الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(الفصل الأول)
2651 – (1) عن ابن عباس، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها
ــ
الجذع من الضان قال: وليس في عدد الهدي حد معلوم، وكان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع مائة، وأما كيفية سوق الهدي فهو التقليد والإشعار وإذا كان الهدي من الإبل والبقر فلا خلاف أنه يقلد نعلاً أو نعلين، واختلفوا في تقليد الغنم فقال مالك وأبو حنيفة: لا تقلد الغنم، وقال الشافعي وأحمد: تقلد (إلى آخر ما قال) .
2651 – قوله (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بذي الحليفة) أي ركعتين لكونه مسافرًا، واكتفى بهما عوضًا عن ركعتي الإحرام، أو صلى ركعتين أخريين سنة الإحرام، قاله القاري. وقال الأبي: صلاته الظهر بذي الحليفة لا ينافي أن يكون إحرامه أثر نافلة (ثم دعا بناقته) قيل: لعلها كانت من جملة رواحله فأضافها إليه. وقال الطيبي: أي بناقته التي أراد أن يجعلها هديًا، فاختصر الكلام. يعني فالإضافة جنسية (فأشعرها) أي طعنها، من الإشعار وهو في اللغة الإعلام، مأخوذ من الشعور وهو العلم بالشيء من شعر يشعر كنصر ينصر، قاله العيني. وقال الراغب: الشعر معروف قال تعالى {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} (16: 80) الآية. ومنه استعير شعرت كذا أي علمت علمًا في الدقة كإصابة الشعر، وسمي الشاعر شاعرًا لفطنته ودقة معرفته {لا تحلوا شعائر الله} (5: 2) أي ما يهدى إلى بيت الله، سمي بذلك لأنها تشعر أي تعلم بأن تدمي بشعيرة أي حديدة – انتهى. وفي الشرع هو أن يشق أحد سنامي البدن ويطعن فيه حتى يسيل دمها ليعرف أنها هدي وتتميز إن خلطت وتعرف إن ضلت ويرتدع عنها السراق ويأكلها الفقراء إذا ذبحت في الطريق لخوف الهلاك. والحديث يدل على أن الإشعار سنة، وبه قال الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة، وروي عن أبي حنيفة أن الإشعار بدعة مكروه لأنه مثلة وتعذيب الحيوان وهو حرام، وإنما فعله صلى الله عليه وسلم لأن المشركين لا يمتنعون عن تعرضه إلا بالإشعار. وقال الجمهور: القول بكراهته مخالف للأحاديث الصحيحة الواردة بالإشعار وليس هو مثلة بل هو كالفصد والحجامة والختان والكي للمصلحة، وأيضًا تعرض المشركين في ذلك الوقت بعيد لقوة الإسلام. وقد قيل إن كراهة أبي حنيفة الإشعار إنما كان من أهل زمانه فإنهم كانوا يبالغون فيه بحيث يخاف سراية الجراحة وفساد العضو، كذا في اللمعات. وقال الحافظ في شرح حديث المسور بن مخرمة في إشعار النبي صلى الله عليه وسلم الهدي زمن الحديبية وحديث عائشة في إشعاره عند بعثه إلى مكة ما لفظ ((فيه مشروعية الإشعار وهو أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل دم ثم يسلته فيكون ذلك علامة على كونها هديًا وقال أيضًا: وفائدته الإعلام بأنها صارت هديًا ليتبعها من يحتاج إلى ذلك، وحتى لو اختلطت بغيرها تميزت أو ضلت عرفت أو عطبت عرفها المساكين بالعلامة فأكلوها مع ما في ذلك من تعظيم شعار الشرع وحث الغير عليه. وقال الشاه ولي الله الدهلوي: السر في الإشعار التنويه بشعائر الله وأحكام
..............................................................................................
ــ
الملة الحنيفية يري ذلك منه الأقاصي والأداني، وأن يكون فعل القلب منضبطًا بفعل ظاهر – انتهى. قال الحافظ: وبمشروعيته قال الجمهور من السلف والخلف، وذكر الطحاوي في اختلاف العلماء كراهته عن أبي حنيفة، وذهب غيره إلى استحبابه للإتباع حتى صاحباه أبو يوسف ومحمد فقالا: هو حسن. قال: وقال مالك: يختص الإشعار بمن لها سنام. قال الطحاوي: ثبت عن عائشة وابن عباس التخيير في الإشعار وتركه فدل على أنه ليس بنسك، لكنه غير مكروه لثبوت فعله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحافظ: وأبعد من منع الإشعار واعتل باحتمال أنه كان مشروعًا قبل النهى عن المثلة، فإن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال، بل وقع الإشعار في حجة الوداع وذلك بعد النهي عن المثلة بزمان. وقال الخطابي وغيره: اعتلال من كره الإشعار بأنه من المثلة مردود بل هو باب آخر كالكى وشق أذن الحيوان ليصير علامة وغير ذلك من الوسم وكالختان والحجامة. وشفقة الإنسان على المال عادة فلا يخشى ما توهموه من سريان الجرح حتى يفضي إلى الهلاك، ولو كان ذلك هو الملحوظ لقيده الذي كرهه به كأن يقول: الإشعار الذي يفضي بالجرح إلى السراية حتى تهلك البدنة مكروه فكان قريبًا، قال الحافظ: وقد كثر تشنيع المتقدمين على أبي حنيفة في إطلاق كراهة الإشعار وانتصر له الطحاوي في المعاني فقال: لم يكره أبو حنيفة أصل الإشعار وإنما كره ما يفعل على وجه يخاف منه هلاك البدن كسراية الجرح لا سـ
…
مع الطعن بالشفرة فأراد سد الباب عن العامة، لأنهم لا يراعون الحد في ذلك، وأما من كان عارفًا بالسنة في ذلك فلا. وروي عن إبراهيم النخعي أيضًا أنه كره الإشعار، ذكر ذلك الترمذي، قال سمعت أبا السائب يقول: كنا عند وكيع فقال لرجل ممن ينظر في الرأي: أشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول أبو حنيفة: هو مثلة. قال الرجل فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مثلة. قال: فرأيت وكيعًا غضب غضبًا شديدًا وقال: أقول لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول قال إبراهيم ما أحقك أن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا – انتهى. قال الحافظ: وفي هذا تعقب على الخطابي حيث قال: لا أعلم أحدًا من أهل العلم أنكر الإشعار غير أبي حنيفة وخالفه صاحباه وقالا في ذلك بقول عامة أهل العلم – انتهى. وفيه أيضًا تعقب على ابن حزم في زعمه أنه ليس لأبي حنيفة في ذلك سلف، وقد بالغ ابن حزم في هذا الموضع، ويتعين الرجوع إلى ما قال الطحاوي فإنه أعلم من غيره بأقوال أصحابه – انتهى كلام الحافظ. وقال ابن عابدين: جرى (صاحب الدر المختار) على ما قاله الطحاوي والشيخ أبو منصور الماتريدي من أن أبا حنيفة لم يكره أصل الإشعار، وكيف يكرهه مع ما اشتهر فيه من الأخبار، وإنما كره إشعار أهل زمانه الذي يخاف منه الهلاك خصوصًا في حر الحجاز فرأى الصواب حينئذ سد هذا الباب على العامة، فأما من وقف على الحد بأن قطع الجلد دون اللحم فلا بأس بذلك. قال الكرماني (في المناسك) : وهذا هو الأصح وهو اختيار قوام الدين وابن الهمام، فهو مستحب لمن أحسنه. قال في النهر: وبه يستغنى عن كون العمل على قولهما بأنه حسن – انتهى. قلت: ما روي عن أبي حنيفة من القول بكراهة
..............................................................................................
ــ
الإشعار لا شك أنه مخالف للأحاديث الصحيحة ومنابذ للسنة، واضطربت الحنفية في الجواب عنها فقال بعضهم: إنما أنكر أبو حنيفة الإشعار لأنه يجهد البدنة، وفيه ما لا يخفى من أذية الحيوان وتعذيبه وقد نهى عن ذلك ورأى أنه من المثلة وهو منهي عنه. وعند التعارض الترجيح للمحرم، قالوا: وقد روي عن ابن عباس التخيير فيه والرخصة، وعن عائشة تركه، فرجح أبو حنيفة الترك لأنه جهة المثلة وهي حرام، وترك الندب أولى من اقتحام التحريم. وأجاب الخطابي عن ذلك بأن المثلة إنما هو أن يقطع عضو من البهيمة يراد به التعذيب أو تبان قطعة منها للأكل كما كانوا يفعلون ذلك من قطعهم أسنمة الإبل وأليات الشاه يبينونها والبهيمة حية فتعذب بذلك، وإنما سبيل الإشعار سبيل ما أبيح من الكي والتبزيغ والتوديج في البهائم، وسبيل الختان والفصاد والحجامة في الآدميين، وإذا جاز الكي واللدغ بالميسم ليعرف بذلك ملك صاحبه جاز الإشعار ليعلم أنه بدنة نسك وتصان فلا يعرض لها حتى تبلغ المحل – انتهى. قال الشوكاني بعد ذكره. على أنه لو كان من المثلة لكان ما فيه من الأحاديث مخصصًا له من عموم النهي عنها. وقال ابن حجر في شرح مناسك النووي: وإنما لم يكن الإشعار منهيًا عنه، لأن أخبار النهى عن المثلة عامة وأخباره خاصة فقدمت. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في حاشية الهداية: مذهب الإمام ها هنا وقع مخالفًا للأحاديث المروية في باب الطعن والإشعار، رواها مسلم والبخاري ومالك وغيرهم. وما ذكروه من التعارض بين أحاديث الإشعار وبين النهي عن المثلة فغير صحيح لوجهين أحدهما أن التعارض إنما يكون عند الجهل بالتاريخ، ومعلوم أن إشعاره كان في حجة الوداع، والنهي عن المثلة كان في غزوة خيبر كما هو مصرح في بعض الروايات فأنى التعارض، بل يكون عمل الإشعار متأخرًا فليعمل به، وثانيهما وهو أقواهما أن الإشعار ليس بمثلة إذ ليس كل جرح مثلة بل هو ما يكون تشويهًا كقطع الأنف والأذن ونحو ذلك فلا يقال لكل جرح أنه مثلة فلا تعارض بين النهى عن المثلة وبين خبر الإشعار، وقال بعضهم: معنى قول الراوي ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أشعر بدنته)) أعلمها بعلامة ويمكن أن يكون ذلك سوى الجرح لأن الإشعار هو الإعلام، كذا ذكره الإمام المحبوبي حكاه في البناية عن الإسبيجابي، وهذا الجواب يغني حكايته عن رده، كيف وقد ورد في بعض الروايات أنه طعن، وهو صريح في الجرح، وقال بعضهم: حديث الإشعار منسوخ بأحاديث النهى عن المثلة، وقد تقدم الجواب عن هذا في كلام الحافظ وغيره، وقال بعضهم: الذي اشتهر عن أبي حنيفة من منع الإشعار فهو منع لما ارتكبه أهل زمانه من المبالغة فيه لا أصل الإشعار، أو هو ردع للعوام مطلقًا إبقاء على الهدايا وخوفًا عما يؤل الأمر إليه من المبالغة فيه والوقوع في المنهي عنه طلبًا لما هو مندوب فقط. وهذا قريب مما قاله الطحاوي. وقال بعضهم: إنما كره أبو حنيفة إيثار الإشعار على التقليد يعنى أن الأولى عنده التقليد واختيار الإشعار عليه مكروه، ولا يخفى ما فيه من التمحل، فإنه مخالف لما اشتهر عن أبي حنيفة من كراهة الإشعار مطلقًا وفيه أيضًا أنه لا يحصل الغرض
..............................................................................................
ــ
المذكور بالتقليد، لأنه يحتمل أن ينحل ويذهب بخلاف الإشعار فأنه ألزم، وقال بعضهم: إن إشعاره صلى الله عليه وسلم كان لصيانة الهدي لأن المشركين لا يمتنعون عن تعرضه إلا به قال في فتح القدير متعقبًا على هذا: قد يقال هذا يتم في إشعار الحديبية وهو مفرد بالعمرة، لا في إشعار هدايا حجة الوداع – انتهى. وقد تقدم نحو هذا عن صاحب اللمعات، وقال الشيخ اللكنوي في حاشية الهداية: لو سلمنا أن إشعاره كان لأن المشركين كانوا لا يمتنعون إلا به لكن إزالة السبب لا تقتضي إزالة المسبب، أما ترى إلى الرمل أنه بقي سنة مع زوال سببه فلا جرم يبقي الإشعار سنة أيضًا وإن زال سببه، قال: والأحسن في تأويل قول أبي حنيفة ما ذكره الطحاوي أنه إنما كره إشعار أهل زمانه، وهذا توجيه جيد يجب صرف مذهبه إليه لئلا يكون مخالفًا للأحاديث الصريحة، ومع قطع النظر عن هذا التأويل لا طعن على أبي حنيفة في هذا الباب لاحتمال عدم وصول أحاديث الإشعار إليه بطريق الصحة، والإمام إذا لم يصل إليه الحديث فعمل بالقياس فهو معذور. وقال في تعليقه على موطأ محمد: وحمله الطحاوي على أنه كره المبالغة فيه بحيث يؤدي إلى السراية وهو محمل حسن، ولولاه لكان قول أبي حنيفة مخالفًا للثابت بالأحاديث الصحيحة الصريحة صريحًا، وللقوم في توجيه ما روي عنه كلمات قد فرغنا عن دفعها في تعليقاتي على الهداية فلا نضيع الوقت بذكرها – انتهى. تنبيه: اتفق من قال بالإشعار بإلحاق البقر في ذلك بالإبل إلا سعيد بن جبير، واتفقوا على أن الغنم لا تشعر لضعفها ولكون صوفها أو شعرها يستر موضع الإشعار، وأما على ما نقل عن مالك فلكونها ليست ذات أسنمة، والله أعلم كذلك في الفتح. قلت: اختلف أصحاب المذاهب الأربعة في إشعار الإبل والبقر بعد ما اتفقوا على أن الغنم لا تشعر، فذهب الشافعية والحنابلة إلى استنان الإشعار في الإبل والبقر مطلقًا أي ولو لم يكن لها سنام، قال القسطلاني: إن لم يكن لها سنام أشعر موضعه هذا مذهب الشافعية وهو ظاهر المدونة. وقال القسطلاني في موضع آخر: مذهب الشافعي وموافقيه أنه يستحب تقليد البقر وإشعارها. وفي مناسك النووي: إن كانت بدنة أو بقرة استحب أن يقلدها وأن يشعرها أيضًا، وهو أن يضرب صفحة سنامها اليمنى. قال ابن حجر في شرحه: قوله ((صفحة سنامها)) هو في الإبل واضح، وأما البقر فلا سنام لها فليضربها في محله لو كان لها أخذًا مما في المجموع عن النص. وقال ابن قدامة: ويسن إشعار الإبل والبقر، وقال مالك: إن كانت البقرة ذات سنام فلا بأس بإشعارها وإلا فلا. ثم قال ابن قدامه: وتشعر البقرة لأنها من البدن فتشعر كذات السنام، وأما الغنم فلا يسن إشعارها لأنها ضعيفة وصوفها وشعرها يستر موضع إشعارها – انتهى. وأما عند المالكية ففي الإبل قولان، المرجح الإشعار مطلقًا أي ولو لم يكن لها سنام، والثاني التقييد بالسنام. وفي البقر ثلاثة أقوال: الأول الإثبات مطلقًا والثاني النفي مطلقًا، والثالث إشعار ذات السنام وهو المرجح عندهم كما يظهر من كلام الباجي والدردير والدسوقي والمدونة. وأما عند الحنفية فلا إشعار في البقر مطلقًا. قال في شرح اللباب: الإبل تقلد وتجلل وتشعر، والبقر
في صفحة سنامها الأيمن،
ــ
لا تشعر بل تجلل وتقلد والغنم لا يفعل بها شيء من الثلاثة – انتهى. (في صحفة سنامها) بفتح السين والصفحة الجانب والسنام أعلى ظهر البعير (الأيمن) صفة صفحة وذكره لمجاورته لسنام، وهو مذكر، أو على تأويل صفحة بجانب. وبه جزم النووي حيث قال: وصف لمعنى صفحة لا للفظها. ثم قال: أما محل الإشعار فمذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف أنه يستحب الإشعار في صفحة السنام اليمنى. وقال مالك في اليسري. وهذا الحديث يرد عليه – انتهى. قلت: اختلف العلماء في أن الإشعار في الأيمن أفضل أو في الأيسر وللمالكية في ذلك أربعة أقوال كما في الدسوقي والإكمال حيث قالا: وفي أولويته في الشق الأيمن أو الأيسر، ثالثها إنما السنة في الأيسر، ورابعها إنهما سواء – انتهى. لكن مشهور مذهب مالك الأيسر كما في الإكمال، ولذا اقتصر عليه عامة نقلة المذاهب كالنووي والحافظ والعيني وغيرهم، وبه قال صاحبا أبي حنيفة كما في العيني وغيره. وقال محمد في موطأه بعد رواية أثر ابن عمر: أنه كان يشعر بدنته في الشق الأيسر إلا أن تكون صعابًا، فإذا لم يستطع أن يدخل بينها أشعر من الشق الأيمن. قال محمد: وبهذا نأخذ الإشعار من الجانب الأيسر إلا أن تكون صعابًا مقرنة لا يستطيع أن يدخل بينهما فليشعرها من الجانب الأيسر والأيمن (الواو بمعنى أو) انتهى. وهو أي الإشعار في الشق الأيسر رواية أحمد، وفي أخرى له المشهور عنه أنه يشعر في الأيمن وبه قال الشافعي، وهو رواية عن أبي يوسف وفي الدر المختار: الإشعار هو شق سنامها من الأيسر أو الأيمن. وفي الهداية: صفته أن يشق سنامها من الجانب الأيمن أو الأيسر، قالوا: والأشبه هو الأيسر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم طعن في جانب اليسار مقصودًا، وفي جانب الأيمن اتفاقًا. قال ابن الهمام: قالوا لأنها كانت تساق إليه وهو يستقبلها فيدخل من قبل رؤسها والحربة بيمينه لا محالة، والطعن حينئذ إلى الجهة اليسار أمكن وهو طبع هذه الحركة فيقع الطعن كذلك مقصودًا ثم يعطف طاعنًا إلى جهة يمينه بيمينه وهو مكتلف بخلافه إلى الجهة الأولى – انتهى. وهذا مبني على أنه صلى الله عليه وسلم أشعر في الأيمن والأيسر. أما الأول فهو مذكور في حديث ابن عباس عند مسلم الذي نحن في شرحه، وأما الثاني أي الطعن في الأيسر فقال ابن عبد البر في كتاب التمهيد: رأيت في " كتاب ابن علية " عن أبيه عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي حسان الأعرج عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشعر بدنه من الجانب الأيسر ثم سلت الدم عنها قال ابن عبد البر: هذا عندي منكر في حديث ابن عباس، والمعروف ما رواه مسلم وغيره في الجانب الأيمن لا يصح في غير ذلك إلا أن ابن عمر كان يشعر بدنه من الجانب الأيسر – انتهى. وقد صحح ابن القطان كلامه هذا قال: وأنا أخاف أن يكون تصحف فيه الأيمن بالأيسر – انتهى. لكن قال الزيلعي في نصب الراية (ج 3: ص 116) : قد روي هذا الحديث من غير طريق ابن علية، فرواه أبو يعلى الموصلي في مسنده حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا شعبة بن الحجاج عن
وسلت الدم عنها، وقلدها نعلين،
ــ
قتادة عن أبي حسان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتى ذا الحليفة أشعر بدنته في شقها الأيسر ثم سلت الدم بأصبعه، فلما علت به راحلته البيداء لبى – انتهى. وقد سكت عليه الزيلعي والحافظ في الدراية. قيل: ويؤيده أثر ابن عمر عند مالك، كما سيأتي. قلت: لم أجد رواية صحيحة أو ضعيفة تدل على أنه صلى الله عليه وسلم طعن في بعض البدنة في الشق الأيسر، وفي البعض الآخر في الشق الأيمن. وأما رواية أبي يعلى الموصلي فهي معارضة لما رواه الجماعة إلا البخاري عن ابن عباس في الإشعار في الشق الأيمن فيقدم هذا ويرجح على رواية أبي يعلى. وأما تأويل الباجي لحديث ابن عباس عند مسلم بأنه كان ذلك لصعوبتها أو ليرى الجواز، فلا يخفى ما فيه لأنه احتمال ناشئ من غير دليل. قال ابن قدامة (ج 3: ص 548) : السنة الإشعار في صفحتها اليمنى، وبهذا قال الشافعي وأبو ثور، وقال مالك وأبو يوسف: بل تشعر في صفحتها اليسرى. وعن أحمد مثله لأن ابن عمر فعله. ولنا ما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بذي الحليفة ثم دعا ببدنة وأشعرها من صفحة سنامها الأيمن – الحديث. رواه مسلم. وأما ابن عمر فقد روي عنه كمذهبنا رواه البخاري (معلقًا) ثم فعل النبي صلى الله عليه وسلم أولى من قول ابن عمر وفعله بلا خلاف، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيمن في شأنه كله – انتهى. وقال البخاري في صدر ((باب من أشعر بذي الحليفة ثم أحرم)) : وقال نافع كان ابن عمر إذا أهدى من المدينة قلده وأشعره بذي الحليفة يطعن في شق سنامه الأيمن بالشفرة ووجهها قبل القبلة باركة. قال الحافظ: وصله مالك في الموطأ قال: عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا أهدي هديًا من المدينة قلده وأشعره بذي الحليفة، يقلده قبل أن يشعره وذلك في مكان واحد وهو موجه للقبلة، يقلده بنعلين ويشعره من الشق الأيسر ثم يساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة ثم يدفع به معهم إذا دفعوا، فإذا قدم منى غداة النحر نحره. وعن نافع عن ابن عمر كان إذا طعن في سنام هديه وهو يشعره قال: بسم الله والله أكبر. وأخرج البيهقي (ج 5: ص 232) من طريق ابن وهب عن مالك وعبد الله بن عمر عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يشعر بدنه من الشق الأيسر إلا أن تكون صعابًا، فإذا لم يستطع أن يدخل بينها أشعر من الشق الأيمن، وإذا أراد أن يشعرها وجهها إلى القبلة، وتبين بهذا أن ابن عمر كان يطعن في الأيمن تارة وفي الأيسر أخري بحسب ما يتهيأ له ذلك – انتهى كلام الحافظ (وسلت) بمهملة ولام ثم مثناة (الدم) أي مسحه وأماطه وأزاله (عنها) أي عن صفحة سنامها، زاد عند أبي داود ((بيده)) وفي أخري عنده أيضًا ((بإصبعه)) قال الخطابي: سلت الدم بيده، أي أماطه بإصبعه، وأصل السلت القطع، يقال: سلت الله أنف فلان أي جدعه (وقلدها) بتشديد اللام (نعلين) فيه دليل على استنان تقليد الإبل بنعلين، وقد وقع الإجماع على استنان تقليد الهدي. قال ابن قدامة: يسن تقليد الهدي وهو أن يجعل في أعناقها النعال وآذان القرب وعراها أو علاقة إداوة سواء كانت إبلاً أو بقرًا أو
..............................................................................................
ــ
غنمًا. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يسن تقليد الغنم – انتهى. وفي مناسك النووي: إن كانت بدنة أو بقرة استحب له أن يقلدها نعلين وليكن لهما قيمة ليتصدق بهما. ومن ساق غنمًا استحب أن يقلدها خرب القرب وهي عراها وآذانها ولا يقلدها النعل لأنها ضعيفة. وقال الدردير: سن في هدايا الإبل إشعار وتقليد أي تعليق قلادة أي حبل في عنقها، وندب نعلان يعلقهما بنبات الأرض، أي بحبل من نبات الأرض لا من صوف أو وبر، وقال العيني: قال أصحابنا: لو قلد بعروة مزادة أو لحي شجرة أو شبه ذلك جاز لحصول العلامة. وذهب الشافعي والثوري إلى أنها تقلد بنعلين، وهو قول ابن عمر. وقال الزهري ومالك: يجزئ واحدة، وعن الثوري: يجزئ فم القربة ونعلان أفضل لمن وجدهما – انتهى. قال الحافظ: قيل الحكمة في تقليد النعل أن فيه إشارة إلى السفر والجد به فعلى هذا يتعين أي النعل، والله أعلم. وقال ابن المنير في الحاشية: الحكمة فيه أن العرب تعتد النعل مركوبة لكونها تقي عن صاحبها وتحمل عنه وعر الطريق، وقد كنى بعض الشعراء عنها بالناقة، فكأن الذي أهدي خرج عن مركوبه لله تعالى حيوانًا وغيره كما خرج حين أحرم عن ملبوسه، ومن ثم استحب تقليد نعلين لا واحدة – انتهى. وفي شرح اللباب: يسن تقليد بدن الشكر دون بدن الجبر وهو أن يربط في عنق بدنة أو بقرة قطعة نعل كاملة أو ناقصة أو قطعة مزادة أو لحاء شجرة أو نحوه من شراك نعل وغير ذلك مما يكون علامة على أنه هدي ولا يسن في الغنم مطلقًا لكن لو قلده جاز ولا بأس به – انتهى. والحديث دليل على أنه يسن تقليد الهدي وإشعاره من الميقات حيث قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم هديه وأشعره بذي الحليفة ميقات أهل المدينة، وقد صرح أهل الفروع من أتباع الأئمة الأربعة باستحباب التقليد والإشعار من الميقات. قال ابن قدامه: وإذا ساق الهدي من قبل الميقات استحب إشعاره وتقليده من الميقات لحديث ابن عباس، وإن ترك الإشعار والتقليد فلا بأس به، لأن ذلك غير واجب – انتهى. وفي مناسك النووي: الأفضل أن يكون هديه معه من الميقات مشعرًا مقلدًا. وقال الدردير: ثالث السنن لمريد الإحرام تقليد هدي إن كان معه، ثم إشعاره إن كان مما يشعر. وقال في اللباب من مناسك الحنفية: فإذا أحرم بالتلبية ساق هديه ويقلد البدنة، إلى آخر ما بسط الكلام في حكم الإشعار وكيفيته واختلفوا هل الأفضل تقديم الإشعار على التقليد أو تقديم التقليد على الإشعار. قال القسطلاني: صح في الأول خبر في صحيح مسلم وصح في الثاني فعل ابن عمر وهو المنصوص، وزاد في المجموع أن الماوردي حكى الأول عن أصحابنا كلهم ولم يذكر فيه خلافًا – انتهى. وقال النووي في مناسكه: هل الأفضل أن يقدم الإشعار على التقليد فيه وجهان: أحدهما يقدم الإشعار فقد ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث ابن عمر مرفوعًا، والثاني وهو نص الشافعي تقديم التقليد، وقد صح ذلك عن ابن عمر من فعله، والأمر فيه قريب – انتهى. وقد تقدم قول الدردير أن ثالث السنن لمريد الإحرام تقليد هدي إن كان معه ثم إشعاره. وقال في موضع آخر: الأولى تقديم التقليد
ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج. رواه مسلم.
2652 – (2) وعن عائشة، قالت: أهدى النبي صلى الله عليه وسلم مرة إلى البيت غنمًا، فقلدها.
ــ
على الإشعار لأنه السنة. قال الدسوقي: السنة تقديم التقليد فعلاً خوفًا من نفارها لو أشعرت أولاً. قال الباجي: وقد قال ابن القاسم في المدونة: وكل ذلك واسع، يريد أن الترتيب المذكور ليس بواجب – انتهى. (ثم ركب راحلته) أي غير التي أشعرها (أهل بالحج) أي لبى به وكذا بالعمرة لما في الصحيحين عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة يقول: لبيك عمرة وحجًا – انتهى. ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. مع أنه يمكن أن الراوي اقتصر على ذكر الحج لأنه الأصل أو لأن مقصوده بيان وقت الإحرام والتلبية أو لعدم سماعه أولاً أو لنسيانه آخرًا، قاله القاري. وقد تقدم نقل الخلاف في كيفية إحرامه صلى الله عليه وسلم وطريق الجمع بين المختلف فيه فليراجع (رواه مسلم) وأخرجه أيضًا أحمد (ج 1: ص 216، 254) والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدرامي والبيهقي وابن الجارود، وقال الزيلعي: رواه الجماعة إلا البخاري.
2652 – قوله (أهدى النبي صلى الله عليه وسلم مرة إلى البيت) أي بيت الله (غنمًا) أي قطعة من الغنم. ومعنى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث بهديه قبل حجة الوداع مع من يحج وهو صلى الله عليه وسلم مقيم بالمدينة لا يحج، وأنه بعث مرة غنمًا. وفي قولها ((مرة)) إشعار بأنه صلى الله عليه وسلم كان يهدي بالبدن لكونها أفضل، وأهدى مرة بالغنم لبيان الجواز، وقد ثبت إهداؤه بالبدن في حديث آخر لعائشة أيضًا كما سيأتي (فقلدها) في الحديث دليل على جواز أن يكون الهدي من الغنم وأنها تقلد. وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء وخالف في ذلك الحنفية والمالكية فقالوا: إن الغنم لا تقلد. والحديث يرد عليهما. قال السندي في حاشية النسائي: الحديث صريح في جواز تقليد الغنم فلا وجه لمنع من منع ذلك. وقال النووي: فيه دلالة لمذهبنا ومذهب الكثرين أنه يستحب تقليد الغنم. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يستحب بل خصا التقليد بالإبل والبقر، وهذا الحديث صريح في الدلالة عليهما – انتهى. وحديث عائشة هذا هو من رواية الأسود عنها، واللفظ المذكور لمسلم، ولفظ البخاري ((قالت: أهدى النبي صلى الله عليه وسلم مرة غنمًا)) وفي رواية له ((قالت: كنت أفتل القلائد للنبي صلى الله عليه وسلم فيقلد الغنم)) وفي لفظ له ((كنت أفتل قلائد الغنم للنبي صلى الله عليه وسلم فيبعث بها)) الحديث. وبوب البخاري على هذه الروايات ((تقليد الغنم)) قال الحافظ تحت هذه الترجمة: قال ابن المنذر: أنكر مالك وأصحاب الرأي تقليد الغنم، زاد غيره وكأنهم لم يبلغهم الحديث، ولم نجد لهم حجة إلا قول بعضهم أنها تضعف عن التقليد وهي حجة ضعيفة. لأن المقصود من التقليد العلامة، وقد اتفقوا على أنها لا تشعر، لأنها تضعف عنه فتقلد بما لا يضعفها. ثم ساق ابن المنذر من طريق عطاء وعبيد الله بن أبي يزيد وأبي جعفر محمد بن علي وغيرهم قالوا: رأينا الغنم تقدم مقلدة. ولابن أبي شيبة عن ابن عباس
..............................................................................................
ــ
نحوه، والمراد بذلك الرد على من ادعى الإجماع على ترك إهداء الغنم وتقليدها وأعل بعض المخالفين حديث الباب بأن الأسود تفرد عن عائشة بتقليد الغنم دون بقية الرواة عنها من أهل بيتها وغيرهم. قال المنذري وغيره: وليست هذه بعلة لأنه حافظ ثقة لا يضره التفرد - انتهى. وقال العراقي في طرح التثريب: اختلفوا في استحباب تقليد الغنم فقال به الشافعي وأحمد، ورواه ابن أبي شيبة عن عائشة وعن ابن عباس: لقد رأيت الغنم يؤتى بها مقلدة. وعن أبي جعفر: رأيت الكباش مقلدة. وعن عبد الله بن عبيد بن عمير أن الشاة كانت تقلد. وعن عطاء رأيت أناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسوقون الغنم مقلدة. وحكاه ابن المنذر عن إسحاق وأبي ثور قال: وبه أقول، وإليه ذهب ابن حبيب من المالكية. وذهب آخرون إلى أنها لا تقلد كما أنها لا تشعر، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. وحكاه ابن المنذر عن أصحاب الرأي، ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر وسعيد بن جبير ويوافقه كلام البخاري فإنه بوب على هذا الحديث (أي حديث عروة وعمرة عن عائشة: قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهدي من المدينة فأفتل قلائد هديه ثم لا يجتنب شيئًا مما يجتنب المحرم) ((باب فتل القلائد للبدن والبقر)) فحمل الحديث عليهما ولم يذكر الغنم - انتهى. قلت: ورد عليه الحافظ فقال: تنبيه: أخذ بعض المتأخرين من اقتصار البخاري في هذه الترجمة على الإبل والبقر أنه موافق لمالك وأبي حنيفة في أن الغنم لا تقلد وغفل هذا المتأخر عن أن البخاري أفرد ترجمة لتقليد الغنم بعد أبواب يسيرة كعادته في تفريق الأحكام في التراجم - انتهى. ثم قال العراقي: وظاهر حديث عروة عن عائشة المذكور موافق للجمهور لأنها لم تخص بذلك هديًا دون هدي، وقد صرحت بالغنم في رواية الأسود عنها كما تقدم. وقال العيني: مذهب الحنفية أن التقليد في البدنة والغنم ليست من البدنة فلا تقلد لعدم التعارف بتقليدها، ولو كان تقليدها سنة لما تركوها. وقالوا في الحديث المذكور: تفرد به الأسود ولم يذكره غيره، وادعى صاحب المبسوط أنه أثر شاذ. فإن قلت: كيف يقال: تركوها، وقد ذكر ابن أبي شيبة في مصنفه أن ابن عباس قال: لقد رأيت الغنم يؤتى بها مقلدة؟ وعن أبي جعفر ((رأيت الكباش مقلدة)) وعن عبد الله بن عبيد بن عمير ((أن الشاة كانت تقلد)) وعن عطاء ((رأيت أناسًا من الصحابة يسوقون الغنم مقلدة)) قلت: ليس في ذلك كله أن التقليد كان في الغنم التي سيقت في الإحرام، وأن أصحابها كانوا محرمين، على أنا نقول إنهم ما منعوا الجواز وإنما قالوا بأن التقليد في الغنم ليس بسنة - انتهى. قلت: الآثار المذكورة نص في تقليد الغنم وظاهر في أنه كان في الغنم التي سيقت إلى الحرم ونص أيضًا في أن تقليد الغنم من الهدي كان معتادًا متعارفًا معمولاً به في ما بين الصحابة والتابعين، وحملها على غير ذلك ادعاء محض فلا يلتفت إليه، وكذا اعتذار صاحب المبسوط وغيره عن حديث الأسود عن عائشة عند الشيخين وغيرهما بادعاء أنه شاذ لم يتابعه عليه أحد، ليس مما يصغى إليه. قال ابن قدامة (ج 3: ص 549) : وقال مالك وأبو حنيفة: لا يسن تقليد الغنم لأنه لو كان سنة لنقل كما نقل عن الإبل، ولنا أن عائشة قالت:
....................................................................................
ــ
كنت أفتل القلائد للنبي صلى الله عليه وسلم فيقلد الغنم ويقيم في أهله حلالاً، وفي لفظ " كنت أفتل قلائد الغنم للنبي صلى الله عليه وسلم " رواه البخاري. ولأنه هدي فيسن تقليده كالإبل، ولأنه إذا سن تقليد الإبل مع إمكان تعريفها بالإشعار فالغنم أولى وليس التساوي في النقل شرطًا لصحة الحديث، ولأنه كان يهدي الإبل أكثر فكثر نقله – انتهى. قلت: حديث الباب مشكل على الحنفية والمالكية جدًا، وقد تمحل الحنفية للتخلص عنه بوجوه منها ما تقدم، ومنها ما سيأتي آنفًا. وقال الشنقيطي (ج 5: ص 575) : واعلم أن الهدي من الغنم يسن تقليده عند عامة أهل العلم. وخالف مالك وأصحابه الجمهور. وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم أهدى غنمًا فقلدها. وقال بعض أهل العلم: لا تقلد بالنعال لضعفها. وإنما تقلد بنحو عرى القرب. والظاهر أن مالكًا لم يبلغه حديث تقليد الغنم، ولو بلغه لعمل به بأنه صحيح متفق عليه – انتهى. وأجاب بعض الحنفية عن حديث الباب بأنه أراد فقهاءنا من نفي تقليد الغنم التقليد بالنعل لا بالخيط المفتول، فإذا صح الحديث بتقليد الغنم ولا شك أنه من العهن وهو الصوف المصبوغ فمحل نفي تقليد الغنم هو تقليدها بالنعال وما يشبهها، ومحل إثبات التقليد هو بالخيوط المفتولة من الصوف والوبر فإذا لا يخالف حديث الباب مذهب أبي حنيفة وفقهائنا الحنفية لم يذكروا التقليد بالخيط لا نفيًا ولا إثباتًا، فالقول والتمسك بهذا الحديث لا يخالف المذهب – انتهى. وفيه أن ذكر فتل القلائد من العهن لا يدل على الاكتفاء بالتقليد بالعهن في الغنم بل كان ذلك لأن يربط به النعل في عنق الهدي سواء كان إبلاً أو بقرًا أو غنمًا، كما أن ذكر فتل القلائد للبدن في الرواية الآتية لا يدل على الاقتصار على ذلك في الإبل والبقر، وقد ذكر البخاري في "باب تقليد الغنم" بعد رواية حديث الأسود عن عائشة حديث مسروق عنها قالت: فتلت لهدي النبي صلى الله عليه وسلم تعني القلائد قبل أن يحرم. قال الحافظ: أما إردافه برواية مسروق مع أنه لا تصريح فيها بكون القلائد للغنم فلأن لفظ الهدي أعم من أن يكون لغنم أو لغيرها، فالغنم فرد من أفراد ما يهدي، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم أهدى الإبل وأهدى البقر فمن ادعى اختصاص الإبل بالتقليد فعليه البيان – انتهى. علا أنه يخالف التأويل المذكور ما تقدم عن القاري والعيني وغيرهما من نقلة المذاهب أن أبا حنيفة أنكر استنان تقليد الغنم مطلقًا، ولم يثبت عنه ولا عن غيره من فقهاء الحنفية أنهم فرقوا بين تقليد الغنم بالنعل وتقليدها بالخيوط بل أنكروه مطلقًا كما تقدم. وعلى هذا فمذهب أبي حنيفة مخالف للحديث الصحيح من غير شك، والظاهر أنه لم يبلغه الحديث، ولا ما تقدم من الآثار المذكورة في كلام العراقي والعيني وغيرهما، هذا. وقد احتج الكاساني على عدم استنان تقليد الغنم بقوله تعالى {ولا الهدي ولا القلائد} (2: 5) قال الكاساني في البدائع (ج 2: ص 162) : والدليل على أن الغنم لا يقلد قوله تعالى {ولا الهدي ولا القلائد} عطف القلائد على الهدي، والعطف يقتضي المغايرة في الأصل، واسم الهدي يقع على الغنم والإبل والبقر جميعًا فهذا يدل على أن الهدي نوعان ما يقلد وما لا يقلد، ثم الإبل والبقر يقلدان بالإجماع، فتعين أن الغنم لا تقلد
متفق عليه.
2653-
(3) وعن جابر، قال: ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم
ــ
ليكون عطف القلائد على الهدي عطف الشيء على غيره فيصح – انتهى. قال بعض الحنفية: ويؤيد ذلك ما قال الجصاص في أحكام القرآن: قد روي في تأويل القلائد وجوه عن السلف، فقال ابن عباس: أراد الهدي المقلد، قال أبو بكر (الرازي الجصاص) هذا يدل على أن من الهدي ما يقلد ومنه ما لا يقلد، والذي يقلد الإبل والبقر والذي لا يقلد الغنم – انتهى. ولا يخفى ما في هذا الاستدلال من التكلف والتعسف فإنه يلزم على هذا التفسير أن يكون المراد بالهدي في الآية الغنم فقط ولم يقل به أحد مع أنهم اختلفوا في تفسير القلائد على أقوال منها أن المراد القلائد حقيقة سواء كانت للإبل أو للبقر أو للغنم. وفي النهي عن إحلال القلائد تأكيد للنهي عن إحلال الهدي، يعني أن فيه مبالغة عن التعرض للهدي المقلد، فإنه إذا نهى عن قلادة أن يتعرض لها فبطريق الأولى أن ينهى عن التعرض للهدي المقلد بها، وهذا كما في قوله:{ولا يبدين زينتهن} (24: 31) لأنه إذا نهى عن إظهار الزينة فما بالك بموضعها من الأعضاء، ومنها أن المراد بالقلائد الحيوانات المقلدة بها ويكون عطف القلائد على الهدي لزيادة التوصية بالهدي، والمعنى: ولا الهدايا ذوات القلائد، وعلى هذا القول إنما عطف القلائد على الهدي مبالغة في التوصية بها لأنها من أشرف البدن المهداة والمعنى: ولا تستحلوا الهدي خصوصًا المقلدات منها. وقيل المراد أصحاب القلائد، والمعنى: لا تتعرضوا للهدايا ولا لأصحابها. والتفسير الأول أولى. وعلى كل حال ليس في عطف القلائد على الهدي دلالة أو أدنى إشارة إلى أن الهدي الغير المقلد هو الغنم خاصة، أو إلى أن الغنم من الهدي لا تقلد (متفق عليه) قد تقدم أن اللفظ المذكور لمسلم وبهذا اللفظ رواه أيضًا أحمد والنسائي وابن ماجه والبيهقي. وقد تقدم أيضًا أن البخاري روى مثله لكن أسقط قوله "فقلدها" وكذا رواه الدارمي ورواه أبو داود وابن الجارود بلفظ " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى غنمًا مقلدة " والحديث رواه أيضًا أحمد والشيخان والترمذي والنسائي بألفاظ أخرى متقاربة.
2653-
قوله (وعن جابر، قال: ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفي الحديث الأتي " نحر " مكان " ذبح " والفرق بين النحر والذبح أن النحر يكون في اللبة (بفتح اللام وتشديد الموحدة، هي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر) والذبح يكون في الحلق، فالذبح هو قطع العروق التي في أعلى العنق تحت اللحيين، قال ابن عابدين: النحر قطع العروق في أسفل العنق عند الصدر والذبح قطعها في أعلاه تحت اللحيين. وفي تكملة البحر: ولا بأس بالذبح في الحلق كله أسفله وأوسطه وأعلاه، لأن ما بين اللبة واللحيين هو الحلق، ولأن كله مجتمع العروق فصار حكم الكل واحد – انتهى. وفي البدائع: الذبح هو فري الأوداج ومحله ما بين اللبة واللحيين، والنحر فري الأوداج ومحله آخر الحلق – انتهى. والحديث دليل
................................................................................
ــ
لما ذهب إليه جمهور العلماء من أن نحر البقر جائز وإن كان الذبح مستحبًا عندهم لقوله تعالى {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} (2: 67) وخالف الحسن بن صالح ومجاهد فاستحبا نحرها. وقال مالك: إن ذبح الجزور من غير ضرورة أو نحر الشاة من غير ضرورة لم تؤكل. وقال في الدر المختار: حب النحر للإبل وكره ذبحها، والحكم في غنم وبقر عكسه، فندب ذبحها وكره نحرها لترك السنة. وقال في البدائع: لو نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر يحل لوجود فري الأوداج لكنه يكره (أي فعله لا المذبوح) لأن السنة في الإبل النحر، وفي غيرها الذبح، لأن الأصل في الذكاة إنما هو الأسهل على الحيوان، وما فيه نوع راحة له فهو أفضل والأسهل في الإبل النحر لخلو لبتها عن اللحم واجتماع اللحم فيما سواه من خلفها، والبقر والغنم جميع حلقها لا يختلف – انتهى. وفي شرح الإقناع من فروع الشافعية يسن نحر إبل وذبح بقر وغنم، ويجوز بلا كراهة عكسه. قال البجيرمي: لكنه خلاف الأولى، خلافًا للإمام مالك حيث قال: لا يجوز ذلك. وقال الدردير: وجب نحر إبل ووجب ذبح غيره من غنم وطير، فإن نحرت ولو سهوًا لم تؤكل إن قدر، وجاز للضرورة، أي جاز الذبح في الإبل والنحر في غيرها للضرورة كوقوع في مهواة أو عدم آلة ذبح أو نحر إلا البقر فيندب فيها الذبح. قال الدسوقي: ونحرها خلاف الأولى. ومثل البقر الجاموس وبقر الوحش فيجوز كل من الذبح والنحر فيهما. ومثل البقر في جواز الأمرين ونبد الذبح ما أشبه من حمار الوحش وغيره – انتهى. وقال ابن قدامة: لا خلاف بين أهل العلم في أن المستحب نحر الإبل وذبح ما سواها قال الله تعالى {فصل لربك وأنحر} (108: 2) وقال الله تعالى {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} (2: 67) ومعنى النحر أن يضربها بحربة أو نحوها في الوهدة التي بين أصل عنقها وصدرها، فإن ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح فجائز، هذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والزهري وقتادة ومالك والليث والثوري وأبوحنيفة والشافعي وإسحاق وأبو ثور، وحكي عن داود أن الإبل لا تباح إلا بالنحر ولا يباح غيرها إلا بالذبح، لأن الله تعالى قال {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} وقال تعالى {فصل لربك وأنحر} والأمر يقتضي الوجوب، وحكي عن مالك أنه لا يجزئ في الإبل إلا النحر، ولنا قوله صلى الله عليه وسلم أمرر الدم بما شئت، وعن عائشة قالت: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بقرة واحدة – انتهى مختصرًا. وقال ابن رشد: اتفقوا على أن الذكاة في بهيمة الأنعام نحر وذبح، وأن من سنة الغنم والطير الذبح، وأن من سنة الإبل النحر، وأن البقر يجوز فيها الذبح والنحر واختلفوا هل يجوز النحر في الغنم والطير والذبح في الإبل؟ فذهب مالك إلى أنه لا يجوز النحر في الغنم والطير، ولا الذبح في الإبل، وذلك في غير موضع الضرورة. وقال قوم: يجوز جميع ذلك من غير كراهة وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وجماعة العلماء. وقال أشهب: إن نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر أكل، ولكنه يكره، وفرق ابن بكير بين الغنم والإبل فقال: يؤكل البعير بالذبح ولا تؤكل الشاة بالنحر، ولم يختلفوا في جواز ذلك في موضع الضرورة. وسبب اختلافهم معارضة
عن عائشة بقرة يوم النحر. رواه مسلم.
2654 – (4) وعنه، قال: نحر النبي صلى الله عليه وسلم عن نسائه بقرة في حجته.
ــ
الفعل للعموم. فأما العموم فقوله عليه الصلاة والسلام " ما أنحر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا " وأما الفعل فإنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر الإبل والبقر وذبح الغنم، وإنما اتفقوا على جواز ذبح البقر لقوله تعالى {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} انتهى. (عن عائشة) أي لعائشة ولسائر نساءه كما سيأتي في الحديث الآتي (بقرة) ويحتمل أنه ذبح عن عائشة وحدها بقرة وجعل بقرة أخرى عن الكل تمييزًا لها لأنها انفردت بسبب موجب وهو القران، لأنها أردفت الحج على عمرتها، وهن لما اشتركن في سبب غيره أشرك بينهن ويكون في ذلك تخصيص وتفضيل، لأن الواجب في ذلك شاة أو سبع بدنة أو بقرة، كما فعل في حق صواحبها، ولعل إيثار البقر لأنه المتيسر حين إذن، وإلا فالإبل أفضل منه، وقيل إنه لبيان الجواز (يوم النحر) أي في حجته كما في رواية محمد بن بكر عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر عند أحمد ومسلم (رواه مسلم) من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن ابن جريج. والحديث من أفراد مسلم لم يخرجه البخاري. ورواه أيضًا أحمد والبيهقي (ج 5: ص 238) .
2654 – قوله (وعنه) أي عن جابر (نحر النبي صلى الله عليه وسلم عن نسائه بقرة في حجته) وفي الباب أيضًا عن عائشة رضي الله عنها " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر عن أزواجه بقرة في حجة الوداع ". أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي في الكبري وابن ماجة كلهم من رواية يونس عن الزهري عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، لفظ أحمد ولفظ الثلاثة "بقرة واحدة " وعن أبي هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عمن اعتمر من نسائه بقرة بينهن" أخرجه أبو داود والنسائي في الكبرى وابن ماجة، والحديثان سكت عنهما أبو داود والمنذري. وحديث جابر مع حديثي عائشة وأبي هريرة يدل على جواز الاشتراك في الهدي إذا كان من الإبل أو البقر، وللعلماء خلاف في ذلك فذهب الشافعي وأحمد والجمهور إلى جواز الاشتراك في الهدي سواء أكان تطوعًا أم واجبًا، وسواء أكانوا كلهم متقربين أو بعضهم يريد القربة، وبعضهم يريد اللحم، واستدل لهم بما ورد من أحاديث الاشتراك المتقدمة وغيرها مما ذكره الزيلعي في نصب الراية (ج 3: ص 209) والحافظ في الدراية (ص 324) والمجد في المنتقي (ج 4: ص 330، 331) والمحب الطبري في القرى (ص 518، 527، 528) وقال داود وبعض المالكية: يجوز الاشتراك في هدي التطوع دون الواجب وهو مردود بحديث عطاء عن جابر قال: كنا نتمتع مع النبي صلى الله عليه وسلم فنذبح البقرة عن سبع نشترك فيها. أخرجه أحمد والنسائي وغيرهما. فهذا صريح في جواز الاشتراك في دم التمتع وهو واجب لقوله عز وجل: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} (2: 196) وذهب مالك إلى عدم جواز الاشتراك في الهدي مطلقًا، وأحاديث الباب تخالفه، وروي عن ابن عمر
..............................................................................................
ــ
نحو ذلك، ولكنه روى عنه أحمد ما يدل على الرجوع عنه وموافقة الجمهور، ولعل مالكًا لم يبلغه ذلك. وذهب أبو حنيفة إلى جوازه إن كانوا كلهم متقربين سواء أكان هدي تطوع أم واجب وليس فيهم من يريد اللحم. وقد تقدم الكلام على مسألة الاشتراك في الهدي والإضحية في باب الإضحية. قلت: ويدل أيضًا على جواز الاشتراك في الهدي من البقر ما رواه مالك في الموطأ والبخاري من طريقه في " باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن" عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة تقول: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج – الحديث. وفيه: قالت: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقرة فقلت: ما هذا؟ فقالوا: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه، وللشيخين من رواية سليمان بن بلال عن يحيى بلفظ " ذبح " قال ابن بطال: أخذ بظاهره جماعة فأجازوا الاشتراك في الهدي والإضحية ولا حجة فيه، لأنه يحتمل أن يكون عن كل واحدة بقرة وأما رواية يونس عن الزهري عن عمرة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر عن أزواجه بقرة واحدة، فقد قال إسماعيل القاضي: تفرد يونس بذلك، وقد خالفه غيره – انتهى. قال الحافظ: رواية يونس أخرجها النسائي وأبو داود وغيرهما ويونس ثقة حافظ، وقد تابعه معمر عند النسائي أيضًا، ولفظه أصرح من لفظ يونس قال: ما ذبح عن آل محمد في حجة الوداع إلا بقرة. وروى النسائي أيضا من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن اعتمر من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهن. صححه الحاكم وهو شاهد قوي لرواية الزهري، وأما ما رواه عمار الدهني عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: ذبح عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حججنا بقرة بقرة، أخرجه النسائي أيضًا، فهو شاذ مخالف لما تقدم، وقد رواه البخاري في الأضاحي ومسلم أيضًا من طريق ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم بلفظ " ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه البقر " ولم يذكر ما زاده عمار الدهني – انتهى. وتعقبه الزرقاني فقال: لا شذوذ فيه، فإن عمار الدهني – بضم المهملة وإسكان الهاء ونون – ثقة صدوق من رجال مسلم والأربعة، فزيادته مقبولة فإنه قد حفظ ما لم يحفظ غيره، وزيادته ليست مخالفة لغيره فإن رواية معمر " ما ذبح إلا بقرة " المراد بها جنس بقرة أي لا بعير ولا غنم، فلا تنافي الرواية الصريحة أن عن كل واحدة بقرة، فمن شرط الشذوذ أن يتعذر الجمع، وقد أمكن فلا تأييد فيها لرواية يونس التي حكم إسماعيل القاضي بشذوذها لأنه انفرد بقوله " واحدة " وإسماعيل من الحفاظ لا يجهل أن يونس ثقة حافظ وإنما حكم بشذوذ روايته ومخالفة غيره له على القاعدة أن الشاذ ما خالف الثقة فيه الملأ. وحديث أبي هريرة لا شاهد فيه فضلاً عن قوته إذ قوله "ذبح بقرة بينهن" لا صراحة فيه أنه لم يذبح سواها وإن كان ظاهره ذلك فتعارضه الرواية الصريحة في التعدد – انتهى. وفي هذا التعقب نظر لأن عمارًا ويونس اختلفا في ذلك، عمار وإن كان ثقة صدوقًا فلا يساوي يونس لأنه ثقة حافظ كما تقدم في كلام الحافظ. وقال في التقريب عن عمار
.....................................................................................
ــ
الدهني: إنه صدوق، فإذا تعارضا في الوحدة والتعدد ترجح حديث يونس، وقول الزرقاني " أن زيادته ليست مخالفة لغيره " ليس بصحيح، فإن رواية يونس صريحة في نحر البقرة الواحدة عن أزواجه، ورواية عمار صريحة في التعدد ولا يمكن الجمع بينهما، ولا يصح إرادة الجنس في رواية معمر للتاء الفارقة بين الواحدة والجنس. قال العيني: الفرق بين البقرة والبقر كتمرة وتمر وعلى تقدير عدم التاء يحتمل التضحية بأكثر من واحدة – انتهى. واتفق من قال بالاشتراك على أنه لا يكون في أكثر من سبعة إلا إحدى الروايتين عن سعيد بن المسيب فقال: تجزئ عن عشرة، وبه قال إسحاق بن راهويه وابن خزيمة من الشافعية واحتج لذلك في صحيحه وقواه، وبه قال بن حزم، وبسط في إثباته واستدل لذلك بما تقدم من أحاديث عائشة وأبي هريرة وجابر. وأجاب الجمهور عن ذلك بوجوه قال الشوكاني: قد استدل بقول عائشة المذكور على أن البقرة تجزئ عن أكثر من سبعة، فإن الظاهر أنه لم يتخلف أحد من زوجاته يومئذ وهن تسع، ولكن لا يخفى أن مجرد هذا الظاهر لا تعارض به الأحاديث الصريحة الصحيحة الواردة في إجزاء البقرة عن سبعة فقط المجمع على مدلولها. وقيل إن البقرة كانت عن سبع منهن وعن الباقية لعله ذبح غير البقر، ولا يخفى ما فيه. وأجاب ابن القيم بأن أحاديث السبعة أكثر وأصح، وحاصله أن الروايات في ذلك مختلفة، وحديث عائشة يدل على الإجزاء لأكثر من سبعة، لكن أحاديث الإجزاء لسبعة فقط أكثر وأصح فتقدم. تنبيه: اختلف في أن البقرة المذكورة في حديث عائشة عند مالك والشيخين إضحية كانت أو هديًا وبكلا اللفظين وردت الروايات فروى البخاري في الأضاحي ومسلم أيضًا من طريق ابن عيينة عن عبد الرحمن ابن القاسم بلفظ " ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه بالبقر " وأخرجه مسلم من طريق ابن الماجشون عن عبد الرحمن بلفظ " أهدى " بدل " ضحى " قال الحافظ: والظاهر أن التصرف من الرواة لأنه ثبت في الحديث ذكر النحر كما تقدم، فحمله بعضهم على الأضحية، فإن رواية أبي هريرة صريحة في أن ذلك كان عن من اعتمر من نسائه فقويت رواية من رواه بلفظ " أهدى " وتبين أنه هدي التمتع فليس فيه حجة على مالك في قوله " لا ضحايا على أهل منى " وتبين توجيه الاستدلال به على جواز الاشتراك في الهدي والأضحية – انتهى كلام الحافظ. وهذا كما ترى يدل على أنه مال إلى أن البقرة المذكورة كانت هديًا، ونحى في كتاب الأضاحي إلى كونها أضحية حيث قال: قوله " ضحى النبي صلى الله عليه وسلم عن أزواجه بالبقر " ظاهر في أن الذبح المذكور كان على سبيل الإضحية وحاول ابن التين تأويله ليوافق مذهبه فقال: المراد أنه ذبحها وقت ذبح الأضحية وهو ضحى يوم النحر، قال: وإن حمل على ظاهره فيكون تطوعًا لا على أنها سنة الأضحية، كذا قال. ولا يخفى بعده، واستدل به الجمهور على أن ضحية الرجل تجزئ عنه وعن أهل بيته، وخالف في ذلك الحنفية، وادعى الطحاوي أنه مخصوص أو منسوخ ولم يأت لذلك بدليل – انتهى. وهذا كما ترى رجح ها هنا خلاف ما رجحه في كتاب الحج. وذهب ابن القيم إلى أن الصواب رواية
رواه مسلم.
2655 – (5) وعن عائشة، قالت: فتلت قلائد بدن النبي صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم قلدها
ــ
الهدي فقد قال بعد ذكر مذهب ابن حزم " أن الحاج شرع له التضحية مع الهدي ": والصحيح إن شاء الله أن هدي الحاج له بمنزلة الأضحية للمقيم، ولم ينقل أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه جمعوا بين الهدي والأضحية بل كان هديهم هو أضاحيهم فهو هدي بمنى وإضحية بغيرها، وأما قول عائشة " ضحى عن نسائه بالبقر " فهو هدي أطلق عليه اسم الأضحية وأنهن كن متمتعات وعليهن الهدي، فالبقر الذي نحره عنهن هو الهدي الذي يلزمهن – انتهى. لكن تبويب البخاري في كتاب الأضاحي على حديث عائشة المذكور " باب الأضحية للمسافر والنساء " و " باب من ذبح ضحية غيره " يدل على أنه حمل الحديث على الإضحية، ولذلك استدل به لمالك على أن التضحية بالبقر أفضل خلافًا للجمهور إذا قالوا: إن الأفضل البدنة لقوله صلى الله عليه وسلم " من راح في الساعة الأولى (إلى الجمعة) فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة " إلى آخره. مع أنه ليس في حديث عائشة تفضيل البقر ولا عموم لفظ. إنما هي قضية عين محتملة لأمور فلا حجة فيها لمالك، واستدل به أيضًا على الأضحية على النساء والأضحية على المسافر وعلى الحاج بمنى وغير ذلك من المسائل ليس هذا موضع تفصيلها. هذا. وقد ترجم البخاري على حديث عائشة كما تقدم " باب ذبح الرجل عن نسائه من غير أمرهن" قال الحافظ: أما قوله من غير أمرهن فأخذه من استفهام عائشة عن اللحم لما دخل به عليها ولو كان ذبحه بعلمها لم تحتج إلى الاستفهام، لكن ليس ذلك دافعًا للاحتمال فيجوز أن يكون علمها بذلك تقدم بأن يكون استأذنهن في ذلك. لكن لما أدخل اللحم عليها أحتمل عندها أن يكون هو الذي وقع الاستئذان فيه، وأن يكون غير ذلك فاستفهمت عنه لذلك، وقال النووي: هذا محمول على أنه صلى الله عليه وسلم استأذنهن في ذلك فإن تضحية الإنسان عن غيره لا يجوز إلا بإذنه – انتهى. وهكذا قال الطيبي كما في المرقاة. قلت: وقد تقدم أن عائشة كانت قارنة فهي داخلة في قولها " وضحى عن نسائه بالبقر " لأن القارن يجب عليه دم القران فكان لابد من استيذانها كسائر النساء، والله أعلم (رواه مسلم) من طريق سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر، وهو أيضًا من إفراد مسلم لم يخرجه البخاري.
2655 – قوله (فتلت قلائد بدن النبي صلى الله عليه وسلم) القلائد جمع قلادة بكسر القاف وهي ما تعلق بالعنق والبدن بضم الباء وإسكان الدال جمع البدنة بفتح الباء والدال وهي ناقة أو بقرة تنحر بمكة سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها والبدن التثمين والاكتناز وبدن إذا ضخم وبدن بالتشديد إذا أسن (بيدَيّ) بفتح الدال وتشديد الياء على التثنية، وروي بالإفراد على الجنسية. قال الحافظ: فيه رفع مجاز أن تكون أرادت أنها فتلت بأمرها، وفيه دليل على استحباب فتل القلائد للهدي واستخدام الإنسان أهله في مثل هذا (ثم قلدها) زاد في رواية " بيده " قال ابن التين: يحتمل أن يكون قول عائشة
وأشعرها وأهداها، فما حرم عليه كان أحل له.
ــ
" ثم قلدها بيده " بيانًا لحفظها للأمر ومعرفتها به ويحتمل أن تكون أرادت أنه صلى الله عليه وسلم تناول ذلك بنفسه وعلم وقت التقليد ومع ذلك فلم يمتنع من شيء يمتنع منه المحرم لئلا يظن أحد أنه استباح ذلك قبل أن يعلم بتقليد الهدي. وقال الباجي: يحتمل أن تكون أرادت بذلك تبيين حفظها للأمر ومعرفتها من تناول كل شيء منه، ويدل ذلك على اهتبالها بهذا الأمر ومعرفتها به ويحتمل أنها أرادت أن النبي صلى الله عليه وسلم تناول ذلك بنفسه وعلم وقت التقليد لئلا يظن أحد أنه استباح محظور الإحرام بعد تقليد هديه وقبل أن يعلم هو بذلك فتبين من ذلك أنه لم يأت شيئًا من هذا إلا وهو عالم بتقليد هديه – انتهى. (وأهداها) أي مع أبي بكر رضي الله عنه في السنة التاسعة، وفي الرواية الآتية دليل استحباب بعث الهدي إلى الحرم وإن لم يسافر معه مرسله ولا أحرم في تلك السنة (فما حرم) بفتح الحاء وضم الراء (عليه) أي على النبي صلى الله عليه وسلم (شيء كان أحل له) بصيغة المجهول من الإحلال. وسبب هذا القول من عائشة رضي الله عنها أنها بلغها فتيا ابن عباس رضي الله عنهما فيمن بعث هديًا إلى مكة أنه يحرم عليه ما يحرم على الحاج من لبث المخيط وغيره حتى ينحر هديه بمكة فقالت ذلك ردًا عليه لأن باعث الهدي المقيم في بلده لا يصير بمجرد البعث محرمًا فلا يحرم عليه شيء، روى البخاري في " باب إذا بعث بهديه ليذبح (وأقام) لم يحرم عليه شيء " من كتاب الأضاحي بسنده عن مسروق أنه أتى عائشة فقال لها: يا أم المؤمنين إن رجل يبعث بالهدي إلى الكعبة ويجلس في المصر فيوصي أن تقلد بدنته فلا يزال من ذلك اليوم محرمًا حتى يحل الناس، قال: فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب فقالت: لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيبعث هديه إلى الكعبة فما يحرم عليه مما حل للرجال من أهله حتى يرجع الناس – انتهى. وفي الصحيحين " أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة أن عبد الله بن عباس قال: من أهدى هديًا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه؟ فقالت عائشة: ليس كما قال ابن عباس، " أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا أحله الله له حتى نحر الهدي " وروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه رأى رجلاً متجردًا بالعراق فسأل الناس عنه؟ فقالوا: أنه أمر بهديه أن يقلد فلذلك تجرد. قال ربيعة: فلقيت عبد الله بن الزبير فذكرت له ذلك فقال: بدعة ورب الكعبة – انتهى. قال الطحاوي: ولا يجوز عندنا أن يكون ابن الزبير حلف على ذلك أنه بدعة إلا وقد علم أن السنة خلاف ذلك. قال الحافظ: ورواه ابن أبي شيبة عن الثقفي عن يحيى بن سعيد أخبرني محمد بن إبراهيم أن ربيعة أخبره أنه رأى ابن عباس وهو أمير على البصرة في زمان علي متجردًا على منبر البصرة فذكره، فعرف بهذا اسم المبهم في رواية مالك – انتهى. وما ذهب إليه ابن عباس من أن الرجل إذا بعث هديًا يحرم عليه ما يحرم على المحرم من محظورات الإحرام، قال الحافظ: ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر، رواه ابن أبي شيبة عن ابن علية عن أيوب، وابن المنذر من طريق ابن جريج كلاهما
.....................................................................................
ــ
عن نافع أن ابن عمر كان إذا بعث بالهدي يمسك عما يمسك يمسك عنه المحرم إلا أنه لا يلبي. ومنهم قيس بن سعد بن عبادة. أخرج سعيد بن منصور من طريق سعيد بن المسيب عنه نحو ذلك. وروى ابن أبي شيبة من طريق محمد بن علي بن الحسين عن عمر وعلي أنهما قالا في الرجل يرسل ببدنته أنه يمسك عما يمسك المحرم. وهذا منقطع. وقال ابن المنذر: قال عمر وعلي وقيس بن سعد وابن عمر وابن عباس والنخعي وعطاء وابن سيرين وآخرون: من أرسل الهدي وأقام حرم عليه ما يحرم على المحرم. وقال ابن مسعود وعائشة وأنس وابن الزبير وآخرون: لا يصير بذلك محرمًا يعني لا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم. وإلى ذلك صار فقهاء الأمصار (ومنهم الأئمة الأربعة) ومن حجة الأولين ما رواه أحمد والطحاوي وغيرهما من طريق عبد الرحمن بن عطاء عن عبد الملك بن جابر (بن عيتك) عن جابر بن عبد الله قال: كنت جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقد قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه وقال: إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم وتشعر على مكان كذا فلبست قميصي ونسيت فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي – الحديث. قال الحافظ: وهذا لا حجة فيه لضعف إسناده. قلت: عبد الرحمن بن عطاء ضعفه عبد الحق في أحكامه ووافقه ابن القطان وقال ابن عبد البر: لا يحتج بما انفرد به فكيف إذا خالفه من هو أثبت منه وقد تركه مالك وهو جاره والحديث أخرجه عبد الرزاق من طريق البزار في مسنده عن عبد الرحمن بن عطاء أنه سمع ابني جابر يحدثان عن أبيهما جابر بن عبد الله قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه إذ شق قميصه حتى خرج فسئل فقال: واعدتهم يقلدون هديي اليوم فنسيت – انتهى. وهذا أيضًا لا حجة فيه لما تقدم، وذكره ابن القطان من جهة البزار فقال: ولجابر ثلاثة أولاد: عبد الرحمن ومحمد وعقيل، والله أعلم من هما من الثلاثة – انتهى. وقد ظهر بما قدمنا أن المسألة كان فيها خلاف في السلف من الصحابة والتابعين لكن انقرض هذا الخلاف بعد ذلك واستقر الأمر على أن بمجرد تقليد الهدي وبعثه مع أحد لا يكون الرجل في حكم المحرم ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم. قال الحافظ: جاء عن الزهري ما يدل على أن الأمر استقر على خلاف ما قال ابن عباس ففي نسخة أبي اليمان عن شعيب عنه، وأخرجه البيهقي (ج 5: ص 233) من طريقه قال: أول من كشف العمى عن الناس وبين لهم السنة في ذلك عائشة فذكر الحديث عن عروة وعمرة عنها. قال: فلما بلغ الناس قول عائشة أخذوا به وتركوا فتوى ابن عباس – انتهى. قلت: وها هنا مسألة أخرى خلافية بين الأئمة ربما تلتبس على بعض الناس بالمسألة الأولى المتقدمة وهي أن من قلد الهدي وتوجه معه أي ساقه معه وأراد النسك هل يكون بتقليد الهدي وسوقه معه محرمًا أم لا؟ فقال الحنفية يصير بالتقليد والتوجه معه ونية النسك محرمًا خلافًا لمالك والشافي. قال الحافظ: ذهب جماعة من فقهاء الفتوى إلى أن من أراد النسك صار بمجرد تقليده الهدي محرمًا حكاه ابن المنذر عن الثوري وأحمد وإسحاق. قال: وقال أصحاب الرأي: من ساق الهدي وأم البيت ثم قلد وجب عليه الإحرام.
متفق عليه.
2656 – (6) وعنها، قالت: فتلت قلائدها من عهن كان عندي، ثم بعث بها مع أبي.
ــ
وقال الجمهور: لا يصير بتقليد الهدي محرمًا ولا يجب عليه شيء – انتهى. وفي الهداية: من قلد بدنة تطوعًا أو نذرًا أو جزاء صيد وتوجه معها يريد الحج فقد أحرم لقوله صلى الله عليه وسلم: من قلد بدنة فقد أحرم. ولأن سوق الهدي في معنى التلبية في إظهار الإجابة لأنه لا يفعله إلا من يريد الحج أو العمرة، وإظهار الإجابة قد يكون بالفعل كما يكون بالقول فيصير به محرما لاتصال النية بفعل هو من خصائص الإحرام، فإن قلدها وبعث بها ولم يسقها لم يصر محرمًا لما روي عن عائشة قالت: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث بها وأقام في أهله حلالاً – انتهى. قال ابن الهمام: أفاد أنه لابد من ثلاثة: التقليد والتوجه معها، ونية النسك، وقوله لقوله صلى الله عليه وسلم: من قلد بدنة، إلخ. غريب مرفوعًا، ووقفه ابن أبي شيبه في مصنفه على ابن عباس وابن عمر – انتهى مختصرًا بقدر الضرورة. واستدل الزيلعي على الكنز بقول ابن عمر المذكور ثم قال: والأثر في مثله كالمرفوع وهو محمول على ما إذا ساقه لحديث عائشة المذكور أي جمع بين أثر ابن عمر وحديث عائشة. قلت: الراجح عندنا أنه لا يصير الرجل محرمًا بمجرد تقليد الهدي وسوقه معه حتى يلبي مع نية النسك، لأن إيجاب الإحرام يحتاج إلى دليل وقد دلت النصوص على أنه لا يجب الإحرام إلا إذا بلغ الميقات وأراد مجاوزته، وأما قبل الوصول إلى الميقات فلم يقم دليل على أنه يصير محرمًا أو يجب عليه الإحرام بمجرد تقليد الهدي أو سوقه. أما أثر ابن عمر وابن عباس فهو معارض لحديث عائشة المرفوع، وحمله على سوق الهدي والتوجه معه خلاف الظاهر، ولا دليل على أن التقليد والسوق يقوم مقام التلبية. تنبيه قال الحافظ: ما وقع في الأحاديث من استحباب التقليد والإشعار وغير ذلك يقتضي أن إظهار التقرب بالهدي أفضل من إخفاءه والمقرر أن إخفاء العمل الصالح غير الفرض أفضل من إظهاره فأما أن يقال إن أفعال الحج مبنية على الظهور كالإحرام والطواف والوقوف فكان الإشعار والتقليد كذلك فيخص الحج من عموم الإخفاء، وأما أن يقال: لا يلزم من التقليد والإشعار إظهار العمل الصالح، لأن الذي يهديها يمكنه أن يبعثها مع من يقلدها ويشعرها ولا يقول إنها لفلان فتحصل سنة التقليد مع كتمان العمل – انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد ومالك وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي وأخرج الترمذي معناه.
2656 – قوله (فتلت قلائدها) أي قلائد بدن النبي من (عهن) بكسر المهملة وسكون الهاء أي صوف مصبوغ بأي لون كان، وقيل هو الأحمر خاصة (كان عندي) صفة عهن (ثم بعث بها) أي بالبدن المقلدة (مع أبي) بفتح الهمزة، وكسر الموحدة الخفيفة تريد بذلك أباها أبا بكر الصديق، واستفيد من ذلك وقت البعث وأنه كان في سنة تسعة عام حج أبو بكر بالناس. قال ابن التين: أرادت عائشة بذلك علمها بجميع القصة، ويحتمل أن تريد أنه آخر فعل النبي صلى الله عليه وسلم -
متفق عليه.
2657 – (7) وعن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال:" اركبها ". فقال: إنها بدنة. قال: " اركبها ". فقال: إنها بدنة. قال: " اركبها ويلك ".
ــ
لأنه حج في العام الذي يليه حجة الوداع لئلا يظن ظان أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخ، فأرادت إزالة هذا اللبس وأكملت ذلك بقولها (كما في رواية) : فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله الله له حتى نحر الهدي أي وانقضى أمره ولم يحرم، وترك إحرامه بعد ذلك أحرى وأولى، لأنه إذا انتفى في وقت الشبهة فلأن ينتفي عند انتفاء الشبهة أولى، كذا في الفتح، وفي رواية لمسلم ((فأصبح فينا حلالاً يأتي ما يأتي الحلال من أهله)) والحديث يدل على ما دل عليه الحديث السابق. قال الحافظ: وفيه رد على من كره القلائد من الأوبار واختار أن تكون من نبات الأرض، وهو منقول عن ربيعة ومالك. وقال ابن التين: لعله أراد أنه الأولى مع القول بجواز كونها من الصوف والله أعلم. وفي حديث عائشة هذا والذي قبله دلالة على استحباب إرسال الهدي لمن لم يرد الحج وأنه يقلده ويشعره من بلده بخلاف من يخرج بهديه يريد الحج أو العمرة فإنه إنما يشعره ويقلده حين يحرم من الميقات كما تقدم (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج 5: ص 233)
2657 – قوله (رأى رجلاً) قال الحافظ: لم أقف على اسمه بعد طول البحث، وقال العيني: لم يدر اسمه (يسوق بدنة) بفتحات. قال الحافظ: كذا في معظم الأحاديث، ووقع لمسلم من طريق بكير بن الأخنس عن أنس رضي الله عنه ((مر على النبي صلى الله عليه وسلم ببدنة أو هدية)) ولأبي عوانة من هذا الوجه ((أو هدي)) وهو مما يوضح أنه ليس المراد بالبدنة مجرد مدلولها اللغوي. قال القسطلاني: البدنة تقع على الجمل والناقة والبقرة وهي بالإبل أشبه، وكثر استعمالها فيما كان هديًا، ولمسلم من طريق المغيرة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ((بينا رجل يسوق بدنة مقلدة)) وكذا في طريق همام عن أبي هريرة، وللبخاري وأحمد (ج 2: ص 278) من طريق عكرمة عن أبي هريرة: فلقد رأيته راكبًا يساير النبي صلى الله عليه وسلم والنعل في عنقها (فقال: اركبها) زاد النسائي من طريق سعيد عن قتادة، والجوزقي من طريق حميد عن ثابت كلاهما عن أنس ((وقد جهده المشي)) ولأبي يعلى من طريق الحسن عن أنس ((حافيًا)) لكنها ضعيفة (فقال: إنها بدنة) قال الحافظ: تبين بما تقدم من الطرق أنه أطلق البدنة على الواحدة من الإبل المهداة إلى البيت الحرام ولو كان المراد مدلولها اللغوي لم يحصل الجواب بقوله ((إنها بدنة)) لأن كونها من الإبل معلوم، فالظاهر أن الرجل ظن أنه خفي على النبي صلى الله عليه وسلم كونها هديًا فلذلك قال: إنها بدنة، والحق أنه لم يخف ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم لكونها كانت مقلدة، ولهذا قال له لما زاد في مراجعته ((ويلك)) (قال: اركبها ويلك) ووقع في رواية أحمد (ج 2: ص 254) وابن ماجى ((اركبها ويحك)) قال الهروي: ويل كلمة تقال لمن وقع في هلكة يستحقها، وويح لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وكان الأصمعي يقول:
في الثانية أو الثالثة.
ــ
((ويل)) كلمة عذاب و ((ويح)) كلمة رحمة. وقال سيبويه: ((ويح)) زجر لمن أشرف على هلكة. وفي الحديث ((ويل واد في جهنم)) وكل ذلك أصل معنى الكلمة، ولكن الظاهر المتبادر أنه صلى الله عليه وسلم قالها زاجرًا وتأديبًا لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه. قال القرطبي: قالها له تأديبًا لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه. وبهذا جزم ابن عبد البر وابن العربي وبالغ حتى قال: الويل لمن راجع في ذلك بعد هذا. قال: ولولا أنه صلى الله عليه وسلم اشترط على ربه ما اشترط لهلك ذلك الرجل لا محالة. قال القرطبي: ويحتمل أن يكون فهم عنه أنه يترك ركوبها على عادة الجاهلية في السائبة وغيرها فزجره عن ذلك، فعلى الحالتين هي إنشاء، ورجحه عياض وغيره، قالوا: والأمر ها هنا وإن قلنا أنه للإرشاد لكنه استحق الذم بتوقفه على امتثال الأمر، والذي يظهر أنه ما ترك الامتثال عنادًا، ويحتمل أن يكون ظن أنه يلزمه غرم بركوبها أو إثم، وأن الإذن الصادر له بركوبها إنما هو للشفقة عليه فتوقف، فلما أغلظ له بادر إلى الامتثال، وقيل لأنه كان أشرف على هلكة من الجهد، وويل كلمة تقال لمن وقع في هلكة فالمعنى: أشرفت على الهلكة فاركب، فعلى هذا فهي إخبار، وقيل: هي كلمة تدعم بها العرب كلامها ولا تقصد معناها تجري على لسانهم في المخاطبة من غير قصد لمدلولها كما قيل في قوله عليه الصلاة والسلام: تربت يداك، عقرى حلقى، أفلح وأبيه، وكما تقول العرب: لا أم له، لا أب له، قاتله الله، ما أشجعه، وأشباه ذلك، ويقويه ما وقع بدله ((ويحك)) عند أحمد فإذًا لا يكون إنشاء ولا إخبارًا (في الثانية) أي في المرة الثانية (أو الثالثة) أي أو قال ذلك في المرة الثالثة، وهذا شك من الراوي. قال القاري: في الثانية أو الثالثة أي في إحدى المرتين متعلق به قال، وفي رواية همام عن أبي هريرة عند مسلم ((قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك اركبها، فقال: بدنة يا رسول الله، قال: ويلك اركبها، ويلك اركبها)) قال الولي العراقي: فإن قلت: في هذه الرواية أنه عليه الصلاة والسلام بدأه بقوله: ويلك، ثم قاله له في المرة الثانية والثالثة، وفي الرواية الأولى أنه قال له ذلك في الثانية أو الثالثة فكيف الجمع بينهما؟ قلت: يحتمل أنه قال له ذلك في الأولى لأمر دنيوي وهو ما حصل له من الجهد والمشقة بالمشي فكان محتاجًا إلى الركوب، وقال له ذلك في الثانية أو الثالثة لأمر ديني وهو مراجعته للنبي صلى الله عليه وسلم وتأخر امتثاله أمره – انتهى. والحديث يدل على جواز ركوب الهدي سواء كان واجبًا أو متطوعًا به لكونه صلى الله عليه وسلم لم يفصل في قوله ولا استفصل صاحب الهدي عن ذلك وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال فدل على أن الحكم لا يختلف بذلك، وأصرح من هذا ما أخرجه أحمد (ج 1: ص 121) من حديث علي أنه سئل يركب الرجل هديه؟ فقال: لا بأس به قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بالرجال يمشون فيأمرهم يركبون هديه أي هدي النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ولا تتبعون شيئًا أفضل من سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ: إسناده صالح – انتهى. وقد اختلفوا في ركوب الهدي على أقوال يأتي بيانها في شرح حديث جابر، وفي الحديث تكرير العالم للفتوى والندب إلى المبادرة إلى امتثال الأمر وزجر من لم يبادر إلى ذلك وتوبيخه وجواز
متفق عليه.
2658 – (8) وعن أبي الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا ".
ــ
مسايرة الكبار في السفر، وأن الكبير إذا رأى مصلحة للصغير لا يأنف عن إرشاده إليها، واستنبط البخاري من هذا الحديث جواز انتفاع الواقف بوقفه حيث بوب على هذا الحديث ((باب هل ينتفع الواقف بوقفه؟)) قال: وقد اشترط عمر لا جناح على من وليه أن يأكل، وقد يلي الواقف وغيره. قال: وكذلك من جعل بدنة أو شيئًا لله فله أن ينتفع بها كما ينتفع غيره وإن لم يشترط – انتهى. فهذا كما ترى أشار إلى إلحاق الوقف في ذلك بالهدي. قال الحافظ: وهو موافق للجمهور في الأوقاف العامة، أما الخاصة فالوقف على النفس لا يصح عند الشافعية ومن وافقهم (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي الوصايا وفي الأدب، ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا أحمد (ج 2: ص 245، 254، 278) ومالك وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي وابن أبي شيبة وأبو الشيخ ابن حبان في الأضاحي وابن الجارود في المنتقى، وفي الباب عن أنس أخرجه أحمد والشيخان والنسائي والترمذي وابن ماجه والبيهقي والدارمي، وأبو الشيخ ابن حبان في الضحايا.
2658 – قوله (وعن أبي الزبير) اسمه محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم المكي روى عن العبادة الأربعة وجابر وأبي الطفيل وسعيد بن جبير وعكرمة وغيرهم، وروى عنه عطاء وهو من شيوخه والزهري وابن جريج ومالك والأعمش وهشام بن عروة وأبو عوانة وخلق كثير، وهو من رجال الستة. قال الحافظ في التقريب: صدوق إلا أنه يدلس، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومائة (اركبها بالمعروف) أي بوجه لا يلحقها ضرر (إذا ألجئت إليها) أي إذا اضطررت إلى ركوبها (حتى تجد ظهرًا) أي مركوبًا آخر. والحديث يدل على جواز ركوب الهدي عند الضرورة وقد اختلفوا في هذا على أقوال، والأول: الجواز مطلقًا، وهذا هو الذي جزم به الرافعي والنووي في مناسكه، وفي الروضة في كتاب الضحايا، وحكاه في شرح المهذب عن الماوردي والقفال وحكاه ابن المنذر عن عروة بن الزبير وأحمد وإسحاق وكذا حكاه النووي في شرحي مسلم والمهذب عنهم وعن مالك في رواية وعن أهل الظاهر، وحكاه الخطابي في المعالم عن أحمد وإسحاق وصرح عنهما بأنهما لم يشترطا منه حاجة إليها، ورواه ابن نافع عن مالك كما في الزرقاني. الثاني الجواز بشرط الاحتياج لذلك لا مطلقًا فلا يركبها من غير حاجة، نقله النووي في شرح المهذب عن أبي حامد والبندنيجي وغيرهما. وقال الرؤياني: تجويزه بغير حاجة يخالف النص وهو الذي نقله الترمذي عن الشافعي وأحمد وإسحاق حيث قال: وقد رخص قوم من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم في ركوب البدنة إذا احتاج إلى ظهرها وهو
..............................................................................................
ــ
قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال النووي في شرح مسلم: مذهب الشافعي أنه يركبها إذا احتاج ولا يركبها من غير حاجة، وبهذا قال ابن المنذر وجماعة وهو رواية عن مالك – انتهى. وبه جزم في الروض المربع من فروع الحنابلة حيث قال: ويركب لحاجة فقط بلا ضرر، وقال في المغني: وله ركوبه عند الحاجة على وجه لا يضر به. قال أحمد: لا يركبه إلا عند الضرورة. وهو قول الشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي. الثالث: الجواز بشرط الاضطرار لذلك فلا تركب إلا عند شدة الحاجة والاضطرار إليه، وهو المنقول عن جماعة من التابعين كالشعبي والحسن البصري وعطاء ابن أبي رباح. قال الولي العراقي: وهو الذي يقتضيه نص الشافعي فإنه قال: يركب الهدي إذا اضطر إليه. وإن كان النووي استشهد به للتجويز بشرط الحاجة، فقد علم أن الضرورة أشد من الحاجة. وكذا نقله ابن المنذر والخطابي عن الشافعي فقالا: وقال الشافعي يركبها إذا اضطر ركوبًا غير فادح ولا يركبها إلا من ضرورة. ورواه البيهقي عن عروة بن الزبير وهو قول أبي حنيفة وأصحابه فلذلك قيده صاحب الهداية من الحنفية بالاضطرار إلى ذلك. وهو قول الثوري إذ قال: لا يركب إلا إذا اضطر، وبه جزم الدردير والدسوقي إذ قيداه بالاضطرار لجواز ابتداء الركوب لا الدوام. قال الحافظ: وقال ابن العربي عن مالك: يركب للضرورة فإذا استراح نزل، ومقتضى من قيده بالضرورة أن من انتهت ضرورته لا يعود إلى ركوبها إلا من ضرورة أخرى. والدليل على اعتبار هذه القيود الثلاثة وهي الاضطرار والركوب بالمعروف وانتهاء الركوب لانتهاء الضرورة ما رواه مسلم من حديث جابر مرفوعًا بلفظ ((اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا)) فإن مفهومه أنه إذا وجد غيرها تركها. وروى سعيد بن منصور من طريق إبراهيم النخعي قال: يركبها إذا أعيي قدر ما يستريح على ظهرها. الرابع: الجواز مع الكراهة من غير حاجة، نسبه ابن عبد البر إلى الشافعي ومالك. الخامس: المنع مطلقًا، نقله ابن العربي عن أبي حنيفة وشنع عليه، ورده الحافظ والعيني فإن مذهبه الإباحة عند الاضطرار كما تقدم. السادس: وجوب ذلك مطلقًا حكاه ابن عبد البر والقاضي عياض عن بعض أهل الظاهر تمسكًا بظاهر الأمر ولمخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية من إكرام البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وإهمالها بلا ركوب. ورده ابن عبد البر بأن الذين ساقوا الهدي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا كثيرًا ولم يأمر أحدًا منهم بذلك – انتهى. وتعقبه الحافظ فقال: وفيه نظر لما تقدم من حديث علي عند أحمد. وله شاهد مرسل عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح رواه أبو داود في المراسيل عن عطاء كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالبدنة إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها ويركبها غير منهكها. قال الحافظ: ولا يمتنع القول بوجوبه إذا تعين طريقًا إلى إنقاذ مهجة إنسان من الهلاك – انتهى. قال الولي العراقي: من قال بالجواز مطلقًا تمسك بظاهر حديث أبي هريرة، فإنه عليه الصلاة والسلام أمر بذلك، والأمر هنا للإباحة، ولم يقيد ذلك بشيء (واستدلوا أيضًا بقوله تعالى {لكم فيها منافع إلى أجل مسمى} (22: 33) على أحد
.................................................................................
ــ
التفسيرين، ولا تنتهض به الحجة لأنه محمول على كونه تدعوه للحاجة أو الضرورة إلى ذلك بدليل حديث جابر فهو أخص في محل النزاع) قال العراقي: ومن قيد الجواز بالحاجة أو الضرورة قال: هذه واقعة محتملة وقد دلت رواية أخرى على أن هذا الرجل كان محتاجًا للركوب أو مضطرًا له، روى النسائي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة وقد جهده المشي قال: اركبها – الحديث. ثم ذكر العراقي حديث جابر الذي نحن في شرحه ثم قال: ومن منع مطلقًا فهذا الحديث حجة عليه، ولعله لم يبلغه، ومن أوجب فإنه حمل الأمر على الوجوب، ووجهه أيضًا مخالفة ما كانت الجاهلية عليه من إهمال السائبة والبحيرة والوصيلة والحام بلا ركوب. ودليل الجمهور أنه صلى الله عليه وسلم أهدى ولم يركب هديه ولم يأمر الناس بركوب الهدايا. قلت: القول الراجح عندي هو أنه إن دعته ضرورة لركوب الهدي جاز وإلا فلا، وذلك لأن حديث جابر عند مسلم صريح في أن ركوب الهدي إنما يجوز بالمعروف إذا احتاج إليه واضطر لذلك، فإن زالت الضرورة بوجود ظهر يركبه غير الهدي ترك ركوب الهدي، فالقيد الذي في حديث جابر يقيد به حديث أبي هريرة وما في معناه الخالي عن القيد لوجوب حمل المطلق على المقيد عند جماهير العلماء لا سيما إن اتحد الحكم والسبب كما هنا، ويفيد المعنى منع الركوب مطلقًا فإنه جعلها كلها لله تعالى فلا ينبغي أن يصرف منها شيئًا لمنفعة نفسه لكن السمح ورد بإطلاقه بشرط الحاجة رخصة فيبقى فيما وراءه على المنع الأصلي الذي هو مقتضى المعنى، واعلم أن محل جواز ركوب الهدي ما لم يضر به الركوب، وهذا متفق عليه بينهم، وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر ((اركبها بالمعروف)) ومتى نقصت بالركوب ضمن النقصان عند الشافعية والحنفية والحنابلة، ومقتضى نقل ابن عبد البر عن مالك أنه لا يضمن. قال الطحاوي في اختلاف العلماء قال أصحابنا والشافعي: يركب إذا احتاج، فإن نقصه ذلك ضمن. وقال مالك: لا يركب إلا عند الحاجة، فإن ركب لم يغرم، وصرح في الهداية وغيرها من فروع الحنفية بأنه لو ركبها فانتقص بركوبه فعليه ضمان ما نقص. وقال ابن قدامة في الشرح الكبير: وله ركوبها عند الحاجة ما لم يضر بها. قال أحمد: لا يركبها إلا عند الضرورة، وهو قول الشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا، ولأنه تعلق بها حق المساكين فلم يجز ركوبها من غير ضرورة كملكهم، وإنما جوزناه عند الضرورة للحديث، فإن نقصها الركوب ضمن النقص لأنه تعلق بها حق غيره، وفي الركوب مع عدم الحاجة روايتان إحداهما لا يجوز لما ذكرنا، والثانية يجوز لحديث أبي هريرة وأنس – انتهى. واختلف المجيزون في أن جواز الركوب المقيد بالحاجة أو الضرورة هل ينتهي بانتهاء الحاجة أو يمتد إلى ما بعد ذلك، وهما قولان لمالك، فقال الجمهور يتقيد بذلك وينتهي بانتهاء الحاجة كما تقدم في بيان القول الثالث ما قال الحافظ من أن مقتضي من قيده بالضرورة أن من انتهت ضرورته لا يعود إلى ركوبها إلا من ضرورة أخرى. وقال عياض: قوله صلى الله عليه وسلم ((إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا)) فيه حجة لأحد قولي
رواه مسلم.
2659 – (9) وعن ابن عباس، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة عشر بدنة
ــ
مالك أنه إذا ركب واستراح ينزل، قال إسماعيل: وهذا الذي يدل عليه المذهب. وقال ابن القاسم: لا يلزمه النزول لأنه أبيح له الركوب فجاز له الاستصحاب. وقال الأبي: قوله حتى يجد ظهرًا يرد قول ابن القاسم لأنه إذا زال العذر صار دوام ركوبه كابتداءه لا لعذر – انتهى. لكن مختار الدردير هو قول ابن القاسم حيث قال: فإن ركب حينئذ أي حين كان مضطرًا فلا يلزم النزول بعد الراحة وإنما يندب فقط. قال الدسوقي: فإن نزل بعد الراحة فلا يركبها ثانيًا إلا إذا اضطر كالأول. واختلفوا أيضًا هل يحمل عليها متاعه فمنعه مالك وأجازه الجمهور قياسًا للحمل على الركوب، ورواه ابن أبي شيبة عن عطاء وطاوس، وهل يحمل عليها غيره؟ أجازه الجمهور أيضًا على التفصيل المتقدم من جوازه مطلقًا أو بقيد الحاجة أو الضرورة. قال الولي العراقي: قال أصحابنا: كما يجوز له الركوب بنفسه يجوز له إقامة غيره في ذلك مقام نفسه بالعارية فله أن يعيرها لركوب غيره، وحكى ابن المنذر عن الشافعي أنه قال: له أن يحمل المعي والمضطر على هديه ومنعوا إجارتها لأنها بيع للمنافع، ونقل القاضي عياض الإجماع على أنه لا يؤجرها، وأما لبنها فقال الطحاوي: قال أصحابنا والشافعي: إن احتلب منها شيئًا تصدق به فإن أكله تصدق بثمنه، وقال مالك: لا يشرب من لبنه فإن شرب لم يغرم – انتهى. قال الشنقيطي: والظاهر أن شرب ما فضل من لبنها عن ولدها لا بأس به لأنه لا ضرر فيه عليها ولا على ولدها، وقال ابن قدامة في المغني: وللمهدي شرب لبن الهدي لأن بقاءه في الضرع يضر به، فإذا كان ذا ولد لم يشرب إلا ما فضل عن ولده لما رواه سعيد بن منصور والأثرم عن علي أنه أتاه رجل ببقرة قد أولدها فقال له: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم الأضحى ضحيت بها وولدها عن سبعة. قال ابن قدامة: فإن شرب ما يضر بالأم أو ما لا يفضل عن الولد ضمنه لأنه تعدى بأخذه – انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي وابن الجارود.
2659 – قوله (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة عشر بدنة) كذا وقع في جميع نسخ المشكاة، وفي صحيح مسلم ((ست عشرة)) وهكذا في جامع الأصول ونسخ المصابيح. قال الطيبي: كلاهما صحيح، لأن البدنة تطلق على الذكر والأنثى – انتهى. واختلفت الروايات في مقدار البدن التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي هذا الرواية أنها ست عشر بدنة، وفي أخرى عند مسلم أيضًا أنها ثماني عشرة، ويمكن الجمع بتعدد القصة أو يصار إلى ترجيح الرواية المشتملة على الزيادة إن كانت القصة واحدة، قاله الشوكاني. وقال النووي: يجوز أنهما قضيتان، ويجوز أن تكون قضية واحدة والمراد ثمان عشرة، وليست في قوله ((ست عشرة)) نفي الزيادة لأنه مفهوم عدد ولا عمل عليه، والله أعلم – انتهى. وأسند الواقدي
مع رجل، وأمره فيها، فقال: يا رسول الله! كيف أصنع بما أبدع علي منها؟ قال: " انحرها، ثم اصبغ نعليها في دمها، ثم اجعلها على صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك ".
ــ
في أول غزوة الحديبية القصة بطولها، وفيها أنه عليه الصلاة والسلام استعمل على هديه ناجية بن جندب الأسلمي وأمره أن يتقدمه بها، وقال: كان سبعين بدنة. قال القاري: نقل الواقدي مخالف لرواية مسلم اللهم إلا أن يقال العدد المذكور في رواية مسلم مختص بخدمة ناجية له، والباقي لغيره من رفقائه كما يدل عليه قوله: وأمره فيها (مع رجل) أي ناجية الأسلمي قاله القاري (وأمره) بتشديد الميم أي جعله أميرًا (فيها) أي لينحرها بمكة (فقال يا رسول الله) وفي مسلم ((قال: مضى ثم رجع فقال: يا رسول الله)) (كيف أصنع بما أُبْدِعَ) بضم الهمزة وإسكان الباء وكسر الدال وفتح العين بصيغة المبني للمفعول (على) أي بما حبس على من الكلال (منها) أي من تلك البدن، يقال أبدعت الراحلة إذا كلت وأعيت حتى وقفت من الإعياء، وأبدع بالرجل على بناء المجهول إذا انقطعت راحلته به لكلال، ولذا لم يقل أبدع بي لأنه لم يكن هو راكبًا لأنها كانت بدنة يسوقها بل قال: أبدع على لتضمين معنى الحبس كما ذكرنا (ثم اصبغ) بضم الموحدة ويجوز فتحا وكسرها (نعليها) وفي حديث ابن عباس عن ذويب أبي قبيصة عند مسلم أيضًا ((نعلها)) بالإفراد، أي التي قلدتها في عنقها (في دمها) ليعلم أنه هدي عطب فينبغي أن يأكله من يجوز له أكله، وحكي عن مالك أنه قال: أمره بذلك ليعلم أنه هدي فلا يستباح إلا على الوجه الذي ينبغي (ثم اجعلها على صفحتها) قال القاري: أي كل واحدة من النعلين على صفحة من صفحتي سنامها – انتهى. وقوله ((ثم اجعلها)) كذا في جميع نسخ المشكاة، وفي صحيح مسلم ((ثم اجعله)) وهكذا في جامع الأصول، وفي المصابيح ((ثم اجعلهما)) أي بضمير التثنية، وفي حديث ذويب ((ثم اضرب به صفحتها)) (ولا تأكل منها أنت) للتأكيد (ولا أحد (أي ولا يأكل أحد (من أهل رُفْقتك) بضم الراء وسكون الفاء، وفي القاموس: الرفقة مثلثة، وقال الشوكاني: الرفقة بضم الراء وكسرها لغتان مشهورتان، أي رفقاؤك فأهل زائد، وقال البوصيري: بضم الراء وكسرها وسكون الفاء جماعة ترافقهم في سفرك والأهل مقحم. قال الطيبي: سواء كان فقيرًا أو غنيًا، وإنما منعوا ذلك قطعًا لأطماعهم لئلا ينحرها أحد ويتعلل بالعطب – انتهى. قال النووي: وفي المراد بالرفقة وجهان لأصحابنا، أحدهما أنهم الذين يخالطون المهدى في الأكل وغيره دون باقي القافلة. والثاني وهو الأصح الذي يقتضيه ظاهر نص الشافعي وكلام جمهور أصحابنا أن المراد بالرفقة جميع القافلة، لأن السبب الذي منعت به الرفقة هو خوف تعطيبهم إياه، وهذا موجود في جميع القافلة. فإن قيل: إذا لم تجوزوا لأهل القافلة أكله وقلتم بتركه في البرية كان طعمة للسباع، وهذا إضاعة مال. قلنا: ليس فيه إضاعة مال بل العادة الغالبة أن سكان البوادي وغيرهم يتتبعون منازل الحجيج لالتقاط ساقطة ونحو ذلك، وقد تأتي قافلة في أثر قافلة، والله أعلم – انتهى. والحديث يدل على أن من بعث معه هدي إلى الحرم فعطب في الطريق
.................................................................................
ــ
قبل بلوغ محله أنه ينحره ثم يصبغ نعليه في دمه ويضرب بالنعل المصبوغ بالدم صفحة سنامها ليعلم من مر بها أنها هدي ويخلي بينها وبين الناس ولا يأكل منها هو لا أحد من أهل رفقته. والظاهر أن علة منعه ومنع رفقته هو سد الذريعة لئلا يتوسل هو أو بعض رفقته إلى نحره بدعوى أنه عطب أو بالتسبب له في ذلك للطمع في أكل لحمه لأنه صار للفقراء وهم يعدون أنفسهم من الفقراء، والظاهر عدم الفرق بين هدي التطوع والفرض لكن خصص ذلك بهدي التطوع لأن الهدي الذب بعثه النبي صلى الله عليه وسلم كان هدي تطوع، والظاهر أنه لا يجوز الأكل منه للأغنياء بل للفقراء. واختلف الفقهاء في حكم هدي التطوع إذا عطب قبل محله. قال الشنقيطي: أما هدي التطوع فالظاهر أنه إن عطب في الطريق ألقيت قلائده في دمه وخلى بينه وبين الناس وإن كان له سائق مرسل معه لم يأكل منه هو ولا أحد من رفقته، وليس لصاحبه الأكل منعه عند مالك وأصحابه وهو ظاهر مذهب أحمد وليس عليه بدله لأنه لم يتعلق بذمته. قلت: مذهب مالك على ما يدل عليه فروع المالكية وكلام ابن قدامة أنه يجوز أكله للرفقاء مطلقًا سواء كانوا أغنياء أو فقراء فضلاً عن غير الرفقة ولا يجوز لصاحبه ولو فقيرًا ولا لرسوله ولا يجوز له الأمر لأحد أن يأكل ولا أن يفرقه على الناس بل يخلي بينه وبينهم، وارجع للتفصيل إلى المغني (ج 3: ص 537، 538) وحملت المالكية حديث ابن عباس على سد الذريعة كما جزم به المازري والقرطبي والزرقاني والأبي. قال الشنقيطي: وأما مذهب الشافعي وأصحابه فهو أن هدي التطوع باق على ملك صاحبه فله ذبحه وأكله وبيعه وسائر التصرفات فيه ولو قلده، لأنه لم يوجد منه إلا نية ذبحه والنية لا تزيل ملكه عنه حتى يذبحه بمحله، فلو عطب في الطريق فلمهديه أن يفعل به ما يشاء من بيع وأكل وإطعام لأنه لم يزل في ملكه ولا شيء عليه في شيء من ذلك. قلت: وهكذا ذكر مذهب الشافعي النووي في شرح مسلم وفي مناسكه والطيبي والقسطلاني، وحمل الطيبي حديث ابن عباس على الهدي الواجب حيث حكى القاري عنه في شرح حديث ابن عباس تحت قوله ((ولا تأكل أنت ولا أحد من أهل رفقتك)) أنه قال: سواء كان فقيرًا أو غنيًا هذا إذا أوجبه على نفسه، وأما إذا كان تطوعًا فله أن ينحره ويأكل منه، فإن مجرد التقليد لا يخرجه عن ملكه – انتهى. قال الشنقيطي: وأما مذهب أبي حنيفة في هدي التطوع إذا عطب في الطريق قبل بلوغ محله فهو أنه لا يجوز لمهديه الأكل منه ولا لغني من الأغنياء، وإنما يأكله الفقراء. قلت: حاصل مذهب الحنفية أكله للفقراء سواء كانوا رفقة أم لا، ولا يجوز للأغنياء مطلقًا. قال الزيلعي في التبيين: حديث ابن عباس محمول على أنه ورفقته كانوا أغنياء. قال الشنقيطي: ووجه قول من قال: إن هدي التطوع إذا عطب في الطريق لا يجوز لمهديه أن يأكل منه، هو أن الإذن له في الأكل جاء النص به بعد بلوغه ملحه، أما قبل بلوغه محله فلم يأت الإذن بأكله، ووجه خصوص الفقراء به لأنه حينئذ يصير صدقة لأن كونه صدقة خير من أن يترك للسباع تأكله، هكذا قالوا، والعلم عند الله تعالى – انتهى. وأما حكم الهدي الواجب إذا عطب قبل محله فقال
..................................................................................
ــ
الخرقي: من ساق هديًا واجبًا فعطب دون محله صنع به ما شاء وعليه مكانه، قال ابن قدامة (ج 3: ص 534) الواجب من الهدي قسمان: أحدهما وجب بالنذر في ذمته، والثاني وجب بغيره، كدم التمتع والقرآن والدماء الواجبة بترك واجب أو فعل محظور، وجميع ذلك ضربان، أحدهما أن يسوقه ينوي به الواجب الذي عليه من غير أن يعينه بالقول، فهذا لا يزول ملكه عنه إلا بذبحه ودفعه إلى أهله، وله التصرف فيه بما شاء من بيع وهبة وأكل وغير ذلك، وإن عطب تلف من ماله، وإن تعيب لم يجزئه ذبحه، وعليه الهدي الذي كان واجبًا، الضرب الثاني أن يعين الواجب عليه بالقول فيقول: هذا الواجب عليّ، فإنه يتعين الوجوب فيه من غير أن تبرأ الذمة منه، فإن عطب أو سرق أو ضل أو نحو ذلك لم يجزه وعاد الوجوب إلى ذمته وهذا كله لا نعلم فيه مخالفًا، ورُوي عن أحمد أنه يذبح المعيب وما في ذمته جميعًا، ولا يرجع المعين إلى ملكه. ثم قال الخرقي: وإن ساقه تطوعًا نحره موضعه وخلى بينه وبين المساكين ولم يأكل منه هو ولا أحد من أهل رفقته ولا بدل عليه، قال ابن قدامة (ج 3: ص 537) : من تطوع بهدي غير واجب لم يخل من حالين: أحدهما أن ينوي به هديًا ولا يوجب بلسانه ولا بإشعاره وتقليده، فهذا لا يلزمه إمضاؤه وله أولاده ونماؤه والرجوع فيه متى شاء ما لم يذبحه لأنه نوى الصدقة بشيء من ماله فأشبه ما لو نوى الصدقة بدرهم. الثاني أن يوجب بلسانه فيقول هذا هدي أو يقلده أو يشعره ينوي بذلك إهداءه فيصير واجبًا معينًا يتعلق الوجوب بعينه دون ذمة صاحبه ويصير في يدي صاحبه كالوديعة يلزمه حفظه وإيصاله إلى محله، فإن تلف بغير تفريط منه أو سرق أو ضل لم يلزمه شيء لأنه لم يجب في الذمة، إنما تعلق الحق بالعين فسقط بتلفها كالوديعة، وقد روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أهدى تطوعًا ثم ضلت فليس عليه البدل إلا أن يشاء، فإن كان نذرًا فعليه البدل، فأما إن أتلفه أو تلف بتفريطه فعليه ضمانه، لأنه أتلف واجبًا لغيره فضمنه كالوديعة، وإن خاف عطبه أو عجز عن المشي وصحبة الرفاق نحره موضعه وخلى بينه وبين المساكين ولم يبح له أكل شيء منه، ولا لأحد من صحابته، وإن كانوا فقراء ويستحب له أن يضع نعل الهدي المقلد في عنقه في دمه ثم يضرب به صفحته ليعرفه الفقراء فيعلموا أنه هدي وليس بميتة فيأخذوه – انتهى. وقال عياض: أما ما عطب من الهدى الواجب قبل النحر فقال مالك والجمهور: يأكل منه صاحبه والأغنياء لأن صاحبه يضمنه لأنه تعلق بذمته، واختلف هل له بيعه فمنعه مالك وأجازه الجمهور – انتهى. وهكذا ذكر ابن رشد، والأبي في الإكمال، وأما مذهب الشافعية فقال النووي في شرح مسلم: إن كان هديًا منذورًا لزمه ذبحه، فإن تركه حتى هلك لزمه ضمانه كما لو فرط في حفظ الوديعة حتى تلفت، فإذا ذبحه غمس نعله التي قلده إياها في دمه ليعلم من مر به أنه هدي فيأكله ولا يجوز للمهدي ولا لسائق هذا الهدي الأكل منه، ولا يجوز للأغنياء الأكل منه مطلقًا، لأن الهدي مستحق للمساكين فلا يجوز لغيرهم ويجوز للفقراء من غير أهل هذه الرفقة ولا يجوز لفقراء الرفقة – انتهى. وهذا خلاف ما ذكره الشافعي في الأم
........................................................................................
ــ
حيث قال (ج 2: ص 183) : إذا عطب الهدي الواجب دون المحرم صنع به صاحبه ما شاء من بيع وهبة وإمساك وعليه بدله بكل حال، لأنه قد خرج من أن يكون هديًا حين عطب قبل أن يبلغ محله – انتهى. وحاصل مذهب الحنفية على ما في مناسكهم كالغنية وشرح اللباب وغيرهما أنه إن عطب الهدي الواجب قبل وصوله إلى محله فعليه أن يقيم غيره بدله وصنع بالأول ما شاء من بيع وغيره، وقال الشنقيطي (ج 5: ص 583) : اعلم أن الهدي إما واجب وإما تطوع، والواجب إما بالنذر أو بغيره، والواجب بالنذر إما معين أو غير معين، فالظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه: أن الهدي الواجب بغير النذر كهدي التمتع والقرآن والدماء الواجبة بترك واجب أو فعل محظور، والواجب بالنذر في ذمته كأن يقول ((لله علي نذر أن أهدي هديًا)) أن لجميع ذلك حالين: الأولى أن يكون ساق ما ذكر من الهدي ينوي به الهدي الواجب عليه من غير أن يعينه بالقول كأن يقول: هذا الهدي سقته أريد به أداء الهدي الواجب علي. والحالة الثانية هي أن بسوقه ينوي الهدي المذكور مع تعيينه بالقول، فإن نواه ولم يعينه بالقول فالظاهر أنه لا يزال في ضمانه ولا يزول ملكه عنه إلا بذبحه ودفعه إلى مستحقيه، ولذا إن عطب في الطريق فله التصرف فيه بما شاء من أكل وبيع، لأنه لم يزل في ملكه، وهو مطالب بأداء الهدي الواجب عليه بشيء آخر غير الذي عطب، لأنه عطب في ضمانه، فهو بمنزلة من عليه دين فحمله إلى مستحقه يقصد دفعه إليه، فتلف قبل أن يوصله إليه، فعليه قضاء الدين بغير التالف لأنه تلف في ذمته، وإن تعيب الهدي المذكور قبل بلوغه محله، فعليه بدله سليمًا ويفعل بالذي تعيب ما شاء لأنه لم يزل في ملكه وضمانه، والذي يظهر أن له التصرف فيه، ولو لم يعطب ولم يتعيب لأن مجرد نية إهدائه عن الهدي الواجب لا ينقل ملكه عنه، والهدي المذكور لازم له في ذمته حتى يوصله إلى مستحقه، والظاهر أن له نماؤه. وأما الحالة الثانية وهي ما إذا نواه وعينه بالقول كأن يقول: هذا هو الهدي الواجب عليّ. والظاهر أن الإشعار والتقليد كذلك، فالظاهر أنه يتعين الوجوب فيه من غير أن تبرأ الذمة فليس له التصرف فيه ما دام سليمًا، وإن عطب أو سرق أو ضل أو نحو ذلك لم يجزه وعاد الوجوب إلى ذمته فيجب عليه هدي آخر، لأن الذمة لا تبرأ بمجرد التعيين بالنية والقول أو التقليد والإشعار، والظاهر أنه إن عطب فعل به ما شاء، لأن الهدي لازم في ذمته وهذا الذي عطب صار كأنه شيء من ماله لا حق فيه لفقراء الحرم، لأن حقهم باق في الذمة فله بيعه وأكله وكل ما شاء، وعلى هذا جمهور أهل العلم، وعن مالك يأكل ويطعم من شاء من الأغنياء والفقراء، ولا يبيع منه شيئًا، وإن بلغ الهدي محله فذبحه وسرق فلا شيء عليه عند أحمد. قال في المغني (ج 3: ص 535) : وبهذا قال الثوري وابن القاسم صاحب مالك، وأصحاب الرأي، وقال الشافعي: عليه الإعادة لأنه لم يوصل الحق إلى مستحقه، فأشبه ما لو لم يذبحه، ولنا أنه أدى الواجب عليه فبرئ منه كما لو فرقه، ودليل أنه أدى الواجب أنه لم يبق إلا التفرقة وليست واجبة بدليل أنه لو خلى بينه وبين الفقراء أجزأه، ولذلك لما نحر النبي صلى الله عليه وسلم -
..............................................................................................
ــ
البدنات قال: من شاء اقتطع – انتهى. قال الشنقيطي: وأظهر القولين عندي أنه لا تبرأ ذمته بذبحه حتى يوصله إلى المستحقين، لأن المستحقين إن لم ينتفعوا به، لا فرق عندهم بين ذبحه وبين بقائه حيًا، ولأن الله تعالى يقول:{وأطعموا البائس الفقير} (22: 28) ويقول: {وأطعموا القانع والمعتر} (2: 36) والآيتان تدلان على لزوم التفرقة والتخلية بينه وبين الفقراء يقتسمونه تفرقة ضمنية، لأن الإذن لهم في ذلك وهو متيسر لهم كإعطائهم إياه بالفعل، والعلم عند الله تعالى. وقول من قال إن الهدي المذكور إن تعيب في الطريق فعليه نحره، ونحر هدي آخر غير معيب لا يظهر كل الظهور، إذ لا موجب لتعدد الواجب عليه وهو لم يجب عليه إلا واحد، وحجة من قال بذلك: أنه لما عينه متقربًا به إلى الله لا يحسن انتفاعه به بعد ذلك ولو لم يجزئه، وأما الواجب المعين بالنذر كأن يقول: نذرت لله إهداء هذا الهدي المعين، فالظاهر أنه يتعين بالنذر ولا يكون في ذمته، فإن عطب أو سرق لم يلزمه بدله، لأن حق الفقراء إنما يتعلق بعينه لا بذمة المهدي، والظاهر أنه ليس له الأكل منه، سواء عطب في الطريق أو بلغ محله، وحاصل ما ذكرنا راجع إلى أن ما عطب بالطريق من الهدي إن كان متعلقًا بذمته سليمًا فالظاهر أن له الأكل منه والتصرف فيه، لأنه يلزمه بدله سليمًا، وقيل: يلزم الذي عطب والسليم معًا لفقراء الحرم، وأن ما تعلق الوجوب فيه بعين الهدي كالنذر المعين للمساكين ليس له تصرف فيه ولا الأكل منه إذا عطب ولا بعد نحره إن بلغ محله على الأظهر – انتهى. تنبيه: اختلف فيما إذا ضل المعين فذبح غيره ثم وجد الضال. قال الشنقيطي: الأظهر عندي أنه إذا عين هديًا بالقول أو التقليد والإشعار ثم ضل ثم نحر هديًا آخر مكانه ثم وجد الهدي الأول الذي كان ضالاً، أن عليه أن ينحره أيضًا، لأنه صار هديًا للفقراء فلا ينبغي أن يرده لملكه مع وجوده، وكذلك إن عين بدلاً عنه، ثم وجد الضال فإنه ينحرهما جميعًا، قال ابن قدامة في المغني (ج 3: ص 535) : وإن ضل المعين فذبح غيره ثم وجده، أو عين غير الضال بدلاً عما في الذمة، ثم وجد الضال ذبحهما معًا. روى ذلك عن عمر وابنه وابن عباس وفعلته عائشة، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق، ويتخرج على قولنا فيما إذا تعيب الهدي فأبدله، فإن له أن يصنع به ما شاء أن يرجع إلى ملك أحدهما، لأنه قد ذبح ما في الذمة فلم يلزمه شيء آخر كما لو عطب المعين، وهذا قول أصحاب الرأي. ووجه الأول ما روى عن عائشة أنها أهدت هديين فأضلتهما فبعث إليها ابن الزبير هديين فنحرتهما، ثم عاد الضالان فنحرتهما، وقالت: هذه سنة الهدي، رواه الدارقطني، وهذا منصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنه تعلق حق الله بهما بإيجابهما أو ذبح أحدهما، وإيجاب الآخر – انتهى كلام ابن قدامة. قال الشنقيطي بعد ذكره: وليس في المسألة شيء مرفوع، والأحوط ذبح الجميع كما ذكرنا أنه الأظهر والعلم عند الله تعالى، ثم قال الشنقيطي: إن الهدي إن كان معينًا بالنذر من الأصل بأن قال: نذرت إهداء هذا الهدي بعينه أو معينًا تطوعًا إذا رآه صاحبه في حالة يغلب على الظن أنه سيموت فإنه تلزمه ذكاته، وإن فرط فيها حتى مات كان
.......................................................................................
ــ
عليه ضمانه، لأنه كالوديعة عنده، أما لو مات بغير تفريطه أو ضل أو سرق فليس عليه بدل عنه لأنه لم يتعلق الحق بذمته بل بعين الهدي، والأظهر عندي إن لزمه بدله بتفريطه أنه يشتري هديًا مثله وينحره بالحرم بدلاً عن الذي فرط فيه، وإن قيل بأنه يلزمه التصدق بقيمته على مساكين الحرم فله وجه من النظر، والله أعلم، ولا نص في ذلك – انتهى. وأما ما يجوز الأكل منه من الهدايا إذا بلغت محلها وما لا يجوز فقد اختلفوا فيه أيضًا فذهب مالك وأصحابه إلى جواز الأكل من جميع الهدي واجبه وتطوعه إذا بلغ محله إلا ثلاثة أشياء: جزاء الصيد، وفدية الأذى، والنذر الذي هو للمساكين. قال الأبي: أما ما بلغ من الهدي محله فمشهور مذهب مالك أنه لا يأكل من ثلاثة: من الجزاء والفدية ونذر المساكين، ويأكل مما سوى ذلك، وبه قال فقهاء الأمصار وجماعة من السلف – انتهى. وهكذا حكى الباجي، وقال الدردير: لما كان الأكل من دماء الحج ينقسم منعًا وإباحة باعتبار بلوغ المحل وعدمه أربعة أقسام أشار للأول منها وهو المنع مطلقًا بقوله (ولم يؤكل) أي يحرم على رب الهدي أن يأكل (من نذر مساكين عين لهم) باللفظ أو النية بأن قال هذا نذر الله ونوى أن يكون للمساكين (مطلقًا) بلغ محله أو لم يبلغ، ومثل نذر المساكين هدي التطوع إذا نواه للمساكين وكذا الفدية إن لم يجعل هديًا فهذه ثلاثة يحرم الأكل منها طلقًا، وأشار للقسم الثاني بقوله (عكس الجميع) أي جمع الهدايا غير ما ذكر من تطوع أو واجب لنقص بحج أو عمرة من ترك واجب أو فساد أو فوت أو تعدي ميقات أو متعة أو قران أو نذر لم يعين فله الأكل منها مطلقًا بلغت محلها أو لا، وإذ جاز له الأكل في الجميع (فله إطعام الغني والقريب) وأولى غيرهما ثم استثنى مما يؤكل منه مطلقًا ما يؤكل في حال دون حال، وتحته قسمان أولهما ثالث الأقسام الأربعة بقوله (إلا) ثلاثة (نذرًا لم يعين) مثل لله عليّ هدي للمساكين (والفدية) إذا جعلت هديًا (والجزاء) للصيد فلا يأكل من هذه الثلاثة (بعد بلوغ المحل) سالمة، فأما إن عطبت قبله فيأكل منها لأن عليه بدلها وأشار لرابع الأقسام بقوله (وهدي تطوع) لم يجعله للمساكين بلفظ ((ولا نية)) ومثله النذر المعين الذي لم يجعل لهم (إن عطب) قبل محله فلا يأكل منه، وأما إن وصل لمحله سالمًا فإنه يأكل منه – انتهى، وقال اللخمي: كل هدي واجب في الذمة عن حج أو عمرة من فساد أو متعة أو قران أو تعدي ميقات أو ترك النزول بعرفة نهارًا أو ترك النزول بمزدلفة أو ترك رمي الجمار أو أخر الحلق يجوز الأكل منه قبل بلوغ محله وبعده، أما جزاء الصيد وفدية الأذى فيوكل منهما قبل بلوغهما محلهما ولا يؤكل منهما بعده، وأما النذر المضمون إذا لم يسمعه للمساكين فإنه يأكل منه بعد بلوغه محله، وإن كان منذورًا معينًا ولم يسمه للمساكين أو قلده أو أشعره من غر نذر أكل منه بعد بلوغه محله ولم يأكل منه قبله، وإن عين النذر للمساكين أو نوى ذلك حين التقليد والإشعار لم يأكل منه قبل ولا بعد، والحاصل أن النذر المعين للمساكين لا يجوز له الأكل منه مطلقًا عند مالك، وأن النذر المضمون للمساكين حكمه عند المالكية حكم جزاء الصيد وفدية الأذى فيمتنع الأكل منه
......................................................................................
ــ
بعد بلوغه محله ويجوز قبله، لأنه باقي في الذمة حتى يبلغ محله، وأما النذر المضمون الذي لم يسم للمساكين كقوله: لله علي نذر أن أتقرب إليه بنحر هدي. فله عند المالكية الأكل منه قبل بلوغ محله وبعده، وقد تقدم أن هدي التطوع إن عطب في الطريق لا يجوز له الأكل منه عند المالكية، وذهب أحمد في المشهور عنه إلى أنه لا يؤكل من الهدايا إلا دم التمتع والقران والتطوع، وبه قالت الحنفية كما سيأتي. قال الحافظ في الفتح تحت ما روى البخاري عن ابن عمر معلقًا أنه قال: لا يؤكل من جزاء الصيد والنذر ويؤكل من سوى ذلك: وهذا القول إحدى الروايتين عن أحمد وهو قول مالك وزاد ((إلا فدية الأذى)) الأخرى عن أحمد ((لا يؤكل إلا من هدي التطوع والتمتع والقرآن)) وهو قول الحنفية بناء على أصلهم أن دم التمتع والقران دم نسك لا دم جبران – انتهى. وقال الخرقي: ولا يأكل من كل واجب إلا من هدي التمتع، قال ابن قدامة (ج 3: ص 541) : المذهب أنه يأكل من هدي التمتع والقران دون ما سواهما نص عليه أحمد، ولعل الخرقي ترك ذكر القران لأنه متعة أو اكتفى بذكر المتعة لأنهما سواء في المعنى، فإن سببهما غير محظور فأشبها هدي المتطوع، وهذا قول أصحاب الرأي وعن أحمد أنه لا يأكل من المنذور وجزاء الصيد ويأكل مما سواهما، وهو قول ابن عمر وعطاء والحسن وإسحاق، لأن جزاء الصيد بدل والنذر جعله الله تعالى بخلاف غيرهما. وقال ابن أبي موسى: لا يأكل أيضًا من الكفارة ويأكل مما سوى هذه الثلاثة، ونحوه مذهب مالك لأن ما سوى ذلك لم يسمه للمساكين ولا مدخل للإطعام فيه فأشبه التطوع، وقال الشافعي: لا يأكل من واجب لأنه هدي وجب بالإحرام، فلم يجز الأكل منه كدم الكفارة، ولنا أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تمتعن معه في حجة الوداع وأدخلت عائشة الحج على العمرة فصارت قارنة، ثم ذبح عنهن النبي صلى الله عليه وسلم البقرة فأكلن من لحومها، قال أحمد: قد أكل من البقرة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة خاصة، وقال ابن عمر: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فساق الهدي من ذي الحليفة، متفق عليه. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر فأكل هو وعلي من لحمها وشربا من مرقها، رواه مسلم. ولأنهما دماء نسك فأشبها التطوع ولا يؤكل من غيرهما لأنه يجب بفعل محظور فأشبه جزاء الصيد، فأما هدي التطوع وهو ما أوجبه بالتعيين ابتداء من غير أن يكون عن واجب في ذمته، وما نحره تطوعًا من غير أن يوجبه فيستحب أن يأكل منه لقول الله تعالى {فكلوا منها} (22: 28) وأقل أحوال الأمر الاستحباب، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من بدنة. وقال جابر: كنا لا نأكل من بدننا فوق ثلاث، فرخص لنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كلوا وتزودوا، فأكلنا وتزودنا. رواه البخاري، وإن لم يأكل فلا بأس فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما نحر البدنات الخمس قال: من شاء اقتطع ولم يأكل منهن شيئًا – انتهى. وقال في الهداية: يجوز الأكل من هدي التطوع والمتعة والقران لأنه دم نسك فيجوز الأكل منها بمنزلة الإضحية، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من لحم هديه وحسا من المرقة، ويستحب له أن يأكل منها لما روينا وكذلك
رواه مسلم.
2660 – (10) وعن جابر، قال: نحرنا مع رسول الله عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة.
ــ
يستحب أن يتصدق على الوجه الذي عرف في الضحايا، ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا لأنها دماء كفارات – انتهى. وقال في شرح اللباب: الهدي على نوعين، هدي شكر وهو هدي المتعة والقران والتطوع، وهدي جبر وهو سائر الدماء الواجبة ما عدا الثلاثة، وكل دم وجب شكرًا فلصاحبه أن يأكل منه ما شاء ولا يتقيد ببعض منه ويؤكل الأغنياء والفقراء، ولا يجب التصدق لا بكله ولا ببعضه، بل يستحب أن يتصدق بثلثه، ويطعم ثلثه، ويهدي للأغنياء ثلثه، وكل دم وجب جبرًا لا يجوز له الأكل منه ولو كان فقيرًا ولا للأغنياء، ويجب التصدق بجميعه حتى لو استهلكه بعد الذبح كله أو بعضه لزمه قيمته للفقراء فيتصدق بها عليهم – انتهى. ومذهب الشافعية أنه لا يجوز أكل شيء من الدماء الواجبة حتى دم التمتع والقران ويجوز الأكل من دم التطوع مع وجوب التصدق ببعض لحمه. قال النووي: وكذا قال الأوزاعي وداود الظاهري: لا يجوز الأكل من الواجب، قال الشنقيطي بعد ذكر مذاهب الأئمة: الذي يرجحه الدليل في هذه المسألة هو جواز الأكل من هدي التطوع وهدي التمتع والقران دون غير ذلك، والأكل من هدي التمتع لا خلاف فيه من بين العلماء بعد بلوغه محله، وإنما خلافهم في استحباب الأكل منه أو وجوبه، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة في حجة الوداع أنه أهدى مائة من الإبل، ومعلوم أن ما زاد على الواحدة منها تطوع، وقد أكل منها وشرب من مرقها جميعًا. وأما الدليل على الأكل من هدي التمتع والقران فهو ما ثبت في الصحيح أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ذبح عنهن النبي صلى الله عليه وسلم بقرًا ودخل عليهن بلحمه وهن متمتعات وعائشة منهن قارنة وقد أكلن جميعًا مما ذبح عنهن في تمتعهن وقرانهن بأمره صلى الله عليه وسلم، وهو نص صحيح صريح في جواز الأكل من هدي التمتع والقران، أما غير ما ذكرنا من الدماء فلم يقم دليل يجب الرجوع إليه على الأكل منه، ولا يتحقق دخوله في عموم قوله تعالى {فكلوا منها} لأنه لترك واجب أو فعل محظور، فهو بالكفارات أشبه، وعدم الأكل منه أظهر وأحوط، والعلم عند الله تعالى - انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي (ج 5: ص 243) وفي الباب أيضًا عن ذويب أبي قبيصة عند أحمد ومسلم وابن ماجة والبيهقي، وعن ناجية الخزاعي وسيأتي في الفصل الثاني، وعن عمرو بن خارجة الثمالي عند أحمد (ج 4: ص 187، 238) والطبراني في الكبير وعن أبي قتادة عند الطبراني في الأوسط وعن شهر بن حوشب عن الأنصاري صاحب بدن النبي صلى الله عليه وسلم عند أحمد (ج 4: ص 64) .
2660 – قوله (عام الحديبية) بالتخفيف وقيل بالتشديد (البدنة) أي الإبل (عن سبعة والبقرة عن سبعة) ظاهره
.....................................................................................
ــ
أن البقرة لا تسمى بدنة وهو كذلك بالنسبة لغالب استعمالها ففي القاموس البدنة محركة، من الإبل والبقر كالإضحية من الغنم تهدي إلى مكة المكرمة للذكر والأنثى، وفي الصحاح للجوهري: البدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة، وفي النهاية: البدنة تقع على الجمل والناقة والبقرة وهي بالإبل أشبه، وقال في الفتح: إن أصل البدن ممن الإبل وألحقت بها البقرة شرعًا – انتهى. والحديث فيه دليل على جواز اشتراك السبعة في الهدي من البدنة وهو قول الجمهور، وعن داود وبعض المالكية يجوز في هدي التطوع دون الواجب، وعن مالك لا يجوز مطلقًا، وأولت المالكية حديث جابر بوجوه كلها تكلفات باردة من شاء الوقوف عليها رجع إلى شرحي الموطأ للزرقاني والباجي. وأجاب إسماعيل القاضي عن حديث جابر بأنه كان بالحديبية حيث كانوا محصرين، وهذا الجواب لا يدفع الاحتجاج بالحديث بل ثبت عن جابر عند مسلم أنهم اشتركوا الاشتراك المذكور معه صلى الله عليه وسلم أيضًا في حجه ولا شك أن المراد بحجه حجة الوداع لأنه لم يحج بعد الهجرة حجة غيرها. روى مسلم عن جابر قال: اشتركنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج والعمرة كل سبعة منا في بدنة فقال رجل لجابر: أيشترك في البقرة ما يشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلا من البدن، وفي لفظ له عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة. وفي لفظ له عنه أيضًا ((قال: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحرنا البعير عن سبعة والبقرة عن سبعة. وفي لفظ له عنه وهو يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال: فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية، وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم. وهذا يدل على صحة أصل الاشتراك. وفي لفظ له عنه أيضًا قال: كنا نتمتع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها – انتهى. فهذه الروايات الصحيحة تدل على أن دم التمتع يكفي فيه الاشتراك للسبع في بدنة أو بقرة ويدل على جواز الاشتراك أيضًا ما رواه البخاري عن أبي جمرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة فأمرني بها وسألته عن الهدي فقال فيها: جزور أو بقرة أو شاة أو شرك في دم – انتهى. قال الحافظ: قوله ((أو شرك)) بكسر الشين المعجمة وسكون الراء، أي مشاركة في دم أي حيث يجزئ الشيء الواحد عن جماعة، وهذا موافق لما رواه مسلم عن جابر قال: خرجا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ممهلين بالحج فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة. وقال الشنقيطي: قوله ((أو شرك في دم)) يعني به ما بينته الروايات المذكورة الصحيحة عن جابر أن البدنة والبقرة كلتاهما تكفي عن سبعة من المتمتعين. وأجاب إسماعيل القاضي عن حديث ابن عباس هذا بأنه خالف أبا جمرة في ذكره الاشتراك المذكور ثقات أصحاب ابن عباس فرووا عنه أن ما استيسر من الهدي شاة، ثم ساق ذلك بأسانيد صحيحة عنهم عن ابن عباس. قال: وحدثنا سليمان عن حماد بن زيد عن أيوب عن محمد ابن سيرين عن ابن عباس، قال: ما كنت أرى أن دمًا واحدًا يقضي عن أكثر من واحد – انتهى. قال الحافظ: ليس بين رواية أبي جمرة ورواية غيره منافاة، لأنه زاد عليهم ذكر الاشتراك ووافقهم على ذكر الشاة، وإنما أراد ابن عباس بالاقتصار على
رواه مسلم.
2661 – (11) وعن ابن عمر، أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها، قال: ابعثها قيامًا
ــ
الشاة الرد على من زعم اختصاص الهدي بالإبل والبقر وذلك واضح فيما سنذكره بعد هذا، وأما رواية محمد عن ابن عباس فمنقطعة ومع ذلك لو كانت متصلة احتمل أن يكون ابن عباس أخبر أنه كان لا يرى ذلك من جهة الاجتهاد حتى صح عنده النقل بصحة الاشتراك فأفتى به أبا جمرة، وبهذا تجتمع الأخبار وهو أولى من الطعن في رواية من أجمع العلماء على توثيقه والاحتجاج بروايته، وهو أبو جمرة الضبعي، وقد روى عن ابن عمر أنه كان لا يرى التشريك، ثم رجع عن ذلك لما بلغته السنة، ثم ذكر الحافظ رجوع ابن عمر عن ذلك عن أحمد بسنده من طريق الشعبي عن ابن عمر، واستدل بقوله ((كل سبعة منا في بدنة)) من قال:((عدل البدنة سبع شياه)) وهو قول الجمهور أي في الهدي والإضحية كليهما، وادعى الطحاوي وابن رشد أنه إجماع وتعقب عليهما بأن الخلاف في ذلك مشهور حكاه الترمذي في سننه عن إسحاق بن راهويه وكذا الحافظ في الفتح، وقال: هو (أي إجزاء البدنة عن عشرة) إحدى الروايتين عن سعيد بن المسيب، وإليه ذهب ابن خزيمة من الشافعية واحتج له في صحيحه وقواه، واحتج له ابن حزم وكذا ابن خزيمة بحديث رافع بن خديج أنه صلى الله عليه وسلم قسم فعدل عشرًا من الغنم ببعير – الحديث. وهو في الصحيحين، واحتجوا أيضًا بحديث ابن عباس، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فحضر الأضحى فذبحنا البقرة عن سبعة والبعير عن عشرة، رواه الخمسة إلا أبا داود، ويجاب عنه بأنه خارج عن محل النزاع لأنه في الإضحية، فإن قالوا يقاس الهدي عليها، قلنا: هو قياس فاسد الاعتبار لمصادمته النصوص ويجاب عن حديث رافع أيضًا بمثل هذا الجواب لأن ذلك التعديل كان في القسمة وهي غير محل النزاع، وأيضًا حديث جابر في خصوص الهدي والأخص في محل النزاع مقدم على الأعم، ويؤيد كون البدنة عن سبعة فقط أمره صلى الله عليه وسلم لمن لم يجد البدنة أن يشتري سبعًا فقط، ولو كانت تعدل عشرًا لأمره بإخراج عشر لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (رواه مسلم) وأخرجه أيضًا أحمد ومالك في الأضاحي والترمذي في الحج وابن ماجه في الأضاحي وابن حبان والبيهقي (ج 5: ص 234) وغيرهم.
2661 -
قوله (وعن ابن عمر أنه) أي ابن عمر (أتى) أي مر (على رجل) أي بمنى كما في مسند أحمد، وهذا الرجل لم يعرف ولم يسمعه أحد من أصحاب الأصول (قد أناخ بدنته ينحرها) أي حال كونه يريد نحرها، وهذا لفظ البخاري، ولمسلم ((وهو ينحر بدنته باركة)) (ابعثها) أي أقمها (قيامًا) قال القاري: حال مؤكدة أي قائمة، وقد صحت الرواية بها، وعاملها محذوف دل عليه أول الكلام أي انحرها قائمة لا ابعثها، لأن البعث إنما يكون قبل القيام، اللهم إلا أن تجعل حالاً مقدرة أي ابعثها مقدرًا قيامها، وقال الحافظ: قوله ((ابعثها)) أي أثرها يقال: بعثت الناقة أثرتها، وقوله
مقيدة، سنة محمد صلى الله عليه وسلم.
ــ
((قيامًا)) مصدر بمعنى قائمة وهي حال مقدرة، أو قوله ((ابعثها)) أي أقمها أو العامل محذوف تقديره انحرها، وقد وقع في رواية عند الإسماعيلي ((انحرها قائمة)) (مقيدة) حال ثانية أي معقولة الرجل قائمة على ما بقي من قوائمها، ولأبي داود من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها (سنة محمد صلى الله عليه وسلم) بنصب سنة على المفعولية أي فاعلاً بها سنة محمد أو متبعًا سنة محمد، ويجوز رفعه خبرًا لمبتدأ محذوف، ويدل عليه رواية الحربي في المناسك بلفظ ((فقال له: انحرها قائمة فإنها سنة محمد)) والحديث يدل على استحباب نحر الإبل قيامًا مقيدة، قال الباجي: وهو مذهب مالك وجمهور الفقهاء غير الحسن البصري في قوله ((تنحر باركة)) والأصل في ذلك حديث أنس عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم نحره بيده سبعة بدن قيامًا. قال الشيخ أبو بكر: إنما كان ذلك في الإبل لأنه أمكن لمن ينحرها لأنه يطعن في لبتها، وأما البقر والغنم التي سنتها الذبح فإن إضجاعها أمكن لتناول ذبحها، فالسنة إضجاعها، وروى محمد عن مالك أن الشأن أن تنحر البدن قائمة قد صفت يداها بالقيد، وقال ذلك ابن حبيب في قوله تعالى:{فاذكروا اسم الله عليها صواف} (22: 36) وقد روى محمد عن مالك أيضًا ((لا يعقلها إلا من خاف أن يضعف عنها)) – انتهى. وقال ابن قدامة (ج 3: ص 431) : السنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى فيضربها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، وممن استحب ذلك مالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر، واستحب عطاء نحرها باركة (وهذا مخالف للسنة) وجوز الثوري وأصحاب الرأي كل ذلك، ولنا حديث ابن عمر عند الشيخين وحديث جابر عند أبي داود. وفي قول الله تعالى:{وجبت جنوبها} دليل على أنها تنحر قائمة، ويروى في تفسير قوله تعالى:{فاذكروا اسم الله عليه صواف} أي قيامًا وتجزئه كيف ما نحر. قال أحمد: ينحر البدن معقولة على ثلاث قوائم، وإن خشى عليها أن تنفر أناخها - انتهى. قلت: وبذلك قالت الحنفية، ففي المضمرات: السنة أن ينحر البعير قائمًا، وتذبح الشاة والبقرة مضطجعة، ذكره ابن عابدين. وفي الهداية: الأفضل في البدن النحر، وفي البقر والغنم الذبح، ثم إن شاء نحر الإبل في الهدايا قيامًا أو أضجعها وأي ذلك فعل فهو حسن، والأفضل أن ينحرها قيامًا لما روي أنه صلى الله عليه وسلم نحر الهدايا قيامًا وأصحابه كانوا ينحرونها قيامًا معقولة يدها اليسرى - انتهى. وقال ابن الهمام بعد ذكر حديث جابر عن أبي داود المتقدم: وإنما سن النبي صلى الله عليه وسلم النحر قيامًا عملاً بظاهر قوله تعالى: {فإذا وجبت جنوبها} (22: 36) والوجوب السقوط، وتحققه في حال القيام أظهر. قال: والاستدلال بقول الله تعالى: {فاذكروا اسم الله عليها صواف} أظهر، وقد فسره ابن عباس بقوله قيامًا على ثلاث قوائم، وهو إنما يكون بعقل الركبة، والأولى كونه اليسرى للإتباع، رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم. قال: والحاصل أن القيام أفضل، فإن لم يتسهل فالقعود أفضل من الاضطجاع – انتهى. قال الحافظ في الفتح: في حديث ابن عمر استحباب نحر الإبل على الصفة المذكورة، وعن الحنفية يستوي قائمة وباركة في الفضيلة – انتهى.
متفق عليه.
2662 – (12) وعن علي، قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها
ــ
قلت: هذا خلاف ما وقع في عامة فروع الحنفية كما تقدم، ولعل منشأ ما حكى الحافظ والنووي عن الحنفية من استواء البروك والقيام في الفضيلة هو ما ذكره ابن الهمام في فتح القدير عن أبي حنيفة نحرت بدنة قائمة فكدت أهلك قيامًا من الناس، لأنها نفرت فاعتقدت أن لا أنحر بعد ذلك إلا باركة معقولة، وأستعين عليه بمن هو أقوى مني - انتهى. وهذا كما ترى مبني على خشية النفور لا مطلقًا. قال الحافظ: وفي الحديث تعليم الجاهل وعدم السكوت على مخالف السنة وإن كان مباحًا، وفيه أن قول الصحابي ((من السنة كذا)) مرفوع عند الشيخين لاحتجاجهما بهذا الحديث في صحيحيهما (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد (ج 2: ص 3) وأبو داود والنسائي والدارمي والبيهقي (ج 5: ص 237) .
2662 – قوله (أن أقوم على بُدْنه) بضم الباء وسكون الدال جمع بدنة، والمراد بدنه التي أهداها إلى مكة في حجة الوداع ومجموعها مائة كما تقدم، وفيه جواز الإنابة في نحر الهدي وتفرقته. قال الحافظ: قوله ((أن أقوم على بدنه)) أي عند نحرها للاحتفاظ بها، ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك، أي على مصالحها في علفها ورعيها وسقيها وغير ذلك (وأن أتصدق بلحمها) المراد أنه يقسم لحومها على المساكين إلا ما أمر به من كل بدنة ببضعة فطبخت كما مر في حديث جابر الطويل (وجلودها) قال الكرماني: فيه أنه لا يجوز بيع جلود الهدايا والضحايا كما هو ظاهر الحديث إذ الأمر حقيقة في الوجوب - انتهى. وتعقبه في اللامع فقال: فيه نظر، فذلك صيغة افعل لا لفظ أمر. وقال الحافظ: استدل به على منع بيع الجلد. قال القرطبي: فيه دليل على أن جلود الهدي وجلالها لا تباع لعطفها على اللحم وإعطاءها حكمه، وقد اتفقوا على أن لحمها لا يباع فكذلك الجلود والجلال، وأجازه الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وهو وجه عند الشافعية، قالوا: ويصرف ثمنه مصرف الإضحية. واستدل أبو ثور على أنهم اتفقوا على جواز الانتفاع به وكل ما جاز الانتفاع به جاز بيعه وعورض باتفاقهم على جواز الأكل من لحم هدي التطوع، ولا يلزم من جواز أكله جواز بيعه وأقوى من ذلك في رد قوله ما أخرجه أحمد في حديث قتادة بن النعمان مرفوعًا:((لا تبيعوا لحوم الأضاحي والهدي وتصرفوا وكلوا واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوا، وإن أطعمتم من لحومها فكلوا إن شئتم)) - انتهى كلام الحافظ. وقال النووي في شرح المهذب: مذهبنا أنه لا يجوز بيع جلد الهدي والإضحية ولا غيره من أجزائها لا بما ينتفع به في البيت ولا بغيره، وبه قال عطاء ومالك وأحمد وإسحاق، هكذا حكاه عنهم ابن المنذر، ثم حكى عن ابن عمر وأحمد وإسحاق أنه لا بأس أن يبيع جلد هديه ويتصدق بثمنه، قال: ورخص فيه أبو ثور، وقال النخعي والأوزاعي: لا بأس أن يشترى به الغربال والمنخل والفأس والميزان ونحوها - انتهى. قلت: ونحوه مذهب الحنفية،
وأجلتها،
ــ
ففي الدر المختار: ويتصدق بجلدها أو يعمل منه نحو غربال وجراب وقربة وسفرة ودلو أو يبدله بما ينتفع به باقيًا لا بمستهلك كخل ولحم ونحوه كدارهم، فإن بيع اللحم أو الجلد به أي بمستهلك أو بدارهم تصدق بثمنه، ومفاده صحة البيع (وهو قول أبي حنيفة ومحمد كما في البدائع) مع الكراهة، وعن أبي يوسف باطل لأنه كالوقف - انتهى. فالنهي في حديث قتادة محمول عندهما على الكراهة أو على البيع مع الانتفاع بثمنه، وقال ابن عابدين: أفاد أي صاحب الدر المختار أنه ليس له بيعهما بمستهلك وأن له بيع الجلد بما تبقى عينه، وسكت عن بيع اللحم للخلاف فيه، ففي الخلاصة وغيرها: لو أراد بيع اللحم ليتصدق بثمنه ليس له ذلك، وليس له فيه إلا أن يطعم أو يأكل - انتهى. والصحيح كما في الهداية وشروحها أنهما سواء في جواز بيعهما بما ينتفع بعينه دون ما يستهلك، وأيده في الكفاية بما روى ابن سماعة عن محمد: لو اشترى باللحم ثوبًا فلا بأس به - انتهى. قلت: ظاهر حديث قتادة بن النعمان أنه لا يجوز بيع جلد الهدي والإضحية ولحمهما مطلقًا لا بما ينفع بعينه ولا بمستهلك، والله أعلم (وأجلتها) بكسر الجيم وتشديد اللام جمع جلال بكسر الجيم وتخفيف اللام وهي جمع جُل بضم الجيم وهو ما يطرح على ظهر البعير من كساء ونحوه، وفيه دليل على مشروعية تجليل البدن، وهو مستحب وليس بواجب، قال الأبي في الإكمال: تجليل البدن ليس بلازم ولكن مضى عليه عمل السلف وأئمة الفتوى، وتجلل بعد الإشعار لئلا تتطلخ بالدم، والجلال على قدر سعة المهدي – انتهى. وفي شرح مسلم للنووي ((قال القاضي: التجليل سنة وهو عند العلماء مختص بالإبل وهو مما اشتهر من عمل السلف، قال: وممن رآه مالك والشافعي وأبو ثور وإسحاق، قالوا: ويكون بعد الإشعار لئلا يتطلخ بالدم، قالوا: ويستحب أن تكون قيمتها ونفاستها بحسب حال المهدي وكان بعض السلف يجلل بالوشي وبعضهم بالحبرة وبعضهم بالقباطي والملاحف والأزر، قال مالك: وتشق على الأسنمة إن كانت قليلة الثمن لئلا تسقط، قال مالك: وما علمت من ترك ذلك إلا ابن عمر استبقاء للثياب، لأنه كان يجلل الجلال المرتفعة من الأنماط والبرود والحبر، قال: وكان لا يجلل حتى يغدو من منى على عرفات، قال: وروي عنه أنه كان يجلل من ذي الحليفة، قال: وكان يعقد أطراف الجلال على أذنابها، فإذا مشى ليلة نزعها، فإذا كان يوم عرفة جللها فإذا كان عند النحر نزعها لئلا يصيبها الدم. قال مالك: وأما الجل فينزع في الليل لئلا يخرقها الشوك. قال: واستحب إن كانت الجلال مرتفعة أن يترك شقها وأن لا يجللها حتى يغدو إلى عرفات، فإن كانت بثمن يسير فمن حين يحرم يشق ويجلل، قال القاضي: وفي شق الجلال على الأسنمة فائدة أخرى وهي إظهار الإشعار لئلا يستر تحتها، وفي هذا الحديث الصدقة بالجلال وهكذا قاله العلماء، وكان ابن عمر أولاً يكسوها الكعبة، فلما كسيت الكعبة تصدق بها – انتهى. قال الباجي: معنى ذلك أن جلال البدن كانت كسوة الكعبة وكانت أولى بها من غيرها، فلما كسيت الكعبة رأى أن الصدقة بها أولى من غير ذلك، لأن الهدي وإن كان له تعلق بالبيت فإن مصرفه إلى المساكين ومستحقي
وأن لا أعطي الجزار منها قال:
ــ
الصدقة، ويحتمل أن يكون ابن عمر كان يكسو جلال بدنه الكعبة قبل أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم جلال بدنه، فلما علم ذلك رجع إليه وأخذ به – انتهى. قال القسطلاني. قال الشافعي في القديم: ويتصدق بالنعال وجلال البدن. وقال المهلب: ليس التصدق بجلال البدن فرضًا وإنما صنع ذلك ابن عمر لأنه أراد أن لا يرجع في شيء أهداه الله ولا في شيء أضيف إليه – انتهى. وقال المرداوي من الحنابلة في تنقيحه: وله أن ينتفع بجلدها وجلها أو يتصدق به ويحرم بيعهما وشيء منهما. وقال المالكية: وخطام الهدايا كلها وجلالها كلحمها فحيث يكون اللحم مقصورًا على المساكين يكون الجلال والخطام كذلك، وحيث يكون اللحم مباحًا للأغنياء والفقراء يكون الخطام والجلال كذلك تحقيقًا للتبعية، فليس له أن يأخذ من ذلك، ولا يأمر بأخذه في الممنوع من أكل لحمه، فإن أمر أحدًا بأخذ شيء من ذلك أو أخذ هو شيئًا رده، وإن أتلفه غرم قيمته للفقراء، وقال العيني من الحنفية: وقال أصحابنا: يتصدق بجلال الهدي وزمامه لأنه عليه الصلاة والسلام أمر عليًا بذلك، والظاهر أن هذا الأمر أمر استحباب – انتهى. وقال محمد في موطأه بعد رواية أثر ابن عمر في التصدق بجلال بدنه: وبهذا نأخذ، ينبغي أن يتصدق بجلال البدن وخطمها ولا يعطي الجزار من ذلك شيئًا ولا من لحومها، بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث مع علي بن أبي طالب بهدي فأمر أن يتصدق بجلاله وخطمه وأن لا يعطي الجزار من خطمه وجلاله شيئًا – انتهى. (وأن لا أعطي الجزار) أي شيئًا (منها) المراد منع عطية الجزار من الهدي عوضًا عن أجرته كما بينته رواية أخرى لمسلم بلفظ ((ولا يعطي في جزارتها منها شيئًا)) قال ابن الأثير: الجُزارة بالضم كالعمامة، ما يأخذه الجزار من الذبيحة عن أجرته، وأصلها أطراف البعير: الرأس واليدان والرجلان، سميت بذلك لأن الجزار كان يأخذها عن أجرته – انتهى. قال ابن خزيمة: النهي عن إعطاء الجزار المراد به أن لا يعطي منها عن أجرته، وكذا قال البغوي في شرح السنة، قال: وأما إذا أعطي أجرته كاملة ثم تصدق عليه إذا كان فقيرًا كما يتصدق على الفقراء فلا بأس بذلك، وقال غيره: إعطاء الجزار منها على سبيل الأجرة ممنوع لكونه معاوضة، وأما أعطاه صدقة أو هدية أو زيادة على حقًا فالقياس الجواز. قال الحافظ: ولكن إطلاق الشارع ذلك قد يفهم منه منع الصدقة لئلا تقع مساحة في الأجرة لأجل ما يأخذه فيرجع إلى المعاوضة. قال القرطبي: ولم يرخص في إعطاء الجزار منها في أجرته إلا الحسن البصري وعبد الله بن عبيد بن عمير، قال: وفي حديث علي من الفوائد: سوق الهدي والوكالة في نحر الهدي والاستئجار عليه، والقيام عليه وتفرقته، وأن من وجب عليه شيء لله فله تخليصه ونظيره الزرع يعطي عشره ولا يحسب شيئًا من نفقته على المساكين – انتهى (قال) أي على أو النبي صلى الله عليه وسلم وهو الأظهر، قاله القاري. وقوله ((قال)) كذا في نسخ المشكاة والمصابيح، وهكذا وقع في جامع الأصول وفي بعض طرق أحمد وبعض نسخ مسلم، ووقع في بعض نسخه وبعض طرق أحمد ((وقال)) أي بزيادة الواو، وهكذا ذكره الزيلعي والمجد، وهكذا وقع في سنن
نحن نعطيه من عندنا. متفق عليه.
2663 – (13) وعن جابر، قال: كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث، فرخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:" كلوا وتزودوا ". فأكلنا وتزودنا.
ــ
أبي داود وابن ماجة، وللبيهقي بلفظ ((ثم قال)) (نحن نعطيه) أي أجرته (من عندنا) وفي رواية أحمد (ج 1: ص 123) ((وقال: نحن نعطيه من عندنا الأجر)) (متفق عليه) أي على أصل الحديث، لأن قوله ((قال: ونحن نعطيه من عندنا)) ليس عند البخاري بل لمسلم فقط، وهكذا أخرجه أحمد (ج 1: ص 89، 123، 154) وأبو داود وابن ماجة وابن الجارود (ص 173) والبيهقي (ج 5: ص 241) وأخرجه أيضًا أحمد (ج 1: ص 112، 132، 160) والدارمي وابن الجارود بدون الزيادة المذكورة.
2663 – قوله (كنا لا نأكل من لحوم بدننا) أي التي نهديها ونضحي بها (فوق ثلاث) وفي الصحيحين ((فوق ثلاث منى)) قال القسطلاني: بإضافة ثلاث إلى منى أي الأيام الثلاثة التي يقام بها بمنى وهي الأيام المعدودات. وقال في المصابيح: والأصل ثلاث ليال منى كما في قولهم ((حب رمان زيد)) فإن القصد إضافة الحب المختص بكونه للرمان إلى زيد، ومثله ابن قيس الرقيات، فإن الملتبس بالرقيات ابن قيس لا قيس. قال الشيخ سعد الدين التفتازاني: وتحقيقه أن مطلق الحب مضاف إلى الرمان، والحب المقيد بالإضافة إلى الرمان مضاف إلى زيد، قال الدماميني: وفيه نظر فتأمله (فرخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال الطيبي: نهى أولاً أن يؤكل لحم الهدي والإضحية فوق ثلاثة أيام ثم رخص (فقال: كلوا وتزودوا) أي ادخروا ما تزودونه فيما تستقبلونه مسافرين أو مجاورين، وفي رواية لمسلم ((كنا لا نمسك لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نتزود منها ونأكل منها يعني فوق ثلاث)) وفي أخرى له أيضًا ((أنه نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث)) ثم قال بعد ((كلوا وتزودوا وادخروا)) (فأكلنا وتزودنا) هذا للبخاري وحده، وانتهت رواية مسلم إلى قوله ((كلوا وتزودوا)) وفيها بعد هذا ((قلت (قائله ابن جريج) لعطاء: قال جابر: حتى جئنا المدينة؟ قال: نعم)) . ووقعت هذه الزيادة عند البخاري بعد قوله ((فأكلنا وتزودنا)) بلفظ ((قال (أي ابن جريج) قلت لعطاء: أقال حتى جئنا المدينة؟ قال: لا)) قال النووي: فيحتمل أنه نسي في وقت فقال: لا، وذكر في وقت فقال: نعم. قال الحافظ: والذي وقع عند البخاري هو المعتمد، فإن أحمد أخرجه في مسنده عن يحيى بن سعيد (أي عن ابن جريج) كذلك، وكذلك أخرجه النسائي عن عمرو بن علي عن يحيى بن سعيد، وقد نبه على اختلاف البخاري ومسلم في هذه اللفظة الحميدي في جمعه وتبعه عياض ولم يذكرا ترجيحًا، وأغفل ذلك شراح البخاري أصلاً فيما وقفت عليه، قال: ثم ليس المراد بقوله ((لا)) نفي الحكم، بل مراده أن جابرًا لم يصرح باستمرار ذلك منهم حتى قدموا، فيكون على هذا معنى قوله في رواية عمرو بن دينار عن عطاء ((كنا نتزود لحوم الهدي إلى المدينة)) أي لتوجهنا إلى المدينة، ولا يلزم من ذلك بقاؤها معهم حتى يصلوا المدينة والله أعلم، لكن قد أخرج
.......................................................................................
ــ
مسلم من حديث ثوبان قال: ذبح النبي صلى الله عليه وسلم أضحيته، ثم قال: لي يا ثوبان أصلح لحم هذه فلم أزل أطعمه منه حتى قدم المدينة – انتهى. قيل: قول الحافظ: بل المراد أن جابرًا لم يصرح باستمرار ذلك. إلخ. معناه جواز البقاء وعدمه في نفس الأمر لا وقوع أحدهما على القطع، ورواية عمرو بن دينار عن عطاء أخرجها الشيخان بلفظ ((كنا نتزود لحوم الأضاحي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة)) قال علي بن المديني: قال سفيان بن عيينة غير مرة: لحوم الهدي يعني أن سفيان كان تارة يقول: لحوم الأضاحي، ومرارًا يقول: لحوم الهدي. والظاهر أن معنى هذه الرواية أنهم كانوا يتزودون لحوم الهدي من مكة فيأكلون منه في سفرهم إلى المدينة فإن بقي منهم شيء أكلوه بالمدينة في الحضر أيضًا كما يستفاد من رواية أحمد عن جابر قال: (أكلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القديد بالمدينة من قديد الأضحى)) يعني قديد هدي يوم الأضحى. ولا مانع من كونهم أهدوا وضحوا وتزودوا من لحمي الهدي والضحية، فإن كان لحم هدي فهو من هدي التطوع الذي يهدى إلى البيت، ومن هدي المتعة، وإن كان لحم ضحية فهو دليل لمن قال: بمشروعية الضحية للحاج، وعلى كل حال فهو يفيد جواز الأكل من هدي التطوع والواجب أي المتعة وادخاره والتزود منه، والله أعلم، هذا وحديث جابر نص في جواز الادخار والأكل من لحوم الهدي والإضحية فوق ثلاث، وهذا يخالف ما رواه مسلم عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نأكل من لحوم نسكنا بعد ثلاث. وفي لفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال فلا تأكلوا، وروى أيضًا عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يأكل أحدكم من لحم إضحيته فوق ثلاث أيام. قال القاضي: اختلف العلماء في الأخذ بهذه الأحاديث فقال قوم: يحرم إمساك لحوم الأضاحي والأكل منها بعد ثلاث وأن حكم التحريم باق كما قاله علي وابن عمر. وقال جماهير العلماء: يباح الأكل والإمساك بعد الثلاث، والنهي منسوخ بحديث جابر وحديث بريدة عند أحمد ومسلم والترمذي وحديث عبد الله بن مسعود عند أحمد وحديث قتادة بن النعمان عند أحمد والطحاوي وغير ذلك من الأحاديث. قال: وهذا من نسخ السنة بالسنة. وقال بعضهم: ليس هو نسخًا بل كان التحريم لعلة، فلما زالت زال التحريم، وتلك العلة هي الدافة، وكانوا منعوا من ذلك في أول الإسلام من أجل الدافة فلما زالت العلة الموجبة لذلك أمرهم أن يأكلوا ويدخروا كما يدل عليه رواية مسلم من حديث مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله بن واقد قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة فقالت: صدق، سمعت عائشة تقول: دف أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادخروا ثلاث ثم تصدقوا بما بقى، فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله! إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويجملون فيها الودك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال: إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت،
...........................................................................................
ــ
فكلوا وادخروا وتصدقوا. والمراد بالدافة هنا من ورد من شعفاء الأعراب للمواساة. وقيل: كان النهي الأول للكراهة لا للتحريم، قال هؤلاء: والكراهية باقية إلى يومنا هذا ولكن لا يحرم، قالوا: ولو وقع مثل تلك العلة اليوم فدفت دافة واساهم الناس وحملوا على هذا مذهب علي وابن عمر. والصحيح نسخ النهي مطلقًا وأنه لم يبق تحريم ولا كراهة، فيباح اليوم الادخار فوق ثلاث والأكل إلى متى شاء لصريح حديث جابر، وحديث بريدة أيضًا يدل على ذلك، فروى مسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ض: نهيتكم عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم. وفي رواية ((فكلوا وتزودوا وادخروا)) قلت: حكى الحازمي في الاعتبار عن علي والزبير وعبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر أنهم قالوا: يحرم الإمساك بلحوم الأضاحي بعد ثلاث وأن حكم التحريم باق. قال: وخالفهم في ذلك جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار ورأوا جواز ذلك وتمسكوا في ذلك بأحاديث تدل على نسخ الحكم الأول، ثم ذكر ما يدل على النسخ من حديث جابر وبريدة وعائشة، وقال ابن قدامة (ج 8: ص 633) يجوز الادخار فوق ثلاث في قول عامة أهل العلم ولم يجزه علي ولا ابن عمر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن ذلك. ولنا قوله صلى الله عليه وسلم: كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم. رواه مسلم. وقال أحمد فيه أسانيد صحاح، فأما علي وابن عمر فلم يبلغهما ترخيص رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كانوا سمعوا النهي فرووا على ما سمعوا – انتهى مختصرًا. وقال الحافظ في الفتح: قال الشافعي: لعل عليًا لم يبلغه النسخ. وقال غيره: يحتمل أن يكون الوقت الذي قال علي فيه ذلك كان بالناس حاجة كما وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك جزم ابن حزم فقال: إنما خطب علي بالمدينة في الوقت الذي كان عثمان حوصر فيه، وكان أهل البوادي قد ألجأتهم الفتنة إلى المدينة فأصابهم الجهد، فلذلك قال علي ما قال، وبنحو ذلك جمع الطحاوي. قال الحافظ: وكذلك يجاب عما أخرج أحمد (في مسند فاطمة (ج 6: ص 282) من طريق أم سليمان قالت: دخلت على عائشة فسألتها عن لحوم الأضاحي، فقالت: قد كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها ثم رخص فيها فقدم علي من سفر فأتته فاطمة بلحم من ضحاياها فقال: أو لم ينه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إنه قد رخص فيها، قالت: فدخل علي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك فقال: كلها من ذي الحجة إلى ذي الحجة. فهذا علي قد اطلع على الرخصة ومع ذلك خطب بالمنع فطريق الجمع ما ذكرته، وقد جزم به الشافعي في الرسالة في آخر باب العلل في الحديث (ص 239 بتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر) فقال ما نصه: فإذا دفت الدافة ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، وإذا لم تدف دافة فالرخصة ثابتة بالأكل والتزود والادخار والصدقة. قال الشافعي: ويحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث منسوخًا في كل حال. قال الحافظ: وبهذا الثاني أخذ المتأخرون من الشافعية، فقال الرافعي: الظاهر أنه لا يحرم اليوم بحال، وتبعه
.......................................................................................
ــ
النووي فقال في شرح المهذب: الصواب المعروف أنه لا يحرم الادخار اليوم بحال، وحكى في شرح مسلم عن جمهور العلماء أنه من نسخ السنة بالسنة قال: والصحيح نسخ النهي مطلقًا وأنه لم يبق تحريم ولا كراهة فيباح اليوم الادخار فوق ثلاث والأكل إلى متى شاء – انتهى. وإنما رجح ذلك لأنه يلزم من القول بالتحريم إذا دفت الدافة إيجاب الإطعام، وقد قامت الأدلة عند الشافعية أنه لا يجب في المال حق سوى الزكاة. ونقل ابن عبد البر ما يوافق ما نقله النووي فقال: لا خلاف بين فقهاء المسلمين في إجازة أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث وأن النهي عن ذلك منسوخ كذا أطلق، وليس بجيد، فقد قال القرطبي: حديث سلمة (الآتي في الفصل الثالث) وعائشة نص على أن المنع كان لعلة فلما ارتفعت ارتفع لارتفاع موجبة فتعين الأخذ به، ويعود الحكم بعود العلة، فلو قدم على أهل بلد ناس محتاجون في زمان الأضحى ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا تعين عليهم ألا يدخروها فوق ثلاث. قال الحافظ: والتقييد بالثلاث واقعة حال وإلا فلو لم تستد الخلة إلا بتفرقة الجميع لزم على هذا التقرير عدم الإمساك ولو ليلة واحدة. وحكى البيهقي عن الشافعي أن النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث كان في الأصل للتنزيه، قال: وهو كالأمر في قوله تعالى: {فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} (22: 36) وقال المهلب: إنه الصحيح لقول عائشة: وليس بعزيمة والله أعلم. فائدة: قال القرطبي: اختلف في أول الثلاث التي كان الادخار فيها جائزًا، فقيل: أولها يوم النحر فمن ضحى فيه جاز له أن يمسك يومين بعده، ومن ضحى بعده أمسك ما بقي له من الثلاثة. وقيل: أولها يوم يضحي فلو ضحى في آخر أيام النحر جاز له أن يمسك ثلاثًا بعدها، ويحتمل أن يأخذ من قوله فوق ثلاث (في حديث عليّ) أن لا يحسب اليوم الذي يقع فيه النحر من الثلاث، وتعتبر الليلة التي تليه وما بعدها، قال الحافظ: ويؤيده ما في حديث جابر ((كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى)) فإن ((ثلاث منى)) تتناول يومًا بعد يوم النحر لأهل النفر الثاني – انتهى. وقال الشوكاني: قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون ابتداء الثلاث من يوم ذبح الأضحية وإن ذبحت بعد يوم النحر ويحتمل أن يكون من يوم النحر وإن تأخر الذبح عنه. قال: وهذا أظهر. ورجح الحافظ ابن القيم الأول. وهذا الخلاف لا يتعلق به فائدة عند من قال بالنسخ إلا باعتبار ما سلف من الاحتجاج بذلك على أن يوم الرابع ليس من أيام الذبح – انتهى. فائدة أخرى: اختلف في أن النهي عن أكل لحوم الأضاحي وادخارها فوق ثلاث في أي سنة كان؟ فقيل كان ذلك سنة خمس من الهجرة كما جزم به صاحب الخميس حيث قال: وفي هذه السنة دفت دافة العرب فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، كذا في الوفاء، ثم رخص لهم في الادخار ما بدا لهم – انتهى. وقيل إن النهي عن ذلك كان في سنة واحدة سنة تسع من الهجرة، والرخصة فيه كانت في حجة الوداع سنة عشر، والدليل على ذلك ما جاء في حديث قتادة بن النعمان عند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في حجة الوداع فقال: إني كنت أمرتكم