الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الطائفة الأخرى، للأسباب التربوية التي ذكرناها فيما مضى. فناسب أن يردف الحديث عن المؤمنين ودعاء الملائكة لهم، بالحديث عن الكافرين وما يقولون ويقال لهم يوم القيامة، وبعد أن تعرض الآيات لهذه الصورة من حال الكافرين يوم القيامة يتناول البيان القرآني وصف يوم القيامة بصورة عامة ومخيفة يتضاءل أمر الكافرين وشأنهم من خلال هولها. ونجد أنه أدخل ضمن هذا البيان آيات يتجه فيها الخطاب إلى الناس بالموعظة والتذكير وإعداد العدّة لهذا اليوم قبل فوات الأوان، وذلك حسب الطريقة القرآنية المتبعة من إقحام آيات الوعظ والإرشاد والتوجيه خلال الموضوعات والأبحاث الأخرى لأسباب ذكرناها فيما سبق.
شرح الآيات:
* تصف الآية الأولى، بأسلوب فريد، مدى كراهية الله للكافرين يوم القيامة، فتجعل المقياس الموضّح لذلك مدى كراهية الكافرين لأنفسهم إذ أودت بهم إلى هذا المصير الهائل الأليم، وإنها لكراهية شديدة إذ ذاك. إن مقت الله لهم في ذلك اليوم أكبر وأشدّ من مقتهم الشديد لأنفسهم ومن مقت بعضهم لبعض. ولئن كان سبب مقتهم أنفسهم أنها أودت بهم إلى هذا المصير، فإن سبب مقت الله لهم أنهم طالما دعوا في دنياهم إلى الإيمان وظلوا يجحدون ويكفرون. فهذا معنى قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ. أي لمقت الله إياكم اليوم أشدّ من مقتكم أنفسكم، وإِذْ تُدْعَوْنَ .. علة لمقت الله عز وجل. وأنت خبير أن مقت الله إياهم ليس خاصّا بذلك اليوم بل هو موجود في الدنيا أيضا، ولكن لما ظهر أثره يوم القيامة أسند إلى ذلك اليوم. على أنه يجوز عدم تخصيص المقت إياهم بذلك اليوم
وحده، فتكون الآية بيانا لما استحقوه من المقت منذ أن كفروا في دار الدنيا.
* وتصف الآية الثانية مدى ذلّهم وضراعتهم في ذلك الموقف حيث يقولون: رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا. أي أمتنا إماتتين اثنتين وأحييتنا إحياءتين اثنتين، والإماتتان هما الإماتة السابقة على الوجود في
الحياة الدنيا، والإماتة السابقة على الحشر يوم القيامة. والحياتان هما الحياة التي عاشوها في الدنيا والتي بعثهم الله إليها يوم الحشر. وعبّر عن العدم الأول بالإماتة مع أنه عدم أصلي غير مسبوق بوجود ليصوّر لك أن ذلك إنما هو أيضا بجعل الله وتقديره، كما تقول: سبحان من صغر البعوض وعظم الفيل، مع أن البعوض صغير من أصله.
ويقولون بعد ذلك: فاعترفنا بذنوبنا، ليمسحوا بهذه الضراعة جحودهم السابق، وليجعلوا من ذلك تمهيدا وتوطئة لرجائهم الذي يتقدمون به: فهل إلى خروج من سبيل؟. وأنت إذا تأملت في هذه الجملة وجدتها تصوّر أبلغ حالات الضراعة والاسترحام والذل: فقد عبّروا عن رجائهم بهل وهي- كما تعلم- استفهام عرض ورجاء، ثم عبّر عن الرجوع إلى دار الدنيا بمطلق الخروج من هذا الموقف، ونكّر الكلمة بيانا لتعلقهم الشديد بأي خروج من هذه الورطة، ونكر السبيل وزاد من تنكيرها وتعميمها بتسليط «من» عليها، ليصبح المعنى هل إلى أيّ خروج من هذا المأزق سبيل ما من الممكن تصوره؟ .. وهو كما ترى كلام من غلب عليه القنوط واليأس وأسقط في يديه، فراح يتعلق بحبال واهية من الرجاء والضراعة والذل.
* والآية بعدها معرضة- كما ترى- عن الجواب على استرحامهم هذا، تنبيها إلى استحالة ما يؤملونه وإلى وضوح ذلك بحيث لا حاجة إلى التحدّث فيه والإجابة عنه، ولكنها تكشف لهم عن علة هذه الاستحالة وسببها، إذ تقول: ذلكم الذي انتهيتم إليه من العذاب الذي لا مردّ له، إنما هو بسبب أنكم كنتم إذا دعيتم إلى الله في دار الدنيا بادرتم إلى الجحود والكفر، وإن لاحت لكم دعوة إلى باطل أو شرك سارعتم فيه وآمنتم به.
وتأمل في دقة التعبير القرآني عن هذا المعنى: ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ، وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا عبّر عن حال الدعوة إلى الله بإذا الدّالة على التحقق والتكرار، وعن حال ظهور الشرك أمامهم بأن الدّالة على المصادفة في الوقوع وعدم التكرار، ونصّ على الدعوة في الحالة الأولى وأهمل ذكرها في الحالة الثانية، ليصوّر في الذهن مدى ما انتهى إليه حالهم من السوء، فهم لا
ينصتون إلى شيء من الحق مهما ذكروا به ودعو إليه، في حين أنهم يسرعون إلى الكفر والجحود مهما لاحت لهم أي صورة منه على البعد.
فمن أجل ذلك، لا مردّ ولا رجوع؛ والحكم لله العليّ الكبير وحده.
* ويلتفت السياق هنا، بعد أن تصور القارئ المتأمل رهبة الحشر والحساب يوم القيامة، وتصور حالة الندم التي يستغرق فيها الكافرون إذ ذاك دون أي فائدة؛ لينبّه الناس- وإن الوقت لم يفت بعد، وإن هذا الموقف لا يزال غيبا في علم الله- إلى أن يتداركوا فيصلحوا أحوالهم ويؤمنوا بالحق القائم جليّا أمام بصائرهم. فيقول الله عز وجل مخاطبا عباده في دار الدنيا: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ. فأما الآيات، فهي تلك الدلائل الجليّة على وجود الله ووحدانيته والتي بها تستقر العقيدة الصحيحة في القلب فتحقق مصلحة الدين للناس في الحياة. وأما الرزق الذي ينزل من السماء فهو كناية عن سببه وهو المطر الذي به تحيا الأرض وتوجد الأرزاق، والذي به تتحقق مصلحة الدنيا للناس في الحياة، فالآية تبيّن أن الله عز وجل قد أقام لعباده في الدنيا كلّا من أساسي مصلحة دينهم ومصلحة دنياهم.
ولكن رغم ذلك كله، فإنه لا يتذكر هذه الحقيقة الواضحة ويستيقظ إليها إلا من تخلّص من شوائب أهوائه وأغراضه ورجع إلى عقله المتجرد الحرّ يستمع إلى حكمه ويأخذ بهديه.
* فإذا كان الأمر كذلك، فاستقيموا أيّها المؤمنون على عبادة الله تعالى وأخلصوا الدين له، ولا تلتفتوا إلى ما يغيظ الكافرين من ذلك، فهم إنما يكرهون ذلك منكم وينكرونه بسائق من شهواتهم وأهوائهم النفسية، لا بوحي من عقولهم الحرّة الطليقة.
ولما أمر الله المؤمنين بالاستقامة على عبادة الله، أتبع ذلك ببيان بعض ما يتصف به الله عز وجل من صفات الربوبية تأكيدا لما تضمنته الآية السابقة من الأمر بعبادة الله عز وجل فقال: رَفِيعُ الدَّرَجاتِ، ذُو الْعَرْشِ، يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ.
فأما: رفيع الدرجات، فهي بمعنى مرتفع الصفات فلا يلحق به فيها غيره ولعلّ هذا خير من القول بأن رفيع بمعنى رافع وأن راجع وأن المعنى: رافع درجات من شاء من عباده، ذلك أن الأشبه برفيع أن تكون صفة مشبهة لا اسم فاعل.
وأما: ذو العرش، فمعناه مالكه وخالقه. وإنما أفرده بالذكر لأنه من أعظم مخلوقاته وأجلّها، والعرش من الغيب الذي أخبرنا الله عنه ولم يطلعنا عليه، فهو مما يجب الإيمان به غيبا. والصفتان خبران لمبتدإ محذوف تقديره:
هو، حذف اكتفاء بما يدل عليه وتوجيها للفكر كله إلى التأمل في هذه الصفات.
ويُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ
…
خبر آخر، فهي صفة ثالثة، أي أنه يرسل الوحي الذي هو بمثابة الروح لحياة الإنسان، إذ إن مضمون الوحي الإلهي إنما هو روح للحياة الحقيقية التي يحتاجها الإنسان أشد من حاجته إلى الغذاء. وتأمل في التعبير ب يُلْقِي وانظر إلى الكلمة كيف تصور انطلاق الوحي من الله عز وجل إلى من شاء من عباده في إلقاء سريع، فلا يمكن أن يلحقه أي تبديل أو تحريف، وهو ما يؤكد مضمون قوله: من أمره، أي يلقي الروح ناشئا ومنطلقا من أمره، فمن للابتداء، والجار والمجرور متعلق
بمحذوف منصوب على الحالية.
وفي قوله: عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ دلالة على أن النبوّة لا تأتي بالكسب والترقي في مدارج الصلاح والتقوى، وإنما هي اختيار إلهي محض.
أما الوظيفة التي يتضمنها الوحي ويكلف بها الرسول فهي أن ينذر يوم التلاق، أي يوم القيامة.
ولم يذكر المفعول الأول لينذر، ليكون الإنذار عامّا للناس كلهم في مختلف الأعصار والأمصار، ولم تزد الآية على أن أطلقت على يوم القيامة اسم: يوم التلاق، دون أن تعين المقصود بالتلاقي الذي يكون فيه، ليشمل كل تلاق يكون في ذلك اليوم
…
إذ فيه تتلاقى سلسلة أجيال البشر كلها على صعيد واحد بعد أن كانت مفرقة على عمر الدنيا كلها، وفيه يتلاقى الناس بالملائكة وأهل السموات بأهل الأرض، وفيه يتلاقى الناس مع ما قدّموه من أعمال
…
إنه حقيقة يوم التلاق
…
التلاقي بمعناه الشامل العام وبكل ما في الكلمة من معنى، وإنه لتلاق عجيب ورهيب!!.
ومع الحديث عن آخر هذه الصفات يعود السياق، كما ترى إلى أول البحث؛ وهو الحديث عن يوم القيامة وحال الكافرين فيه؛ فتصف الآيات التالية جوانب من مظاهر يوم التلاق:
* يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ، لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ: ثلاث صفات من أهم صفات يوم الحشر، تصورها هذه الجمل الثلاث تصويرا يسيطر على المشاعر ويأخذ بالقلب.
(يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ): بدل من يوم التلاق، أي لينذروهم ذلك اليوم. يوم هم خارجون من قبورهم إلى ظاهر أرض مستوية لا يسترهم فيها شيء من جبل أو بناء أو واد أو أكمة. إذ هي كما قال عز وجل:(قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً).
(لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ): استئناف فيه مزيد من التقرير لبروزهم ووضوحهم في ذلك الموقف، وفيه مزيد من نسخ ذلك الباطل الذي كان عالقا برءوس الكافرين منهم في الدنيا من أن الأرض إذا التقمتهم وأصبحوا ترابا فهيهات أن يحشروا مرة أخرى، فها هم اليوم بارزون ظاهرون يموجون تحت سلطان الله وفي قبضته وأمام نظره.
(لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ): صفة ثالثة جاءت بهذا الأسلوب التصويري المثير. فمن أجل ذلك حذف لفظ القول من جملتي السؤال والجواب معا، لأن المقصود ليس إخبارا عن كلام سيحصل، وإنما المقصود تصوير ذلك المشهد الرهيب في أخصّ مظاهره وأحواله.
فالسؤال منبعث من وحي المشهد: لقد برز الناس جميعا من قبورهم إلى هذا الملتقى، ولقد تقطعت أسباب دنياهم وعلاقات ما بينهم وانسلخت عنهم مظاهر الملك والجاه والسلطان، وجاءوا لا يسوقون معهم إلا جسومهم العارية.
فيرتسم السؤال من وحي الحالة وهول المشهد ومن ذكرى الغرور الدنيوي الذي
(طوي عهده: لمن الملك اليوم؟) ليرتسم من ورائه الجواب الذي يملأ سمع الزمان والمكان وينطبع في كل أذن وفكر: (لله الواحد القهّار).
* الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، لا ظُلْمَ الْيَوْمَ، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ: ثلاث صفات أخرى ليوم القيامة توضح أهم خصائص ذلك اليوم، وهو الحساب الذي تلاقيه كل نفس على ما قدّمت.
اليوم تجزى كل نفس بما كسبت تعطى جزاء كل ما قد فعلته من خير وشر، وفي تقديم الْيَوْمَ وتصدير الجملة بها إيحاء بأن الناس طالما أمهلوا من قبل حتى ظن كثير منهم أنه لا جزاء ولا حساب! ..
(لا ظلم اليوم): سيبلغ اليوم كلّ حقّ مداه، وسينصف كل مظلوم ويقتصّ من كل ظالم، ولكن هل كان في دار الدنيا ظلم حتى يكون نفيه خاصا بهذا اليوم؟ إن الجملة صيغت بهذا الشكل ردّاء وتبكيتا لأولئك الذين طالما تساءلوا في دار الدنيا عن أسباب تفاوت الناس في مظاهر السعادة ووجود مظاهر البؤس والفقر إلى جانب مظاهر النعمة والترف ونسبوا إلى الله من أجل ذلك الظلم والجور، قصدا إلى الإلحاد في ذاته وادّعاء عدم وجوده؛ فالجملة تقول لهؤلاء الناس- على سبيل التبكيت والتأنيب-: تستطيعون أن تطمئنوا اليوم إلى أن مثقال ذرّة من العدالة لن يهدر وإلى أن أحدا من الناس لن يظلم؛ إن حياتكم التي مرّت لم تكن إلا فصلا صغيرا من قصة الوجود الإنساني كله، والحكم على القصة ما كان ينبغي أن يكون من خلال ما يتراءى من فصل واحد صغير فيها، وسترون من مجرى الحساب والجزاء، اليوم، أن عين العدالة لم تغفل عن الإنسان لحظة واحدة في دنياه التي خلت.
فلما كانت هذه الحقيقة إنما تتجلى وتتكشف للناس يوم القيامة، أسند نفي الظلم إلى ذلك اليوم تصويرا لهذه الحقيقة كلها.
(إن الله سريع الحساب): لن يعجزه شيء عن محاسبة هذه الخلائق المتجمعة كلها في آن واحد، فهو تعالى لا يشغله شأن عن شأن. ولئن كان وقت الحساب يطول أمده على الناس، فإنما هو لعظم الهول الذي يحبط به، وليس لعجز الله عن الإسراع في محاسبتهم!
…
* وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ، إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ، كاظِمِينَ، ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ عود إلى وصف يوم القيامة بأسلوب مختلف وبأنواع أخرى من الصفات الهائلة المخفية.
والحديث هنا يتحول إلى مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قائلا: أنذر الناس يا محمد يوم القيامة، فيوم مفعول ثان لأنذر. ولقد سمى القيامة هنا بيوم الآزفة، بعد أن سمّاها في الآيات السابقة: يوم التلاق. وكلا الاسمين وصف صادق وهائل ليوم القيامة. وهي من أزف الأمر إذا دنا، وإضافة اليوم إليها من إضافة الشيء إلى صفته، أي اليوم الآزف وإنما سمّاه الله الْآزِفَةِ تنبيها إلى أن ذلك اليوم قريب وإن استبعد الناس مداه واستأخروا قدومه. ولقد وصف الله هذا اليوم بعكس ما هو متصور في أذهان الناس كي ينتبهوا إلى خطأ تصورهم هذا، ولكي يعلموا أن كل ما هو كائن فهو قريب.
ولك أن تقول: ففيم أنّثت الآزفة، وهي كما تقول صفة لليوم؟ والجواب- كما قال القفال وغيره- أن سائر أسماء القيامة جارية على التأنيث كالطامة والحاقّة ونحوهما تضمينا لها معنى الداهية، أي فالتأنيث للتهويل.
(إذ القلوب لدى الحناجر): استحضار لصورة الكرب الشديد العالق بنفوس الناس إذ ذاك، والكرب معنى اعتباري مجرد، ولكن الآية تبرزه في أروع صورة محسوسة مجسّمة، وصورة الكرب هنا هي تلك القلوب التي ارتفعت من أماكنها حتى التصقت بالحلوق، فلا هي تعود فيستروحوا ولا هي تخرج فيستريحوا. وانظر إلى الشمول الذي دلّت عليه «القلوب» و «الحناجر» !
…
فهو لم يضف القلوب والحناجر إلى أناس بأعيانهم، بل قطعهما عن الإضافة والتخصيص، وعبّر بصيغة الجمع وأدخل «ال» عليها، لتفهم أنها غاشية عامة من الضيق والكرب تمتد إلى كل من يزدحم بهم ذلك الموقف المريع.
(كاظمين): حال من أصحاب تلك القلوب، وهم وإن لم يذكروا في الآية ولكن صورتهم ماثلة في المخيلة. والكاظم هو المنحبس على حال من الغم والغيظ امتلأت بهما نفسه، وهي صورة أخرى للكرب الشديد في ذلك اليوم، ليس عنه أي متنفس ولا مهرب! ..
(ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع): كشف للحالة التي قد يتساءل عنها الفكر والذهن: أليس ثمة من ملجأ أو شافع أو معين؟ لا
…
ليس للظالمين أي ملاذ، إنه الكرب الذي لا مفر منه ولا مخلّص، فليس ثمة قريب شفيق، ولا شفيع يطاع قوله أو ينظر في شفاعته. ونفي وجود القريب الشفيق إنما هو تصوير لعدم اهتمام المرء إذ ذاك إلا بنفسه. فالأقارب لا يزالون أقارب لبعضهم إذ ذاك ولكن أحدا منهم لا يتعرف على الآخر، فكأن الأنساب قد قطعت مما بينهم حينئذ فلا وجود لها كما يقول الله عز وجل: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ.
* يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ أسلوب آخر في التعبير عن مجازاة الله ومحاسبته للناس إذ ذاك، وفي التعبير عن عدم تمكن الكافرين والجاحدين يومئذ من المكر أو الكذب أو إخفاء الحقائق.
إن الله عز وجل مطّلع على كل ما قد يجترحه أو يكسبه الإنسان سواء كان ذلك بجوارحه الظاهرة أو بنفسه ووساوسه الخفية. وتأمل كيف عبّر البيان القرآني عن النوع الأول ب: خائنة الأعين وعن الثاني ب: ما تخفي الصدور. لقد كنى عن أعمال الجوارح بأدق مثال لها، وهو النظرة المريبة بالعين وعبّر عنها بخائنة الأعين، أي الأعين الخائنة، على أن الخائنة اسم فاعل، أو بمعنى: خيانة الأعين على أنها مصدر كالعافية والعاقبة، كأن العين تخون صاحبها فتنم عمّا أضمر في نفسه، أو تخون الحق والأمانة إذ تغمز وتسترق النظرة المحرمة.
وكنى عن أعمال القلوب ووساوسها بما تخفي الصدور؛ والصدور هي مستكنّ الأسرار والخفيات.
فكيف يستطيع الظالمون مع ذلك إخفاء الحقائق؛ أو الكذب على الواقع؟! أم كيف يعجز الخالق جل جلاله عن محاسبتهم على كل ما اجترحوه من صغير وكبير؟! * وتختم هذه الآيات الوصفية المتضمنة لطرف من أهوال يوم القيامة بتقرير الحقيقة التي يريد الله عز وجل من عباده أن ينتبهوا إليها قبل فوات
الأوان، وهي أن الله وحده الذي يقضي بالحق الذي يشاء على مخلوقاته كلها في الدنيا والآخرة، فهو وحده المؤثّر في خلق العالم وطبائع الأشياء، وهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وإليه مردّ الناس كلهم ليقضي فيهم قضاءه المبرم الذي لا قضاء فوقه.
وهيهات أن يكون لشيء من المخلوقات الأخرى التي يؤلهها الكافرون والجاحدون من الأصنام أو الناس أو طبائع الأشياء، أي صفة من هذا القبيل:
وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
والله تعالى أعلم.
***