المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌(الفصل الثالث) 2626 - (11) عن عائشة، قالت: كانت قريش ومن - مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٩

[عبيد الله الرحماني المباركفوري]

فهرس الكتاب

- ‌(2) باب قصة حجة الوداع

- ‌(الفصل الأول)

- ‌(الفصل الثالث)

- ‌(3) باب دخول مكة والطواف

- ‌(الفصل الأول)

- ‌(الفصل الثاني)

- ‌(الفصل الثالث)

- ‌(4) باب الوقوف بعرفة

- ‌(الفصل الأول)

- ‌(الفصل الثاني)

- ‌(الفصل الثالث)

- ‌(5) باب الدفع من عرفة والمزدلفة

- ‌(الفصل الأول)

- ‌(الفصل الثاني)

- ‌(الفصل الثالث)

- ‌(6) باب رمي الجمار

- ‌(الفصل الأول)

- ‌(الفصل الثاني)

- ‌(الفصل الثالث)

- ‌(7) باب الهدي

- ‌(الفصل الأول)

- ‌(الفصل الثاني)

- ‌(الفصل الثالث)

- ‌(8) باب الحلق

- ‌(الفصل الأول)

- ‌(الفصل الثاني)

- ‌(9) باب

- ‌(الفصل الأول)

- ‌(الفصل الثاني)

- ‌(الفصل الثالث)

- ‌(10) باب خطبة يوم النحر، ورمي أيام التشريق، والتوديع

- ‌(الفصل الأول)

- ‌(الفصل الثاني)

- ‌(11) باب ما يجتنبه المحرم

- ‌(الفصل الأول)

- ‌(الفصل الثاني)

- ‌(الفصل الثالث)

- ‌(12) باب المحرم يجتنب الصيد

- ‌(الفصل الأول)

- ‌(الفصل الثاني)

- ‌(الفصل الثالث)

- ‌(13) باب الإحصار، وفوت الحج

- ‌(الفصل الأول)

- ‌(الفصل الثاني)

- ‌(14) باب حرم مكة حرسها الله تعالى

- ‌(الفصل الأول)

- ‌(الفصل الثاني)

- ‌(الفصل الثالث)

- ‌(15) باب حرم المدينة حرسها الله تعالى

- ‌(الفصل الأول)

- ‌(الفصل الثاني)

- ‌(الفصل الثالث)

الفصل: ‌ ‌(الفصل الثالث) 2626 - (11) عن عائشة، قالت: كانت قريش ومن

(الفصل الثالث)

2626 -

(11) عن عائشة، قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفة، فلما جاء الإسلام أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات، فيقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله عز وجل {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} .

ــ

2626 -

قوله (كانت قريش ومن دان دينها) أي اتبعهم في دينهم ووافقهم عليه واتخذ دينهم له ديناً (يقفون بالمزدلفة) أي حين يقف الناس بعرفة. قال سفيان بن عيينة: وكان الشيطان قد استهواهم فقال لهم: إنكم إن عظَّمتم غير حرمكم استخف الناس بحرمكم فكانوا لا يخرجون من الحرم. رواه الحميدي في مسنده (ج 1: ص 255)(وكانوا) أي قريش (يسمون الحُمْس) بضم الحاء المهملة وسكون الميم بعدها سين مهملة جمع أحمس من الحماسة بمعنى الشدة. روى إبراهيم الحربي في غريب الحديث عن مجاهد قال: الحمس قريش ومن كان يأخذ مأخذها من القبائل كالأوس والخزرج وخزاعة وثقيف وغزوان وبني عامر وبني صعصعة وبني كنانة إلا بني بكر، والأحمس في كلام العرب الشديد، وسموا بذلك لما شددوا على أنفسهم، وكانوا إذا أهلوا بحج أو عمرة لا يأكلون لحمًا ولا يضربون وبرًا ولا شعرًا، وإذا قدموا مكة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم، وروى إبراهيم أيضًا من طريق عبد العزيز بن عمران المدني قال: سموا حمسًا بالكعبة لأنها حمساء في لونها، حجرها أبيض يضرب إلى السواد - انتهى. والأول أشهر وأكثر وأنه من التحمس وهو التشدد. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: تحمس تشدد، ومنه حمس الوغى إذا اشتد. قال: كانت قريش إذا خطب إليهم الغريب اشترطوا عليه أن ولدها على دينهم فدخل في الحمس من غير قريش ثقيف وليث بن بكر وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة يعني وغيرهم، وعرف بهذا المراد بهذه القبائل من كانت له من أمهاته قرشية لا جميع القبائل المذكورة، كذا في الفتح. وقيل سموا حمسًا لشجاعتهم، والحماسة الشجاعة، وفيه إشارة إلى أنهم كانوا يفتخرون بشجاعتهم وجلادتهم مميزين أنفسهم عن جماعتهم وأهل جلدتهم (وكان سائر العرب) يعني بقيتهم (يقفون بعرفة) على العادة القديمة والطريقة المستقيمة (أن يأتي عرفات) هي علم للموقف والتاء ليست للتأنيث قاله الزمخشري. وقال الكرماني: التنوين عوض من النون في الزيدين يعني أن التنوين للمقابلة لا للتمكن أي جيء به في مقابلة النون في جمع المذكر السالم، وقد قيل كل بقعة فيها تسمى عرفة فهي جمع حقيقة (ثم يفيض منها) قال الطيبي: الإفاضة الزحف والدفع في السير وأصلها الصب (من أفضت الماء إذا صببته بكثرة) فاستعير للدفع في السير، وأصله أفاض نفسه أو راحلته ثم ترك المفعول رأساً حتى صار كاللازم (فذلك قوله عز وجل: ثم أفيضوا) أي ادفعوا وارجعوا (من حيث أفاض الناس) أي عامتهم وهو عرفة. قال الترمذي: معنى هذا الحديث أن أهل مكة كانوا لا يخرجون من الحرم، وعرفات خارج من.

ص: 146

متفق عليه.

ــ

الحرم فأهل مكة كانوا يقفون بالمزدلفة ويقولون نحن قطين الله يعنى سكان (بيت) الله، ومن سوى أهل مكة كانوا يقفون بعرفات فأنزل الله تعالى {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} (2: 199) والحمس هم أهل الحرم – انتهى. قال السندي: قوله {ثم أفيضوا} أي أيها القريش {من حيث أفاض الناس} أي غيركم وهو عرفات والمقصود أي ارجعوا من ذلك المكان، ولا شك أن الرجوع من ذلك المكان يستلزم الوقوف فيه، لأنه مسبوق به فلزم من ذلك الأمر بالوقوف من حيث وقف الناس وهو عرفة. قال الحافظ: دل هذا الحديث على أن المراد بقوله تعالى {ثم أفيضوا} الإفاضة من عرفة، وظاهر سياق الآية أنها الإفاضة من مزدلفة لأنها ذكرت بلفظة ثم بعد ذكر الأمر بالذكر عند المشعر الحرام، وأجاب بعض المفسرين بأن الأمر بالذكر عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفات التي سيقت بلفظ الخبر تنبيهًا على المكان الذي تشرع الإفاضة منه، فالتقدير: فإذا أفضتم اذكروا ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس لا من حيث كان الحمس يفيضون، أو التقدير: فإذا أفضتم من عرفات إلى المشعر الحرام فاذكروا الله عنده، ولتكن إفاضتكم من المكان الذي يفيض فيه الناس غير الحمس، ثم قال الحافظ: وأما الإتيان في الآية بقوله ثم فقيل هي بمعنى الواو وهذا اختيار الطحاوي، وقيل لقصد التأكيد لا لمحض الثرتيب، والمعنى فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، ثم اجعلوا الإفاضة التي تفيضونها من حيث أفاض الناس لا من حيث كنتم تفيضون. قال الزمخشري: وموقع ثم ها هنا موقعها من قولك: أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم، فتأتى ثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم والإحسان إلى غيره فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات بين لهم مكان الإفاضة فقال ((ثم أفيضوا)) لتفاوت ما بين الإفاضتين وأن إحداهما صواب والأخرى خطأ. قال الخطابي: تضمن قوله تعالى ((ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} (2: 199) الأمر بالوقوف بعرفة، لأن الإفاضة إنما تكون عند اجتماع قبله، وكذا قال ابن بطال وزاد: وبين الشارع مبتدأ الوقوف بعرفة ومنتهاه – انتهى. وروى البخاري من حديث عروة عن عائشة قالت: إن هذه الآية نزلت في الحمس {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} قالت: كانوا (أي الحمس) يفيضون من جمع فدفعوا إلى عرفات. قال الحافظ: المعنى أنهم أمروا أن يتوجهوا إلى عرفات ليقفوا بها ثم يفيضوا منها. قال: وعرف برواية عائشة أن المخاطب بقوله تعالى {أفيضوا} النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به من كان لا يقف بعرفة من قريش وغيرهم. وروى ابن أبي حاتم وغيره عن الضحاك أن المراد بالناس هنا إبراهيم الخليل عليه السلام وعنه المراد به الإمام وعن غيره آدم، وقرئ في الشواذ الناسي بكسر السين بوزن القاضي والأول أصح، نعم الوقوف بعرفة موروث عن إبراهيم كما روى الترمذي وغيره من طريق يزيد بن شيبان قال: كنا وقوفًا بعرفة فأتى ابن مربع – الحديث، وقد تقدم. ولا يلزم من ذلك أن يكون هو المراد خاصة بقوله {من حيث أفاض الناس} بل هو الأعم من ذلك والسبب فيه ما حكته عائشة رضي الله عنها (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي تفسير سورة البقرة، ومسلم في الحج وأخرجه أيضًا فيه

ص: 147

2627 – (12) وعن عباس بن مرداس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة فأجيب:" أني قد غفرت لهم ما خلا المظالم، فإني آخذ للمظلوم منه ". قال: " أي رب! إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم ". فلم يجب عشيته، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء، فأجيب إلى ما سأل. قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قال: تبسم. فقال له أبو بكر وعمر: بأبي أنت وأمي إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها

ــ

الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة. قال البوصيري في الزوائد: الحديث موقوف ولكن حكمه الرفع لأنه في شأن نزوله.

2627-

قوله (وعن عباس بن مرداس) بكسر الميم هو العباس بن مراداس بن أبي عامر أبو الهيثم ويقال أبو الفضل السلمي الشاعر الصحابي المشهور، أسلم قبل فتح مكة بيسير، وقيل: أسلم بعد يوم الأحزاب، وعداده في المؤلفة قلوبهم وحسن إسلامه، وشهد فتح مكة وحنينًا، وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية ونزل ناحية البصرة. قال الحافظ في تهذيب التهذيب: روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعنه ابنه كنانة وعبد الرحمن بن أنس السلمي، روى له أبو داود وابن ماجه حديثًا واحدًا في يوم عرفة – انتهى (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لأمته) قال القاري: الظاهر لأمته الحاجين معه مطلقًا. لا مطلق الأمة فتأمل. وقال السندي: قوله " لأمته " أي لمن معه في حجه ذلك أو لمن حج من أمته إلى يوم القيامة أو لأمته مطلقًا من حج أو لم يحج (عشية عرفة) أي وقت الوقفة (بالمغفرة) أي التامة (فأجيب أني) أي بأني. قال السندي: بفتح الهمزة أي أجابه الله بأني قد غفرت أو بكسرها أي أجابه قائلاً: إني قد غفرت (ما خلا المظالم) أي ما عدا حقوق الناس جمع مظلمة بكسر اللام وفتحها وهي ما تطلبه من عند الظالم مما أخذه منك بغير حق، وهي في الأصل مصدر بمعنى الظلم، وقيل جمع مظلم بكسر اللام والمظالم أعم من أن تكون مالية وعرضية (فإني آخذ) بصيغة المتكلم أو الفاعل (للمظلوم منه) أي من الظالم إما بالعذاب وإما بأخذ الثواب إظهارًا للعدل (أعطيت) أي من عندك (المظلوم من الجنة) أي ما يرضيه منها أو بعض مراتبها العلية. وقال السندي: ظاهره أنه سأل مغفرة مظالم المؤمنين بخلاف مظالم أهل الذمة إلا أن يقال: قوله " من الجنة " أي مثلاً أو تخفيف العذاب والله تعالى أعلم الصواب (وغفرت للظالم) فضلاً (فلم يجب) بصيغة المجهول والضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم (عشيته) أي في عشية عرفة، والتذكير باعتبار الزمان أو المكان. ويمكن أن يكون الضمير راجعًا إليه صلى الله عليه وسلم، فالإضافة لأدني ملابسة، قاله القاري (فلما أصبح بالمزدلفة) أي ووقف بها (أعاد الدعاء) أي المذكور (فأجيب إلى ما سأل) أي ما طلبه على وجه العموم. قيل إلى بمعني اللام ويمكن أن يكون لضمين معنى الرجوع والوصول. قال القاري: وكان العباس سمع هذه الأمور منه صلى الله عليه وسلم فرواها كأنه علمها (قال) أي العباس (فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال: تبسم) أو للشك من الراوي عن العباس لقوله قال (ما كنت تضحك فيها) أي من شأنها أن لا تضحك فيها، أو المراد في مثلها مما تبكي وتتضرع فيه

ص: 148

فما الذي أضحكك، أضحك الله سنك. قال:" إن عدو الله إبليس لما علم أن الله عز وجل قد استجاب دعائي وغفر لأمتي، أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه، ويدعو بالويل والثبور، فأضحكني ما رأيت من جزعه ".

ــ

وإلا لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الساعة قبل، لأنه لم يحج إلا أول حجها، وإن قيل إنه صلى الله عليه وسلم قد حج قبل عهد الإسلام فأبو بكر وعمر لم يرياه، كذا في اللمعات (أضحك الله سنك) أي أدام الله لك السرور الذي سبب ضحكك (فجعل يحثوه على رأسه) أي يلقي التراب بكفيه على رأسه (ويدعو بالويل) أي العذاب (والثبور) بضم الثاء أي الهلاك يعني يقول: وا ويلاه ويا ثبوراه. قال الطيبي: كل من وقع في تهلكة دعا بالويل والثبور أي يا هلاكي وعذابي احضر فهذا أوانك. وقال الطبري: الويل الحزن والهلاك المشقة وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومعنى النداء فيه يا حزني ويا عذابي ويا هلاكي احضر فهذا وقتك، فكأنه نادى الويل أن يحضره بما عرض له، والثبور هو الهلاك، وقد ثبر يثبر ثبورًا إذا هلك (فأضحكني ما رأيت من جزعه) أي مما صدر من فضل ربي على رغمه. قال القاري: وظاهر الحديث عموم المغفرة وشمولها حق الله وحق العباد إلا أنه قابل للتقييد بمن كان معه صلى الله عليه وسلم في تلك السنة (يعني المراد من الأمة هم الواقفون معه صلى الله عليه وسلم بعرفة) أو بمن قبل حجه بأن لم يرفث ولم يفسق. ومن جملة الفسق الإصرار على المعصية وعدم التوبة، ومن شرطها أداء حقوق الله الفائتة كالصلاة والزكاة وغيرهما وقضاء حقوق العباد المالية والبدنية والعرضية اللهم إلا أن يحمل على حقوق لم يكن عالمًا بها أو يكون عاجزًا عن أدائها. قال: ولا تغتر بكون هذا الحديث مجملاً مع اعتقاد أن فضل الله واسع، وقد قال تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (4: 48، 116) ?ولذا قال عليه الصلاة والسلام: أي رب إن شئت، فما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن ولا يسئل عما يفعل وهم يسئلون. ثم قال القاري بعد ذكر الكلام في هذا الحديث وما ورد في معناه من الروايات قال: بعضهم إذا تأملت ذلك كله علمت أنه ليس في هذه الأحاديث ما يصلح متمسكًا لمن زعم أن الحج يكفر التبعات لأن الحديث ضعيف، على أنه ليس نصًا في المدعى لاحتماله ومن ثمة قال البيهقي: يحتمل أن تكون الإجابة إلى المغفرة بعد أن يذيقهم شيئًا من العذاب دون ما يستحقه فيكون الخبر خاصًا في وقت دون وقت، يعني ففائدة الحج حينئذ التخفيف من عذاب التبعات في بعض الأوقات دون النجاة بالكلية، ويحتمل أن يكون عامًا ونص الكتاب يدل على أنه مفوض إلى مشيئته تعالى. وحاصل هذا الأخير أنه بفرض عمومه محمول على أن تحمله تعالى التبعات من قبيل {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وهذا لا تكفير فيه وإنما يكون فاعله تحت المشيئة فشتان ما بين الحكم بتكفير الذنوب وتوقفه على المشيئة ولذا قال البيهقي: فلا ينبغي لمسلم أن يغر نفسه بأن الحج يكفر التبعات فإن المعصية شؤم، وخلاف الجبار في أوامره ونواهيه عظيم. قال: وهذا لا ينافي

ص: 149

رواه ابن ماجة، وروى البيهقي في كتاب البعث والنشور نحوه.

ــ

قول ابن المنذر فيمن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه: إن هذا عام يرجى أن يغفر له جميع ذنوبه صغائرها وكبائرها، وإنما الكلام في الوعد الذي لا يخلف – انتهى. (رواه ابن ماجة) أي بهذا اللفظ من طريق عبد القاهر بن السري السلمي عن عبد الله بن كنانة (بكسر كاف وبنونين بينهما ألف وأولاهما خفيفة) بن عباس بن مرداس السلمي عن أبيه كنانة عن جده عباس (وروى البيهقي في كتاب البعث والنشور نحوه) أي بمعناه، وكذا رواه في شعب الإيمان وفي السنن الكبرى (ج 5: ص 118) ورواه أيضًا عبد الله بن أحمد في زوائد المسند لأبيه (ج 4: ص 14) والطبراني في الكبير وأخرج أبو داود في كتاب الأدب من سننه طرفًا منه من الوجه الذي رواه ابن ماجة لكنهم قالوا حدثني ابن لكنانة بن العباس ولم يسموه عن أبيه عن جده عباس، وعبد الله بن كنانة بن عباس، قال الحافظ في التقريب في كليهما أنه مجهول. وذكر في تهذيب التهذيب في ترجمتهما عن البخاري أنه قال: لم يصح حديثه. وقال في ترجمة كنانة بعد ذكر كلام البخاري هذا: وذكره ابن حبان في الثقات، وذكره أيضًا في كتاب الضعفاء قال: حديثه منكر جدًا لا أدرى التخليط منه أو من ابنه ومن أيهما كان فهو ساقط الاحتجاج به – انتهى. وقال البوصيري في الزوائد: في إسناده عبد الله بن كنانة قال البخاري: لم يصح حديثه – انتهى. ولم أر من تكلم بجرح ولا توثيق – انتهى. والحديث سكت عنه أبو داود بعد رواية طرف منه من الوجه المذكور، ونقل المنذري في مختصر السنن (8 / 97) كلام ابن حبان وزاد:" لعظم ما أتى من المناكير عن المشاهير ". وقد ظهر بهذا كله أن حديث عباس هذا ضعيف لكن له شواهد يبلغ بها إلى درجة الحسن. قال في المواهب اللدنية بعد ذكر حديث عباس بن مرداس من رواية ابن ماجة: ورواه أبو داود من الوجه الذي رواه ابن ماجة ولم يضعفه. قال الزرقاني: أي سكت عليه فهو عنده صالح للحجة، وقد أخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي في الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين من طرق وقد صنف الحافظ ابن حجر فيه كراسًا سماه " قوة الحجاج في عموم المغفرة للحجاج ". قال في أوله: إنه سئل عن حال هذا الحديث هل هو صحيح أو حسن أو ضعيف أو منكر أو موضوع؟ قال: فأجبت بأنه جاء من طرق أشهرها حديث عباس بن مرداس فإنه مخرج في مسند أحمد، وأخرج أبو داود طرفًا منه وسكت عليه، فهو عنده صالح. وعلى رأى ابن الصلاح ومن تبعه حسن، وعلى رأى الجمهور كذلك، لكن باعتبار انضمام الطرق الأخرى إليه، ثم قال الحافظ أثناء كلامه. حديث العباس بمفرده يدخل في حد الحسن على رأى الترمذي ولا سيما بالنظر إلى مجموع هذه الطرق لطرق ذكرها، قال: وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من حديث ابن مرداس، وقال: فيه كنانة منكر الحديث جدًا لا أدرى التخليط منه أو من ولده. وهذا لا ينتهض دليلاً على أنه موضوع فقد اختلف قول ابن حبان في كنانة فذكره في الثقات وفي الضعفاء، وذكر ابن مندة أنه قيل إن له رؤية منه

ص: 150

..............................................................................................

ــ

صلى الله عليه وسلم، وأما ولده عبد الله بن كنانة ففيه كلام لابن حبان أيضًا وكل ذلك لا يقتضي وضعه، بل غايته أن يكون ضعيفًا ويتعضد بكثرة طرقه، وأورد حديث ابن عمر في الموضوعات أيضًا وقال: فيه عبد العزيز بن أبي رواد، تفرد به نافع عن ابن عمر، قال ابن حبان: كان يحدث على التوهم والحسبان فبطل الاحتجاج به وهو مردود فإنه لا يقضي أنه موضوع مع أنه لم ينفرد به، بل له متابع عند ابن حبان في كتاب الضعفاء، هذا كلام الحافظ ملخصًا وهو كلام متقن إمام في الفن فلا عليك ممن أطلق عليه اسم الضعيف الذي لا يحتج به. وقال الطبري بعد روايته حديث ابن عمر: إنه محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجز عن وفائها مع العزم على أنه يوفي إذا قدر ما يمكن توفيته. وقد رواه أي حديث العباس بن مرداس البيهقي في السنن الكبرى بنحو رواية ابن ماجة وكذا الطبراني في الكبير وعبد الله أحمد في زوائد المسند لأبيه وابن عدي وصححه الضياء كما مر. وقد قالوا إن تصحيحه أعلى من تصحيح الحاكم. وقال البيهقي بعد أن أخرجه في كتاب البعث: هذا الحديث له شواهد كثيرة، فأخرجه عبد الرزاق والطبراني من حديث عبادة بن الصامت وأبو يعلى وابن منيع من حديث أنس وابن جرير وأبو نعيم وابن حبان من حديث ابن عمر والدارقطني وابن حبان من حديث أبي هريرة وابن مندة من حديث عبد الله بن زيد (ذكر رواياتهم الحافظ في مؤلفه بنحو حديث عباس بن مرداس) وارجع إلى تنزيه الشريعة لابن عراق (ج 2: ص 169، 170) والقول المسدد (ص 37 – 40) فإن صح بشواهده فقيه الحجة وإن لم يصح فنحن في غنية عن تصحيحه فقد قال الله تعالى {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وظلم بعضهم بعضًا دون الشرك فيدخل في الآية – انتهى. وهو حسن، وفي الحديث الصحيح: من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه، وهو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بالحقوق ولا تسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاة أو صيام أو زكاة أو كفارة ونحوها من حقوق الله أو شيء من حقوق العباد لا تسقط عنه لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنب تأخيرها فنفس التأخير يسقط بالحج لا هي نفسها، فلو أخره، بعد الحج تجدد إثم آخر، فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق؛ ولا يسقط حق الآدمي بالحج إجماعاً والله أعلم، كذا في شرح المواهب، وقال ابن عابدين: قد يقال بسقوط نفس الحق إذا مات قبل القدرة على أدائه سواء كان حق الله تعالى أو حق عباده وليس في تركته ما بقي به لأنه إذا سقط إثم التأخير ولم يتحقق منه إثم بعده فلا مانع من سقوط نفس الحق، أما حق الله تعالى فظاهر، وأما حق العبد فالله تعالى يرضي خصمه عنه كما مر في الحديث. ثم قال: اعلم أن تجويزهم تكفير الكبائر بالهجرة والحج مناف لنقل عياض الإجماع على أنه لا يكفرها إلا التوبة، ولا سيما على القول بتكفير المظالم أيضًا، بل القول بتكفير إثم المطل وتأخير الصلاة ينافيه لأنه كبيرة، وقد كفرها الحج بلا توبة، وكذا ينافيه عموم قوله تعالى {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وهو اعتقاد أهل الحق أن مات مصرًا على الكبائر كلها سوى الكفر فإنه قد يعفى بشفاعة أو بمحض الفضل، والحاصل كما في البحر أن المسألة ظنية فلا يقطع بتكفير الحج للكبائر من حقوقه تعالى فضلاً عن حقوق العباد والله تعالى أعلم – انتهى. وقال القاري بعد ذكر كلام البيهقي:

ص: 151