المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌61- عبد العزيز بن سرايا الحلي، أبو الفضل، صفي الدين - مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - جـ ١٦

[ابن فضل الله العمري]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء السادس عشر

- ‌[شعراء العصر العباسى الثانى]

- ‌تقديم (1)

- ‌1- الأديب أبو محمد الحسن بن أحمد حكّينا البغداديّ

- ‌2- أبو عبد الله محمد بن مبارك بن عليّ بن جارية القصّار، البغداديّ

- ‌3- القاضي أبو عمرو، يحيى بن صاعد بن سيّار الهرويّ، قاضي قضاة هراة

- ‌4- أبو عبد الله النّقّاش، عيسى بن هبة الله البزّاز البغدادي

- ‌5- أبو المظفّر، أسامة بن مرشد بن عليّ بن مقلد بن نصر بن منقذ، الكنانيّ الكلبيّ الشيزريّ، مؤيّد الدولة

- ‌6- أخوه أبو الحسن

- ‌7- أبو الحسن عليّ بن مقلد

- ‌8- أبو سلامة، مرشد بن عليّ بن مقلد

- ‌9- حميد بن مالك بن مغيث بن نصر بن منقذ بن محمد بن منقذ بن نصر بن هاشم، أبو الغنائم

- ‌10- أبو الفضل، إسماعيل بن أبي العلاء

- ‌11- أبو الفتح يحيى بن سلطان بن منقذ

- ‌12- أبو مرهف، نصر بن علي بن مقلد

- ‌13- أبو الفوارس، مرهف بن أسامة بن مرشد بن عليّ بن مقلد بن نصر بن منقذ، عضد الدّولة

- ‌14- القاضي أبو غانم عبد الرزاق بن أبي حصين

- ‌15- أبو العلاء بن أبي الندى

- ‌16- محمد بن حيدر البغدادي

- ‌17- أبو الفتح، محمد بن عبد الله، سبط ابن التعاويذي

- ‌18- أبو الغنائم، محمد بن عليّ بن المعلّم الواسطيّ

- ‌19- عمارة بن عليّ بن زيدان الحكمي

- ‌20- ابن الساعاتي، عليّ بن رستم، بهاء الدين، أبو الكرم الخراساني

- ‌21- شرف الدين، أبو المحاسن، نصر الله بن عنين، الدمشقيّ

- ‌22- إسحاق بن أبي البقاء، يونس بن عليّ بن يونس، فتح الدين، أبو محمد

- ‌23- عون الدين، سليمان بن عبد المجيد بن الحسن بن عبد الله بن الحسن بن العجمي

- ‌24- محيي الدين بن زيلاق الموصليّ. وهو أبو العزيز يوسف بن يوسف بن يوسف بن سلامة، العباسيّ

- ‌25- أبو بكر بن عدي بن الهيذام الموصلي

- ‌26- أحمد بن محمّد بن الوفا، ابن الحلاوي، الربعيّ الموصليّ

- ‌27- مجد الدّين بن الظّهير

- ‌28- الجلال ابن الصفّار الدنيسري

- ‌29- يوسف بن بركة بن سالم الشيبانيّ، التلعفريّ

- ‌30- نجم الدين القمراوي

- ‌31- فتيان الشاغوري

- ‌32- عبد الرحمن بن عوض بن محبوب، الكلبيّ، المعرّيّ، عفيف الدين التلمسانيّ، أبو البركات

- ‌33- محمد بن سوار بن إسرائيل بن الخضر بن إسرائيل بن محمّد بن الحسن بن الحسين، الدمشقيّ

- ‌34- عليّ بن يحيى البطريق، البغداديّ، الحليّ

- ‌35- ابن نجم الموصلي، شرف الدين

- ‌36- أيدمر المحيوي، فخر التّرك، أبو شجاع

- ‌37- ابن عربي، سعد الدين الدمشقي

- ‌38- أبو عبد الله الكردي

- ‌39- جمال الدّين، يوسف بن البدر لؤلؤ، الذهبيّ

- ‌40- محمد بن محمد بن إبراهيم بن الخضر، الطبريّ*

- ‌41- نور الدين الأسعرديّ

- ‌42- جمال الدين بن خطلخ، الأمويّ

- ‌43- يحيى بن يوسف بن يحيى، الصّرصريّ، الفقيه، الحنبليّ

- ‌44- الحسام الحاجريّ

- ‌45- ابن تميم

- ‌46- الأمير السليمانيّ

- ‌47- الحسام الأحدب، وهو أبو العوف، منقذ بن سالم بن منقذ بن رافع بن جميل بن منير بن مزروع المخزومي

- ‌48- عبد الله بن عمر بن نصر الله الأنصاري، أبو محمد، موفّق

- ‌49- يوسف بن أحمد بن محمود، الأسديّ، أبو العزّ وأبو المحاسن، جمال الدين. عرف بابن الطّحان

- ‌50- جوبان القوّاس

- ‌51- محمد بن العفيف، سليمان بن علي بن عبد الله بن علي، التلمسانيّ، أبو عبد الله، شمس الدين

- ‌52- عمرو بن مسعود بن عمرو الكتّاني

- ‌53- علي بن المظفر الكندي الوداعي

- ‌54- أحمد بن أبي المحاسن، يعقوب بن إبراهيم بن أبي نصر

- ‌55- محمد بن محمد بن محمود أبو عبد الله، شهاب الدين

- ‌56- محفوظ العراقي، رشيد الدين

- ‌57- محمد بن سبط الحافظ، شمس الدين

- ‌58- محمد بن سباع الصائغ، الدمشقي، أبو يوسف، شمس الدين

- ‌59- عبد المجير، أحمد بن الحسين الخياط، مجير الدين

- ‌60- أحمد بن محمد بن سلمان بن حمائل، شهاب الدين، أبو جعفر

- ‌61- عبد العزيز بن سرايا الحلّي، أبو الفضل، صفيّ الدين

- ‌62- محمد بن يوسف بن عبد الله بن عبد الرحمن الحنفي

- ‌63- حسن بن علي العزّي

- ‌64- ألطنبغا العلمي الجاولي، أبو جعفر، علاء الدين

- ‌65- سليمان بن داود بن سليمان بن محمّد بن عبد الحقّ، الحنفيّ، أبو الربيع، صدر الدين

- ‌66- سليمان بن أبي داود

- ‌67- يحيى بن محمّد بن زكريا، العامريّ

- ‌68- محمّد بن عليّ، الحمويّ

- ‌69- عمر بن المظفّر بن عمر بن محمّد بن أبي الفوارس بن عليّ، الورديّ، أبو حفص، زين الدين

- ‌المصادر والمراجع

- ‌المحتوى

الفصل: ‌61- عبد العزيز بن سرايا الحلي، أبو الفضل، صفي الدين

لهم الدهر عشاياه، وصاد ورقهم الساجعة، بازيّ الحمام المطل، وشبرق ثوب الشفق بدمهم سبع منونهم المطل، وها هم الآن كما رأيتهم أرواحا، يتصوّر بالتمثيل عيانهم، وتفضّ من مدارج الصحف أكفانهم.

وها أنا الآن أذكر من بقي من شعراء الجانب الشرقي ممن هو حي موجود، هم على آثار سبقهم مجدون، ولسلف موتاهم ممدون، وما نحن إلا مثلهم، غير أننا أنخنا قليلا بعدهم وتقدموا. فنسأل الله أن يكشف غطاء قلوبنا، ويرشدنا لما فيه صلاح أمورنا، إنه هو أهل التقوى وأهل المغفرة.

فأمّا من وعدت بذكرهم من الأحياء الموجودين، فأقول وبالله التوفيق:

ومنهم:

‌61- عبد العزيز بن سرايا الحلّي، أبو الفضل، صفيّ الدين

«13»

التاجر، ملء فكيه لسان، وحشو لحييه إحسان، وبين جنبيه بحر إلا أنه إنسان، ولا بس برديه شاعر ولكنه حسّان. وزن به بلديّه الحلي فخفّ راجح، وقرن به سلم فسلّم أن الخاسر غير رابح. لو نازع الحكميّ لحكم له عليه من أجمع، أو السّلميّ لعلم من منهما أشجع. وله شرف نفس يرى الجوزاء دون مرامه، والبدر أقلّ من تمامه. أخذ ثأر خاله وقد قتل قهرا بيده، وابتزّ دمه من مخالب الأسود قسرا بمهنده، ولم ينفق سوقه على السوق، ولا لبس عقائله إلا الحرير وحاشاه من السوق. ولم يتخذ من الشّعر سببا، ولا علق لأطماعه (226) بأوتاد طينا، ولا رضي لفواضله من فواصله مكسب، إلا ما جاء من عفو إنعام الملوك هنيئا بلا

ص: 321

تعب، وهنيّا لم يستصعب. أو ما سامح به من حقوق متجره، ويصالح به على مالا يقوّم من جوهره. ووفد على سلطاننا متشرّفا بمدحه، تشوّفا إلى منحه، فأقبل عليه بفضله ووصله، ملء حقيبة رحله. ثم عاد إلى ماردين، مصاحبا لملوكها الكرام، مواظبا لهم دون سائر الندماء. وتردد إلى حماة، أيام الملك المؤيد عماد الدين، أبي الفداء إسماعيل، ثم أيام ابنه الأفضل. وما منهما إلا من كان يعدّ لوفوده الليالي، ويعدّ لوروده الذهب ثمنا للآلي. وهو اليوم باق يمتاح، وحي إليه كلّ قلب حيّ يرتاح. ومن شعره الغرد، وسلسله المطّرد قوله:«1» [الكامل]

لولاك ما نافقت أهل مودّتي

وظللت فيك نفيس عمري أنفق

وصحبت قوما لست من نظرائهم

فكأنّني في الطّرس سطر ملحّق

وقوله: «2» [الكامل]

وأغرّ أدهم ذي حجول أربع

مبيضّها يزهو على مسودّه «3»

خلع الصّباح عليه سائل غرّة

منه، وقمّصه الظّلام بجلده

قلق المراح، فإن تلاطم خطوه

ظنّ المطارد أنّه في مهده

أرمي الحصى من حافريه بمثله

وأروع ضوء الصّبح منه بضدّه

وقوله: «4» [الكامل]

ص: 322

عاتبته، فتضرّجت وجناته

وازور ألحاظا وقطّب حاجبا

فأرابني الخدّ الكليم وطرفه

ذو النّون إذ ذهب الغداة مغاضبا «5»

لا غرو إن وهب النّواظر حظوة

من نوره ودعاه قلبي ناهبا «6»

فمواهب السّلطان قد كست الورى

نعما وتدعوه القساور سالبا

ملك يرى تعب المكارم راحة

ويعدّ راحات القراع متاعبا

لم تخل أرض من ثناه وإن خلت

من ذكره ملئت قنا وقواضبا

(227)

ترجى مواهبه ويرهب بطشه

مثل الزّمان مسالما ومحاربا

كالسّيل يحمد منه عذبا واصلا

ويعدّه قوم عذابا واصبا «1»

فإذا نظرت ندى يديه ورأيه

لم تلف إلّا صائبا أو صائبا «2»

وقوله: «3» [الرمل]

شام برق الشّام صبحا، فصبا

وترآه عشاء فعشا

لاح واللّيل به مكتهل

وجنين الصّبح حمل في الحشا

وهلال الأفق يحكي قوسه

جانب المرآة يبدو من غشا

وحكى المرّيخ في صبغته

خدّ محبوب بلحظ خدشا

وسهيل مثل قلب خافق

مكّن الرّعب به فارتعشا

والثّريّا سبعة قد أشبهت

شكل لحيان بتخت نقشا

ووميض غادرت غرّته

أدهم اللّيل صباحا أبرشا

ص: 323

وقوله: «4» [البسيط]

والرّيح تجري رخاء فوق بحرتها

وماؤها مطلق في زيّ مأسور

قد جمّعت جمع تصحيح جوانبها

والماء يجمع فيها جمع تكسير

والرّيح ترقم في أمواجها شبكا

والغيم يرسم أنواع التّصاوير «5»

والماء ما بين مصروف وممتنع

والظّلّ ما بين ممدود ومقصور

والرّيح قد أطلقت فضل العنان به

والغصن ما بين تقديم وتأخير

والنّرجس الغضّ لم تغضض نواظره

فزهره بين منفض ومزرور

كأنّه ذهب من فوق أعمدة

من الزّمرّد في أوراق كافور

والأقحوان زها بين البهار بها

شبه الدّراهم ما بين الدّنانير

وزامر القوم يطوينا وينشرنا

بالنّفخ في النّاي لا بالنّفخ في الصّور

وقد ترنّم شاد صوته غرد

كأنّه ناطق من حلق شحرور

بشامخ الأنف قوّام على قدم

يشكو الصّبابة عن أنفاس مهجور

(228)

شكت إلى الصّحب أحشاه وأضلعه

قرض المقاريض أو نشر المناشير «1»

والراقصات وقد مالت ذوائبها

على خصور كأوساط الزّنانير

كأنّ في الشّيز يمناها إذا ضربت

صبحا تقلقل فيه قلب ديجور «2»

ترعى الضّروب بكفّيها وأرجلها

وتحفظ الأصل من نقص وتغيير

وتعرب الرّقص من لحن فتلحقه

ما يلحق النّحو من حذف وتقدير

وحامل الكأس ساجي الطّرف ذو هيف

صاحي اللّواحظ يثني عطف مخمور

يدير راحا يشبّ المزج جذوتها

فلا يزيد لظاها غير تسعير

نارا بدت لكليم الوجد آنسها

من جانب الكأس لا من جانب الطّور

وللأبارق عند المزج لجلجة

كنطق مرتبك الألفاظ مذعور

ص: 324

كأنّها وهي في الأكواب ساكبة

طير تزقّ فراخا بالمناقير

أقول والرّاح قد أبدت فواقعها

والكأس ينفث فيها نفث مصدور

أسأت يا مازج الكاسات حليتها

وهل يتوّج ياقوت ببلّور

وقائل إذ رأى الجنّات عالية

والحور مقصورة بين المقاصير

لمن ترى الملك بعد الله؟ قلت له

مقال منبسط الآمال مسرور

لصاحب التّاج والقصر المشيد ومن

أتى بعدل برحب الأرض منشور

فقال: تعني به كسرى؟ فقلت له:

كسرى بن أرتق لا كسرى بن سابور

لا تفخر الشّمس إلّا أنّها لقب

له، وشبه له في العزّ والنّور

رأت بنو أرتق نهج الرّشاد به

وليس كلّ زناد في الدّجى يوري

كم عصبة مذبدا سوء الخلاف بها

بادت بصارم عزم منه مشهور

مشوا كمشي القطا، حتى إذا حملوا

ثقل القيود مشوا مشي العصافير

إن كان بالجوسق النّعمان ساد، فكم

من جوسق لك بالشّعبين معمور «1»

في كلّ مستصعب الأرجاء ممتنع

تبنى القناطير فيه بالقناطير

لا أدّعي العذر عن تأخير قصدكم

ليس المحبّ على بعد بمعذور

(229)

بل إن غدا طول بعدي عن جنابكم

ذنبي العظيم فهذا المدح تكفيري

فاستجل بكر قريض لا صداق لها

سوى القبول وودّ غير مكفور

على (أبي الطيّب) الكوفيّ مفخرها

إذ لم أضع مسكها في مثل (كافور)

رقّت لتعرب عن رقّي لمجدكم

حبّا وطالت لتمحو ذنب تقصيري

وقوله: «2» [الكامل]

ص: 325

يا من يعير الغصن لين قوامه

ويغير بدر التّمّ عند كماله

ما حلّت الواشون ما عقد الهوى

تفنى الليالي والغرام بحاله

وقوله: «7» [الكامل]

زوّجت أبكار الظّبا بنفوسهم

وجعلت أطراف الرماح شهودا

كفروا فآمنت الرءوس لأنها

خرّت لسيفك ركّعا وسجودا

وجرت على الخيل الدماء مذالة

فكأنما كسيت بهنّ جلودا

بقساور قلّت عديدا في الوغى

ومن الشجاعة أن تقلّ عديدا «1»

رفضوا الدروع عن الجسوم وأسبغوا

فوق الجسوم من القلوب حديدا

وقوله: «2» [الوافر]

ومجلسنا الأنيق تضيء فيه

أواني الرّاح من ورق وعين

فأطلقنا فم الإبريق فيه

وبات الزّقّ مغلول اليدين

وشمعتنا شبيه سنان تبر

تركّب في قناة من لجين

ونحن نزفّ أعياد النّصارى

بشطّ محوّل والرّقمتين «3»

نوحّد راحنا من شرك ماء،

ونولع في الهوى بالمذهبين

وورد كالمداهن من عقيق

وقدّاح كأزرار اللّجين «4»

وقوله: «5» [الطويل]

وبكر فلاة لم تخف وطء طامث

ولا افتضّها من قبل مهري ناكح

كشفت خمار الصّون عن حرّ وجهها

ضحى، ولثام الصّبح في الشرق طائح

(230)

وأنكحتها يقظان من نسل لاحق

فأمست به مع عقمها وهي لاقح

من الشّهب في إدراكه الشّهب طامع

فناظره نحو الكواكب طامح

أخوض به بحر الدّجى وهو راكد

وأورده حوض الضّحى وهو طافح «6»

ص: 326

وقوله: «1» [الكامل]

أهلا بها كالقضب في كثبانها

جعلت شواظ النّار من تيجانها

باحت أسرّة وجهها بسرائر

ضاقت صدور النّاس عن كتمانها

وقوله: «2» [السريع]

أهلا بشهب عند إشراقها

يحكي الدّجى من نورها الواضح «3»

ينضب بحر اللّيل إذ تغتدي

ناهلة من لجّه الطّافح

كأنّما إيماضها عزمة

من عزمات الملك الصّالح

وقوله: «4» [الخفيف]

يا ضعيف الجفون أضعفت قلبا

كان قبل الهوى قويّا مليّا

لا تحارب بناظريك فؤادي

فضعيفان يغلبان قويّا

وقوله: «5» [السريع]

ما زال كحل النّوم في ناظري

من قبل إعراضك والبين

حتى سرقت الغمض من مقلتي

يا سارق الكحل من العين

وقوله: «6» [الوافر]

ص: 327

تنبّأ فيك قلبي فاسترابت

به قوم وعمّهم الضّلال

وصدّهم الهوى أن يؤمنوا بي

وقالوا: إن معجزه محال

فمذ سلّمت سلّمت البرايا

إليّ، وقيل: كلّمه الغزال

وقوله: [السريع]

وربّ ليل خضت تيّاره

بأدهم يسبق جري الرّياح

محجّل الأربع ذي غرّة

ميمونة الطّلعة ذات اتّضاح

كأنّه قد شقّ بحر الدّجى

وبعده خاض غدير الصّباح

(231)

لم تعلم الأبصار في جريه

قادمة خفّت به أم جناح

وقوله: «1» [الوافر]

لحى الله الطّبيب لقد تعدّى

وجاء لقلع ضرسك بالمحال

أعاق الظّبي في كلتا يديه

وسلّط كلبتين على غزال

وقوله: «2» [السريع]

قلوبنا مودعة عندكم

أمانة يعجز عن حملها

إن لم تصونوها بإحسانكم

ردّوا الأمانات إلى أهلها «3»

وقوله: «4» [الوافر]

لعمرك ما تجافى الطّيف جفني

لفقد الغمض إذ شطّ المزار «5»

ص: 328

ولكن زارني من غير وعد

على عجل فلم ير ما يزار

وقوله: «1» [مجزوء الكامل]

عاتبت من أهواه في

هجري وأكثرت الملامه

فأجابني: أقللت حب

بك لي فأبديت الجهامه

فأجبت: إنّ كرامتي

فرض عليك إلى القيامه

فأجابني: من لا له

حبّ فليس له كرامه «2»

وقوله: «3» [الوافر]

وساق من بني الأتراك طفل

أتيه به على جمع الرّفاق

أملّكه قيادي وهو رقّي

وأفديه بعيني وهو ساقي

وقوله: «4» [الوافر]

خفيّ الكيد تعرفه المنايا

إذا ما أنكر السّيف النّجادا

ترى الأسياف قد مطرت نجيعا

إذا أوداجه قطرت مدادا

وقوله: «5» [المتقارب]

ولا تطلبوا ما بأيدي الأنام

تصيروا بذلك أعداءهم

(232)

لذلك قد قال رب العباد

ولا تسألوا الناس أشياءهم

وقوله: «6» [الكامل]

ص: 329

قال العذول: لم اعتزلت عن الورى

وأقمت نفسك في المقام الأوهن «1»

ناديت طالب راحة، فأجابني

أتعبتها بطلاب ما لم يمكن

وقوله: «2» [الكامل]

اسمع مخاطبة الجليس ولا تكن

عجلا بنطقك قبلما تتفهّم

لم تعط مع أذنيك نطقا واحدا

إلّا لتسمع ضعف ما تتكلّم

وقوله: «3» [السريع]

أنا الذي خالفت كلّ الورى

في خبر أثبته الوقت

لما أتاني عمر زائرا

أنمته ثمّ تنبّهت

وقوله: «4» [الخفيف]

ومليح له رقيب قبيح

يتعنّى وغيره يتهنّى

وليس فيه معنى يقال ولكن

هو عند النحاة جاء لمعنى

وقوله: «5» [الوافر]

عرضنا أنفسا عزّت لدينا

عليكم فاستخفّ بها الهوان

ولو أنّا دفعناها لعزّت

ولكن كلّ مجلوب مهان

وقوله: «6» [الوافر]

ص: 330

ويظهر منك زور وازورار

فلي في عود صحبته الخيار

أتهجرني وما أسلفت ذنبا

إذا اختلّ الخليل لغير ذنب

قلت: انظر إلى هذا الشعر ما أظرفه، وما أرقّ مزاج كأسه وألطفه. ولقد أحسن إذ قال: فلي في عود صحبته الخيار. إذ كان لا يعرف ما يلجأ إليه وقت الاضطرار، فإن المرء قد يهون عليه قدر البلوى قبل وقوعها، ثم لا يجدها من نفسه إذا وقعت. ولقد تطارف في قوله:«1» [الوافر]

(233)

إذا صدّ الحبيب لغير ذنب

وقاطعني وأعرض عن وصالي

أمثّله وأنكح عند صلحي

بأير الفكر في ثقب الخيال

وقوله: «2» [الطويل]

تزوّج شيخ في جواري صبيّة

فلم يستطع غشيانها حين جاءها

ولو أنني بادرتها لتركتها

يرى قائم من دونها ما وراءها

وقوله في رجل اسمه أحمد، كان يرمى بابنة، وهو يدّعي حبّ غلام اسمه عمر:«3» [المتقارب]

توالت على أحمد ابنة

فأقبل يشكو إليّ الألم

فقلت له: إنها فتنة

فنبّه له فتنة ثم نم

وقوله في غلام اسمه لؤلؤ: «4» [الكامل]

ص: 331

وصفوك عندي بالجواد فلم أزل

متعجّبا حتّى رأيتك تركب

وعجبت إذ سمّتك أمّك لؤلؤا

فكأنها علمت بأنك تثقب

وقوله: «1» [الكامل]

وبه الجواري المنشآت كأنّها

أعلام بيد أو فروع قنان

نهضت بأجنحة القلوع كأنّها

عند المسير تهمّ بالطّيران

والماء يسرع في التّدفّق كلّما

عجلت عليه يد النّسيم الواني

طورا كأسنمة القلاص وتارة

متفتّل كأكارع الغزلان

ومنه قوله: [الكامل]

نسج الغبار على الجياد مدارعا

موصولة بمدارع الفرسان

ودما بأذيال الدروع كأنّه

حول الغدير شقائق النّعمان «2»

وفلك حدّ جموعهم بصوارم

ككراك نافرة عن الأجفان

وقوله: «3» [الخفيف]

قيل إنّ العقيق يبطل السّح

ر تختيمه لسر حقيقي «4»

فأرى مقلتيك تنفث سحرا

وعلى فيك خاتم من عقيق

(234)

وقوله: «5» [مخلع البسيط]

ص: 332

ورنّح الرّقص منه عطفا

حفّ به اللطف والدخول

فعطفه داخل خفيف

وردفه خارج ثقيل

وقوله: «1» [الخفيف]

حرّضوني على السلوّ وعابوا

لك وجها به يعاب البدر

حاش لله ما لعذري وجه

في التّسلّي ولا لوجهك عذر

وقوله: «2» [البسيط]

وقهوة كوميض البرق صافية

كأنّها من أديم الشّمس قد رشحت

رقيقة الجرم يستخفي الزّجاج بها

كأنّها دون جرم الكأس قد سفحت

باكرتها وعيون الشّهب قد غمضت

خوف الصّباح وعين الشمس قد فتحت

وبشّرت بوفاة اللّيل ساجعة

كأنّها في غدير الصّبح قد سبحت

مخضوبة الكفّ لا تنفكّ نائحة

كأنّ أفراخها في كفّها ذبحت

ومنها قوله:

تلوي يداه صفاح الهند عن غضب

حتى إذا ظفرت عن قدرة صفحت

ما إن تزال مقاليتا خزائنه

لأنّها بوليد المال ما فرحت

أثنت عليه بنو الآمال حين غدا

يعطي القرائح منهم فوق ما اقترحت «3»

ص: 333

قالوا: وردنا نداه، قلت: عادته

قالوا: وجادت يداه، قلت: ما برحت

وله في طلب ثأر خاله صفي الدين محاسن بن محاسن أشعار تحرّك بها القرائح، وتحرض على جمع ذلك الدم الطائح. وسآتي على بعض ينبئ عن الكل، ويظهر الكثر منه بالقل، وإن لم يكن كلّ ما أورد منها نادرا من شرط الاختيار، لتعلق بعض الساقط بالمختار، على أنه ليس في شعره ساقط، ولا في نجومه هابط.

فمنها قوله يخاطب أحد أعمامه عقيب واقعة جرت لهم بالعراق، وأجرت كلّ دم مهراق، وهو:«1» [البسيط]

(235)

ما دام وعد الأماني غير منتجز

فطول مكثك منسوب إلى العجز

هذي المغانم فامدد كفّ منتهب

وفرصة الدّهر فاسبق سبق منتهز

واغز العدى قبل تغزونا جيوشهم

إنّ الشّجاع إذا ملّ الغزاة غزي

والق العدوّ بجأش غير محترس

من المنايا وجيش غير محترز

ما عذرنا وبنو الأعمام ليس بهم

نقص ولا في صفاح الهند من عوز «2»

وكلّ ذي صمم في كفّ ذي همم

وكلّ ذي ميس في كفّ ذي ميز

فاقمع بنا الضّدّ ما دامت أوامرنا

مطاعة، ومعالينا على نشز

إنّ الولاية ثوب قد خصصت به

جاءت كفافا فلم تفضل ولم تعز

ومنها ما كتبه إلى بعض الأصحاب يعتبه لتأخره عن المساعدة، وهو قوله:«3» [السريع]

ص: 334

وعدت جميلا وأخلفته

وذلك بالحرّ لا يجمل

وقلت بأنّك لي ناصر

إذا قابل الجحفل الجحفل

وكم قد نصرتك في معرك

تحطّم فيه القنا الذّبّل

بذا يتفاوت قدر الرّجا

ل فتعلم أيّهم الأكمل

كما قاله الصّقر في عزّة

به حين فاخره البلبل

وقال: أراك جليس الملو

ك ومن فوق أيديهم تحمل

وأنت كما علموا أخرس

وعن بعض ما قلته تنكل

وأحبس مع أنّني ناطق

وحالي عندهم مهمل «1»

فقال: صدقت ولكنّهم

بذاك دروا أنّني الأفضل

لأنّي فعلت وما قلت قطّ

وأنت تقول، ولا تفعل

ومنها قوله، وقد أخذ بثأره، وتقاضاه ببتّاره، وبرد غليله بأخذ دمه، وتخليق صدر السيف بعندمه، وانطفأ لاعج أواره، وسكن قلق جهد ولم يواره، وهو:«2» [البسيط]

(236)

سل الرّماح العوالي عن معالينا

واستشهد البيض هل خاب الرّجا فينا

وسائل العرب والأتراك ما فعلت

في أرض قبر عبيد الله أيدينا

لمّا سعينا فما رقّت عزائمنا

عمّا نروم ولا خابت مساعينا

يا يوم وقعة زوراء العراق وقد

دنّا الأعادي كما كانوا يدينونا

بضمّر ما ربطناها مسوّمة

إلّا لنغزو بها من بات يغزونا

وفتية إن نقل أصغوا مسامعهم

لقولنا أو دعوناهم أجابونا

قوم إذا استخصموا كانوا فراعنة

يوما وإن حكّموا كانوا موازينا

إنّ الزّرازير لمّا قام قائمها

توهّمت أنّها صارت شواهينا

بيادق ظفرت أيدي الرّخاخ بها

ولو تركناهم صاروا فرازينا «3»

ص: 335

ذلّوا بأسيافنا طول الزّمان فمذ

تحكّموا أظهروا أحقادهم فينا

لم يغنهم مالنا عن نهب أنفسنا

كأنّهم في أمان من تقاضينا

أخلوا المساجد من أشياخنا وبغوا

حتى حملنا فأخلينا الدّواوينا

ثمّ انثنينا وقد ظلّت صوارمنا

تميس عجبا وتهتزّ القنا لينا

وللدّماء على أثوابنا علق

بنشره عن عبير المسك يغنينا

إنّا لقوم أبت أخلاقنا شرفا

أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا

بيض صنائعنا سود وقائعنا

خضر مرابعنا حمر مواضينا

لا يظهر العجز منّا عن بلوغ منى

ولو رأينا المنايا في أمانينا «1»

ما أعوزتنا فرامين نصول بها

إلّا جعلنا مواضينا فرامينا «2»

نغشى الخطوب بأيدينا فندفعها

وإن دهتنا دفعناها بآدينا «3»

ومن غرر محاسنه، ودرر قلائده، أرجوزته المزدوجة ذات التخميس، التي ضمنها رمي البندق، وذكر فيها طير الواجب، وهي:«4» [الرجز]

دارت على الدّوح سلاف القطر

فرنحت أعطافه بالسّكر

ونبّه الورق نسيم الفجر

فغرّدت فوق الغصون الخضر

ص: 336

(237)

تغني عن العود وصوت الزّمر

تبسّمت مباسم الأزهار

وأشرق النّوّار بالأنوار

وظلّ عقد الطّلّ في نثار

وباكرتها ديم الأمطار

فكلّلت تيجانها بالدّرّ

قد أقبلت طلائع الغيوم

إذ أذن الشّتاء بالقدوم

فمذ حداها سائق النّسيم

جفّت ربى العقيق والغميم «5»

وباكرت أرض دياربكر

أما ترى الغيم الجديد قد أتى

مبشّرا بالقرب من فصل الشّتا

فاعقر همومي بالعقار يا فتى

فترك أيّام الهنا إلى متى؟

وإنّها محسوبة من عمري

فانهض لنهب فرصة الزمان

فلست من فجواه في أمان

واشرب على النّايات والمثاني

إنّ الخريف لربيع ثان «1»

كأنّه بالصّرع عيد النّحر

هذي الكراكي نحونا قد قدمت

فاقدة لإلفها قد عدمت

لو علمت بما تلاقي ندمت

فانظر إلى أخياطها قد نظمت «2»

شبه حروف نظمت في سطر

تذكّرت مربعها فشاقها

فأقبلت حاملة أشواقها «3»

ص: 337

تجيل في مطارها أحداقها

تمدّ من حنينها أعناقها

لم تدر أنّ مدّها للجزر

يا سعد كن في حبّها مساعدي

فإنّها مذ عشت من عوائدي

ولا تلم من بات فيها حاسدي

فلو ترى طير عذار خالد

أقمت في حبّ العذار عذري

طير بقدر أنجم السّماء

مختلف الأشكال والأسماء

إذا جلا الصّبح دجى الظّلماء

يلوح من فوق طفيح الماء «1»

شبه نقوش خيّلت في ستر

في لجّة الأطيار كالعساكر

فهنّ بين وارد وصادر «2»

جليلها ناء عن الأصاغر

محدودة منذ عهود النّاصر

معدودة في أربع وعشر

(238)

شبيطر ومرزم وكركي

وصنف تمّ وإوزّ تركي «3»

ولغلغ يشبه لون المسك

والكيّ والعنّاز يا ذا الشّكّ

ثمّ العقاب مقرن بالنّسر «4»

ويتبع الغرنوق صنف مبدع

أنيسة إنسيّة إذ تصرع

ص: 338

والصّوغ والحبرج فهي أجمع

خمس وخمس كملت وأربع

كأنّها أيّام عمر البدر

فابكر إلى دجلة والأقطاع

فإنّها من أحمد المساعي

واعجب لما فيها من الأنواع

من سائر الجليل والمراعي

وضجّة الشّيق وصوت الخضر

ما بين تمّ ناهض وواضع

وبين نسر طائر وواقع

وبين كيّ خارج وراجع

ونهضة الطّير من المرابع «1»

كأنّها أمثال غيم تسري «2»

أما ترى الرّماة قد ترسّموا

ولارتقاب الطّير قد تقسّموا

بالجفت قد تدرّعوا وعمّموا

لّما على سفك دماها صمّموا

جاؤوا إليها في ثياب حمر

قد فزعوا عن كلّ عرب وعجم

وأصبحوا بين الفيافي والأكم «3»

من كلّ نجم بالسّعود قد نجم

وكلّ بدر بشهاب قد رجم

عن كلّ محنيّ شديد الظّهر

محنّية في رفعها قد أدمجت

أدركها التّثقيف لّما عوّجت

قد كبست بيوتها وسرّجت

كأنّها أهلّة قد أخرجت

بنادقا مثل النّجوم الزّهر

قد جوّدت أربابها متاعها

وأتعبت في حزمها صنّاعها

وهذّبت رماتها طباعها

إذا لمست خابرا أقطاعها

حسبتها ملمومة من صخر «4»

ص: 339

إذا سمعت صرخة الجوارح

تصبو إلى أصواتها جوارحي

وإن رأيت أجم البطائح

ولم أكن ما بينها بطائح

يضيق عن حمل الهموم صدري

من لي بأنّي لا أراك سائحا

(239) بين المرامي غاديا ورائحا «1»

لو كان لي دهري بذاك سامحا

فالقرب عندي أن أبيت نازحا

أقطع في البيداء كلّ قفر

نذرت للنّفس إذا تمّ الهنا

وزمّت العيس لإدراك المنى

أن أقرن العزّ لديها بالغنى

فمذ رأت أنّ الرّحيل قد دنا «2»

فطالبتني بوفاء نذري

تقول لي لّما جفاني غمضي

وأنكرت طول مقامي أرضي

وعاقني صرف الرّدى عن نهضي

ما للّيالي أولعت بخفضي

كأنّها بعض حروف الجرّ

فامض ركاب العزم في البيداء

وازور بالعيس عن الزّوراء «3»

ص: 340

ولا تقم بالموصل الحدباء

إنّ شهاب القلعة الشّهباء

يحرق شيطان صروف الدّهر

نجم به الأنام تستدلّ

من عزّ في حماه لا يذلّ

في القرّ شمس والمصيف ظلّ

وبل على العفاة مستهلّ

أغنى الأنام عن هتون القطر

وقال في الفهد: «1» [الرجز]

ويوم دجن معلم البردين

سماؤه بالغيم في لونين

كأنّها وقد بدت للعين

فيروزج يلمع باللّجين

قضيت فيه بالسّرور ديني

وسرت أفلي مفرق الشّعبين

بأدهم محجّل الرّجلين

سبط الأديم مطلق اليدين

خصب الغطاة ماحل الرّسغين

وسرب وحش مذ بدا لعيني

عارضته في منتهى السّفحين

بأرقط مخطّط الأذنين

ناتي الجبين أهرت الشّدقين

أفطس سبط الشّعر صافي العين

ينظر في اللّيل بجمرتين

ذي كحل سال من العينين

فخطّ لامين على الخدّين

محدّد النّابين والظّفرين

كأنّما يكشر عن نصلين

ليس لها عهد بضرب قين

(240)

رقيق لحم الزّند والسّاقين

ذي ذنب أملس غير شين

فخاتل السّرب بخطوتين

وأردف الخطو بوثبتين

فكان فيها كغراب البين

فرّقها قبل بلوغ الحين

ونال منها أعفر المتنين

أجيد مصقول الإهاب زين

جدّله في ملتقى الصّفّين

ولم يحل ما بينه وبيني

نلت بمهري وبه كفلين

يالهما للصّيد عدّتين

لا يحسن اللهو بغير ذين

وقال في ذلك: «2» [الرجز]

ص: 341

وليلة في طول يوم العرض

سماؤها من دكنه كالأرض

مخضت فيها العيش أيّ مخض

وفزت فيها بالنّعيم المحض

وغضّ جفن الدّهر أيّ غضّ

فبتّ من صروفه أستقضي

أرفع قدر عيشتي بالخفض

لا أكحل الجفن بها بغمض

مع كلّ ساق كالقضيب الغضّ

يدير راحا بالسّرور يقضي

ساطعة كالبرق عند الومض

حتى إذا آن قضاء الفرض «1»

وشقّ جيب الفلق المبيضّ

عرضت خيلي فأجدت عرضي

واخترت منها سابقا لي يرضي

يفوت لمح الطّرف حين يمضي

كأنّما الأرض به في قبضي

لا فرق بين طوله والعرض

جعلته وقاية لعرضي

ثمّ غدوت لمرامي أقضي

من كلّ سرب شارد منقضّ

بأرقط الظّهر صقيل بض

كسبج في ذهب مرفضّ

أهرت رحب الصّدر نائي الغمض «2»

مستثقل الشّلو خفيف النّهض

عريض بسط الكفّ عند القبض

مدرّب النّاب لغير عضّ

منتصب الأذنين عند الرّكض «3»

فخاتل السّرب بغير وفض

منخفضا للختل أيّ خفض «4»

ص: 342

(241)

مصافحا بالبطن ظهر الأرض

يجسّها بالكفّ جسّ النّبض

حتى إذا أمكن قرب البعض

عاجلها كالكوكب المنقضّ

فعانق الأكبر عند النّهض

عناق ذي حبّ لربّ بغض

فهاض منه العظم عند الهضّ

ورضّ منه الصّدر أيّ رضّ «1»

فقمت أسعى خيفة أن يقضي

خضّبت كفّي بالدم المرفضّ

أرضيته من نحره ببرض

وعدت مسرورا بعيش مرض «2»

راض من الدّهر بما لي يرضي

أغضّ عن زلّاته وأغضي

وقال فيه: «3» [الرجز]

وأهرت الشّدقين محبوك المطا

محدّد الأنياب مرهوب السّطا «4»

أفطس تبري الإهاب أرقطا

كلون تبر بمداد نقّطا

ألبسه الخالق حسنا مفرطا

وخطّ في الخدّين منه خططا

مستثقل الجسم خفيف إن خطا

مجرّب الإقدام مأمون الخطى

يسبق في إرساله كدر القطا

أضحى على قنيصه مسلّطا

حتى إذا من العقال نشطا

وفى لنا فعلا بما قد شرطا

قلت وقد بتّ به مغتبطا

والشّلو من قنيصه معتبطا

بذاك أم بالخيل تعدو المرطى «5»

وقال يصف الكلب: «6» [الرجز]

وأخطل من الكلاب أعصل

يخال مرحوضا وإن لم يغسل «7»

ص: 343

أعصم مثل الفرس المحجّل

مختصر الشّلو ثقيل المحمل

منفسح الهامة ناتي المقل

آذانه كالسّوسن المهدّل

منسرح الزّور فسيح الكلكل

منهضم الخصر عريض الكفل

ذي أيطل خال ومتن ممتلي

خصيب أعلى العضد محل الأسفل

قصير عظم السّاعد المفتّل

مقتصر الأيدي طويل الأرجل

(242)

مزدحم الأطفار ثبت العضل

ذي ذنب سبط قصير أفتل

أملس في دقّته كالمغزل

يبيت غضبان إذا لم يرسل

قيد الأراوى وعقال الأيّل

رعت به سرب الظباء الجفّل

فاعتصمت منه بأعلى الجبل

حتى إذا انقضّ انقضاض الأجدل

فما ارتضى منها بدون الأوّل

غادره مجندلا في الجندل

فظلّ صحبي في نعيم مقبل

لهم غريض لحمه والشكر لي

وقال في صيد النعام: «1» [الرجز]

وربّ يوم أدكن القتام

ممتزج الضّياء بالظّلام

سرنا به لقنص الآرام

والصّبح قد طوّح باللّثام

كراقد هبّ من المنام

بضمّر طامية الحوامي «2»

معتادة بالكرّ والإقدام

تحجم في الحرب عن الإحجام

حتى إذا آن ظهور الجام

والبرّ بالآل كبحر طام «3»

ص: 344

عن لنا سرب من النّعام

مشرفة الأعناق كالأعلام

فاغرة الأفواه للهيام

كأينق فرّت من الزّمام «1»

وحش على مثنى من الأقدام

مل طير تدعى وهي كالأنعام «2»

تطير بالأرجل في الموامي

كأنّما أعناقها السّوامي «3»

أراقم قد قمن للخصام

فحين همّ السّرب بانهزام

ألجمت القسيّ بالسّهام

وأرسل النّبل كوبل هام

فعنّ رأل عارض أمامي

كأنّما درّع بالظّلام

نيطت جناحاه بعنق سام

كأنّها في حسن الالتئام

هاء شقيق وصلت بلام

عارضته تحت العجاج السّامي

بسابق ينقضّ كالقطامي

خلو العنان مفعم الحزام «4»

يكاد يلوي حلق اللّجام

ذي كفل راب وشدق دام

(243)

وصفحة ريّا ورسغ ظام

فحين وافى عارضا قدامي

أثبتّ في كلكله سهامي

فمرقت في اللّحم والعظام

فخرّ مصروعا على الرّغام

قد ساقه الخوف إلى الحمام

فأعجب الصّحب به اهتمامي

حتى اغتدى كلّ من الأقوام

يقول: لا شلّت يمين الرّامي

وقال يصف فرسا أدهم محجلا: «5» [البسيط]

ص: 345

وأدهم يقق التّحجيل ذي مرح

يميس من عجبه كالشّارب الثّمل

مطهّم مشرف الأذنين تحسبه

موكّلا بارتقاب السّمع عن زحل «1»

ركبت منه مطاليل تسير به

كواكب تلحق المحمول بالحمل

إذا رميت سهامي فوق صهوته

مرّت بهاديه وانحطّت على الكفل

قلت: وهذا معنى ظنّه أبا عذرته، وهو لابن السراج. ولقد اجتمعنا ليلة نحن، وهو عند شيخنا شهاب الدين محمود، ودار بيننا في هذا ما ليس هذا موضعه، إلّا أنه لم يسعه الجحود. عدنا إلى ذكره فنقول، وله:«2» [الكامل]

شكرتك عني شاردات قصائد

بصنائع فاهت بشكر صنائع

تنفي الحداة بها عن الجفن الكرى

وتخيط من طرب جفون السامع

وله: «3» [الوافر]

غدا رجب يؤمّن حين أدعو

لمجدك أن يزيد به ارتقاء

أصمّ ظلّ مستمعا دعائي

فها أنا أسمع الصّمّ الدّعاء

وله: «4» [الطويل]

قدمت، وقد لاح الهلال مبشّرا

بعودك، إنّ السّعد فيه قرينه

ويخبر أنّ النّصر فيه مقدّر

ألم تره قد لاح في الغرب نونه

وله: «5» [الكامل]

ص: 346

قوم يعزّون النّزيل، فطالما

بخل الحيا، وأكفّهم لم تبخل «1»

(244)

يفنى الزّمان وفيه رونق ذكرهم

كبلى القميص، وفيه عرف المندل «2»

قلت: هذا هو العذب المنسجم الذي لا كلفة عليه، ولا تقعر فيه. قوي التركيب، حسن الأساليب، لا كما رغب فيه أهل العصر من حبّ اللين الذي لا يتماسك رغبة في التورية، التي لا تسع أفهامهم سواها من البديع، ولا تعرف غيره من الحسن.

عدنا إلى تتمة مختاره. ومنه على مذهب المديح، قوله:«3» [البسيط]

يقبّل الأرض عبد تحت ظلّكم

عليكم بعد فضل الله يعتمد

ما دار ميّة من أسنى مطالبه

يوما، وأنتم له العلياء والسّند

وله: «4» [الخفيف]

حرّضوني على السّلو وعابوا

لك وجها به يعاب البدر

حاش لله ما لعذري وجه

في التّسلّي ولا لوجهك عذر

وله: «5» [الطويل]

وخلّ دعاني للصّبوح أجبته

وقلت له: أهلا وسهلا ومرحبا

وأبرزها صفراء تحسب كأسها

غشاء من البلّور يحمل كهربا «6»

ص: 347

وله: «1» [الطويل]

وراح لها طبع كعكس حروفها

تصيّر ضيق الصدر من حرّها رحبا «2»

إذا لمعت في الليل غرّة وجهها

تصيّر دهم الليل من نورها شهبا «3»

وله: «4» [الخفيف]

قد أتانا الربيع والزهر يبدي

لهبا خلته مشاعل جمر

وبدا النرجس المحدّق يحكي

شائبا فوق رأسه طاس تبر

وله: «5» [المديد]

وشدت في الدّوح صادحة

بضروب السجع والملح

كلما ناحت على شجن

خلتها غنّت على قدح

وله: «6» [الوافر]

وراح في لجين الكأس تحكي

بصفرة لونها ذوب النّضار

(245)

وقد عقد الحباب لها نطاقا

لمعصم كأسها شبه السّوار

وله: «7» [البسيط]

ص: 348

قد مرّ لي ليلة بالدّير صالحة

مع كلّ ذي طلعة بالبدر مشتبه

وقد عزمت بأن أغشاه ثانية

فهل تعين على غيّ هممت به

وله: «1» [الوافر]

ولما شاقنا نظم بديع

وقد أرخى المدام لنا نقابا

جعلنا الماء شاعرنا فلما

جرت في فكره نظم الحبابا

وله: «2» [الخفيف]

إن أكن قد جنيت في السّكر ذنبا

فاعف عنّي يا راحة الأرواح

أيّ عقل يبقى هناك لمثلي

بين سكر الهوى وسكر الرّاح

قلت: وهذا وإن كان متداولا، قد ابتذلته الألسنة، فإنه عذب سائغ شرابه، لذيذ يطرب سماعه، يهز الأعطاف، ويحرك الجماد، وهكذا شأن كل كلمه، وجميع قوله، حتى تجربة قلمه. ومن بقية ما له قوله:«3» [المنسرح]

قد أضحك الرّوض مدمع السّحب

وتوّج الزّهر عاطل القضب

وقهقه الورد للصّبا فغدا

تملأ فاه قراضة الذّهب «4»

وأقبلت بالرّبيع محدقة

كتائب لا تخلّ بالأدب

فغصنها قائم على قدم

والكرم جاث له على الرّكب

وقوله: «5» [المتقارب]

ص: 349

وللنّرجس الغضّ ما بيننا

وجوه بحضرتنا ناضره

كأن تحدّق أزهارها

عيون إلى ربّها ناظره

وقوله: «1» [مخلع البسيط]

جدت بخطّ بغير وجه

ذاك حال عليّ يبطي

وليس ذا مذهبي، ولكن

أريد وجها بغير خطّ «2»

(246)

وقوله: «3» [الطويل]

عذرتك إذ حالت خلائقك التي

أطلت بها باعي وقصّرت آمالي

لأنّك دنياي التي هي فتنتي،

فلا عجب ألّا تدوم على حال

وقوله: «4» [السريع]

يا مالكا أصبح لي صارما

أعدّه يوم الوغى للضّراب

حاشاك أن ترضى بقول العدى

سيفك هذا لا يفكّ القراب

وقوله: «5» [الخفيف]

يا مهيني عند المغيب ومبد

مع حضوري خضوع عبد لمولى

لا تقم لي مع التّقاعد عنّي

فقيام النّفوس بالودّ أولى

وقوله: «6» [الكامل]

ص: 350

حالي وحالك كالهلال وشمسه

مذ أكسبته النّور في إشراقه

فإذا نأى عنها حظي بكماله

وإذا دنا منها رمي بمحاقه

وقوله: «1» [الكامل]

لّما استعرت من المهذّب جوخة

ولّى وأولاني جفا وصدودا

حاولتها عاريّة مردودة

فرجعت منها عاريا مردودا

وقوله: «2» [الكامل]

إنّ البخيريّ مذ فارقتموه غدا

يسفي الرّماد على كانونه الحرب

لو شئتم أنّه يمسي أبا لهب

جاءت بغالكم حمّالة الحطب

وقوله: «3» [السريع]

سألتكم ردّ جوابي فكم

يد لكم من قبلها عندي

فقلّدونا منّة واعجبوا

من سائل يقنع بالرّدّ

وقوله: «4» [المتقارب]

تركت إجابة كتبي إليك

لحقّ تشبّه بالباطل

(247)

لأنّي سألتك ردّ الجواب

ولا تعرف الرّدّ للسّائل

وقوله: «5» [الخفيف]

ص: 351

كنت أخشى عذل العواذل حتى

صرت مستثقلا لردّ جوابي

فتركت التّثقيل في بعث كتبي

واستراحت عواذلي من عتابي

وقوله في ذم ماطل للوعود: «1» [البسيط]

لمّا تطاول بي إفراط مطلك لي

وضاع وقتي بين العذر والعذل

أيقنت أن لست إنسانا لبطئك ذا

لقوله خلق الإنسان من عجل

وقوله في طبيب يدعى إسحاق: «2» [الطويل]

مباضع إسحاق الطّبيب كأنّها

لها بفناء العالمين كفيل

معوّدة ألّا تسلّ نصالها

فتغمد حتى يستباح قتيل

وقوله: «3» [الكامل]

إني مدحتك كي أجيد قريحتي

وعلمت أن المدح فيك يضيع

لكن رأيت المسك عند فساده

يدنوه من بيت الخلا فيضوع «4»

وقوله: «5» [الكامل]

ص: 352

صدقوا بأنّ النّجم محتشم

بالمال لا بالفضل والخطر

لكنّه مع فرط حشمته

كقميص يوسف قدّ من دبر

قلت: هكذا فليكن التعريض الذي أسهل منه بري المدى، وقرض المقاريض على طول المدى. لقد أكل عرضه، وشرب ماء حياته، إذ عرّضه لهذا البلاء، ومزّقه كلّ ممزّق. وبمثل هذا تطيّر السّمع، ويضحك الأعداء.

عدنا إلى قوله ومنه: «1» [الخفيف]

طفلة غضّة الحياء من الدّل

ل ولكن خدودها جمريّه

هي مع حسنها حريريّة ال

جسم ولكن أشفارها صوفيّه

وهذا نظم مهزول، ومعنى مبذول، وللناس فيه شتى المحاسن.

عدنا (248) وقوله: «2» [الطويل]

وذات حر جادت به فصددتها

وقلت لها مقصودي العجز لا الفرج

فدارت ودارت سوء خلقي بالرضى

ولم يعل من فرط الحياء لها رهج

إذا ما دفعت الأير فيها تجشأت

وذاك ضراط لم يتم له نضج

وقوله: «3» [الكامل]

ولقد تعاطيت اللواط فلم أجد

علقا لأقسام الصناعة يكمل

بل ضاع بينهما الصواب فواسع

يخرى عليّ وضيّق لا يدخل

وقوله: «4» [الطويل]

ولم أنس إذ أولجت في النجم فيشة

كجلمود صخر حطّه السيل من عل «5»

ص: 353

فقلت لها مهلا إذا رمت عودة

وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي

فمثل هذا التضمين وإلا فلا، ومثل هذه التورية وإلا فدع.

عدنا، وقوله في عمر:«1» [السريع]

أنا الذي خالفت قول الورى

في خبر أثبته الوقت

لما أتاني عمر زائرا

أنمته ثم تنبّهت

وقوله: «2» [الكامل]

ولم أر كالمحبوب ليلة وصله

وقد راضه لومي له وعتابيا

إذا كان غضبانا لقيني بوجهه

وبالظهر يلقاني إذا كان راضيا

وقوله: «3» [الطويل]

تعلّمت فعل الخير من غير أهله،

وهذّب نفسي فعلهم باختلافه

أرى ما يسوء النّفس من فعل جاهل،

فآخذ في تأديبها بخلافه

قلت: وهذا مبتذل، إلّا أنه كما ابتذلت الشمس وهي محبوبة، ورزق النطاف وهي مشروبة، وخلاف النفس مشروع والحظ فيه، وللعلماء في النفس أقوال ليس هذا موضعها، ولا نرى في أفق الأدب (249) مطلعها.

عدنا إلى قوله، ومنه:«4» [المنسرح]

من لم تضمّ الضّيوف ساحته

فستره أن تضمّه الحفره

ومن غدا عرضه المهلّب في النّا

س غدا وجهه أبا صفره

وقوله: «5» [الكامل]

ص: 354

عجبا لفودي بعد فقد شبيبتي

وكأنّ ضوء الشّيب فيه ظلام «1»

لّما نضت عنه اللّيالي صبغها

خلعت عليه ضياءها الأيّام «2»

وقوله: «3» [السريع]

لا غرو إن قصّ جناحي الرّدى

فعذره في فعله واضح

يضرب عن ذي النّقص صفحا ولا

يقصّ إلّا الدّرهم الرّاجح

قلت: والأشبه بهذا أن يكون قول ملك متظلم أعيا لحاقه القرناء، وعنّى بعده الأمثال، فوقفوا وجرت سلاهبه، وتصنّعوا وأتت طبعا مواهبه، تلتهب ذكاؤه والخلق تغشاه، وينهب نائله والأسد تخشاه. رأى نفسه فوق الجوزاء، وخدين الشهب الأغراء. قد جعل للآمال مآلفا، وللآمال ملتفا. يسدي الرّفد إلى أربابه، ويحسب المجد من آرابه، فبلي بداهية الدهر، وشنعاء الحادث النكر، وقدم عليه من لا يدرك أدنى شوطه إذ يسعى على مهل، ولا تقمص بخلق جلبابه إلا إذا فضل. فلم يجد إلا أن تنفّس الصعداء، ويتحمل الداء. لا يقعده إذا بدر إلا سابق القدر، وإلا فهو أوثب من أرقم، وأمرّ إذا غضب من علقم. لو قد قام لاقتاد دهم الليل في رسنه، واخضرّ الشجر مخبلا بوسنه، ولكنه فردد لا يغالب، وسؤدد هدر ما ثمّ من به يطالب.

عدنا إليه. قال أيضا في البازي: «4» [الكامل]

قد ارتدى ذيل الصباح الأكهب

والصّبح مثل الماء تحت الطّحلب «5»

ص: 355

مثقّل الكفّ بباز أشهب

منتصب القامة سامي المنكب

ذي عنق خصب ورأس مجدب

عيونه مثل الجمان المذهب

(250)

قد بدّلت من سبج بكهرب

محدّد المنسر شين المخلب

حتف الحبارى وعقال الأرنب

مهذّب الخلق قليل الغضب

يرتاح للعود وإن لم يطلب

كفاضل حاول حفظ المنصب

وقال: «1» [الطويل]

سوابقنا والنّقع والسّمر والظّبى

وأحسابنا والحلم والبأس والبشر

هبوب الصّبا واللّيل والبرق والقضا

وشمس الضّحى والطّود والنار والبحر

وقوله، وفيه استخدامان:«2» [الطويل]

لئن لم أبرقع بالحيا وجه عفّتي

فلا أشبهته راحتي في التّكرّم «3»

ولا كنت ممّن يكسر الجفن في الوغى

إذا أنا لم أغضضه عن رأي محرم «4»

وقال: «5» [الكامل]

ولقد أسير على الضّلال ولم أقل

أين الطّريق وإن كرهت ضلالي

وأعاف تسآل الدّليل ترفّعا

عن أن يفوه فمي بلفظ سؤال

وقال: «6» [الطويل]

ص: 356

ولائي لآل المصطفى عقد مذهبي

وقلبي من حبّ الصّحابة مفعم

وما أنا ممن يستجيز بحبّهم

مسبّة أقوام عليهم تقدّموا

ولكنّني أعطي الفريقين حقّهم

وربّي بحال الأفضليّة أعلم

فمن شاء تعويجي فإنّي معوّج

ومن شاء تقويمي فإنّي مقوّم

وقال: «1» [الكامل]

لما رأت علياك أني كالذي

أبدو فينقصني السقام الزائد

وافيتني ووفيت لي بمكارم

فنداك لي صلة وأنت العائد

وقال: «2» [مجزوء الكامل]

ولقد ذكرت القرب منك

وطيب أيّامي الخوالي

فطفقت أصفق راحتيّ

وعند صفقتها مقالي:

(251)

كيف السّبيل إلى سعا

د ودونها قلل الجبال

وقال: «3» [الطويل]

وعود به عاد السّرور لأنّه

حوى اللهو قدما وهو ريّان ناعم

يغرّب في تغريده وكأنّه

يعيد لنا ما لقّنته الحمائم «4»

وقال: «5» [السريع]

ص: 357

عود حوى في الروض أعواده

كلّ المعاني وهو رطب قويم «1»

فحاز شدو الورق في سجعه

ورقّة الماء ولطف النّسيم

وقال في جملة وصف رسالة: «2» [المتقارب]

فكم بكر معنى حوى طرسها

وإن كان في حسن لفظ عوان

إذا ما شققت صدور البيوت

وجدت بهنّ قلوب المعاني

وقال من أبيات: «3» [الكامل]

وشدت فأيقظت الرقود بشدوها

وأعارت الأيقاظ طيب رقودها

خود شدت بلسانها وبنانها

حتى تشابه ضربها بنشيدها

وكأنّ نغمة عودها في صوتها

وكأن رقّة صوتها في عودها

إنّي لأحسد عودها إن عانقت

عطفيه أو ضمته بين نهودها

وأغار من لثم الكؤوس لثغرها

وأذوب من لمس الحليّ لجيدها

وقال: «4» [الوافر]

ص: 358

ومجلس لذّة أمسى دجاه

يضيء كأنّه صبح منير

تجمّع فيه مشموم وراح

وأوتار وولدان وحور

تلذّذت الحواس الخمس فيه

بخمس يستتمّ بها السّرور

فكان الضّمّ قسم اللّمس فيه

وقسم الذّوق كاسات تدور

وللسّمع الأغاني والغواني

لأعيننا وللشّمّ البخور

وقال في إبريق: «1» [الوافر]

(252)

وإبريق له بطن عجيب

إذا ما أرسلت منه السّلاف «2»

كتمتام تلجلج في حديث

يردّد لفظه والتاء قاف «3»

وقال في رواقص: «4» [البسيط]

بحر من الحسن لا ينجو الغريق به

إذا تلاطم أعطاف بأعطاف

ما حركته نسيم الرّقص من مرح

إلّا وماجت به أمواج أرداف

وقال: «5» [الوافر]

ليهنك أنّ لي ولدا وعبدا

سواء في المقال وفي المقام

فهذا سابق من غير سين

وهذا عاقل من غير لام

وقال في باب: «6» [المتقارب]

وباب إذا أمّه قاصد

رآه من الغيث أدنى وأندى

له الفتح دأب ومن شأنه

يردّ وقاصده لن يردّا

وقال في النيل: «7» [الطويل]

ص: 359

وفي النّيل إذ وفّى البسيطة حقّها

وزاد على ما جاءه من صنائع

فما إن توفّى النّاس من منعم

يشار إلى إنعامه بالأصابع

وقال: «1» [البسيط]

وكيف أنسى مليكا فضل أنعمه

فرضي ونفلي في سرّي وإعلاني

جعلت نفسي كشطر اسمي لخدمته

وكيف لا وهو عندي شطره الثّاني

وقال: «2» [الطويل]

أحنّ إليكم كلّما ذرّ شارق

ويشتاق قلبي كلّما مرّ خاطف

واهتزّ من خفق النّسيم إذا سرى

ولولاكم ما حرّكتني العواصف

وقال: «3» [الطويل]

رعى الله من فارقت يوم فراقهم

حشاشة نفس ودّعت يوم ودّعوا

ومن ظعنت روحي وقد سار ظعنهم

فلم أدر أيّ الظّاعنين أشيّع

(253)

وقال: «4» [الخفيف]

يا قرير العيون رقّ لعين

فجّرتها دموعها تفجيرا

لم تطلّق من بعدك الغمض إلّا

لترى منك نظرة وسرورا

وقال: «5» [الكامل]

ص: 360

لي في ضميرك شاهد فيه غنى

لك عن قراءة ما حوى قرطاسي

ولئن وقفت عليه معتبرا له

ما في وقوفك ساعة من باس

وقال: «1» [الكامل]

ولقد ذكرتك والعجاج كأنّه

ظلّ الغنيّ وسوء عيش المعسر

والشّوس بين مجدّل في جندل

منّا وبين معفّر في معفر

فظنت أنّي في صباح مشرق

بضياء وجهك أو مساء مقمر

وتعطّرت أرض الكفاح كأنّما

فتقت لنا ريح الجلاد بعنبر

وقال: «2» [الكامل]

ولقد ذكرتك والجماجم وقّع

تحت السّنابك والأكفّ تطير

والهام في أفق العجاجة حوّم

فكأنّها فوق النّسور نسور

فاعتادني من طيب ذكرك نشوة

وبدت عليّ بشاشة وسرور

فظننت أنّي في مجالس لذّتي

والرّاح تجلى والكؤوس تدور

وقال: «3» [الكامل]

ولقد ذكرتك حين أنكرت الظّبى

أغمادها وتعارفت في الهام

والنّبل من خلل العجاج كأنّه

وبل تتابع من فروج غمام

فاستصغرت عيناني أفواج العدى

وتتابع الأقدام في الإقدام

ووجّدت برد الأمن في حرّ الوغى

والموت خلفي تارة وأمامي

وقال: «4» [السريع]

ص: 361

غارت وقد قلت لمسواكها:

أراك تجني ريقها يا أراك

قالت: تمنّيت جنى ريقتي

وفاز بالتّرشاف منها سواك

(254)

وقال: «1» [الكامل]

يا من حمت عنّا مذاقة ريقها

رفقا بقلب ليس فيه سواك

فلكم سألت الثّغر وصف رضابه

فأبى وصرّح لي سفيه سواك

وقال: «2» [الخفيف]

قد شهدنا فعل البلى بمغاني

ك ودمع الغيوم فيها سجام

واقترضنا منها الدّموع فقالت:

كلّ قرض يجرّ نفعا حرام

قلت: لقد أتى من الفقه بهذه اللطيفة. فإن قيل: فما الذي جرّه البكاء من النفع؟ قلنا: أشياء، نحو سقيا المعاهد، وإطفاء حر الفؤاد الواقد، وتخفيف ثقل البكاء عن العيون التي كثر بكاؤها. وقد قال الأول: وأثقل محمول على العين ماؤها. وقد ذكرت بالدمع بيتين كنت قلتهما، وإن لم يكن معناهما من هذا في:[الخفيف]

عما جرى لي من دموع كأنهنّ اللآلي «3»

خففت وطأة الغرام ولكن

غرقت في الجفون طيف الخيال

عدنا إليه. قال: «4» [من الهزج]

ص: 362

ألا يا مالك الرّ

قّ من ملّكك الرّقّا

إذا لم تقض أن أسعد

لا تقض بأن أشقى

تصدّق بالذي يفنى

وخذ أجر الذي يبقى

وذكّر عطفك الميّا

ل والرّدف بما ألقى

وقال: «1» [المجتث]

وجه من البدر أحلى

ومنه بالمدح أحرى

طرفي به يتحلّى

وخاطري يتحرّى «2»

بمنظر يتجلّى

وناظر يتجرّى «3»

خدّ يقرّ بقتلي

وردفه يتبرّى

وقال: «4» [الطويل]

ولم أنس إذ زار الحبيب بروضة

وقد غفلت عنّا وشاة ولوّام

ص: 363

وقد فرش الورد الخدود ونشّرت

لمقدمه للسّوسن الغضّ أعلام

(255)

أقول وطرف النّرجس الغضّ شاخص

إلينا وللنمّام حولي إلمام

أيا ربّ! حتى في الحدائق أعين

علينا وحتى في الرّياحين نمّام

قلت: وهكذا التورية، وبمثل هذا تضيء القريحة المورية. تأمل كيف بدأه:

أن الحبيب زاره بروضة، ثم ذكر مع كل من الزهر ما يناسبه ويدنو منه ويقاربه، حتى إذا انقضى من هذا أربه، عاد إلى مناسبة تتمة البيت الأول، وقد قال فيه:

وقد غفلت عنا وشاة ولوّام، ليستوفي معنى البيت الذي بنى عليه، فتظلّم من الحدائق، إذ لها أعين، وفيها نمّام، يعني النرجس والنمّام، وهذا في غاية التمام.

وقال: «1» [المتقارب]

رعى الله ليلتنا بالحمى

وأمواه أعينه الزّاخره

وقد زين حسن سماء الغصون

بأنجم أزهاره الزّاهره «2»

وللنّرجس الغضّ ما بيننا

وجوه بحضرتنا ناضره

كأنّ تحدّق أزهارها

عيون إلى ربّها ناظره

وقال: «3» [مخلع البسيط]

قال الحيا للنّسيم لمّا

ظلّ به الزّهر في اشتغال

وضاع نشر الرّياض حتى

تعطّرت بردة الشّمال

أما ترى الأرض كيف تثني

عليّ منها لسان حالي

فاعجب لإقرارها بفضلي

وسكرها بي وشكرها لي

وقال: «4» [الخفيف]

خلياني أجرّ فضل برودي

راتعا في رياض عين البرود

كم بها من بديع زهر أنيق

كفصول منظومة وعقود

زنبق بين قضب آس وبان

وأقاح ونرجس وورود

كجبين وعارض وقوام

وثغور وأعين وخدود

وقال يعاتب من اعتذر بالثلج: «5» [المنسرح]

ص: 364

(256)

عذرك بالثلج عن زيارتنا

مبدولة باؤه من الكاف

والغير لما أراد زورتنا

سعى إلينا من نشره حافي

وعندك المال والرجال وما

في تاسع النحل وافر واف

بل أبدلت ذلك الولاية يا

أحمد لما وليت بالقاف

قوله: تاسع النحل وافر واف: أراد بذلك قوله تعالى «وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها»

«1»

وكتب مع طبق حلاوة أهداه مع غلام: «2» [الرجز]

عبدك قد أرسل أدنى خدمة

إليك يا من بالجميل قد سبق

فانظر بعين الجبر أو عين الرّضا

نحو غلام وكتاب وطبق «3»

وقال ملغزا في القوس: «4» [الطويل]

ص: 365

وما اسم تراه في البروج وإنما

يحلّ به المرّيخ دون الكواكب

إذا قدّر الباري عليه مصيبة

عدته وحلّت في صدور الكتائب

ولاجسم إلا فيه يدرك قلبه

ويدركه في قلبه كلّ طالب

قلت: وقوله: وإنما يحل به المريخ دون الكواكب، أراد به نصل السهم أو السهم، إذ كان من شأنهما القتل، وهو من طبيعة المريخ كما يزعم أهل النجابة.

أو ليلطخه بالدماء، فإذا نظر، كان المريخ بحمرته واشتعاله. وهو إذا صحّ على هذا، لا يصحّ على ظاهره، إذ كانت القوس محلا لكلّ من السبعة السّيّارة، وهو بيت المشتري، فلا وجه لتخصيص المريخ به. وفي جملة على المعنيين اللذين أرادهما نظر.

وقال في السهم: «1» [الطويل]

وأهيف منسوب إلى التّرك أصله

رشيق براه ربّه وهو راشق

يقرّب من أفواههم وهو فاجر

ويرسل في أعراضهم وهو مارق

يبيت عديم النفع وهو مواصل

ويرضيك في الأفعال وهو مفارق

إذا اعتبروا أفعاله فهو طائر

وإن نسبوه فهو بالنّبت لاحق

وقال فيه: «2» [الطويل]

وأهيف ماض في الأمور مسدّد

إذا رام قصدا لا يميل عن القصد

(257)

ينضنض مثل الأفعوان لسانه

لشدّة ما لاقى من الحرّ والبرد «3»

تقرّبه الأملاك وهو ممانع

ويجهد في تقريبه غاية الجهد

إذا صحّفوه مرة كان بينهم

وإن تركوه كان منهم على بعد

وقال في قلم: «4» [الطويل]

وأخرس بادي النطق حلو فؤاده

حليف ضنى يبكي وما هو عاشق

يشقّ مرارا رأسه وهو طيّع

ويقطع أحيانا وما هو سارق

إذا أرسل البيض الصّفاح لعادة

يتابع طورا أمره ويفارق

يحاجى به ما ناطق وهو صامت

يرى ساكتا والسيف عن فيه ناطق «5»

ص: 366

وقال في الدواة والقلم: «1» [الطويل]

وما اسمان كلّ صالح لقرينه

إذا اتّفقا يستصغر الصّارم العضب

وقد وجدا في الذّكر أوّل سورة

ولولاهما لم يوجد الذكر والكتب

فهذا له قلب وما حلّ جسمه

وهذا له جسم وليس له قلب

وقال في الخطّ: «2» [مجزوء الكامل]

ومعلّق في قنّب طورا وطورا في حرير

ولقد تراه مسلسلا بيد الإمارة والصدور

ولقد يكون على الجباه وفي البطون وفي الظهور

ويرى بأعضاد الرجال وفوق أجنحة الطيور

ص: 367

قلت: وهذا شعر بديع، ونظم صنيع، ونمط عال رفيع، لا يقدر عليه كل قائل، ولا يحظى معه معارض بطائل. ألا ترى كيف وصف الخط وافتتحه بقوله:

ومعلق! وانظر هذه التورية ما أتمّها وأحسنها وأقواها وأمكنها. ثمّ أتى في البيت كله باستخدام معنوي إذ قال: في قنّب طورا وطورا في حرير! وظاهره على مجرى اللغز، يوهم أنّ شيئا له جسم، علق بخيط حرير، أو حبل قنب، وباطنه يريد الورق. وهو يصنع من هذين (258) حيث يعهد الشاعر. وهو إذا حمل على كل من المعنيين صح، وكان تماما موفيا بالمراد. وكذلك قوله في البيت الثاني: ولقد تراه مسلسلا. يجري مجرى قوله: ومعلق. فأما البيت الثالث، فمعناه أكثر من لفظه، وتفهمه أكبر من حفظه. فأما كونه جعله يكون معلقا على الجباه، فهو ما يكتب من التمائم والعوذ، وما هو من هذا النوع. وأما قوله:

وفي البطون وفي الظهور، فكذا يكتب: تارة في بطون الأوراق، وتارة في ظهورها. وهو مع كونه أتى فيه بالحقيقة، لم يعدم فيه رونق المجاز. والبيت الرابع نوع منه آخر. وقوله: وفوق أجنحة الطيور، هو ما يكتب في صغار البطائق على هوادي الحمام الرسائلي. فانظر إلى محاسن ما أتى به، واعجب لإيجازه.

عدنا إليه. قال في دود القز: «1» [الطويل]

وما حيوان عكسه مثل طرده

له جسد سبط وليس له قلب

ضعيف وكم أغنت مجاجة ريقه

فقيرا به أمسى ومربعه خصب

يرى من خشاش الأرض طورا وتارة

من الطير لكن دونه تسبل الحجب

شقيّ لنفع الغير يسجن نفسه

وليس له في السجن أكل ولا شرب

وقال في العود: «2» [السريع]

ص: 368

وأعجميّ أخرس ناطق

له لسان مستطاب الكلام

مناجيا في الحجر أربابه

طورا وفي البيت العتيق الحرام

قلت: ولله مذهبه في هذين البيتين، لو وصف هذا الألمعي العود بأطيب من نغمه وأرجه. وقوله: أعجمي، وصفا له، قول صدق، إذ العود الشجر أعجم لا ينطق، والعود عود الطرب من وضع الأعاجم. ولسان العود هو الذي يحرك به الوتر. وقوله مستطاب الكلام وهو طربه. وقد أتبعه بقوله: ساجيا في الحجر ربّا له، لأنه كان كأنّه يناجي ربه، وهو الضارب به. وقوله: وفي البيت العتيق الحرام، هو العود الهندي. يقال: إن عهد البيت الحرام زاده الله شرفا منه. فاعرف لهذا الرجل حقه، واعلم حذقه.

عدنا (259) إلى بقية مختاره. قال في الحشيشة يحسّن قبيحها، ويدّعي تفريحها:«1» [الوافر]

تغانى بالحشيش عن الرّحيق

وبالورق الجديد عن العتيق

وبالخضراء عن حمراء صرف

وكم بين الزّمرّد والعقيق

وقال أيضا فيها: «2» [البسيط]

في الكيس لي عوض عمّا حوى الكاس

وفي القراطيس عمّا ضمّت الطّاس

وبالجديد غرامي لا معتّقة

وسواسها في صدور النّاس خنّاس

مدامة ما لها في الرّأس وشوشة

تطغي النّفوس ولا في الصّدر وسواس

ولا تكلّف نفسا غير طاقتها

ولا يخاف بها ضرّ وإفلاس

كم بين خمر يخاف الحدّ شاربها

وخمرة ما على شرّابها باس

ولا نبيت إذا شئنا نعاقرها

لنا على الباب حفّاظ وحرّاس

حوض الدّواة لها جان ومزودها

دنّ وكاساتها ظفر وقرطاس

وقال أيضا: «3» [السريع]

في الكيس لا في الكأس لي قهوة

من ذوقها أسكر أو شمّها

لم ينه نصّ الذّكر عنها ولا

أجمع في الشّرع على ذمّها

ظاهرة النّفع لها نشوة

تستنقذ الأنفس من همّها

فشكرها أكثر من سكرها

ونفعها أكثر من إثمها

وقال: «4» [السريع]

ص: 369

جاءت بوجه بين قرطين

شبيه بدر بين نجمين

فامتدت الأعين منا إلى

عينين منها تحت نونين

قالت لكي تعبث بي لا تكن

للنّفس نونا بعد ميمين

فقلت إن عارضتني بعدها

قطعت سينا بين كافين

وقال: «1» [المنسرح]

عنّفتها إذ فست على ذكري

وهو لعمري في غاية الكبر

(260)

قالت دع اللوم والعتاب فلو

دفعت هذا في است البعير خري

لو أن ضعفيه جاء من قبل

ما كان عندي لذاك من أثر

لكنه مع جفاء جثّته

صال فقدّ القميص من دبر

قلت: فشيخي قد قال مبتدئا

وذاك في العلم صادق النظر

الأير للجحر حربة خلقت

لو كان للكس كان كالطّبر

وقال: «2» [الطويل]

وذات حر جادت به فصددتها

وقلت لها مقصودي العجز لا الفرج

فدارت ودارت سوء خلقي بالرضى

وفي قلبها مما تكابده رهج

وظلّت تقاسي من فعالي شدّة

ولم يعل من فرط الحياء لها رهج

إذا ما دفعت الأير فيه تجشّأت

وذاك ضراط لم يتمّ له نضج

وقال: «3» [المنسرح]

ص: 370

ولي غلام كالنجم طلعته

أخدمه وهو بعض خدّامي

تراه خلفي طول النّهار فإن

دجا لنا الليل صار قدّامي

جعلته في الحضور مع سفري

كفروة الحارث بن همّام

وقال: «1» [الوافر]

وليلة عانقت كفّاي بدرا

كأنّ ضياء مبسمه نجوم

لثمت الثغر منه فقام أيري

فعنّفني وأقبل لي يلوم

وأسكتني الحياء فقال أيري

أقم عذري فإنّ اللوم لوم

أيقدر من له عقل ولبّ

ومعرفة يراك ولا يقوم

وقال: «2» [السريع]

قالوا اخضب الشّيب فقلت اقصروا

فإنّ قصد الصّدق من شيمتي

فكيف أرضى بعد ذا أنّني

أوّل ما أكذب في لحيتي

وقال يعتب ابن المعتز عن قوله: «3» [المتقارب]

ص: 371

(261)

ونحن ورثنا ثياب النبي

ي فكم تجذبون بأذيالها

لكم رحم يا بني بنته

ولكن بنو العم أولى بها

ومنها:

قتلنا أمية في دارها

ونحن أحقّ بأسلابها

إذا ما دنوتم تلقيتم

زبونا أقرت بجلّابها

وقوله: [المتقارب]

وقلت ورثنا ثياب النّبي

ي فكم تجذبون بأهدابها

وعندك لا يورث الأنبياء

فكيف حظيتم بأثوابها

أجدّك يرضى بما قلته

وما كان يوما بمرتابها

وإذ جعل الأمر شورى لها

فهل كان من بعض أربابها «1»

وقولك أنتم بنو بنته،

ولكن بنو العمّ أولى بها

بنو البنت أيضا بنو عمّه

وذلك أدنى لأنسابها

وقلت بأنّكم القاتلو

ن أسود أميّة في غابها

ولولا سيوف أبي مسلم

لعزّت على جهد طلّابها

وقال: «2» [الرجز]

ص: 372

انهض فهذا النّجم في الغرب سقط

والشّيب في فود الظّلام قد وخط

والصّبح قد مدّ إلى نحر الدّجى

يدا بها درّ النّجوم تلتقط

وألهب الإصباح أذيال الدّجى

بشمعة من الشّعاع لم تقطّ

وضجّت الأطيار في أوراقها

لّما رأت سيف الصّباح مخترط

وقام من فوق الجدار هاتف

متوّج الهامة ذو فرع قطط

يخبّر الرّاقد أنّ نومه

عند انتباه جدّه من الغلط

والبدر قد صار هلالا ناحلا

في آخر الشّهر وبالصّبح اختلط

كأنّه قوس لجين موتر

واللّيل زنجيّ عليه قد ضبط

(262)

وفي يديه للثّريّا ندب

يزيد فردا واحدا عن النّمط

فأيّ عذر للرّماة والدّجى

قد عدّ في سلك الرّماة وانخرط

أما ترى الغيم الجديد مقبلا

قد مدّ في الأفق رداه فانبسط

يلمع ضوء البرق في حافاته

كأنّ في الجوّ صفاحا تخترط

وأظهر الخريف من أزهاره

أضعاف ما أخفى الرّبيع إذ شحط

ولان عطف الرّيح في هبوبها

والطّلّ من بعد الهجير قد سقط

والشّمس في الميزان موزون بها

قسط النّهار بعد ما كان قسط

وأرسلت جبال دربند لنا

رسلا صبا القلب إليها وانبسط

من الكراكي الخزريّات التي

تقدم والبعض ببعض مرتبط

كأنّها إذ تابعت صفوفها

ركائب عنها الرّحال لم تحط

إذا وعاها سمع ذي صبابة

مثلي، تقاضاه الغرام ونشط «1»

فقم بنا نرفل في ثوب الصّبى

إنّ الرّضى بتركه عين السّخط

والتقط اللّذة حيث أمكنت

فإنّما اللّذّات في الدّهر لقط

إنّ الشّباب زائر مودّع

لا يستطاع ردّه إذا فرط

أما ترى الكركيّ في الجوّ وقد

نغّم في أفق السّماء ولغط

أنساه حبّ دجلة وطيبها

مواطنا قد زقّ فيها ولقط

فجاء يهدي نفسه وما درى

أنّ الرّدي قرينه حيث سقط

فابرز قسيّا من كمنداناتها

إنّ الجياد للحروب ترتبط

من كلّ سبط من هدايا واسط

جعد التّلاع منه في الكعب نقط «2»

أصلحه الصالح باجتهاده

فكلّ ذي لبّ له فيه غبط «3»

ص: 373

وما أضاع الحزم عند حزمها

بل جاوز القيظ وللفصل ضبط «1»

حتى إذا حرّ حزيران خبا

وتمّ تموز وآب وشحط

وجاء أيلول بحرّ فاتر

في نضج تعديل الثّمار ما فرط

(263)

أبرز ما أحرز من آلاته

وحلّ من ذاك المتاع ما ربط

ومدّ للصنعة كفّ أوحد

منزّه عن الفساد والغلط

وظلّ يستقري بلاغ عودها

فسبّر الأطراف واختار الوسط «2»

وجوّد التّدقيق في لحامها

فأسقط الكرشات منه والسّقط «3»

ولم يزل ينقلها مراتبا

تلزم في صنعته وتشترط

ص: 374

فعند ما أفضت إلى تطهيرها

صحّح دارات البيوت والنّقط

حتى إذا قمّصها بدهنها

جاءت من الصّحّة في أحلى نمط

كأنّها النّونات في تعريقها

يعرج منها بندق مثل النّقط

مثل السّوار في يد الرّامي فلو

شاء طواها وحواها في سفط

لو يقذف اليمّ بها مالكها

ما انتقض العود ولا الزّور انكشط

كأنّما بندقها نيازك

أو من يد الرّامي إلى الطّير خطط

من كلّ محني البيوت مدمج

ما أخطأ الباري به ولا فرط

كأنّه لام عليها ألف

وقال قوم: إنّها اللّام فقط

فاجل قذى عيوننا ببرزة

تنفي عن القلب الهموم والقنط

فما رأت من بعد هور بابل

ومائه التّيّار عيشا يغتبط

ونحن في مروجه في نشوة

عند التّحرّي في الوقوف للخطط

من كلّ مقبول المقال صادق

قد قبض القوس وللنّفس بسط

يقدمنا فيها قديم حاذق

لا كسل يشينه ولا شطط «1»

يحكم فينا حكم داود فلا

ينظر منّا خارجا عمّا شرط

لا يشبك الأسباق من جفّته

ولم يكن مثل القرلّي في النّمط «2»

إذا رأى الشرّ تعلّى وإذا

لاح له الخير تدلّى وهبط «3»

ما نغم المزهر والدّفّ إذا

فصّل أدوار الضّروب وضبط

أطيب من تدفدف التّمّ إذا

دقّ على القبض الجناح وخبط

(264)

والطّير شتّى في نواحيه فذا

قد اكتسى الرّيش وهذا قد شمط

وذاك يرعى في شواطيه وذا

على الرّوابي قد تحصّى ولقط

فمن جليل واجب تعداده

ومن مراع عدّها لا يشترط

يعرج منّا نحوها بنادق

لم ينج منها من تعلّى واختبط

فمن كسير في العباب عائم

ومن ذبيح بالدّماء يعتبط

وقال، وورّى وكأن قصده كان طلب الدّرياقين:«4» [الخفيف]

ص: 375

قيل لي تعشق الصّحابة طرّا

أم تفرّدت منهم بفريق

فوصفت الجميع وصفا إذا ضوّ

ع أزرى بكلّ مسك سحيق

قيل هذي الصّفات والكلّ كالدّر

ياق يشفي من كلّ داء وثيق

فإلى من تميل؟ قلت إلى الأر

بع لا سيّما إلى الفاروق

وقال في السلطان وقد لعب بالكرة: «1» [الكامل]

ملك يروّض فوق طرف قارع

كرة بجو كان حكاه ضبابا

وكأنّ بدرا في سماء راكبا

برقا يزحزح بالهلال شهابا «2»

وقال في أدهم ذي حجول: «3» [الكامل]

ولقد أروح إلى القنيص وأغتدي

في متن أدهم كالظّلام محجّل

رام الصّباح من الدّجى استنقاذه

حسدا فلم يظفر بغير الأرجل

فكأنّه صبغ الشبيبة هابه

وخط المشيب فجاءه من أسفل

وقوله: «4» [الكامل]

لا غرو أن يصلى الفؤاد لبعدكم

نارا تؤجّجها يد التّذكار

قلبي إذا غبتم يصوّر شخصكم

فيه وكلّ مصوّر في النّار

وقوله: «5» [الكامل]

ولما سطرت الطرس شوّهت لفظه

وجئت بما شاهدت من لحنه عمدا

عساك ترى عيبا به فتردّ لي

جوابا لأنّ العيب قد يوجب الرّدّا

(265)

وقوله: «6» [الطويل]

ص: 376

لئن سلّ الزّمان لنا مناصل

فصنع الودّ عندي غير ناصل

فإن يك قد تأخّر عنك سعيي

فإني بالدعاء لكم مواصل

ولم تثن النّوى أوتاد ودّي

بأسباب القطيعة والفواصل

وإنّي إن وصفت لكم ودادي

كأنّي طالب تحصيل حاصل

وقوله يصف غلاما تركيا على فرس يرمي الظباء بالسّهام: «1» [الطويل]

وظبي بقفر فوق طرف مفوّق

بقوس رمى في النّقع وحشا بأسهم

كبدر بأفق فوق برق بكفّه

هلال رمى الليل جنّا بأنجم

وقال في فرس: «2» [الوافر]

وعادية إلى الغارات ضبحا

تريك لقدح حافرها التهابا

كأنّ الصّبح ألبسها حجولا

وجنح اللّيل قمّصها إهابا

جواد في الجبال تخال وعلا

وفي الفلوات تحسبها عقابا

إذا ما سابقتها الرّيح فرّت

وأبقت في يد الرّيح الترابا

وقال: «3» [الطويل]

وإنّي لألهو بالمدام وإنّها

لمورد حزم إن فعلت ومصدر

ويطربني في مجلس الأنس بيننا

أنابيب في أجوافها الرّيح تصفر

ودهم بأيدي الغانيات تقعقعت

مفاصلها من هول ما هي تنظر

وصفر جفون ما بكت بمدامع

ولكنّها روح تذوب وتقطر

وأشمط محنيّ الضّلوع على الضّنى

به الضّرّ إلّا أنّه يتستّر «4»

ص: 377

إذا انجاب ستر اللّيل ظلّت ضلوعه

مجرّدة تضحى لديك وتخصر

وقال: «1» [السريع]

قد نشر الزّنبق أعلامه

وقال: كلّ الزّهر في خدمتي

لو لم أكن في الحسن سلطانه

ما رفعت من دونه رايتي

(266)

فقهقه الورد به هازئا

وقال: ما تحذر من سطوتي

وقال للسّوسن: ماذا الذي

يقوله الأشيب في حضرتي

فامتعض الزّنبق من قوله

وقال للأزهار: يا صحبتي «2»

ص: 378