فيه غيرهما، وأبوأويس عبد الله ابن عبد الله أخرج له مسلم الشواهد وضعفه غير واحد (أقطع) من الإقطاع وهذه رواية أبي داود، وفي الموطأ قطع بدون الهمزة، وكذا عند أبي عبيد (ص338) والبيهقي (ج4 ص152) والمعروف عند أهل اللغة، وفي الأحاديث والآثار هو الإقطاع. قال الحافظ في الفتح. تقول أقطعته أرضاً جعلتها له قطيعة، والمراد به ما يخص به الإمام بعض الرعية من الأرض الموات، فيختص به ويصير أولى بإحياءه ممن لم يسبق إلى أحياءه. واختصاص الإقطاع بالموات متفق في كلام الشافعية - انتهى. وقال الطيبي: الإقطاع ما يجعله الإمام لبعض الأجناد والمرتزقة من قطعة أرض ليرتزق من ريعها في النهاية، الإقطاع يكون تمليكاً وغير تمليك. وقال العيني: الإقطاع هو تسويغ الإمام من مال الله تعالى لمن يراه أهلاً لذلك، وأكثرها ما يستعمل في إقطاع الأرض، وهو أن يخرج منها شيئاً يجوزه، إما أن يملكه إياه فيعمره، أو يجعل له غلته ففي صورة التمليك الذي أقطع له، وهو الذي يسمى المقطع له رقبة الأرض فيصير ملكاً له، يتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم، وفي صورة جعل الغلة لا يملك إلا منفعة الأرض دون رقبتها. فعلى هذا لا يجوز للجندي الذي يقطع له أن يوجر ما اقطع له، لأنه يملك منافعها وإن لم يملك رقبته (معادن القبيلة) بفتح القاف وفتح الموحدة وكسر اللام وبالياء المشددة المفتوحة
وهي من ناحية الفرع، فتلك المعادن لا تؤخذ منها، إلا الزكاة إلى اليوم.
ــ
مجرورة بالإضافة، وهي منسوبة إلى قبل بفتحِ القاف والباء، وهي ناحية من ساحل البحر، بينها وبين المدينة خمسة أيام. وقيل هو بكسر قاف ثم لام مفتوحة ثم باء. قال في النهاية: نسبة إلى قبل بفتح القاف والباء هذا هو المحفوظ في الحديث. وفي كتاب الأمكنة القلبة بكسر القاف وبعدها لام مفتوحة ثم باء- انتهى. قال ابن الملك: يعني أعطاه ليعمل فيها ويخرج الذهب والفضة لنفسه، وهذا يدل عل جواز إقطاع المعادن ولعلها كانت باطنة، فإن الظاهرة لا يجوز إقطاعها- انتهى. والمراد بالظاهرة ما يبدو جوهرها بلا عمل، وإنما السعي والعمل لتحصيله، وذلك كالنفطة الكبريت والقار والقطران، وأحجار الرحى وشبهها، وهذه لا يملكها أحد بالإحياء والعمارة، إن أراد بها النيل، ولا يختص بها المحتجر. وليس للإمام إقطاعها بل هي مشتركة بين الناس كالماء
والحطب، وبالباطنة ما لا يظهر جوهرها إلا بكدوح واعتمال واستخراج، كالذهب والفضة والرصاص والنحاس والحديد وسائر الجواهر المبثوثة في الأرض. واختلفوا فيها هل يملكها بالإحياء؟ وفيه وجهان للشافعية: أظهرهما إنها كالظاهرة، والحق أنه يملكها بالإحياء ويجوز للإمام إقطاعها (وهي من ناحية الفرع) قال النووي في تهذيبه: بضم الفاء واسكان الراء قربة ذات نخل وزرع ومياه، جامعة بين مكة والمدينة على نحو أربع مراحل من المدينة وقال الزرقاني: بضم الفاء والراء كما جزم به السهيلي وعياض في المشارق، وقال في كتابه التنبيهات: هكذا قيده الناس، وكذا رويناه. وحكى عبد الحق عن الأحول إسكان الراء ولم يذكره غيره انتهى. فاقتصار النهاية
والنووي في تهذيبه على الإسكان مرجوح. قال في الروض: بضمتين من ناحية المدينة فيها عينان، يقال لهما الربض والنجف يسقيان، عشرين ألف نخلة- انتهى. وقال في معجم البلدان: والفرع قرية من نواحي الربذة عن يسار السقياء بينها وبين المدينة ثمانية برد عل طريق مكة. وقيل: أربع ليال وبها منبر ونخل ومياه كثيرة
(فتلك المعادن لا تؤخذ) بالتأنيث وفي الموطأ وسنن أبى داود والبيهقي والأموال لا يؤخذ بالتذكير
(منها إلا الزكاة إلى اليوم) أي لا يؤخذ منها الخمس كالركاز. قال المظهر: أي الأربع العشر كزكاة النقدين، قال الباجى:
هذا دليل واضح على أن المعدن يجب فيما يخرج منه الزكاة- انتهى. وإليه ذهب مالك وأحمد وإسحاق وهو أحد أقوال الشافعي، واستدل لهم بحديث الباب. وبما تقدم من قوله عليه السلام في الرقة ربع العشر ويقاس عليها غيرها، وبما ثبت عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامله بأخذ ربع العشر من المعدن، وذهب أبو حنيفة والثورى ومكحول وأبو عبيد والزهري إلى أن الواجب في المعدن الخمس، لأنه يصدق عليه اسم الركاز. وقد تقدم الخلاف وتحقيق الحق في ذلك. قال في تحفة المنهاج: وهو قول للشافعي قياسا على الركاز يجامع الإخفاء.
والقول الثالث للشافعي: إن وجد بتعب ومؤنة كطحن ومعالجة بنار فربع العشر وإلا فالخمس. وأجاب
رواه مالك، وأبو داود.
ــ
القائلون بوجوب الخمس في المعدن عن حديث الباب بوجوه. منها: ما قال أبو عبيد وابن حزم أنه حديث منقطع. ومنها: إن قوله فتلك المعادن تؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم لا يوجد في الطرق الموصولة. ومنها: ما قال الشافعي ليس هذا مما يثبته أهل الحديث، ولو ثبتوه لم تكن فيه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا إقطاعه. فأما الزكاة في المعادن دون الخمس فليست مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو عبيد: ومع كون الحديث لا إسناد له لم يذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك، إنما قال: فهي تؤخذ منها الصدقة إلى اليوم. قال ابن الهمام: يعني فيجوز كون ذلك من أهل الولايات اجتهاداً منهم. وتعقب بما تقدم من أنه رواه البزار والطبراني وأبو عبيد والحاكم والبيهقي موصولا من طريق الدراوردى، وقد صرح في رواية الحاكم برفع الزيادة المذكورة ولفظه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ من المعادن القبلية الصدقة، وأنه أقطع بلال بن الحارث العقيق أجمع، فلما كان عمر رضى الله عنه، قال لبلال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقطعك لتحتجره عن الناس، لم يقطعك إلا لتعمل. قال: فاقطع عمر للناس العقيق قال الحاكم: قد احتج مسلم بالدراوردي، وهذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي. وقال البيهقي: بعد ذكر قول الشافعي المتقدم هو كما قال الشافعي في رواية مالك، وقد روى عبد العزيز الدراوردي عن ربيعة موصولا، ثم رواه البيهقي عن الحاكم باللفظ المتقدم، وتعقب العيني في البناية علي رفعه بما لا يلتفت إليه. ومنها: ما قال صاحب البدائع: انه يحتمل أنه إنما لم يأخذ منه ما زاد على ربع العشر لما علم من حاجته وذلك جائز عندنا- انتهى. وفى ذكر هذا غنى عن الرد فإنه لا دليل على هذا الاحتمال، وأيضا يبطله الحصر المذكور في الحديث والاستمرار
علي أخذ الزكاة فقط، على مرور الأزمان. ومنها: ما أجاب به الشاه ولى الله الدهلوى في المسوى حيث قال، بعد حكاية كلام الإمام الشافعي المتقدم، أقول ولو كانت الزكاة مروية عن النبى صلى الله عليه وسلم، فليس ذلك نصا في ربع العشر بل يحتمل معنيين آخرين أحدهما يؤخذ منه الخمس، وهو زكاة وهو قول للشافعي، والحصر بالنسبة إلى الكل.
والثاني إذا ملكه وحال عليه الحول تؤخذ منه الزكاة وهو قول جمع من المحدثين- انتهى. قلت: الظاهر المتبادر من لفظ الزكاة هو ربع العشر وإطلاق الزكاة على الخمس غير معروف، وأما الاحتمال الثاني فغير بعيد.
(رواه مالك) عن ربيعة الرأى (وأبو داود) عن عبد الله بن مسلمة عن مالك به وتقدم ذكر من أخرجه غيرهما مع بيان ما فيه من الكلام.
فوائد:
الأولى: إن ما يخرج من المعدن ثلاثة أنواع الأول ما يذوب بالنار وينطبع بالحلية كالذهب والفضة والحديد والرصاص ونحو ذلك. والثاني: ما لا يذوب بالإذابة كالياقوت والبلور والعقيق والزمرد والفير وزج والكحل والمغرة والزرنيخ والجص والنورة ونحوها. والثالث: ما يكون مائعا كالنفط والقار،
.................................
ــ
واختلف الأئمة في حكم هذه الأنواع، فذهب الحنفية كما تقدم إلى أن وجوب الخمس يختص بالنوع الأول دون النوعين الأخيرين. قال الكاساني: أما ما لا يذوب بالإذابة فلا خمس فيه ويكون كله للواجد، لأن الجص والنورة ونحوهما من أجزاء الأرض، فكان كالتراب والياقوت والفص من جنس الأحجار غير أنها أحجار مضيئة، ولا خمس في الحجر. وقال مالك والشافعي وابن حزم وداود يجب الزكاة في الذهب والفضة خاصة. وأوجب أحمد الزكاة في الأنواع الثلاثة. قال في الرواض المربع: المعدن إن كان ذهباً أو فضة ففيه ربع عشره إن بلغ نصاباً، وإن كان غيرهما ففيه ربع عشر قيمته، إن بلغت نصاباً بعد سبك وتصفية - انتهى. واستدل ابن قدامة لذلك بعموم قوله تعالى:{ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] وقال الشاه ولي الله الدهلوي في المصفى شرح الموطأ بالفارسية: الظاهر إن المعادن القبلية لم تكن من الذهب والفضة، فإنها لم يذكرها أهل التاريخ، ومن البعيد سكوت جميعهم عن ذكرها، وإهمالهم إياها أو خفاءها عليهم، مع كونها بقرب المدينة. فالظاهر إنها كانت من بقية المنطبعات أو من غير ما ينطبع كالمغرة والنورة وهذا الأخير أقرب، فالظاهر هو ما قال به أحمد: من أن الزكاة تجب في كل ما يخرج من المعدن، منطبعاً كان أو غير منطبع - انتهى معرباً. الثانية: اختلفوا هل يشترط النصاب في الوجوب فيما يخرج من المعدن أم لا، قال العيني: يجب الخمس في قليله وكثيره ولا يشترط فيه النصاب عندنا واشترط مالك والشافعي وأحمد لوجوب الزكاة فيه أن يكون الموجود نصاباً ولنا أن النصوص خالية عن اشتراط النصاب فلا يجوز اشتراطه بغير دليل شرعي - انتهى. وقال ابن قدامة: (ج3 ص25) وهو أي نصاب المعادن ما يبلغ من الذهب عشرين مثقالاً، ومن الفضة مائتي درهم، أو قيمة ذلك من غيرهما، وهذا مذهب الشافعي. وأوجب أبوحنيفة الخمس في قليله وتكثيره من غير اعتبار نصاب، بناء على أنه ركاز لعموم الأحاديث التي احتجوا بها عليه؛ ولأنه لا يعتبر له حول فلم يعتبر له نصاب كالركاز. ولنا عموم قوله السلام: ليس فيما دون خمس أواق صدقة. وقوله: ليس في تسعين ومائة شيء، وقوله صلى الله عليه وسلم: ليس عليكم في الذهب شيء، حتى يبلغ عشرين مثقالا. وقد تقدم إن هذا ليس بركاز، وأنه مفارق للركاز، حيث إن الركاز مال كافر أخذ في الإسلام فأشبه الغنيمة، وهذا وجب مواساة وشكر النعمة الغني فاعتبر له النصاب كسائر الزكوات، وإنما لم يعتبر له الحول لحصوله دفعة واحدة فأشبه الزروع والثمار - انتهى. الثالثة: قال ابن قدامة: (ج3 ص26) تجب الزكاة في ما يخرج من المعدن حين يتناوله ويكمل نصابه ولا يعتبر له حول، وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وقال إسحاق وابن المنذر: لا شيء في المعدن، حتى يحول عليه الحول لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول، ولنا أنه مال مستفاد من الأرض فلا يعتبر في وجوب حقه حول، كالزروع والثمار والركاز، ولأن الحول إنما يعتبر في غير هذا لتكميل النماء، وهو يتكامل نماءه دفعة واحدة، فلا يعتبر له