الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنهم:
43- يحيى بن يوسف بن يحيى، الصّرصريّ، الفقيه، الحنبليّ
«13»
فقيه أديب، ومحبّ ما مثل حبيبه حبيب. جعل المدائح الشريفة النبويّة- زادها الله شرفا- فري قريحته، ودأب أيامه، في مسائه وصبيحته. ملأ صحائفه بحسناتها، وملأ بطيبها أسماع حداتها، حتى عرف بولوج ذلك الباب، وولوع قلبه بما تتهافت عليه الألباب، وقرّ في كلّ خاطر هيامه بساكن ذلك الحمى، وقيامه في كنف الذي به احتمى. وكان منور البصيرة، وإن أظلم منه البصر، طويل الباع (124) في وصف هواه وإن اقتصر. بان شوقا إلى المحلّ النازح، ويحنّ إلى من حنّت إليه المطيّ الرّوازح. وكان من الفقهاء الحنابلة المبالغين، وقصيدته العينية التي أولها:«1» [الطويل]
تواضع لربّ العرش علّك ترفع
ناطقة، وحلّل الإطناب في محاسنه. هذا إلى ما لا شكّ فيه، ولا ريب في فضله الذي لا يدّعي مكثر أنه يوفّيه، مما كان به من ثوب الصّلاح مرتديا، وإليه من حسن الثواب مهتديا.
وقد وقفت له على مدائح ليست من المشرفات المحمدية، ولا مما تقي نار الخطوب كراماتها الأحمدية. ومن طرره المقوم للتشريف المنظوم في المديح الشريف، قوله:«2» [البسيط]
يا سائق الرّكب لا تعجل فلي أرب
…
فوق الرّواحل حالت دونه الحجب
لعلّ بدر الدّجى يرخي اللّثام لنا
…
عن عارضيه فيشفى الواله الوصب
ماذا على ظاعن شطّ المزار به
…
لو أنّه في الدّجى يدنو ويقترب
أحبابنا إن تكن أيدي النّوى عبثت
…
بشملنا فهو بالتفريق منتهب
فإنّ حبّكم وسط الحشاشة لا
…
تناله غير الأيام والنّوب
هلّا عطفتم على صبّ بكم فعلت
…
به سطا البين مالا تفعل القضب «1»
فؤاده نازح مستأنس بكم
…
وجسمه وهو بين الأهل مغترب
ما هبّ من نحوكم في الصّبح نشر صبا
…
إلا وهزّ إليكم عطفه الطّرب
ولا ترنّم قمريّ على فنن
…
إلا وظلّ من الأشواق ينتحب
يحنّ نحو الحمى إذ تنزلون به
…
وليس بينهما لو لاكم نسب
وإن جرى ذكر سلع في مسامعه
…
فإنه لدواعي وجده سبب
سحّت غمائم أنوار المزيد على
…
قبابه البيض سحّا دونه السّحب «2»
فهي الشّفاء لأسقامي وساكنها
…
هو الحبيب الذي أبغي وأطّلب
يا ناقتي لا تغشّاك الضّلال ولا
…
مسّ القوائم منك الأين والنّصب
سيري إلى أن تحلّي ربع أفضل من
…
في الأرض شدّ إلى أقطاره القتب
محمد خير مبعوث بمرحمة
…
من خير بيت عليه أجمع العرب
(125)
عف كريم السجايا من سلالة إب
…
راهيم أكرم خلق الله منتجب
مهذّب طاهر طابت أرومته
…
وطاب بين الورى أمّ له وأب
به هدى الله قوما صدّهم سفها
…
عن الهدى الخمر والأزلام والنّصب «3»
أتاهم بكتاب صدّق الصّحف ال
…
أولى كما صدّقت آياته الكتب
فأخرج الناس من ليل الضّلال به
…
إلى صباح رشاد ليس يحتجب
دعا إلى الله ربّ العرش وهو على
…
بصيرة لا يغطّي نورها الرّيب
وقوله: «1» [الخفيف]
لو وفى مولع بليّ العدات
…
لم تخنّي الدموع بين العداة
ناظر بالبكاء أضحى حسيرا
…
وحشا تنطوي على الحسرات
أتمنّى أرض الحجاز ودوني
…
حاجز من صوارف النائبات
كلّما أهدت النسيم عبيرا
…
من رباها أجود بالعبرات
آه للبارق التّهاميّ أذكى
…
لي على أبرق الحمى زفراتي
طال شوقي إلى منازل فيها
…
يقصر الهمّ مثل قصر الصلاة
فوق خوص تفري جيوب الدياجي
…
باجتياب المهامه المقفرات
طالبات البرّ في قطعها البر
…
رو فلي البيداء والفلوات «2»
فهي في الآل كالأجادل تهوي
…
بل ترى كالمجادل المشرفات
وإذا ما ونت تعرّض حادي
…
ها بذكر الحمى غدت طائرات «3»
فهي تطوي صعب الفلاة بأسرا
…
ر الهوى لا بطيبة النغمات
وعليها شعث النّواصي تواصوا
…
في سبيل الهدى بحسن الثبات
وأجدّوا بمسجد الخيف عهدا
…
وأقاموا للرمي بالجمرات
ثمّ حلّت بأرض طيبة ربعا
…
فيه أضحت معادن الطيّبات
النبيّ الهادي البشير أبو القا
…
سم ذو البيّنات والمعجزات
وقوله: «4» [الكامل]
(126)
لي بين سلع والعقيق عهود
…
بلي الشّباب وذكرهنّ جديد «1»
أيّام أرفل في جلابيب الصّبا
…
وعليّ من خلع الوصال برود
كلّ الليالي للمحبّ بجوّه
…
ليل التمام وكلّ يوم عيد
إنّ امرأ يمسي ويصبح عاكفا
…
بجنابه العطر الثّرى لسعيد
تدنيه بالآمال أحلام الكرى
…
منّي وإنّ مزاره لبعيد
إن متّ من شغفي به وصبابتي
…
فقتيل أسياف الفراق شهيد
كيف اللّقاء ودون من أحببته
…
وعر الحجاز ومن تهامة بيد
وقوله: «2» [الخفيف]
يا ولاة الفلا ذميلا ووخدا
…
كيف خلّفتم العذيب ونجدا «3»
هل جرى بعدنا النسيم مريضا
…
في ثراه فهزّبانا ورندا
أم كست من رباه أيدي الغوادي
…
كلّ عطف من الأزاهير بردا «4»
خبّروني كيف الحجاز وهل مر
…
رت بأعلامه الرّكائب تحدا «5»
وقوله: «6» [البسيط]
ماذا أثار بقلبي السّائق الغرد
…
لما انبرت عيسه نحو الحمى تخد «7»
وددت لو أنني أصبحت متّبعا
…
آثارها أرد الماء الذي ترد
أهوى الحجاز ولولا ساكنوه لما
…
حلا بنجد لي التّهجير والنّجد
ولا اطّباني برق في أبارقه
…
كأنه صارم في متنه ربد «1»
هل من سبيل إلى ذات السّتور ولو
…
أنّ الظّبا والقنا من دونها رصد «2»
ففي هواها قليل أن يطلّ دمي
…
وكم لها من قتيل ما له قود
وبالعقيق حبيب لو بذلت له
…
روحي لكان يسيرا في الذي أجد
وقوله: «3» [الكامل]
ذكر العقيق فهاجه تذكاره
…
صب عن الأحباب شطّ مزاره
وهفت إلى سلع نوازع قلبه
…
فتصرّمت بين الجوانح ناره
(127)
شغفا بمن ملك الفؤاد بأسره
…
وبودّه أن لا يفكّ إساره
يا من ثوى بين الجوانح والحشا
…
مني وإن بعدت عليّ دياره
عطفا على قلب بحبّك هائم
…
إن لم تصله تقطّعت أعشاره «4»
وارحم كئيبا فيك يقضي نحبه
…
أسفا عليك وما انقضت أوطاره
ما اعتاض من سمر الحمى ظلّا ولا
…
طابت بغير حديثكم أسماره «5»
هل عائد زمن تضوّع نشره
…
أرجا ورقّت بالرّضى أشجاره «6»
يحمي النّزيل وكيف لا يحمي وقد
…
حفّت بجاه المصطفى أقطاره
وقوله: «7» [الكامل]
سلوان مثلك للمحبّ عزيز
…
وعليك لوم الصّبّ ليس يجوز
قلبي ذلول في هواك ومسمعي
…
فله عن اللّوّام فيك نشوز
يا من شأى بجماله شمس الضّحى
…
ولقدّه دان القنا المهزوز
هل للمتيّم في وصالك مطمع
…
فلعلّه بالقرب منك يفوز
أنا عبدك الرّاضي برقّي فارضني
…
عبدا فلي في ذلك التمييز
لا عار يلحق في هواك لعاشق
…
ومحبّ غيرك عرضه مغموز «1»
لا أدّعي فيك الغرام مغمغما
…
في مثل حبّك يكشف المرموز
نظم القريض بمدح غيرك نقده
…
زيف ونظم مديحك الإبريز «2»
كلّ العروض بحسن مدحك كامل
…
يحلو به المقصور والمهموز
وقوله: «3» [الكامل]
إن بان من تهوى وأنت مثبّط
…
وصبرت لا تبكي فأنت مفرّط
فاحلل عقود الدّمع في دار الهوى
…
فلها البكاء عليك حقّ يشرط «4»
طلّ الدموع على ثرى الأطلال في
…
شرع الغرام فريضة لا تسقط
دار علقت بها وفودك فاحم
…
أفتنثني عنها ورأسك أشمط
كيف التّسلّي عن هوى بدر له
…
في القلب منّي منزل متوسّط «5»
(128)
وقوله: «6» [الكامل]
لوم المحبّ عليك ليس يسوغ
…
فلم العذول عن الصّواب يروغ
يتجرّع المشتاق فيك تستّرا
…
غصص الملام ولا يكاد يسيغ
وقوله: «1» [الوافر]
دموع العين موعدك الفراق
…
هنالك ما خزنت أسى يراق «2»
أيا ركب الحجاز هديت رفقا
…
بقلب هائم معكم يساق
عجبت له يحلّ بذات عرق
…
بهمّته ومنزله العراق
ويسكن أرض نعمان اشتياقا
…
ولم تشعر بمسراه النياق
وقوله: «3» [الكامل]
من غير سنّة حبّهم خذ واترك
…
وسوى طريقهم تعدّ أو اسلك
واصبر على فتكات صارم حبّهم
…
لا فخر للهنديّ إن لم يفتك
والبس بهم ثوب النّحول فإنّه
…
لا يخلص الإبريز إن لم يسبك
شرف القلوب دخولها في رقّه
…
والعبد يحوي الفخر بالمتملّك «4»
وقوله: «5» [البسيط]
ركب الحجاز ومنك الخير مأمول
…
هل عندك اليوم للمشتاق تنويل
هل ربّة السّتر بعد النّأي دانية
…
أم حبلها بعد طول القطع موصول
أم هل تحلّ مطايانا بساحتها
…
وربعها الرّحب بالأحباب مأهول «6»