الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تمهيد
منذ عهد الجاهلية إلى اليوم تحيط بمكة المكرمة ثلاث قبائل كبار عريقة:
هُذَيْل في الشرق والجنوب الشرقي والشمال الشرقي، حيث كانت ديارها تمتد من اللِّيث وحَلْيَة في الجنوب إلى غُرَان ورُهَاط شمال مكة. وكانت كِنَانة تحيط بمكة من الغرب والجنوب الغربي، حيث كانت ديارها تمتد من حلي في الجنوب إلى وادي الصفراء في الشمال. ومن كنانة قُرَيْش التي تملكت كل مكة ونفت خُزَاعة عنها، وكان الفضل في ذلك يعود، إلى ذلك الزعيم القائد: قصيِّ بن كلاب، الجد الخامس لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
والقبيلة الثالثة كانت خُزاعة، وخزاعة كانت تلي البيت وتملك جل مكة إلى أن أخرجها قصيّ كما ألمحنا آنفا. ثم نزلت وادي مر الظهران فكانت ديارها تحيط بمكة من الجنوب الغربي والشمال وتمتد على عُسْفان وأمَج وقُدَيْد إلى السائرة المعروفة اليوم باسم حجر شرق رابغ على مائة كيل. ولا زالت لهذه القبيلة بقية تسكن جنوب مكة وغربها وكانت هُذيل أشعر العرب، ومن أفصح القبائل بعد قُرَيش، أو لعل الحظ حالف هُذَيْلاً حيث قَيَّض لها من جمع شعرها وحفظه، بينما ضاع شعر قبائل كثيرة.
وإذا أردت أن تدرس منطقة مكة في الشعر العربي فإن المعول عليه شعر هُذَيل، ويأتي بعده شعر قُرَيش، ولعل تفوق هذيل على قريش في هذا المضمار
يعود إلى أن قُريشاً أمة تجارية ودينية بينما هُذَيل بادية يتنقلون بين الفيافي والفجاج فيصفون الجبال والأودية ويخيلون السحاب ويشاهدون لمعان البرق ويسمعون هدير السيول، فجاء شعرهم ملتصقاً بالطبيعة معبراً عنها أحسن تعبير.
وروى ياقوت في معجم الأدباء (ج 16 ص 141) إنه كان في هُذَيل مائة وثلاثون شاعراً ما فيهم إلا مُفْلِق.
وفي هذه البحوث القصيرة (1) نمر مع شعر هذيل وقريش وغيرهم ممن تفرضه المناسبة ومن ذكر معالم مكة بما يتيسر لنا، ولا أدَّعي الإحاطة.
والآن:
كان هذا تمهيداً لبحوث ومقالات نشرت في الجريدة، وما أنْ رآها من لهم ولع بمثل هذه المعلومات حتى طلب مني كثيرون من الأخوة الأعزاء أن أحيلها إلى كتاب، وما كان الهدف كذلك، غير أنهم أقنعوني، وكان يعضد طلبهم: إن هذه البحوث نشرت في جريدة، والجريدة قد تفوت القارىء، ثم إنها تعرضت لأخطاء مطبعية سيئة أثناء النشر، ثم إن الجريدة يصعب الاحتفاظ بها والرجوع إليها عند الحاجة، فَلَما اقتنعت بنشرها في كتاب كان لا بد من إجراء لمسات وإضافات تليق بما لمكة من مكانة في نفوس الباحثين والعلماء.
فأضفت معالم تأريخية، إما كمواد منفردة أو أثناء ذكرها عرضاً، وجعلت الدليل في آخر الكتاب يوضح مواضعها بدقة.
ثم لا أنكر أن في كثير من هذه المعلومات تكراراً وترديداً لمعالم كثيرة، ولكن يشفع لي إن هذا غيرمقصود، ولكن هذه المعالم تشترك في الشواهد وتتجاور في المواقع والحديث عن أيها يستلزم استحضار الشاهد، وبتكرار الشاهد تتكرر المعلومات، وفي بعض الإعادة إفادة. ولا أنسى هنا أن أشكر أخوة كثيرون تجاوبوا معي، ومدوني بمعلومات عن مواضع أثرية وتأريخية، وبعضهم تطوع بمرافقتي في رحلات حول مكة، وأخص منهم الأخوين: نوار
(1) كان هذا الكتاب ينشر على شكل مقالات في جريدة الندوة.
ابن سنان الدعدي الهذلي، وعطية الشيبي المطرفي الهذلي. ولا أنسى -والفضل لأهله يذكر- فضل أخي محمد بن عبد الله بن برير، الذي كان يجهد نفسه كثيراً في سبيل إخراج تلك البحوث إخراجاً يليق بمعالم مكة.
وختاماً أسأل الله أن يَجْعَل هذا العمل خالصاً لوجهه، نافعاً هذا البلد الأمين.
المؤلف