الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن هم بالله يا حادي السّرى
…
سألوك الحال قل: والله مضنا
يتمنّى ساعة من قربكم
…
وبعيدا أن يرى ما يتمنّى
وقوله: «1» [المتقارب]
شكوت إلى البان ما بي فمال
…
إلى أن تباكى عليه الحمام «2»
وقوله: «3» [الطويل]
بدا فأراني الظّبي والغصن والبدرا
…
فتبّا لقلب لا يبيت به مغرى
نبيّ جمال كلّ ما فيه معجز
…
من الحسن لكن وجهه الآية الكبرى
أقام بلال الخال من فوق خدّه
…
يراقب من لألاء غرّته الفجرا «4»
أغالط إخواني إذا ذكروا له
…
حديثا كأني لا أحبّ له ذكرا
أعاذل هل أبصرت من قبل وجهه
…
وعارضه نارا حوت جنّة خضرا
سرى طيفه ليلا إليّ مجدّدا
…
عهود الهوى يا حبّذا ليلة الإسرا
ومنهم:
45- ابن تميم
«13»
وهو مجير الدين، محمد بن [يعقوب بن علي الإسعردي]«5» . طاب شميما، وطال بأبّوته الفرزدق وتميما. وكان فتى لا يزال من النّوائب مجيرا، ولا يرنّح
الرّكائب بردا ولا هجيرا. يعمل مطيّه على وجاها، ويعمل لما زاده رتبة وجاها «1» ، لأدب رقّ كالخدّ سلسله، وخطّ حسن كالصّدغ مسلسله، وشعر كان فيه مطبوعا لا يتكلّف، ومتبوعا لا تجد عنه من يتخلّف. وأغري بالتورية والاستخدام، وأتى منهما بالماء والمدام، فألقى على الناس منه محبّه، وملك القلوب فلم يدع منها حبّه، فأخمل شعراء الشام والعراق، وضمّ اللطائف (135) ضمّ السّاعد للعناق. وطالما بات ليالي لا ينقاد لوسن، ولا يرتاد إلّا سهل الكلام لكنه الحسن.
وكان يعدّ في حماة من حماتها، وممن تفلق به الدّروع قلوب كماتها.
وصحب ملوكها الطّيّبين بحارا، وأمسى لهم في جانب الفرقدين جارا، فبلغ به جودهم فوق همّاته، وغادروه الدهر شاكرا لحماته. وله معهم أخبار يطول شرحها، ويحول سرحها. حكي أنّ الملك المنصور استدعاه في ليلة غفل رقيبها، وحضر ربيبها، وسحبت من الذّوائب ضفائرها، وسجنت من بيض الأيام ضرائرها، إلى مجلس من خزف، وفواكه لم تحرف. وأمامه جدول قد خرّ ماؤه فتكسّر، وأنّ عليه كل بارق وتحسّر. والكؤوس دائره، والشّموس في أيدي البدور سائرة. فلما رأى الجدول، وقد أصابته من العين نظرة فتعثّر، وسقط عقد لؤلؤه فتنتّر، نظر إليه، وقال:[الكامل]
يا حسنه من جدول متدفّق
…
يلهي برونق حسنه من أبصرا
ما زلت أنذره عيونا حوله
…
خوفا عليه أن يصاب فتعثرا
فأبى وزاد تماديا في جريه
…
حتّى هوى من شاهق فتكسّرا
فسرّ المنصور بأبياته، وأحبّ استطلاع خبايا بناته، وأمره بالجلوس إليه، وجعله أرفع القوم مجلسا لديه. ثم لم يستقرّ به المكان، ولا قعد واستكان، حتى
تحرّك المجلس لغلام ورد، كأنما تبسّم عن برد، فقال له المنصور بصوت يخفيه، ما تقول فيه، فقال:[الخفيف]
بأبي أهيف تبدّى وحيّا
…
بابتسام عدمت منه اصطباري
فأراني بوجهه وثنايا
…
هـ نجوما طلعن وسط النّهار
فقال له سرّا، وقد أسفر وجهه وتسرّى: ألا إنّه شديد النّفار من المدام، ولو قرّع بالملام. فهل تقدر على استلابته، وتسهيل بأسه واستهابته؟. فما قطع المقال، حتى التفت إليه ابن تميم وقال:[الطويل]
أتهجرها صرفا لأجل خمارها
…
وذلك شيء لو جرى غير صائر
(136)
فلا تخش من داء الخمار وعاطها
…
فكاد الغلام يسطو عليه سطوة العائث، وقال له كالعابث: وما هذه؟
فقال: [السريع]
صفراء لو لاحت لشمس الضّحى
…
من قبل أن تطلع لم تطلع
أحسن ما في وصفها أنّها
…
لم تجتمع والهمّ في موضع
فقال: بل أشرب خيرا منها، وأدعو «1» للنهي عنها. ثم أتى بركة، فغبّ في مائها، وأرى وجهه خيال قمره في سمائها، فقال:«2» [الكامل]
أفدي الذي أهوى بفيه شاربا
…
من بركة راقت وطابت مشرعا
أبدت لعيني وجهه وخياله
…
ثم لم يزل به حتى شرب، ولذّ معه عامّة ليلته وطرب. فلما طلع ابن ذكاء، وأنار الصّبح وأضاء، شكر له المنصور حلّ عقدة الغلام، وقال: مثلك من سحر
بالكلام. ثم سنّى له الجائزة، وغدا ابن تميم ويده لها حائزة.
ثم استدعاه ليلة أخرى، والحندس قد أسبل جلابيبه، والظلام قد صبّ شآبيبه، والنجوم قد آلت أن لا تزول، وركائب السّيّارة على المجرّة نزول. فبيناهم في ذلك العيش السّجسج «1» ، وبرد السّرور الذي مثله ما يسنج، وإذا بجارية في ظلامها مسفرة، ولذمامها غير مخفرة. قد عنّت كالظّبية المقبلة، تحت ذيل ذوائبها المسبلة، فقال له: إن كنت من أبناء قيلة، قل في هذه الليلة.
فقال: «2» [الكامل]
يا ليلة قصّرت زورة غادة
…
سفرت فأغنى وجهها عن بدرها «3»
حتى إذا خافت هجوم صباحها
…
نشرت ثلاث ذوائب من شعرها
فتبسّمت تضحك لشيب مفرقه، وتوضّح الشمس في مفرقه، فقال:[الوافر]
تقول وقد وصفت لها مشيبي
…
بزهر في دجى شعري منير
بودّي لو يغيّبها غمام
…
ويؤمر بالمقام فلا يسير
(137)
فقال له الملك المنصور: دع عنك هذا، وقل في ذوائب هذه الجارية، فقال:[الطويل]
وهيفاء يسبينا اهتزاز قوامها
…
وتفتننا بالسّحر أجفانها المرضى
يطول عليها الشّعر حتى إذا مشت
…
أتى خاضعا قدّامها يلثم الأرضا
فقال له: بالله هل أعجبتك هذه الجارية؟ فقال: إي والذي خلق الحبّ، وقيّم الزّبّ. فضحك المنصور، وضحكت الجارية. ثم قال له: أفتحبّ أن تكون ملكك، على أن لا تمنعنا من عادة زيارتها؟ فقال: رضيت بالشّركة. فقال له
المنصور: لو قلت هذا شعرا لكان أحسن. فقال: [الطويل]
يقولون لم نعهدك في الحبّ آخذا
…
شريكا ولا مستأنسا بصديق
فقلت طريق الحبّ أصعب مخطرا
…
مخوفا فلم يسلك بغير رفيق
فقضى معه ليلة لم ير مثلها ابن حجر في لياليه الغرّان، ولا ابن بحر عند ابن الخيزران.
وحكي أنّه استدعاه في صبيحة يوم أبيض، ونور بات ياسمينه على الأرض ينفض، والثلج قد نثر كافوره، والجليد قد كسر بلّوره، والسحائب قد أضحت ذيولها مجرورة، والبرق قد تلوّن طول ليلته حتى أخرجها من صورة إلى صورة، وأواني الزجاج قد شفّت من وراء مدامها الرّاح، والدّنان قد فكّ عنها ختام فدامها، ورجال الرّاح قد رادت في إقدامها، والسّاقي بعذار كأنّما كتب بالريحان، أو سيّج بالزّمرّد بنت الجان، وتحت عذاره خيلان. قد خبّأت مسكها فزاد تضوّعا، وكثر طيبه تنوّعا. قد بارح نشرها وفاح، وعلم بنقطها في خدّه أنّه قد تمّ وصف التفاح. فلما دخل عليه في بكرة ذلك اليوم الأغر، ورأى الدنيا الضاحكة تفترّ، أنشده:[الكامل]
يا أيها الملك الذي بسطت له
…
بالجود كفّ دهرها لم يقبض
دنياك مذ وعدت بأنّك لم تزل
…
في نعمة وسعادة لا تنقضي
كان الدليل على وفاها أنّها
…
أضحت تقابلنا بوجه أبيض
(138)
فقال له: ما لهذا طلبتك، ولا لأجله خبّأتك، لكن انظر إلى شامات هذا السّاقي تحت عذاره، وقل في أسّه وعذاره. فلم يقل إيها، حتى قال بديها:[الكامل]
ومهفهف خيلانه وعذاره
…
قد جاوزا حدّ الجمال فأفرطا
فكأنّما كتب العذار بخطّه
…
سطرا بحبّات القلوب ونقّطا
فأجزل له الصّلة، وإن لم تكن عوائده منفصلة.
وحكي أنه طلبه في أخريات عصر غربت شمسه، وكاد يتساوى يومه وأمسه. وبثّ الرّسل في طلبه من كلّ صوب، وتوقّع أوبته من كل أوب، إلى أن توقّد في فحم الدّجى جمر الشّفق، وأهزلوا الجوزاء وخفق. فلم يوجد في ناحية، ولا رئي في عشيّة ولا ضاحية. فلما انشقّ جيب الظلام، واشتعل في المشرق وثيب الضّرام، ألفي في بستان، نائي المكان، نائي السّكان. قد خلا فيه بنفسه منفردا، وبقي فيه فردا مثل السيف مجرّدا. فأخبر بحاله، وأحضر إليه على حاله، فأمر أن يسقى مداما، ثم أوسعه ملاما، فقال:[الكامل]
من كان يرغب في حياة فؤاده
…
وصفائه فلينأ عن هذا الورى
فالماء يصفو ما نأى فإذا دنا
…
منهم تغيّر لونه وتكدّرا
وحكي أنه خرج والرّبيع قد غشيت أنديته، وقتيل المحل قد أديت ديته، حتى خيّم بروضة أطال إليها الخبب والإيضاع، وأودعت النّسيم طيبها فضاع، وبها دولاب تذر مآقيه، ويسرّ مدير كأسه وساقيه، قال فيها:«1» [الطويل]
أيا حسنها من روضة ضاع نشرها
…
فنادت عليه في الرّياض طيور
ودولابها كادت تعدّ ضلوعه
…
لكثرة ما يبكي بها ويدور
فبينا هو على تلك الوسائد، وفي خدمه من قائم الشجر تلك الولائد. فلما أمست مسكة الليل من بأرضه، وصاغ النجم له خاتما من فضة، أخذته (139) إغفاءة كإغفاءة المناصل، أو أخذ المدام بأطراف المفاصل. فرأى فيما يراه النائم
غلاما كان يهواه. قد طرقه طيفا، وبات له في سواد الليل ضيفا، فقال:[الطويل]
أقول لطيف الحبّ إذ زار مضجعي
…
وبات إلى وقت الصّباح معانقي
أيا عجبا من ليلة قد طويتها
…
بوصل حبيبي وهو فيها مفارقي
ومرحت وامتدت أقاطيع الأشعة وسرحت، إيّاه الغلام بقدّ كالرّدني، وطرف كاليماني. قد لبس لام عارضه، وأسكت حسنه قول معارضه، فقال:[البسيط]
من لي بأهيف قد أمست على خطر
…
من قدّه مهجتي إن ماس أو خطرا
قد راح بالعارض المسكيّ محتجبا
…
والغيم عادته أن يحجب القمرا
وفيه يقول: «1» [الطويل]
وأهيف مثل البدر غصن قوامه
…
عليه قلوب العاشقين تطير
تدور عذاراه لتقبيل وجنة
…
على مثلها كان الخصيب يدور
وفيه يقول: [الكامل]
يا حسن أهيف حظّه من حبّنا
…
طيب النّعيم وحظّنا منه الشّقا
قدم العذار إلى نقا وجناته
…
يا مرحبا بقدوم جيران النّقا
وفيه يقول، وقد عيّره بالمشيب:[الكامل]
أضحى يعيّرني المشيب وإنما
…
أبداه طول صدوده وفراقه
هذا الذي أخذ الشباب فزاده
…
في ليل طرّته وفي أحداقه
وحكي أنه حضر أندية بعض الكبراء، وقد غضّ فيه قدر من بقي من
الشعراء. وهو لا يبوح ببنت شفة، ولا يحترف معهم تمرة ولا خشفه، إلّا أن تلبّث خاطره قد انفجر، وخاسئ فضله لهم قد زجر. فلما لم يوم إليهم بطرف، ولا نطق بحرف، همّوا بمناجاته، فعالجهم بمفاجاته، حين أعورت عينه قذاتهم، وأعولت عنده أذاتهم، وقال: لقد جهلتم غرر المصاع، وكلتم زمر الناس كلّهم بصاع، (140) ولو اختبرتم القدّ على المحكّ، لبان الشّك. فتنوّعوا حينئذ في الاقتراح، وكدّوا خاطره فاستراح. فقال أحدهم: صف فوّارة. فقال: [الطويل]
سمت فأعادت في السماء مياهها
…
وزادت فأجرت من مجرّتها نهرا
وقال الآخر: صف كلبا أحمر. فقال: [البسيط]
وثقت بالصّيد لّما أن ركبت له
…
بمستطيل على وحش الفلا ضاري
بأحمر اللون خفّت روحه فله
…
روح من الرّيح في جسم من النّار
وقال الآخر: قل في غلام طويل الشّعر. فقال: [الكامل]
قال الحبيب وقد رآني خائفا
…
إذ زارني من أعين النّظّار
أرسلت شعري حين جئتك زائرا
…
خلفي فعفّى عنهم آثاري
وقال الآخر: صف روضا تعبث به النسيم. فقال: [الكامل]
روض تحلّى بالنبات فماله
…
ولحسنه إلا السّماء نظير
والزّهر مثل الزّهر تحسب أنها
…
فيه إذا هبّ النّسيم تسير
وقال الآخر: صف حديقة قد اهتزّ دوحها، وابتزّ عرف الجنان روحها، واخضلّ فيها نبت النعماء، ورفّت بنت الروض على ابن ماء السماء. وبينها نهر صفا ضميرا، وغدا لأطفال النبات ضيرا. فقال:[مجزوء الكامل]
وحديقة مالت معا
…
طف دوحها من غير سكر
والنهر ساغ قد غدا
…
بسعادة الأغصان يجري
وقال الآخر: إني كلف بفتى دقيق الخصر، لم يحو مثله القصر. فقل فيه.
فقال: [السريع]
قد أظهر المحبوب أعجوبة
…
حار بها العاشق في أمره
ضاق على خنصره خاتم
…
فردّه يقلق في خصره
وحكي أنه مرّ مرّة بدار كان يعهدها معاهد ظباء، ومواعد حباء. فرآها مقفرة الأبيات، من سوانح تلك الظبيات، فوقف بها باكيا، وطاف بأطلالها شاكيا، وهو يقول:[البسيط]
(141)
يا ليت دارهم من بعدهم رسخت
…
تحت الثّرى واختفت عنّي إلى الأبد
فإنّ رؤيتها من بعدهم سبب
…
إلى تضرّم نار الشّوق في كبدي
ثم عكف عليها طائفا، وتذكّر تليدا وطارفا، وقال:[الكامل]
كانت ديارهم بهم مأهولة
…
تغدو بها غزلانها وتروح
حتى نأوا عنها فصارت بعدهم
…
كالجسم لما فارقته الرّوح
ثم والى الزّفير والشّهيق، حتى رثى له الشفيق، ورأى الخليّ أنه لا يفيق.
وحكي أنّه خلا بنفسه في بعض مجالس أنسه، متداويا من هوى برّح بقلبه في جارية، كاد ريّاها يطير بلبّه في ليلة أفصحت العيدان بحروف معجمها، وقرئت صحائف الظلماء بنقط أنجمها، وجرّت كمّت الكؤوس إلى وردها، وخلطت مسك الليل بوردها. وأقبلت الجواري والولدان كاللؤلؤ المنثور، ووصلت الظلماء بذوائب الشّعر المنشور. وأقسم السرور أن قفل الظلماء على الفجر لا يفتح، وآلى أن جانب السّحر له لا يفسح، فقال:[البسيط]
إنّ الغناء الذي قد كان يطربني
…
بكم وينشي مسراتي وأفراحي
هو الذي صار ينشي بعد بينكم
…
حزني ويجعل دمعي مزج أقداحي
ثم أصبح وهو ما هو عليه من الجماح، وأصحر وقد غنّت ذوات الجناح، فجعل يبكي ويقول:[الكامل]
أعلمت أنّ الورق بعدك ساعدت
…
أهل الهوى بالنّوح والأحزان
وبحقّها ناحت عليك لأنّها
…
فقدت قوامك في غصون البان
وحكي أنّه جلس مرّة بالمسجد الجامع، وقد أجاب داعي مؤذّنه السّامع. فلما فرغ من أداء ما وجب، وجلس إليه رجل يقرأ كتابا ويظهر العجب. فلما امتدّ في ذلك الطّلق، ولم يفه لسانه ولا نطق، فقال له: ممّ تعجب، ولم تتخفّى السّماء وتحجب؟ فقال: إنها درعيات أبي العلاء، ودرّيّات ذلك اللألاء. فقال: اقرأها عليّ، وهاك ما لديّ. فقال: لا والله حتى أترح عليك وإلّا (142) فاطرح وإليك، فقال على لسان الدّرع:[الطويل]
هنيئا لمن يأوي إليّ فإنّه
…
يلوذ بحصن لا يرام حصين
وألبسه في الرّوع ثوب سلامة
…
وألقى الرّدى عن نفسه بعيون
وحكى أنّه دعاه بعض الرؤساء إليه في ليلة باردة، أصبح منها بطن الأرض مقشعرّا، وظهر الرّوض من الزّهر قد تعرّى، والجليد قد أقلّ حيل الجليد، والبرد قد نهك الحديد، فسار على كره منه وغيظ لم يثنه، حتى أتى مجلسا أمامه بحرة لو جاراها البحر لجارت، أو أطلقت فيها أزمّة السّفن لسارت، ترمي فيها فواره كإنسان يتشهّد في الماء، أو عمود فضّة يقيم خيمة السّماء. فقال له ذلك الرئيس: هل قلت في ليلتك هذه شيئا؟ فقال: نعم. فقال: ما هو؟.
فأنشده: [الوافر]
وليلة قرّة قد هبّ فيها
…
نسيم لا تقابله الصّدور
نسيم يقشعرّ الرّوض منه
…
إذا وافى ويرتعد الغدير
فعبس ذلك الرئيس وجهه وقطّب، وقال: ظننت والله أنّك تسرّنا فسؤتنا، فهلّا تكفّر هذا بما تقوله في هذه البحرة، فقال:[الطويل]
لقد قابلتنا بالعجائب بحرة
…
مكمّلة الأوصاف في الطول والعرض
كأنّ الذي يرنو إليها بطرفه
…
يرى نفسه فوق السّما وهو في الأرض
فقال له: فما شأن الفوارة؟ فقال: [الطويل]
وفوارة جادت على الأرض فانثنت
…
عقيب الظّما بالرّيّ كالنّرجس الغضّ
وقد أرسلت لّما ارتوت فضل مائها
…
هدايا على أيدي السّحاب إلى الأرض
فقال له: لقد والله عظم حقّك عليّ فاحتكم. فقال: إي والله، فقال: تهبني السّاقي، وكان غلاما روميّا ناعس الطّرف ناعم الظّرف، قد فاق بسحر عينيه، وفلّ الجيوش بكسر جفنيه. فقال:[الكامل]
روحي الفداء لمن أدار بلحظه
…
صهباء في عقلي لها تأثير
فاعجب له من أن يصون بلحظه
…
مشمولة وإناؤها مكسور
(143)
فاستطار مسرّه، واستقلّ الغلام له في المبرّه.
وحكي أنّه جلس على بحرة، أشرقت سماؤها، وطاب بكفّيه المجلس ماؤها، والشمس قد توسّطت الظّهيرة، وأرخت ذوائب أشعّتها الضّفيرة، واللّجّة قد نصبت في كلّ ناحية حباله، وتناومت عينها فما رأيت من الشيء إلا خياله، والماء قد لبس من شعاع الشّمس فضّيّ الغلالة، وغابت سباع البركة، فلعبت الغزالة. فقال:[الطويل]
ولمّا احتمت منها الغزالة بالسّما
…
وعزّ على قنّاصها أن ينالها
نصبنا شباك الماء في الأرض حيلة
…
عليها فلم نقدر فصدنا خيالها
ثمّ، بينما هو في في إملائهما على الحضور، ويومه قد وسع فوق طاقته من السّرور، وإذا بفتاة كانت تنتاب محلّه انتياب الطّيف الطّارق، وتطلع عليه في الأحيان، طلوع النّيّر الشّارق، وقد جاءت إليه بتهادي وزارته، ولم تفارق جفنه سهادا، ثم لم تلبث أن تجرّدت من ثيابها ونزلت الماء، وأرته في الأرض كيف يحلّ البدر السّماء، فقال:[الكامل]
لو كنت إذ أبصرتها عريانة
…
بضفيرتين كليلتي مهجور
لتراهما ألفين من مسك وقد
…
خطّا على لوح من الكافور
وحضر نادي الملك المنصور، وقد حشر الصّباح له ونادى، وقدح السّماح له زنادا، واليوم أوّل ما قد ترعرع، وسرير الملك بوقاره قد تزعزع، وكؤوس الرّاح ساعية، ونفوس الأفراح داعية، وقد جلس للاصطباح، والدهر قد انقاد نيبه للاصطلاح. وإذا بغلام قد دخل كالظّبي، قد تدرّع درع الفارس الأشوس، وخاف أسود شعر محيّاه دراء الأطلس، فقال له: قل في هذا، فقال:[الطويل]
وأهيف أخفى شعره تحت أطلس
…
فأصبح منّا كلّ قلب به مغرى
أراد بأن يطفي عن النّاس فتنة
…
بإخفائه فاستأنفت فتنة أخرى
فقال: أحسنت والله، فبحياتي قل فيه أيضا، فقال:[الطويل]
(144)
وبي ساحر الأجفان حيّة شعره
…
تبدّت لنا في أطلس راق أبصارا
عجبت لها ما فارقت منه جنّة
…
فلم سكّنت من ذلك الأطلس النّارا
فقال: أحسنت والله، فبحياتي قل فيه أيضا، فقال:[السريع]
قلت لحبّي إذ خبا شعره
…
في أطلس بالغ في ستره
مكّن يدي من لمسه قال لي
…
من يلمس الثّعبان في وكره
فقال: أحسنت والله، فبحياتي انظر إلى حسن هذه المنطقة في خصره، ثمّ قل فيها شيئا. وكان الغلام قد شدّ عليه منطقة مجوهرة، قد عانقته كأنّها كلّفت بحبّه، وشغفت بخصره غراما، فتعلّقت به، وتلك المنطقة كأنّما توشّحت بالمباسم، أو توشّعت بأصل المواسم، قد جعلت للهوى به أقوى سبب، وجليت صفوا كالرّاح طفا عليها الحبب، فقال:[الكامل]
كم قلت إذ شدّ الحياصة شادن
…
كلّ القلوب بأسرها في أسره
أتراه قد شغف النّجوم محبّة
…
فتساقطت وتعلّقت في خصره
فقال: أحسنت والله، فبحياتي قل أيضا، فقال:[الكامل]
لّما رأت عيني مناطقك التي
…
أضحت بخصرك دائما تتعلّق
لا تستقرّ وقد علتها صفرة
…
ونحول جسم بالصبابة ينطق
أيقنت أنّ الخصر ضاع نحافة
…
فلذا تدور جوى عليه وتقلق
فقال: أحسنت والله، فبحياتي قل أيضا، فقال:[المتقارب]
بروحي حبيب إذا ما بدا
…
رأيت العيون به محدقه
أعار التّثنّي قدود الغصون
…
فأعطته من حليها منطقه
فسنى له الجائزة، ثم قال له: لك الاقتراح، وكان وقت راح، فقال: أن تأذن لي أن أسافر إلى مصر مدّة، ولك أن تشترط في أيّام الغيبة العدّة. فأذن له على شرط لازم، فشمّر تشمير عازم، ثمّ ما بلّل طلّ الشّجر أطراف الأردية، إلّا وقد ندّ من الأندية، وخلّف رقعة كتب فيها إليه:[السريع]
(145)
إنّي وبعدي عنك يا يامالكي
…
وأنت بالإحسان لي ناظر
كالرّوض إذ جادت عليه السّما
…
والبعد ما بينهما ظاهر
فلمّا أتى دمشق وحلّها، واستطاب دون البلاد محلّها، ورأى النّيّرين وقد أشرق له فيهما نيّر البين، وهبّ إليه ذلك الرّيا، ووقف على مجرى النهر في الدّوح، تحت أغصان الثّريا قال:«1» [الطويل]
سقى الله وادي النّيّرين فإنّني
…
قطعت به يوما لذيذا من العمر «2»
درى أنّني قد جئته متنزّها
…
فمدّ لأقدامي بساطا من الزّهر
وأوحى إلى الأغصان قربي فأرسلت
…
هدايا مع الأرواح طيّبة النّشر
وأخدمني الماء القراح فحيث ما ال
…
تفتّ رأيت الماء في خدمتي يجري «3»
ثمّ خرج يريد مصر في بكرة يوم من أيّام الرّبيع، قد جاء فيه النّسيم بريح الجنان مخبرا، وتأجّج الشّفق نارا تحرق من الطّيب عنبرا، وقد ألقى أبيض الغيم على محمرّه ذيله الفضفاض، وآناء الصّباح قد امتلأ من ندى الطّلّ وفاض، فقال:[الكامل]
للغيم في شفق الأصائل منظر
…
يلهي برونق حسنه من أبصرا
لا غرو إن طاب النّسيم وأفقنا
…
نار مؤجّجة تحرّق عنبرا
ثمّ سار أمام كلّ سريّة، حتى أتى الإسكندرية، وهي صنعاء البلاد، وذات الحلل لا البجاد، لا يتجاوزها الأمل، ولا يعدّ ما فيها من حسن التّفاضيل والجمل. فلمّا تمتّع بتحبيرها وتحريرها، وتنعّم في جنّتها وحريرها قال:[الكامل]
لمّا قصدت سكندريّة زائرا
…
ملأت فؤادي بهجة وسرورا
ما درت فيها جانبا إلّا رأت
…
عيناي فيها جنّة وحريرا
وفي المركب بمينائها يقول: [الكامل]
انظر إلى قطع المراكب إذ بدت
…
والماء يعلو حولها ويدور
مثل السّحائب لا يفرّق بينها
…
نظر وكلّ بالرّياح يسير
وحكي أنّه مات له يوم مطر صديق بكاه، وأغرى بدمعه السّحاب فحكاه (146) فقال:[الطويل]
بروحي الذي جاء الغمام يعوده
…
فصادفه نحو المنيّة قد سرى
فما زال يبدي حرقة وتنهّدا
…
ويبكي إلى أن بلّ من دمعه الثّرى
وحكي أنّه كان قد علق غلاما توقّدت نار وجنته، وحلت مجاجة شفتيه، فأتاه ليلة أثر مدام، دقّق غزل مقلتيه، وشوّش سالفتي طرّتيه، وفي يده شمعة، أزهر منها شمعة خدّه، وأرشق منها قامة قدّه، فلمّا رآه مقبلا وثب وقبّل قدميه من كثب، ثمّ قال بديها فيه وفيها:[الكامل]
عجبا له أنّى يزور بشمعة
…
وضياؤه أبقى الظّلام نهارا
لمّا رأته ووجهه أبهى سنا
…
منها أسالت دمعها مدرارا
وغدت لفرط الغيظ تعطي كل من
…
وافى ليقطع رأسها دينارا
وحكي أنّه خرج يوما بحماة يتفسّح في الصّحراء، والرّبيع قد طلع في حلّته الخضراء، حتى أتى النّاعورة الكبرى، والغروب قد جرى على النّهر تبرا، ونهر العاصي في تلك العشيّة قد موّهت كؤوسه، وذهبت نجوم فواقعه شموسه، فقال يصف النهر:[الطويل]
ونهر إذا ما الشّمس حان غروبها
…
عليه ولاحت في ملابسها الصّفر
رأينا الذي أبقت به من شعاعها
…
كأنّا أرقنا فيه كأسا من الخمر
ثم قال في الناعورة: [الطويل]
وناعورة شبّهتها حين ألبست
…
من الشّمس ثوبا فوق أثوابها الخضر
بطاووس بستان يدور وينجلي
…
وينفض عن أرياشه بلل القطر
وحكي أنه كان قد واعد صديقا أن يخرج معه غازيا، ثمّ قعد وانطلق صديقه غاديا، وذلك لأنّه لم يتقدّم له عليه حقّ يسلّفه، ولا ضرب له موعدا لا يخلفه، ثم كتب إليه يعتبه، وحمّله من أثقاله ما يتعبه، فكتب إليه:[الطويل]
رأيتك إذ ألزمتني الذّنب ظالما
…
وذنبك بين النّاس قد شاع واشتهر
كقلب الذي يهوى يعذّب دائما
…
ولم يجن ذنبا إنّما الذّنب للبصر
(147)
ثمّ لّما فقد ذلك الصديق، وقابل عذره بوجهه الصّفيق، جعل يذكر مواقف غزاته، والاعتداد بمجازاته، فقال:[الطويل]
أتفخر إذ طاعنت خيلا مغيرة
…
فوارسها يوم الوغى ما لها ذكر
وفاتك أنّي طول عمري لم أزل
…
أطاعن خيلا من فوارسها الدّهر «1»
وحكي أنّه خرج يوما إلى الصحراء، وقد تجلّت الأرض بالبيضاء والصفراء، وعيون النّرجس محدّقة. الفضاء مجال خيله. فألفى به غلاما كان له. كان له أيّ مسعد وافاه على غير موعد، فأنزل القبل بساحة خدّه، وأطال في ذميل العناق إليه ووخده «2» ، وقال، وجيوب الشّفق مشقّقة، والنّسيم يتعثّر بذيله، ويوسع في ذلك:[الكامل]
لو لم أعانق من أحبّ بروضة
…
أحداق نرجسها إلينا تنظر
ما شقّ جيب شقيقها حسدا ولا
…
بات النّسيم بذيله يتعثّر
ثمّ لم يقدر على إطالة المكث معه، فتركه وودّعه، فضاق عليه فسيح ذلك الفضاء، وقام يشيح للمضاء، فمرّ بدولاب قد فاضت عيونه، وعبّرت عن شأنه شؤونه، قد حنّ حنين المفارق للأخدان، وإن تعهّد شبابه وهو أغصان لدان، فقال:[الطويل]
ودولاب روض كان من قبل أغصنا
…
تميس فلمّا غيّرتها يد الدّهر
تذكّر عهدا بالرّياض فكلّه
…
عيون على أيام الصّبى تجري
وحكي أنّ الملك المنصور استدعاه يوما إلى مجلسه المطلّ على العاصي، المشرف على الدّاني منه والقاصي، والسّعد قد خدمه، وطنب على النجوم خيمه. وقد أتاه بعض الخدم المعدّين للخدم، فعرض عليه من أعمال الجواري صنائع حسان، وبدائع إحسان، كأنّما أسهمها الرّوض في حبره، أو سهّمها النرض بإبره، فجعل يقرّبها ويأخذها ويقلّبها، حتى أتى على مناديل ليست بمذالات، جعلت لبدور الوجوه هالات، فأمره أن يكتب ما يطرّز فيها، فلم يقل أيّها (148) بل قال بديها:[الطويل]
إذا حملتني راحة الملك الذي
…
أنامله جودا تفيض على البحر
فمن ذا الذي قد حاز ما حزت من علا
…
ومن ذا الذي قد نال ما نلت من فخر
إذا كنت أرقى كلّ وقت وساعة
…
على لجّة البحر المحيط إلى البدر
وحكي أنه واعد غلاما كان به مغرما، وكان لا يرى غير وصله مغنما، وقد ضرب له العشاء موعدا، وأصبح له الدّهر بوصله مسعدا. فجلس لانتظاره حتى طوي بساط السّمر، وكفّ الغروب اشتطاط القمر. فلمّا اسودّت أحشاء الظّلماء، وطفي سراج السّماء، طلع عليه إذ غاب القمر طلوع البدر، وأراه من تلك الليلة
ليلة القدر، فقال:[البسيط]
كم قلت للقمر العلويّ حين بدا
…
يزهى بنور على الآفاق منتشر
أغرب فبدر الدّجى عندي ومن ملكت
…
يداه بدر الدّجى لم يرض بالقمر
ثمّ أديرت الكؤوس، وأذيلت من الهموم مسرّات النّفوس، والساقي يحثّها صفراء تسرّ النّظّار، وتبطن فضّة الأقداح بالنّضار، والغلام إذا أتاه الدّور أطال حمل الكاس، وتشاغل بشمّ الآس، فقال:[الطويل]
حبيبي وعدت الكأس منك بقبلة
…
وأعقب ذاك الوعد منك نفار
فأوقفتها تحت الرّجاء وقلبها
…
به خوف خلف الوعد منك شرار
وما كان هذا لونها غير أنّها
…
علاها لطول الانتظار صفار
فلمّا غربت النّجوم، وغرّدت الطيور حين همّ الصّباح بالهجوم، باكر الغلام رفقة كان قد اتّعد معهم السّفر، وحكى الظّبي الغرير فنفر، فقال:[البسيط]
لّما رحلتم بقلبي في حمولكم
…
وظلت حيران بين الهمّ والفكر
سلّطت دمعي على عيني وقبلكم
…
قد كنت أشفق من دمعي على بصري
وحكي أنّه حين آب من سفره، وانجاب عنه من ذلك النّبكان «1» سحاب مغفرة، دخل عليه زائرا، وقد قلع لامته «2» ، وهزّ عوض الرّديني «3» قامته، والكؤوس (149) تحثّ والمدام يقول: لا يكن للكأس في يدك لبث. وهو يخالف أمره المطاع، ويحبس الكأس في يده ما استطاع، فجنّ ابن تميم جنونه، وباسطه فلم يقبل جنونه، فقال:[البسيط]
لا تحسبوا طول حمل الكاس في يد من
…
أحببته أنّه ساه ولا ناسي
لكن رأى وجهه فيها وأعجبه
…
جماله فأطال الحمل للكاس
وحكي أنّه كان له صديق يسر بموافقته، ويصرّ على مرافقته. كانا نجيّين في السّرور، ويضعان ويرتشفان الحبور ويرتضعان، ثمّ حصلت بينهما مقاطعة وهجرة، أظلمت ما بينهما، والكؤوس ساطعة، ومكثا على الهجران، حتى آن أن يلقي الشّتاء الجران «1» ، فهبّ يوما من منامه، وصبّ للاصطباح كؤوس مدامه، والجوّ قد مرحت فيه قطع الغيم، ولبس منه صدور البراءة وحلّة الأيم. فلمّا برئت من الشّفق الجراح، وتعلّق السّحاب دون السماء تعلّق القطاة بالجناح، تذكّر عهد صاحبه المفارق، وساقه إليه من شعاع المدام وميض البارق، فكتب إليه:[البسيط]
إلى متى ذا التواني يا نديم فقم
…
والق المدام بإكرام وإعزاز «2»
فيومنا بابتسام الجوّ تحسبه
…
من عقل من بات فيه صاحبا هازي
فقد تجعّد مبيضّ الغمام به
…
دون السّماء فحاكى جؤجؤ البازي «3»
فلمّا قرأها قام إليه، وقطع يمينا لا يغلو بإنفاق العمر عليه.
وحكي أنّه اتخّذ له بادهنجا تغيّر عليه هواه، ولم يحسن إرساله للنّسيم ولا هواؤه، فقال فيه:[البسيط]
قد كان لي بادهنج أستلذّ به
…
في القيظ منه النّسيم الرّطب ألتمس
لكنّه، عشتم، قد مات من زمن
…
أما تراه وما يبدو به نفس
وكذلك حكي أنّه رأى وردا يستخرج ماؤه، وقد فارت في الأنابيب دماؤه،
فقال: [البسيط]
الورد قد قال لّما أن أتيتكم
…
ضيفا وفضلي عليكم غير ملتبس
(150)
جعلتم فيض روحي نصب أعينكم
…
ظلما ولم تقنعوا أن تأخذوا نفسي
وقال: «1» [الطويل]
ولم أنس قول الورد والنّار قد سطت
…
عليه فأمسى دمعه يتحدّر
ترفّق، فما هذي دموعي التي ترى
…
ولكنّها نفس تذوب فتقطر
وحكي أنّ رجلا دعاه إلى بستان نازح، ومكان لا يسمع ضيفه صوت نابح، بعيد من القرى والقرى، ما فيه للطارق إلا الحديث والمناح في الذّرى، فبات عنده بسوءة الحال. فلمّا أصبح شمّر للارتحال، فأركبه المضيّف له فرسا قصيرا، لا يحسن له مصيرا، فقال:[الطويل]
وما أنا إلا راحل فوق ظهره
…
ولكنّني فيما ترى العين فارس
فقال له ذلك المضيّف، وكان جاهلا لا يتقلّب بين الناس والرّجا، ولا يفرّق بين المديح والهجا: هبك قلت هذا، ماذا يكون؟ فقال ولم يفصل بين كلاميهما سكون:[البسيط]
لا تحتقر بقليل الشّرّ إنّ له
…
زيادة كضرام النّار بالقبس
فحرب وائل ضرع النّاب سعّرها
…
وحرب عبس جنتها لطمة الفرس
وحكي أنّه كان يهوى غلاما يهيم بوعده، ويصلى النّار ببعده. وطالما قعد ينتظر منه موعدا أخلفه، وقد قدّم له الوعد وأسلفه، فإذا عتب قال: نسيت. وإن كان لا ينسى ولا يأسف عليه ولا يأسى، فقال:[الطويل]
مدحي الذي نسيانه صار عادة
…
وأفرط حتى كاد يعدمه الحسّا
فلو أنّه بالهجر أضحى مهدّدي
…
لما ساءني علما به أنّه ينسى
وحكي أنّه حضر مجلس بعض الأكابر، وقد غصّ المجلس، وبهتت فيه عيون النرجس، وقمعت فيه أصابع المنثور، وأعطي فيه أمير الحسن ذؤابة شعره المنشور، وطال إعمال الكؤوس، حتى غمضت الجفون، ولم يبق من دور الكأس حال من الجنون، وثم أمنية ابن تميم قد تركه السّكر لقى، وخلا (151) خدّه المضرّج مخلقا. فنهض غير مرّة لتقبيله، ثمّ خاف أعين قبيله، فقعد بعد اللّجاج، ورجع رجوع الصادي، والماء يجلا عليه في الزّجاج، فقال:[الكامل]
كيف السّبيل لأن أقبّل خدّ من
…
أهوى وقد نامت عيون المجلس
وأصابع المنثور تومي نحونا
…
حسدا وتغمزها عيون النّرجس
وفيه يقول: [السريع]
أبدى الذي أعشقه شامة
…
تزيد بلبالي ووسواسي
بصحن خدّ لم يغض ماؤه
…
ولم تخضه أعين النّاس
وفيه يقول، وقد أفاض عليه درعا، ضاق به ذرعا، وقد جعل شعره في كيس من الأطلس، منع بها حيّته أن تسعى، أو تجدّد له لسعا:[الكامل]
شهد القتال وحاجباه وطرفه
…
تغنيه عن حمل الصّوارم والقسي
أعطاه أرقم شعره جلبابه
…
درعا فعوّضه بثوب أطلس
وأمّا ما لم يقع لنا فيه من شعره خبر، فقوله في البنفسج والورد:[الكامل]
إن البنفسج مذ أتاه مبشّر
…
بالورد عرّض وحشه من أنسه
الورد يورده الحمام فلبسه
…
ثوب الحداد لرزأة في نفسه
وقوله يهجو: [الكامل]
لّما جسستك بالمديح ولم أكن
…
أدري بأنّك خامل في النّاس
ناديت لّما أن جسستك بالهجا
…
أكليب خذها من يدي جسّاس
وقوله في النرجس: [المتقارب]
ولما أتى النّرجس المجتنى
…
بقرب الرّبيع وإيناسه
نثرنا على رأسه فضّة
…
وتبرا فراق لجلّاسه
وأصبح يخطر ما بيننا
…
وذاك النّثار على رأسه
وقوله في إهداء قدح: [الكامل]
يا حسنه قدحا يضيء زجاجه
…
ليل الهموم إذا ادلهمّ وعسعسا
(152)
أهديته مثل النّهار فإن حوى
…
صرف المدام غدا نهارا مشمسا
وقوله: [الوافر]
وزورق فضّة لم تحظ منه
…
عيون الشّرب من فرط البريق
تراه وهو يسبح في الحميّا
…
هلالا لاح في شفق رقيق
وقوله يرثي شريفا غرق في نهر يزيد: [البسيط]
بني عليّ يزيد حيث كان لكم
…
حربا، فمن حلّ منكم فيه لم يعش
لقد تنوّع في إتلاف أنفسكم
…
فظلّ يقتلكم بالرّيّ والعطش
وقوله يصف خيال الغصون في الماء: [الكامل]
وحديقة ينساب فيها جدول
…
طرفي برونق حسنه مدهوش
يبدو خيال غصونها في نهرها
…
فكأنّما هو معصم منقوش
وقوله في النيلوفر: «1» [الكامل]
لما حكى زهر الكواكب نوفر
…
وأقام وهو على الكياد حريص
خاف الحريق وقد رمته بشهبها
…
فلذاك أمسى في المياه يغوص
وقوله: [الطويل]
ونيلوفر يحكي النجوم وماؤه
…
يحكي سماها لا يغادرها حرفا
يغيب إذا غابت ويبدو إذا بدت
…
ويشبهها شكلا ويفضلها عرفا
وقوله: [الطويل]
إذا كنت ذا فضل وتشكر ناقصا
…
يقابل إعراض الورى بالقوارص
فلا خير في الفضل الذي قد حويته
…
إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقص
وقوله: [الكامل]
إنّ الشّفيع إلى الجواد شريكه
…
في الجود للدّاني معا والقاصي
وإذا شكرت البحر في إنعامه
…
بالدّرّ فاشكر حيلة الغوّاص
وقوله: [الكامل]
ولربّ صيّاد غذتني كفّه
…
سمكا يظلّ الطرف منه حائرا
(153)
يلقي إلى قعر الخليج بدرعه
…
فيعود ملآن العيون خناجرا
وقوله: [البسيط]
لا تعجبوا من غلامي وهو أبله خل
…
ق الله إذ راح لي في حاجة فمضى
فالسهم وهو جماد حين أرسله
…
من ساعتي في مهمّ يفهم الغرضا
وقوله يذم قينة: [السريع]
غانية جاءت بلا موعد
…
ولم تكن روحي بها راضية
قضى الله لي بها مرّة
…
يا ليتها كانت القاضية
وقال يصف زهر اللّوز: [الوافر]
خرجنا للتّنزّه في بقاع
…
يعود الطّرف عنها وهو راض
ولاح الزّهر من بعد فخلنا
…
ضبابا قد تقطّع في رياض
وقوله على لسان الياسمين: [الكامل]
لما ازدرى بالياسمين ولبسه ال
…
مبيضّ زهر الرّوض قال وأعرضا
ما ضرّ إذ كان نشري طيّبا
…
من دونكم إذ كان ثوبي أبيضا
وقوله في المديح: [البسيط]
لّما تفضّلت في حقي وقمت إلى
…
نصري وبلّغتني بالجود أغراضي
كسوت عرضك درعا بالمديح فإن
…
أردته كان سيفا في العدا ماضي
وقوله في المشيب: [الكامل]
خطب ألمّ، وشيب رأسي جملة
…
فلقيت شرّا منهما وكذا قضي
فاعجب لخطب أسود لم يقتنع
…
بفعاله وأتى بخطب أبيض
ولله هذا الشاعر وحسن تخيّله، ولطف تحيّله، انظر كيف جعل الخطب الملمّ موافيا لشيب رأسه المدلهم، وجعل خطب النّوائب أسود، وخطب الشيب أبيض، وأنه جمع فيهما بين المتضادين، وقد قال في البيت الأول: و «لقيت شرّا منهما «وهو إن حمل على ظاهره كان بليغا، وإن حمل على أنّ المراد بقوله شرّا (154) أفعل التفضيل كان أبلغ، وهذا الذي لا يقدر عليه كلّ شاعر، ولا يعدل به وسق «1» الأباعر.
عدنا إليه. وقوله يخاطب شيخه علاء الدّين النّحّاس: [الوافر]
علاء الدّين أضحى بحر علم
…
يجيب السّائلين بلا قنوط
أحاط بكلّ ما في الأرض علما
…
فقل ما شئت في البحر المحيط
وهذا من المقاصد الحسنة، إذ جعله قد أحاط بما في الأرض، وهو البحر المحيط، إذ هكذا حقيقته.
عدنا إليه. وقوله وقد دعي إلى مجلسين يفضّل أحدهما: [الوافر]
دعيت فكان أكلي فخد طير
…
ولم أشرب من الصّهباء نقطة
وما يومي كأمس وذاك أنّي
…
أكلت إوزّة وشربت بطّة
وهذا والله غاية ما بعدها.
عدنا إليه: [السريع]
مذ زارني المحبوب تحت الدّجى
…
مبرّدا قلبي من قيظه
تطّلع الصّبح علينا ولم
…
يشعر به فانشقّ من غيظه
وقوله يحرّض على القتال: [الكامل]
انهض بنا نحو العدوّ فإنّهم
…
في غفلة من قبل أن يتيقّظوا
فجيادنا للغيظ تأكل لحمها
…
حنقا عليهم والظّبى تتلمّظ
وقوله في مطرب: [الكامل]
يا من يلازم موضعا في شدوه
…
قسما لقد شرّفت مني مسمعي
لو كان لي سعد وحقّك لم تزل
…
أبدا تعنّيني بهذا الموضع
وقوله يصف نارا: [الكامل]
وكأن نارا أضرمت ما بيننا
…
ولهيبها يخشى سطاه ويجزع
سوداء أحرق قلبها فتكلّمت
…
بسفاهة فينا كلاما يلذع
وقوله: [الكامل]
لا ذنب للنيران إن هي أخمدت
…
زمنا فصنّ العرق فيه بنبضه
كانون أرعدها فأصبح جسمها
…
للبرد يدخل بعضه في بعضه
(155)
وقوله يصف فانوسا: [الكامل]
انظر إلى الفانوس تلق متيّما
…
ذرفت على فقد الحبيب دموعه
يبدو تلهّب قلبه لنحوله
…
وتعدّ من تحت القميص ضلوعه
وفيه يقول: «1» [الطويل]
يقول لها الفانوس لما بدت له
…
وفي قلبه نار من الوجد تسعر
خذي بيدي ثم اكشفي الثّوب تنظري
…
ضنى جسدي لكنني أتستّر «2»
وفيه يقول: [البسيط]
أبدي اعتذارا لذا الفانوس حين غدا
…
في حالة من هواه ليس ينكرها
رأى الهوى مضرما ما بين أضلعه
…
نار الجوى فغدا بالثّوب يسترها
وقوله يصف درعا: [الطويل]
ودرع إذا ألقيتها وسط مهمه
…
رأيت القطا فيها يغبّ ويكرع
يكاد إذا عاينت ضحضاح ما بها
…
يلوح بها للصّفو حوت وضفدع
إذا ما أتاها الرّمح ظنّ بأنّها
…
غدير نشأ في مائه فهو يخضع
ويرعد متن السّيف علما بأنّه
…
متى زارها في شهره يتقطّع
ولو كان أنّ في ضلوعه
…
من الغمد يلقاها لما كان يطلع
وإن جاءها سهم يناد بها سردها
…
أرى النّصح يا مغرور أنّك ترجع
إذا كان هذا في قنا اللحظ والظّبى
…
صنيعي فقل لي ما بضعفك أصنع
فلو لجأت نفس إليّ وجاءها
…
رسول المنايا لم تكن منه تجزع
وقوله: [الوافر]
ونهر كلّما هبّت عليه النّ
…
واسم في الذّهاب وفي الرّجوع
يؤثّر فيه تجعيدا خفيفا
…
كوطء الصّافنات على الدّروع
وقوله في غلام ينظر وجهه في مرآة: «1» [الكامل]
طوبى لمرآة الحبيب فإنها
…
حملت براحة غصن بان أينعا
(156)
واستقبلت قمر السّماء بوجهها
…
فأرتني القمرين في وقت معا
وقوله في غلام لابس قباء أصفر: [الطويل]
ولّما ارتدى من أصفر اللّون حلّة
…
كسا عاشقيه حلّة من طباعها
وما هي إلّا شمس خدّيه أشرقت
…
فألقت على أثوابه من شعاعها
انظر إلى رأي هذا الشاعر الأصيل، ولطف معناه الذي خضعت له شمس الأصيل، هل يقال أحسن منه في لابس أصفر، أو يجلي مثله الصباح إذا أسفر.
عدنا إليه. وقوله يصف ناعورة: [الكامل]
وناعورة قالت لنا بأنينها
…
قولا ولم تدر المقال ولم تعي
كم فيّ من عيب يرى مع أنني
…
أبدا أسير ولا أفارق موضعي
لا رأس في جسدي وقلبي ظاهر
…
للناظرين وأعيني في أضلعي
وقوله: [الطويل]
أيا ذا الذي قد كفّ كفّيه عامدا
…
عن الجود خوف الفقر ما ذاك سائغ
أتخشى، سهام الفقر ما دمت منفقا
…
تصيبك، والنّعمى عليك سوابغ
وقوله: «1» [الكامل]
حاذر أصابع من ظلمت فإنّه
…
يدعو بقلب في الدّجى مكسور
فالورد ما ألقاه في جمر الغضا
…
إلّا دعاء أصابع المنثور «2»
وقوله: [الكامل]
لّما دعا المنثور أن الورد لا
…
يأتي وإن يصلى بنار سعير
ودّت ثغور الأقحوان لو أنّها
…
كانت تعضّ أصابع المنثور
وقوله: [الكامل]
أنعم على المنثور منك بزورة
…
فلقد أراه والسّقام حليفه
ما اصفرّ إلا حين غبت ولم تزل
…
تدعو بأن يأتي إليه كفوفه
وقوله: «3» [الكامل]
مذ لاحظ المنثور طرف النّرجس ال
…
مزور قال وقوله لا يدفع
(157)
فتّح عيونك في سواي فإنه
…
عندي قبالة كل عين أصبع
وقوله: [الكامل]