الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(3) باب من لا تحل له الصدقة
{الفصل الأول}
1836-
(2) عن أنس، قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بتمرة في الطريق، فقال:((لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)) .
ــ
في الجوهر: النقي هو حديث اضطراب إسناداً ومتناً وقد بين البيهقي بعض ذلك، وقال ابن عبد البر: هذا حديث مضطرب لا يثبت وليس دون الزهري في هذا الحديث من تقوم به حجة، واختلف عليه فيه أيضاً - انتهى. فإن قلت: روى عبد الرزاق ومن طريقه الدارقطني (ص224) والطبراني عن ابن جريج عن الزهري عن عبد الله ابن ثعلبة. قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس قبل الفطرة بيوم أو يومين، فقال أدوا صاعاً من بر أو قمح بين اثنين- الحديث. وهذا سند صحيح قوي كما قال الزيلعي (ج2 ص407) قلت: قد تقدم إن حديث عبد الله بن ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل، وفيه أيضاً ابن جريج وهو مدلس وقد عنعن، وعارضه رواية بكر بن وائل عن الزهري عند الدارقطني (ص223) بلفظ: صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير عن كل واحد أو عن كل رأس أو صاع قمح ففي صحة طريق عبد الرزاق نظر.
(باب من لا تحل له الصدقة) قال في اللمعات: الظاهر إن معناه من لا يحلله أكل الصدقات وقد يجعل العنوان"باب من لا يجوز دفع الزكاة إليه" والمآل واحد، لكنه يختلف المعنى في مادة الكافر، فإنه لا يجوز دفع الزكاة إليه يعني لا يبرأ الذمة بأدائها إليه، ولا يبحث من عدم حلها له ويصدق المعنيان في مثل بني هاشم فافهم.
1836-
قوله: (مر النبي صلى الله عليه وسلم بتمرة) أي ملقاة (في الطريق فقال: لولا إني أخاف أن تكون من الصدقة) أي من تمرها (لأكلتها) فتركها تنزها لأجل الشبهة وهو احتمال كونها من الصدقة. والحديث ظاهر في جواز أكل ما يوجد من المحقرات ملقي في الطرقات، لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر أنه لم يمتنع من أكلها إلا تورعاً لخشية أن تكون من الصدقة التي حرمت عليه لا لكونها مرمية في الطريق فقط. وقد أوضح ذلك ما روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي، فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها، فإنه ظاهر في أنه ترك أخذها تورعاً لخشية أن تكون صدقة فلو لم يخش ذلك لأكلها ولم يذكر تعريفاً. فدل على أن مثل ذلك يملك بالأخذ ولا يحتاج إلى تعريف وفيه تحريم قليل الصدقة على النبي صلى الله عليه وسلم ويؤخذ منه تحريم كثيرها من باب الأولى. قال النووي: فيه تحريم الصدقة على النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لا فرق بين صدقة الفرض
متفق عليه.
1837-
(2) وعن أبي هريرة، قال أخذ الحسن بن علي، تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كخ كخ
ــ
والتطوع لقوله صلى الله عليه وسلم: الصدقة بالألف واللام وهي تعم النوعين ولم يقل الزكاة وفيه استعمال الورع لأن هذه التمرة لا تحرم بمجرد الاحتمال لكن للورع تركها. قال الخطابي: هذا أصل في الورع وفي أن كل ما لا يستبينه الإنسان من شئ طلقاً لنفسه فإنه يجتنبه ويتركه وفيه إن التمرة ونحوها من محقرات الأموال لا يجب تعريفها بل يباح أكلها، والتصرف فيها في الحال لأنه صلى الله عليه وسلم: إنما تركها خشية أن تكون من الصدقة لا لكونها لقطة، وهذا الحكم متفق عليه وعللوه بأن صاحبها في العادة لا يطلبها ولا يبقى له فيها مطمع وقد استشكل بعضهم تركه صلى الله عليه وسلم التمرة في الطريق مع أن الإمام يأخذ المال الضائع للحفظ وأجيب باحتمال أن يكون أخذها كذلك لأنه ليس في الحديث ما ينفيه لو تركها عمداً لينتفع بها من يجدها ممن تحل له الصدقة. وإنما يجب على الإمام حفظ المال الذي يعلم تطلع صاحبه له، لا ما جرت به العادة بالإعراض عنه لحقارته. هذا وقد روى أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال: تضرر النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقيل له ما أسهرك قال: إني وجدت تمرة ساقطة فأكلتها ثم ذكرت تمراً كان عندنا من تمر الصدقة، فما أدري أمن ذلك كانت التمرة أو من تمر أهلي فذلك أسهرني. قال الحافظ هو محمول على التعدد وأنه لما اتفق له أكل التمرة كما في هذا الحديث وأقلقه ذلك صار بعد ذلك إذا وجد مثلها مما يدخل التردد تركه إحتياطاً، ويحتمل أن يكون في حالة أكله إياها كان في مقام التشريع، وفي حال تركه كان في خاصة نفسه. وقال المهلب: إنما تركها صلى الله عليه وسلم تورعاً وليس بواجب، لأن الأصل إن كل شئ في بيت الإنسان على الإباحة حتى يقوم دليل على التحريم. (متفق عليه) أخرجه البخاري في أوائل البيوع وفي اللقطة، ومسلم في الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود في الزكاة والبيهقي في قسم الصدقات.
1837-
قوله: (وعن أبي هريرة قال أخذ الحسن) وفي رواية لأحمد قال (أي أبوهريرة) كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم تمراً من الصدقة والحسن في حجره (فجعلها في فيه) أي فمه زاد أبومسلم الكجي فلم يفطن له النبي صلى الله عليه وسلم حتى قام ولعابه يسيل، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم شدقه، وفي رواية أحمد المتقدمة. فلما فرغ حمله على عاتقه فسال لعابه فرفع رأسه فإذا تمرة في فيه (كخ كخ) بفتح الكاف وكسرها وسكون الخاء المعجمة وبكسرها منونة وغير منونة فتصير ست لغات والثانية تأكيد للأولى، وهي كلمة تقال لردع الصبي وزجره عند تناوله ما يستقذر، بمعنى أتركه وأرم به، قال ابن مالك: إنها من أسماء الأفعال، وفي التحفة إنها من أسماء الأصوات وبه قطع ابن هشام
ليطرحها، ثم قال: أما شعرت؟ إنا لا نأكل الصدقة)) .
ــ
في حواشيه على التسهيل. قيل: هي عربية. وقيل: أعجمية. وزعم الدوادي أنها معربة بمعنى بئس. وقد أشار إلى هذا البخاري بقوله في ترجمة باب من تكلم بالفارسية والرطانة (ليطرحها) أي التمرة من فيه زاد مسلم إرم بها وفي رواية عند أحمد فنظر إليه فإذا هو يلوك تمرة فحرك خده. وقال: القها يا بني ويجمع بين هذا وبين قوله كخ كخ بأنه كلمة أولاً بهذا، فلما تمادى قاله له: كخ كخ إشارة إلى استقذار ذلك له، ويحتمل العكس بأن يكون كلمه أولاً بذلك فلما تمادى نزعها من فيه (ثم قال أما شعرت) أي أما علمت كما في رواية مسلم، وفي رواية للبخاري أما تعرف، وهذا يقال عند الأمر الواضح التحريم وإن لم يكن المخاطب بذلك عالماً أي كيف خفى عليك هذا مع ظهور تحريمه وهو أبلغ في الزجر من قوله لا تفعله (إنا لا نأكل الصدقة) في رواية لمسلم إنا لا تحل لنا الصدقة، وفي رواية لأحمد إن الصدقة لا تحل لآل محمد وكذا عند أحمد والطحاوي من حديث الحسن بن علي نفسه، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر علي جرين من تمر الصدقة فأخذت منه تمرة فألقيتها في فأخذها بلعابها فقال: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة قال الحافظ: وإسناده قوي والحديث يدل على أن الطفل يجنب الحرام كالكبير ويعرف لأي شيء نهى عنه لينشأ على العلم فيأتي عليه وقت التكليف وهو على علم من الشريعة وفيه دليل على تحريم لصدقة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله. واختلف في المراد بالآل هنا. فقال الشافعي وجماعة من العلماء: إنهم بنو هاشم بن عبد مناف بن قصي وبنو المطلب بن عبدمناف. وقال أبوحنيفة ومالك: هم بنو هاشم خاصة. وأما بنو المطلب فيجوز لهم الأخذ من الزكاة، وعن أحمد روايتان كالمذهبين. وقيل: هم قريش كلها. وقال أصبغ المالكي: هم بنو قصي والمراد ببني هاشم آل علي وعقيل وجعفر أولاد أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم وآل العباس. والحارث ابني عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدخل في ذلك آل أبي لهب لأن حرمة الصدقة أولاً في الآباء إكراماً لهم، حيث نصروه صلى الله عليه وسلم في جاهليتهم وإسلامهم ثم سرت إلى الأولاد ولا إكرام لأبي لهب. واستدل الشافعي لمذهبه بأن النبي صلى الله عليه وسلم أشرك بني المطلب مع بني هاشم في سهم ذوى القربى ولم يعط أحداً من قبائل قريش غيرهم، كما يدل عليه حديث جبير بن مطعم الآتي، وتلك العطية عوض عوضوه بدلاً عما حرموه من الصدقة. وأجيب عن ذلك بأنه إنما أعطاهم ذلك لموالاتهم لا عوضاً عن الصدقة، قال الأمير اليماني: الأقرب في المراد بالآل ما فسرهم به زيد بن أرقم (عند مسلم في المناقب في قصة طويلة) بأنه آل علي وآل العباس وآل جعفر وآل عقيل-انتهى. قال: ويزيد آل الحرث بن عبد المطلب لحديث عبد المطلب بن ربيعة الذي يأتي بعد هذا، فهذا تفسير الراوي وهو مقدم على تفسير غيره فالرجوع إليه في تفسير آل محمد هنا هو الظاهر. لأن لفظ الآل مشترك، وتفسير رواية دليل على المراد منه وكذلك يدخل في تحريم الزكاة عليهم بنو المطلب بن عبد مناف كما
....................................
ــ
يدخلون معهم في قسمة الخمس، كما يفيده حديث جبير بن مطعم. قال مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله! أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد أخرجه البخاري. قال الأمير: هذا الحديث دليل على أن بني المطلب يشاركون بني هاشم في سهم ذوى القربى وتحريم الزكاة أيضاً دون من عداهم، وإن كانوا في النسب سواء. وعلله صلى الله عليه وسلم بإستمرارهم على الموالاة كما في لفظ آخر تعليله "بأنه لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام" فصاروا كالشيء الواحد في الأحكام وهو دليل واضح في ذلك، وإليه ذهب الشافعي وخالفه الجمهور (أبوحنيفة ومالك وأحمد في رواية) وقالوا: إنه صلى الله عليه وسلم أعطا بني المطلب على جهة التفضل لا الاستحقاق وهو خلاف الظاهر. بل قوله شيء واحد دليل على أنهم يشاركونهم في استحقاق الخمس وتحريم الزكاة-انتهى. واعلم أن ظاهر قوله "لا تحل لنا الصدقة" إنه يحرم على النبي صلى الله عليه وسلم صدقة الفرض والتطوع وهو الحق، وقد نقل فيه غير واحد منهم الخطابي الإجماع، لكن حكى غير واحد عن الشافعي في التطوع قولاً، وكذا في رواية عن أحمد لكن قال ابن قدامة: ليس ما نقل عنه من ذلك بواضح الدلالة. واختلف هل كان تحريم الصدقة من خصائصه دون الأنبياء أو كلهم سواء في ذلك وأما آل النبي صلى الله عليه وسلم فقال ابن قدامة: لا نعلم خلافاً في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة وكذا حكى الإجماع ابن رسلان، وروى أبوعصمة عن أبي حنيفة جواز دفعها إلى الهاشمي في زمانه. قال الطحاوي: هذه الرواية عن أبي حنيفة ليست بالمشهورة، وروى عنه وعن أبي يوسف يحل من بعضهم لبعض لا من غيرهم. قال الحافظ: وعند المالكية في ذلك أربعة أقوال مشهورة، الجواز، المنع، جواز التطوع دون الفرض، عكسه والأحاديث الدالة على التحريم على العموم ترد على الجميع. وقد قيل: إنها متواترة تواتراً معنوياً ويؤيده قوله تعالى {قل ما أسألكم عليه من أجر} [الفرقان:57] وقوله {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} [الشورى:23] ولو أحلها لآله، لأوشك أن يطعنوا فيه ولقوله تعالى {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة:103] وثبت عنه صلى الله عليه وسلم الصدقة أوساخ الناس كما سيأتي ويؤخذ من هذا جواز التطوع دون الفرض وهو قول أكثر الحنفية والمصحح عند الشافعية والحنابلة، لأن المحرم عليهم إنما هو أوساخ الناس وذلك هو الزكاة لا صدقة التطوع. وقال أبويوسف: أنها تحرم عليه كصدقة الفرض لأن الدليل لم يفصل. وقال الطحاوي في شرح معاني الآثار: والنظر أيضاً يدل على استواء حكم الفرائض والتطوع في ذلك أي في التحريم، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وقد اختلف في ذلك عن أبي حنيفة فروى عنه أنه قال: لا بأس بالصدقات كلها على بني هاشم ثم بين الطحاوي وجه هذه الرواية ثم قال: وقد حدثني سلمان بن شعيب عن أبيه عن محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في ذلك
متفق عليه.
1838-
(3) وعن عبد المطلب بن ربيعة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس،
ــ
مثل قول أبي يوسف، فبهذا نأخذ – انتهى. وهذا صريح في أن الطحاوي ما اختار رواية الحل عن أبي حنيفة بل أخذ بالرواية التي وافقت قول أبي يوسف وهي ظاهر الرواية التي ذكرها أولاً من استواء حكم التحريم في الفريضة والتطوع (متفق عليه) وأخرجه أحمد والبيهقي أيضاً.
1838-
قوله: (وعن عبد المطلب) بضم الميم وفتح الطاء المهملة المشددة وكسر اللام المخففة (بن ربيعة) ابن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي صحابي. قال ابن عبد البر: كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: رجلاً ولم يغير رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه فيما علمت سكن المدينة. ثم انتقل إلى الشام في خلافة عمر ومات في أمرة يزيد بن معاوية بدمشق سنة (62) قال الحافظ قال العسكري: هو المطلب بن ربيعة هكذا يقول أهل البيت، وأصحاب الحديث يختلفون فمنهم، من يقول المطلب بن ربيعة ومنهم من يقول، عبد المطلب. وقال البغوي: عبد المطلب. ويقال المطلب. وقال الطبراني: الصواب المطلب وذكر أنه توفي سنة (61) -انتهى. (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي حينما أتى إليه عبد المطلب يطلب منه أن يجعله عاملاً على بعض الزكاة. فقال: له رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث. وفيه قصة (إن هذه الصدقات) أي أنواع الزكاة وأصناف الصدقات (إنما هي أوساخ الناس) الجملة خبر لقوله "هذه" كما في قوله تعالى {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجراً من أحسن عملاً} [الكهف:30] قال النووي: هو تنبيه على العلة في تحريمها على بني هاشم وبني المطلب، وأنه لكرامتهم وتنزيههم من الأوساخ ومعنى أوساخ الناس إنها تطهير لأموالهم ونفوسهم كما قال الله تعالى {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة:103] فهي كغسالة الأوساخ. وقال الشاه ولي الله الدهلوي: إنما كانت أوساخاً لأنها تكفر الخطايا وتدفع البلاء وتقع فداء عن العبد في ذلك، فيتمثل في مدارك الملأ الأعلى إنها هي وهذا يسمى عندنا بالوجود التشبيهي فتدرك بعض النفوس العالية، إن فيها ظلمة وأيضاً فإن المال الذي يأخذه الإنسان من غير مبادلة عين أو نفع ولا يراد به احترام وجهه فيه ذلة ومهانة، ويكون لصاحب المال عليه فضل ومنة وهو قوله صلى الله عليه وسلم، اليد العليا خير من اليد السفلى، فلا جرم إن التكسب بهذا النوع شر وجوه المكاسب لا يليق بالمطهرين والمنوه بهم في الملة - انتهى. وقال السنوسي: لما كانت الصدقات أوساخ الناس ولهذا حرمت عليه صلى الله عليه وسلم وعلى آله فيكف أباحها لبعض أمته. ومن كمال إيمان المرء أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. قلت: ما أباحها لهم عزيمة بل
وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)) . رواه مسلم.
1839-
(4) وعن أبي هريرة قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى بطعام سأل عنه "أهدية أم صدقة" فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: "كلوا" ولم يأكل، وإن قيل: هدية، ضرب بيده فأكل معهم)) .
ــ
اضطراراً وكم أحاديث تراها ناهية عن السؤال فعلى الحازم أنيراها كالميتة {فمن اضطر عير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} [البقرة:173](وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) فيه أيضاً دليل على تحريم الزكاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وإنها كانت محرمة عليهم سواء كانت بسبب العمل أو بسبب الفقر، والمسكنة وغيرها من الأسباب الثمانية وهذا هو الصحيح عندنا، وإليه ذهب الجمهور وجوز بعض الشافعية لبني هاشم ولبني المطلب العمل عليها بسهم العامل لأنه إجازة. قال النووي: وهذا ضعيف أو باطل وهذا الحديث صريح في رده (رواه مسلم) في الزكاة في قصة طويلة، وأخرجه أيضاً أحمد (ج4:ص166) وأبوداود في الخراج والنسائي في الزكاة مطولاً ومختصراً، ورواه الطبراني في الكبير بسند فيه كلام عن ابن عباس فذكر القصة مختصرة وفي آخره فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا يحل لكم أهل البيت من الصدقات شيء، إنما هي غسالة الأيدي إن لكم في خمس الخمس لما يغنيكم - انتهى.
1839-
قوله: (إذا أتى بطعام) أي جيء به زاد أحمد وابن حبان من غير أهله (سأل عنه) أي عن الطعام (أهدية أم صدقة) بالرفع أي هو صدقة (قال لأصحابه) أي من غير آله (كلوا ولم يأكل) لأنها حرام عليه (وإن قيل هدية) بالرفع (ضرب بيده) أي شرع في الأكل مسرعاً، ومثله ضرب في الأرض إذا أسرع فيها قاله الحافظ: وقيل أي مد يده إليه من غير تحام عنه تشبيهاً للمد بالذهاب سريعاً في الأرض فعداه بالباء كما يقال ذهب به (فأكل معهم) فارقت الصدقة الهدية حيث حرمت عليه تلك، وحلت له هذه بأن الصدقة ما ينفق على الفقراء، ويراد به ثواب الآخرة ولا يكافيء في الدنيا فيبقى المنة عليه، وفيه عز للمعطى وذل للمعطى له والهدية يراد بها إكرام المهدي إليه والتقرب إليه، وتنفق على الأغنياء. وفيها غاية العزة والرفعة ويثاب عليها في الدنيا فيزول المنة البتة. وأيضاً لما كان صلى الله عليه وسلم آمراً بالصدقات ومرغباً في المبرات فتنزه عن الأخذ منها براءة لساحته عن الطمع فيها، وعن التهمة بالحث عليها، ولذا قال: تؤخذ من أغيناءهم وترد على فقراءهم إيماء إلى أن المصلحة راجعة إليهم وأنه سفير محض مشفق عليهم، وفي الحديث استعمال الورع والفحص عن أصل المآكل والمشارب
متفق عليه.
1840-
(5) وعن عائشة، قال: كان في بريرة ثلاث سنن:
ــ
(متفق عليه) أخرجه البخاري في الهبة ومسلم في الزكاة، واللفظ للبخاري وأخرجه أحمد وابن حبان والبيهقي أيضاً وأخرجه الترمذي والنسائي والبيهقي أيضاً من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.
1840-
قوله: (كان في بريرة) أي حصل بسببها وهي مولاة عائشة أم المؤمنين صحابية مشهورة وبريرة بفتح الموحدة وكسر الراء الأولى بوزن كريمة مشتقة من البرير وهو ثمر الأراك. وقيل: إنها فعيلة من البر بمعنى مفعولة كمبرورة، أو بمعنى فاعلة كرحيمة هكذا وجهه القرطبي. والأول أولى لأنه صلى الله عليه وسلم غير إسم جويرية، وكان إسمها برة. وقال: لا تزكوا أنفسكم فلو كانت بريرة من البر لشاركتها في ذلك، وكانت بريرة لقوم من الأنصار. وقيل لناس: من بني هلال فكاتبوها ثم باعوها فاشترتها عائشة ثم أعتقتها وكانت تخدم عائشة قبل أن تشتريها، وكانت حال عتقها متزوجة عبداً، اسمه مغيث كما في البخاري، عاشت إلى زمن يزيد بن معاوية وتفرست في عبد الملك بن مروان أنه يلي الخلافة فبشرته بذلك وروى هو ذلك عنها (ثلاث سنن) بضم السين وفتح النون الأولى أي علم بسببها ثلاثة أحكام من الشريعة. وهذا لفظ البخاري ولمسلم ثلاث قضيات، وفي حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود قضى فيها النبي صلى الله عليه وسلم أربع قضيات فذكر نحو حديث عائشة وزاد، وأمرها أن تعتد عدة الحرة أخرجه الدارقطني وهذه الزيادة لم تقع في حديث عائشة فلذلك اقتصرت على ثلاث لكن أخرج ابن ماجه بسند على شرط الشيخين عن عائشة قالت: أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض وهذا مثل حديث ابن عباس في قوله: "تعتد عدة الحرة" ولا يخالف قول عائشة ثلاث سنن، ما قال ابن بطال أنه أكثر الناس في تخريج الوجوه في حديث بريرة حتى بلغوها نحو مائة، وما قال النووي أنه صنف فيه ابن خزيمة وابن جرير تصنيفين كبيرين أكثرا فيهما من استنباطاً لفوائد منها، وما قال الحافظ إن بعض المتأخرين أوصل فوائد حديث بريرة إلى أربع مائة لأن مراد عائشة، ما وقع من الأحكام فيها مقصوداً خاصة لكن لما كان كل حكم منها يشتمل على تقعيد قاعدة يستنبط العالم الفطن منها فوائد جمة، وقع التكثر من هذه الحيثية وانضم إلى ذلك ما وقع في سياق القصة غير مقصود، فإن في ذلك أيضاً فوائد تؤخذ بطريق التنصيص أو الإستنباط أو اقتصر على الثلاث أو الأربع لكونها أظهر ما فيها وما عداها إنما يؤخذ بطريق الاستنباط أو لأنها أهم، والحاجة إليها أمس. قال القاضي عياض: حديث بريرة كثيرة السنن والعلم والآداب ومعنى ثلاث أو أربع إنها شرعت في قصتها وعند وقوع قضيتها وما يظهر فيها مما سوى ذلك، فكان قد علم قبل ذلك من غير قصتها، وهذا أولى من قول من قال ليس في كلام عائشة حصر، ومفهوم العدد ليس بحجة، وما أشبه ذلك من الاعتذارات التي لا تدفع
إحدى السنن إنها عتقت فخيرت في زوجها،
ــ
سؤال ما الحكمة في الاقتصار على ذلك قاله الحافظ (إحدى السنن) الثلاث (إنها عتقت) بفتح العين والتاء، وفي رواية أعتقت بضم الهمزة وكسر التاء من الاعتاق وأعتقتها عائشة (فخيرت) بضم الخاء المعجمة مبنياً للمفعول (في زوجها) مغيث أي صارت مخيرة بين أن تفارق زوجها وأن تدوم وتبق تحت نكاحه. وكان عبداً يوم أعتقت فاختارت نفسها، وفي رواية للبخاري فدعاها النبي صلى الله عليه وسلم فخيرها من زوجها فاختارت نفسها، وفي رواية للدارقطني إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة: اذهبي فقد عتق معك بضعك، زاد ابن سعد من طريق الشعبي مرسلاًً فأختارى. فالمرأة إذا كانت أمة وزوجها عبد فعتقت تكون مخيرة إن شاءت فسخت، وإن شاءت لا، وهذا أمر مجمع عليه. وأما إذا كانت الأمة تحت حر فعتقت ففيه خلاف بين العلماء. فقال الجمهور: لا يكون لها خيار إلا إذا كان زوجها عبداً عندما عتقت لتضررها بالمقام تحته من جهة أنها توقير به. وإن لسيده منعه عنها وإنه لا ولاية له على ولده وغير ذلك بخلاف ما إذا أعتقت تحت حر، لأن الكمال الحادث لها حاصل له فأشبه ما إذا أسلمت كتابية تحت مسلم. وذهب الحنفية إلى أن الأمة إذا أعتقت لها الخيار في نفسها سواء كانت تحت حر، أو عبد، لأن اعتبار عدد الطلاق عندهم بالنساء. فالأمة تبين بطلقتين سواء كان زوجها حراً، أو عبداً والحرة تبين بثلاث تطليقات، حراً كان زوجها أو عبداً، فبعد ما عتقت الأمة تخير في الصورتين حذراً عن ثبوت الملك الزائد عليها. وعند الجمهور الاعتبار في الطلاق بالرجال فزوجة الحر تبين عندهم بثلاث، وإن كانت أمة وزوجة العبد بإثنين، وإن كانت حرة فإذا عتقت تحت الحر لم توجد علة الفسخ وهو العار أو زيادة الملك، والأصل في ذلك قصة بريرة. واختلفت الروايات في أن زوجها حراً كان أو عبداً عندما عتقت فرجحت الحنفية رواية كونه حراً. وقالوا: لم يخيرها صلى الله عليه وسلم لكونه عبداً ولا لأنه حراً. وإنما خيرها للعتق ورجح الجمهور كونه عبداً. قال الشوكاني: قد ثبت من طريق ابن عباس (عند البخاري والترمذي) وابن عمر (عند الدارقطني والبيهقي) وصفية بنت أبي عبيد (عند النسائي والبيهقي) إنه كان عبداً ولم يرو عنهم ما يخالف ذلك، وثبت عن عائشة من طريق القاسم وعروة أنه كان عبداً، ومن طريق الأسود أنه كان حراً، ورواية اثنين أرجح من رواية واحد على فرض صحة الجميع، فكيف إذا كانت رواية الواحد (يعني رواية الأسود) معلولة بالانقطاع كما قال البخاري. وقال الحافظ: وعلى تقدير إن رواية الأسود موصولة فيرجح رواية من قال عبداً بالكثرة، وأيضاً قال المرأ أعرف بحديثه فإن القاسم ابن أخي عائشة، وعروة ابن أختها وتابعهما غيرهما، فروايتهما أولى من رواية الأسود فإنهما أقعد بعائشة واعلم بحديثها والله أعلم. ويترجح أيضاً بأن عائشة كانت تذهب إلى أن الأمة إذا عتقت تحت الحر لا خيار لها، وهذا بخلاف ما روى العراقيون عنها فكان
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الولاء لمن اعتق ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم والبرمة تفور بلحم فقرب إليه خبز وأدم من أدم البيت، فقال:
ــ
يلزم على أصل مذهبهم أن يأخذوا بقولها ويدعوا ما روى عنها لاسيما. وقد اختلف عنها فيه، وأدى بعضهم إنه يمكن الجمع بين الروايتين بحمل قول من قال، كان عبداً على اعتبار ما كان عليه، ثم اعتق فلذلك قال من قال كان حراً يعني كان حراً في الوقت الذي خيرت فيه. وعبداً قبل ذلك، ويرد هذا الجمع قول عروة كان عبداً ولو كان حراً لم تخير. وأخرج الترمذي عن ابن عباس إن زوج بريرة كان عبداً أسود يوم عتقت فهذا يعارض رواية الأسود إنه كان حراً، ويعارض الاحتمال المذكور احتمال أن يكون من قال كان حراً أراد ما آل إليه أمره وإذا تعارضاً إسناداً وإحتمالاً أحتيج إلى الترجيح، ورواية الأكثر يرجح بها وكذلك الأحفظ وكذلك الألزم، وكل ذلك موجود في جانب من قال كان عبداً -انتهى كلام الحافظ. ويأتي مزيد الكلام في هذه المسألة في كتاب النكاح إنشاءالله تعالى:(وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي في شأن بريرة لما أرادت عائشة أن تشتريها وتعتقها وشرط مواليها الولاء لهم أن يكون (الولاء لمن اعتق) أي لمن باع ولو شرط إن الولاء له فمن اعتق عبداً أو أمة كان ولاءه له، وهذه هي المسألة الثانية، والولاء بفتح الواو مع المد مأخوذ من الولي بفتح الواو وسكون اللام. وهو القرب. والمراد به هنا وصف حكمي ينشأ عنه ثبوت حق الإرث من العتيق الذي لا وارث له من جهة نسب أو زوجية أو الفاضل عن ذلك، وحق العقل عنه إذا جنى. قال الحافظ: الولاء بالفتح والمد، حق ميراث المعِتق من المعتق بالفتح، ووقع في كثير من الروايات إنما الولاء لمن اعتق وكلمة إنما هنا للحصر لأنها لو لم تكن للحصر لما لزم من إثبات الولاء لمن اعتق نفيه عمن لم يعتق العبد وهو الذي أريد من الخبر ويأتي مزيد الكلام في ذلك في باب قبل باب السلم من كتاب البيوع واستدل بمفهومه على أنه لا ولاء لمن أسلم على يديه رجل أو وقع بينه، وبينه مخالفة خلافاً للحنفية ولا للملتقط خلافاً لإسحاق وسيأتي البسط لذلك في الفرائض إنشاءالله تعالى (ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي بيت عائشة (والبرمة) بضم الموحدة وسكون الراء القدر من الحجر ويستعمل بمعنى القدر مطلقاً والواو للحال. قال ابن الأثير: البرمة هي القدر مطلقاً وجمعها برام وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز (تفور) بالفاء أي تغلى متلبسة (بلحم فقرب) بضم القاف وتشديد الراء على صيغة المجهول (إليه خبز) مفعول ناب عن الفاعل (وأدم) بضم الهمزة وسكون الدال ويضم بمعنى الأدام وهو ما يؤتدم به الخبز أي يطيب أكله به ويتلذذ الأكل بسببه (من أدم البيت) بضمتين جمع أدام، والمراد بأدم البيت الأدم التي توجد في البيوت غالباً كالخل والعسل والتمر. وفي رواية فدعا بالغداء فأتى بخبز وأدم (فقال)
"ألم أر برمة فيها لحم"؟ قالوا: بلى، ولكن ذلك لحم تصدق به على بريرة، وأنت لا تأكل الصدقة. قال:"هو عليها صدقة ولنا هدية")) .
ــ
صلى الله عليه وسلم (ألم أر برمة فيها لحم) الاستفهام للتقرير (قالوا بلى ولكن ذلك لحم تصدق) بضم التاء والصاد وكسر الدال المشددة مبنياً لما لم يسم فاعله جملة في محل رفع صفة للحم (به على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة) وفي رواية للبخاري أتى النبي صلى الله عليه وسلم بلحم فقالوا: هذا ما تصدق به على بريرة، وكذا في حديث أنس عند البخاري ويجمع بينهما بأنه لما سأل عنه أتى به. وقيل: له ذلك وفي رواية لعائشة عند أحمد وابن ماجه دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرجل يفور بلحم. فقال من أين لك هذا قلت: أهدته لنا بريرة وتصدق به عليها، وعند أحمد ومسلم وكان الناس يتصدقون عليها فتهدى لنا منه (قال) صلى الله عليه وسلم (هو) أي اللحم (عليها) أي بريرة (صدقة ولنا هدية) أي حيث أهدته بريره لنا. لأن الفقير يملك ما تصدق به عليه فيسوغ له التصرف فيه بالبيع وغيره كتصرف سائر الملاك في إملاكهم وهذه هي المسألة الثالثة. وفي الحديث دليل على أن الصدقة إذا أهداها من تصدق عليه بها إلى من لا تحل له الصدقة ابتداء من هاشمي أو غني صرف عنها حكم الصدقة، وجاز للمهدي إليه استعمالها وحل له أكلها فيؤخذ منه إن التحريم إنما هو على الصفة لا على العين، وإن العين الواحدة يختلف حكمها باختلاف جهات الملك. قال الأبي: لا يقال كون الصدقة أوساخ الناس وإنها مطهرة للمال هو وصف لا يزيله عنها الهدية بها لأنا نقول كونها وسخاً ليس وصفاً ذاتياً لها حتى يقال أنه لا يزول، وإنما هو وصف حكمي جعل بالشرع، والشرع قد حكم بزواله عنها -انتهى. واستنبط، منه بعضهم جواز استرجاع صاحب الدين عين ما دفعه إلى الفقير بنية الزكاة في دين له عليه. وفيه دليل على أن الصدقة لا تحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لو حلت له لما كان لعائشة مانع من إحضار لحم بريرة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه دليل على أن الصدقة لم تحرم على موالي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبه ترجم البخاري في صحيحه فقال باب الصدقة على موالي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأورد فيه حديث بريرة وحديث ابن عباس وجد النبي صلى الله عليه وسلم شأة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال: هلا انتفعتم بجلدها قالوا: إنها ميتة قال. إنما حرم أكلها. وأما أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فنقل ابن بطال إنهن لا يدخلن في ذلك أي لا يحرم عليهن الصدقة بإتفاق الفقهاء. قال الحافظ: وفيه نظر فقد ذكر ابن قدامة إن الخلال أخرج من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة قال: وهذا يدل على تحريمها. قال الحافظ: وإسناده إلى عائشة حسن. وأخرجه ابن أبي شيبة وهذا لا يقدح فيما نقله ابن بطال يعني لأنه لما رأى إن الفقهاء لم يذهبوا إلى هذا نقل اتفاقهم على ذلك. ولم يتعرض للدليل في ذلك. وفي قصة بريرة
متفق عليه.
1841-
(6) وعنها، قالت:((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، ويثيب عليها)) .
ــ
فوائد كثيرة غير ما تقدم. ذكرها الحافظ في كتاب العتق وفي كتاب الطلاق والنووي في العتق (متفق عليه) أخرجه البخاري مطولاً أي بذكر السنن الثلاث في باب الحرة تحت العبد من كتاب النكاح، وفي باب لا يكون بيع الأمة طلاقاً من كتاب الطلاق، وفي باب الأدم من كتاب الأطعمة. وأخرجه مفرقاً ومقطعاً في المساجد والزكاة والبيوع والعتق والمكاتب والهبة والشروط والطلاق والنذور والفرائض. وأخرجه مسلم مطولاً في الزكاة والعتق، واللفظ المذكور في الكتاب للبخاري في باب لا يكون بيع الأمة طلاقاً وأخرجه هكذا مالك في الطلاق والنسائي في آخر الزكاة، وفي الطلاق، وأخرجه الترمذي في أبواب الولاء والهبة، وأبوداود في الطلاق والفرائض والعتق كلاهما مختصراً، وأخرجه ابن ماجه في الطلاق مطولاً وفي العتق مختصراً.
1841-
قوله: (يقبل الهدية) قال الخطابي في المعالم (ج3 ص168) قبول النبي صلى الله عليه وسلم الهدية نوع من الكرم، وباب من حسن الخلق يتألف به القلوب. وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال تهادوا تحابوا وكان أكل الهدية شعاراً له، وأمارة من أماراته ووصف في الكتب المتقدمة بأنه يقبل الهدية، ولا يأكل الصدقة لأنها أوساخ الناس. وكان إذا قبل الهدية أثاب عليها لئلا يكون لأحد عليه يد، ولا يلزمه لأحد منة - انتهى. وقال البيجوري: فيسن قبول الهدية حيث لا شبهة في مال المهدي وإلا فلا يقبلها، وكذلك إذا ظن المهدي إليه إن المهدي أهداه حياء. قال الغزالي مثال من يهدي حياء من يقدم من سفره ويفرق الهدايا خوفاً من العار فلا يجوز قبول هديته إجماعاً لأنه لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس، وإذا ظن المهدي إليه إن المهدي إنما أهدى له هديته لطلب المقابل فلا يجوز له قبولها إلا إذا إعطاءه ما في ظنه بالقرائن- انتهى. (ويثيب عليها) من أثاب يثيب إذا أعطى الثواب وهو العوض أي يجازي ويكافىء عليها بأن يعطي الذي يهدي له بدلها، والمراد بالثواب المجازاة وأقله ما يساوي قيمة الهدية، ولفظ ابن أبي شيبة "ويثيب ما هو خير منها" وقد استدل بعض المالكية بهذا الحديث على وجوب المكافأة على الهدية إذا أطلق المهدي وكان ممن مثله يطلب الثواب كالفقير للغني بخلاف ما يهبه إلا على للأدنى، ووجه الدلالة منه مواظبته صلى الله عليه وسلم وبه قال الشافعي في القديم، قال الشوكاني: ويجاب بأن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب ولو وقعت المواظبة كما تقرر في الأصول. قال الحافظ: وقال الشافعي في الجديد: كالحنفية الهبة للثواب باطلة لا تنعقد لأنها بيع بثمن مجهول لأن موضوع الهبة التبرع، فلو أبطلناه لكان في معنى المعاوضة. وقد فرق الشرع والعرف بين البيع والهبة فما استحق العوض أطلق عليه لفظ البيع بخلاف الهبة. وأجاب بعض المالكية بأن الهبة لو لم تقتض الثواب أصلاً لكانت بمعنى الصدقة وليس كذلك، فإن الأغلب
رواه البخاري.
1842-
(7) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو دعيت إلى كراع لأجبت
ــ
من حال الذي يهدي أنه يطلب الثواب ولاسيما إذا كان فقيراً - انتهى. وقال القسطلاني ومذهب الشافعية: لا يجب الثواب بمطلق الهبة والهدية إذ لا يقتضيه اللفظ ولا العادة ولو وقع ذلك من الأدنى إلى الأعلى كما في إعارته له إلحاقاً للأعيان بالمنافع، فإن أثابه المتهب على ذلك فهبة مبتدأ، وإذا قيدها المتعاقدان بثواب معلوم لا مجهول صح العقد بيعاً نظراً للمعنى فإنه معاوضة مال بمال معلوم كالبيع بخلاف ما إذا قيداها بمجهول لا يصح لتعذره بيعاً وهبة نعم المكافأة على الهبة، والهدية مستحبة إقتداء به صلى الله عليه وسلم انتهى. قلت ما ذكره القسطلاني من مذهب الشافعية هو مذهب الحنابلة أيضاً كما بسط ذلك ابن قدامة في المغنى (ج5 ص622) وهو القول الراجح عندنا والله تعالى اعلم (رواه البخاري) في الهبة وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود في أواخر البيوع والترمذي في البر والصلة من الجامع وفي الشمائل، كلهم من طريق عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن عائشة، وذكر البخاري إن وكيعاً ومحاضراً أرسلاه، حيث قال لم يذكر وكيع ومحاضر عن هشام عن أبيه عن عائشة قال الحافظ: فيه إشارة إلى أن عيسى بن يونس تفرد بوصله عن هشام، وقد قال الترمذي: والبزار لا نعرفه موصولاً إلا من حديث عيسى بن يونس. وقال الآجري سألت أباداود عنه فقال: تفرد بوصله عيسى بن يونس وهو عند الناس مرسل ورواية وكيع وصلها ابن أبي شيبة عنه بلفظ: "ويثيب ما هو خير منها" ورواية محاضر لم أقف عليها بعد- انتهى.
1842-
قوله: (لو دعيت) بضم الدال وكسر العين (إلى كراع) بضم الكاف وتخفيف الراء، بعدها ألف ثم عين مهملة وهو من الدواب ما دون الكعب. وقيل: مستدق الساق من البقر والغنم بمنزلة الوظيف من الفرس يذكر ويؤنث وأمرع من الإنسان ما دون الركبة من مقدم الساق، والجمع أكرع وأكارع. وقال ابن فارس: كراع كل شيء طرفه وقال في الصراح: كراع بالضم بارجه كوسفند وكاؤو جزآن، وفي المثل أعطى العبد كراعاً فطلب ذراعاً لأن الذراع في اليد، والكراع في الرجل. والأول خير من الثاني، ويقال أيضاً كان كراعاً فصار ذراعاً إذا صار الضعيف الذليل قوياً عزيزاً (لأجبت) أي التأليف الداعي وزيادة المحبة فإن عدم الإجابة يقتضي النفرة وعدم المحبة فيندب إجابة الدعوة ولو شيء قليل. قال الحافظ: قد زعم بعض السراح وكذا وقع للغزالي إن المراد بالكراع في هذا الحديث المكان المعروف بكراع الغيم بفتح المعجمة وهو موضع بين مكة والمدينة، وزعم أنه أطلق ذلك على ذلك على سبيل المبالغة في الإجابة ولو بعد المكان لكن المبالغة في الإجابة مع
ولو أهدي إلى ذراع لقبلت)) . رواه البخاري.
1843-
(8) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس المسكين الذي يطوف على الناس، ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان)) .
ــ
حقارة الشيء أوضح في المراد، ولذا ذهب الجمهور إلى أن المراد بالكراع هنا كراع الشأة. وأغرب الغزالي في الأحياء فذكر الحديث بلفظ: ولو دعيت إلى كراع الغميم ولا أصل لهذه الزيادة. وقد أخرج الترمذي (في الأحكام من الجامع وفي الشمائل) من حديث أنس وصححه مرفوعاً لو أهدى إلى كراع لقلبت ولو دعيت عليه لأجبت، وأخرج الطبراني من حديث أم حكيم بنت وادع الخزاعية إنها قالت يا رسول الله! تكره رد الظلف قال ما أقبحه لو أهدى إلى كراع لقلبت الحديث ويستفاد سببه من هذه الرواية (ولو أهدى) بضم الهمزة وكسر الدال (إلي) بتشديد الياء (ذراع) بكسر الذال المعجمة وهو الساعد وكان صلى الله عليه وسلم يحب أكله لأنه مبادي الشاة وأبعد عن الأذى ولسرعة نضجه. قال القسطلاني: ولأبي ذر كراع أي بدل ذراع (لقلبت) أي ليحصل التحابب والتألف فإن الرد يحدث النفور والعداوة فيندب قبول الهدية ولو لشيء قليل. قال الحافظ: خص الذراع والكراع بالذكر ليجمع بين الحقير والخطير لأن الذراع كاتب أحب إليه من غيرها، والكراع لا قيمة له. وفي الحديث دليل على حسن خلقه صلى الله عليه وسلم وتواضعه وجبره القلوب الناس وعلى قبول الهدية وإجابة من يدعو الرجل إلى منزله، ولو علم أن الذي يدعوه إليه شيء قليل (رواه البخاري) في الهبة وفي الوليمة من كتاب النكاح وأخرجه الترمذي من حديث أنس.
1843-
قوله: (ليس المسكين) أي المذكور في قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة:60] والمسكين مفعيل بكسر الميم من السكون فكأنه من قلة المال سكنت حركاته. ولذا قال تعالى: {أو مسكيناً ذا متربة} [البلد: 16] أي لاصق بالتراب قاله القرطبي: (الذي يطوف) أي يدور ويتردد (على الناس) ليسألهم صدقة عليه (ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان) جملة حالية أي يرد هو على الأبواب لأجل اللقمة أو إنه إذا أخذ لقمة رجع إلى باب آخر، فكان اللقمة ردته من باب إلى باب. والمراد ليس المسكين الكامل الذي هو أحق بالصدقة وأحوج إليها المردود على الأبواب لأجل اللقمة، ولكن الكامل الذي لا يجد الخ فليس المراد نفي المسكنة عن الطواف بل نفي كمالها لأنهم أجمعوا على أن السائل الطواف المحتاج مسكين. قال النووي: معناه المسكين الكامل المسكنة الذي هو أحق بالصدقة وأحوج إليها ليس هو هذا الطواف بل هو الذي
ولكن المسكين الذي لا يجد غني يغنيه، ولا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقم فسأل الناس)) .
ــ
لا يجد غني الخ وليس معناه نفي أصل المسكنة عن الطواف بل معناه نفي كمال المسكنة كقوله تعالى: {ليس البر} [البقرة: 177] الآية وكقوله صلى الله عليه وسلم أتدرون من المفلس - الحديث انتهى. ويقرب منه ما قيل: ليس المراد نفي استحقاق الطواف الزكاة بل إثبات المسكنة لغير هذا المتعارف بالمسكنة وإثبات استحقاقه أيضاً لأن كلا منهما مصرف الزكاة حيث لا غنى لهما لكن الثاني أفضل. وقال السندي: المراد ليس المسكين المعدود في مصارف الزكاة هذا المسكين بل هذا داخل في الفقير، وإنما المسكين المستور الحال الذي لا يعرفه أحد إلا بالتفتيش، وبه يتبين الفرق بين الفقير والمسكين في المصارف (ولكن المسكين) أي الكامل في المسكنة بتخفيف نون لكن، فالمسكين مرفوع وبتشديدها فالمسكين منصوب (الذي لا يجد غني) بكسر الغين مقصوراً أي يسار، وفي رواية قالوا: فما المسكين يا رسول الله! قال: الذي لا يجد غني، وفي رواية إنما المسكين الذي يتعفف اقرؤا إن شئتم {لا يسألون الناس إلحافاً} (يغنيه) أي عن غيره ويكفيه وهي صفة لقوله "غنى" وهو قدر زائد على اليسار إذ لا يلزم من حصول اليسار للمرأة أن يغني به بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر، واللفظ محتمل لأن يكون المراد نفي أصل اليسار، ولأن يكون المراد نفي اليسار المقيد بأنه يغنيه مع وجود أصل اليسار، وعلى الاحتمال الثاني، ففيه إن المسكين هو الذي يقدر على مال أو كسب يقع موقعاً من حاجته ولا يكفيه كثمانية من عشرة وهو حينئذ أحسن حالاً من الفقير فإنه الذي لا مال له أصلاً، أو يملك ما لا يقع موقعاً من حاجته كثلاثة من عشرة. واحتج لذلك بقوله تعالى:{أما السفينة فكانت لمساكين} [الكهف: 79] فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة لكنها لا تقوم بجميع حاجاتهم (ولا يفطن به) بصيغة المجهول مخففاً أي لا يعلم باحتياجه، وفي رواية له أي باللام بدل الباء الموحدة (فيتصدق عليه) بضم الياء مجهولاً (ولا يقوم فيسأل الناس) برفع المضارع الواقع بعد الفاء في الموضعين عطفاً على المنفي المرفوع فينسحب النفي عليه أي لا يفطن له فلا يتصدق عليه ولا يقوم فلا يسأل الناس، وبالنصب فيهما بأن مضمرة وجوباً لوقوعه في جواب النفي بعد الفاء. وقد يستدل بقوله ولا يقوم فيسأل الناس على أحد محملي قوله تعالى:{لا يسألون الناس إلحافاً} [البقرة:273] إن معناه نفي السؤال أصلاً. وقد يقال لفظة يقوم تدل على التأكيد في السؤال فليس فيه نفي أصل السؤال. والتأكيد في السؤال هو الإلحاف وفي الحديث إن المسكنة إنما تحمد مع العفة عن السؤال والصبر على الحاجة وفيه حسن الإرشاد لوضع الصدقة، وأن يتحري وضعها فيمن صفته التعفف دون الإلحاح وفيه إن المسكين هو الجامع بين عدم الغنى وعدم تفطن الناس له لما يظن به لأجل تعففه وتظهره بصورة الغنى من عدم الحاجة، ومع هذا فهو مستعفف عن السؤال لكن قد تقدم إن معناه المسكين الكامل،
متفق عليه.
ــ
وليس المراد نفي أصل المسكنة (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة والتفسير، ومسلم في الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد، ومالك في الجامع من الموطأ، وأبوداود والنسائي في الزكاة والبيهقي في قسم الصدقات. وفائدة اختلف العلماء في الفرق بين الفقير والمسكين في آية المصارف. فقال الشافعي: الفقير من لا شيء له أي لا مال له ولا حرفة تقع موقعاً. وقال أبوحنيفة: هو من له مال دون النصاب أو قدر نصاب غير تام وهو مستغرق في الحاجة. وأما المسكين فهو عند الشافعي من له شيء أي مال أو حرفة لكن لا يكفيه، وعند أبي حنيفة من لا شيء له فيحتاج إلى المسألة لقوته، فالفقير أسوأ حالاً من المسكين عند الشافعي. وبه قال الأصمعي. قال الحافظ: وهو قول جمهور أهل الحديث والفقه. وعند أبي حنيفة المسكين أسوأ حالاً من الفقير، وإليه ذهب ابن السكيت ويونس بن حبيب من أهل اللغة. وقيل: هما سواء. قال الحافظ: وهذا قول ابن القاسم وأصحاب مالك. وقال ابن الهمام: الفقير من له مال دون نصاب، أو قدر نصاب غير تام وهو مستغرق في الحاجة والمسكين من لا شيء له فيحتاج للمسألة لقوته، أو ما يواري بدنه. ويحل له ذلك بخلاف الأول فإنه لا يحل لمن يملك قوت يومه بعد ستره بدنه. وعند بعضهم لا يحل لمن كان كسوباً أو يملك خمسين درهماً. ويجوز صرف الزكاة لمن لا تحل له المسألة بعد كونه فقيراً، ولا يخرجه عن الفقر ملك نصب كثيرة غير نامية إذا كانت مستغرقة بالحاجة، ولذا قلنا يجوز للعالم، وإن كانت له كتب تساوي نصباً كثيرة على تفصيل ما ذكرنا فيما إذا كان محتاجاً إليها للتدريس، أو الحفظ أو التصحيح ولو كانت ملك عامي وليس له نصاب تام لا يحل دفع الزكاة له، لأنها غير مستغرقة في حاجته فلم تكن كثياب البذلة، وعلى هذا جميع آلات المحترفين إذا ملكها صاحب تلك الخرفة. والحاصل إن النصب ثلاثة نصاب: يوجب الزكاة على مالكه وهو النامي خلقه أو إعداد وهو سالم من الدين. ونصاب لا يوجبها: وهو ما ليس أحدهما فإن كان مستغرقاً لحاجة مالكه حل له أخذها وإلا حرمت عليه كثياب تساوي نصاباً لا يحتاج إلى ملكها، أو أثاث، لا يحتاج إلى استعماله كله في بيته وفرس لا يحتاج إلى خدمته وركوبه، ودار، لا يحتاج إلى سكناها فإن كان محتاجاً إلى ما ذكرنا حاجة أصلية فهو فقير يحل دفع الزكاة له وتحرم عليه المسألة. ونصاب يحرم المسألة: وهو ملك قوت يومه أو لا يملك لكنه يقدر على الكسب أو يملك خمسين درهماً على الخلاف في ذلك - انتهى. وإن شئت البسط للفرق بين الفقير والمسكين فارجع إلى تفسير روح المعاني (ج10 ص107- 108) للعلامة الآلوسي ومعالم السنن (ج6 ص61- 62) للخطابي وإتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين (ج4 ص142، 143) للعلامة الزبيدي والمغنى لابن قدامة (ج6: ص420- 421) وتفسير المنار للعلامة السيد محمد رشيد رضا تحت مصارف الزكاة.