المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وحدانية الله تعالى ووجوده والرد على الباطل الذي يتمسك به - من روائع القرآن

[محمد سعيد البوطي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌مقدّمة الطبعة الثّالثة

- ‌تمهيد أوّل تعريف بهذا الكتاب وأهمّ ابحاثه

- ‌تمهيد ثان بتعريف أهمّيّة القرآن في الأدب العربيّ ووجوه ذلك

- ‌السبب الأول

- ‌السبب الثاني

- ‌السبب الثالث:

- ‌السبب الرابع:

- ‌تاريخ القرآن

- ‌القرآن تعريفه، وحقيقته

- ‌نزول القرآن منجّما والحكمة في ذلك

- ‌حكمة نزول القرآن منجّما:

- ‌أسباب النّزول

- ‌أولا- حكمة ارتباط الآيات بأسباب النزول:

- ‌ثانيا- أمثلة لأسباب النزول

- ‌ثالثا- أهمية معرفة أسباب النزول:

- ‌رابعا- اهتمام العلماء بالكتابة في «أسباب النزول»

- ‌كيفيّة جمع القرآن وكتابته والأدوار الّتي مرّت على ذلك

- ‌أولا- ترتيب القرآن وكتابته في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌ثانيا- ما جدّ من ذلك في عهد أبي بكر:

- ‌ثالثا- ما جدّ من ذلك في خلافة عثمان:

- ‌رسم القرآن والمراحل التحسينية الّتي ندرّج فيها

- ‌فأما الظاهرة الأولى:

- ‌أما الظاهرة الثانية:

- ‌الأحرف السّبعة

- ‌علوم القرآن

- ‌تمهيد

- ‌ ما هي علوم القرآن

- ‌(علوم القرآن) اصطلاح خاص:

- ‌متى ظهر هذا الاصطلاح:

- ‌التّفسير‌‌ حقيقته، نشأته وتطوّره، مذاهبه وشروطه

- ‌ حقيقته

- ‌نشأته وتطوره:

- ‌الطائفة الأولى: وهم أصحاب عبد الله بن عباس، من علماء مكة المكرمة

- ‌الطائفة الثانية: وهم أصحاب عبد الله بن مسعود، من علماء الكوفة

- ‌الطائفة الثالثة: وهم أصحاب أنس بن مالك وغيره

- ‌مذاهبه وشروطه:

- ‌المكّيّ والمدنيّ تعريف كلّ منهما، خصائص كلّ منهما، الفائدة من معرفة ذلك

- ‌تمهيد:

- ‌تعريف المكّي والمدني:

- ‌خصائص كلّ منهما:

- ‌الفائدة من معرفة هذا العلم:

- ‌المبهم والمتشابه في القرآن

- ‌تمهيد:

- ‌المبهم: أنواعه، أمثلة له، الحكمة منه:

- ‌النوع الأول: الأحرف المقطعة التي افتتح بها بعض السور

- ‌النوع الثاني: جمل وألفاظ

- ‌المتشابه: المقصود به، حكمه

- ‌القراءات والقرّاء لمحة دراسيّة سريعة في ذلك

- ‌منشأ القراءات:

- ‌الحكمة من مشروعيتها:

- ‌ما معنى تحديدها بالسبعة ومتى حددت بهذا العدد:

- ‌الضابط العلمي لاعتماد القراءات:

- ‌الفرق بين القراءات المتواترة والشاذة:

- ‌حكم القراءات الشاذة:

- ‌أسلوب القرآن دراسة عامة لخصائصه

- ‌الخاصّة الأولى (جريانه على نسق بديع خارج عن المألوف):

- ‌الخاصّة الثانية (جريانه على مستوى رفيع واحد على الرغم من تنوع المعاني والموضوعات):

- ‌الخاصّة الثالثة (صلاحية صياغته لمخاطبة الناس عامة على اختلاف ثقافاتهم وعصورهم):

- ‌الخاصّة الرابعة (ظاهرة التكرار للألفاظ والمعاني):

- ‌فالنوع الأول منه:

- ‌وأما النوع الثاني منه:

- ‌الخاصّة الخامسة (تداخل بحوثه وموضوعاته):

- ‌إعجاز القرآن تعريفه، وجوهه، دليله، مظاهره

- ‌تمهيد لا بدّ منه:

- ‌تعريف إعجاز القرآن:

- ‌الدليل على ثبوت الإعجاز في كتاب الله في الجملة:

- ‌وجوه الإعجاز القرآني

- ‌أولا: الإعجاز اللفظي أو البلاغي:

- ‌مصدر الإعجاز البلاغي في القرآن:

- ‌المظهر الأول (الكلمة القرآنية):

- ‌المظهر الثاني: الجملة القرآنية:

- ‌أولا: الاتساق اللفظي والإيقاع الداخلي:

- ‌ثانيا: دلالتها بأقصر عبارة على أوسع معنى:

- ‌ثالثا: إخراج المعنى المجرد في مظهر الأمر المحسوس:

- ‌ثانيا: الإعجاز بالغيبيات:

- ‌ثالثا: الإعجاز بالتشريع:

- ‌رابعا: مظهر جلال الربوبية:

- ‌الذين كتبوا في إعجاز القرآن

- ‌موضوعات القرآن وطريقة عرضه لها

- ‌التّصوير في القرآن مظهره ورسائله

- ‌تمهيد:

- ‌الأمثال في القرآن

- ‌القصّة في القرآن أغراضها، خصائصها

- ‌الأمر الأول: إثبات الوحي الإلهي والرسالة النبوية لرسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌الأمر الثاني: العبرة والموعظة

- ‌الأمر الثالث: تثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم في مجال الدعوة

- ‌منهج القصة في القرآن:

- ‌ القيمة التاريخية لقصص القرآن:

- ‌المنهج التّربويّ في القرآن

- ‌النّزعة الإنسانيّة في القرآن

- ‌أولا- النزعة الإنسانية في القرآن من حيث الموضوع:

- ‌ثانيا- النزعة الإنسانية في القرآن من حيث الأسلوب:

- ‌فلسفة القرآن عن الكون والإنسان والحياة

- ‌نظرة القرآن إلى الكون:

- ‌نظرة القرآن إلى الإنسان:

- ‌نظرة القرآن إلى الحياة:

- ‌هل من الممكن ترجمة القرآن

- ‌تمهيد

- ‌في الإلهيّات (من سورة الرعد، من آية 8: إلى آية 14)

- ‌تعريف عام بالآيات:

- ‌شرح الآيات:

- ‌في الوصف (من سورة غافر. من آية: 10 إلى آية: 20)

- ‌تعريف عام بالآيات:

- ‌شرح الآيات:

- ‌في المبادئ والإنسانيّات (من سورة الإسراء من آية: 23 إلى آية 29)

- ‌تعريف عام بالآيات:

- ‌شرح الآيات:

- ‌في القصص (من سورة هود، من آية: 35 إلى آية: 49)

- ‌ تعريف عام بالآيات:

- ‌شرح الآيات:

- ‌في الحجاج والنّقاش (من سورة النمل من آية: 59 إلى آية: 66)

- ‌تعريف عام بالآيات:

- ‌شرح الآيات:

- ‌كلمة أخيرة

الفصل: وحدانية الله تعالى ووجوده والرد على الباطل الذي يتمسك به

وحدانية الله تعالى ووجوده والرد على الباطل الذي يتمسك به الكافرون والجاحدون- عقب الله عليها بالالتفات إلى هؤلاء الكافرين يستنهض عقولهم للعبرة والتأمل، ويناقشهم في باطلهم الذي يحتضنونه، بمختلف البراهين والأدلة القاطعة التي يرونها من حولهم.

والآيات تعرض أربعة أصناف من الأدلة تناقش الكافرين على أساسها:

الصنف الأول: أدلة تتعلق بمجموع الكون بما فيه من سماوات وأرض.

الثاني: أدلة تتعلق بكثير من خصائص الأرض وسماتها التي يبصرونها بأعينهم أو عقولهم.

الثالث: أدلة هامة تتعلق بذواتهم وأنفسهم والنعم الحاصلة لهم.

الرابع: دليل النشأة الأولى، وما يستلزمه من دليل الإعادة بعد الموت.

وكما ترى، فإن أسلوب النقاش والاحتجاج على الكافرين بهذه الأدلة، قائم على أساس الاستفهام المتكرر وما يليه من أجوبة عنهم عليها، لما فيها من تقريع وتأنيب ودفع إلى التأمل.

‌شرح الآيات:

- تأتي الآية الأولى في هذا النص، فاصلة بين قصص الأنبياء السابقين التي ظلّت الآيات السابقة تعرضها من أول السورة، وما يليها من مواجهة الكافرين بالمناقشة والمحاجّة.

والخطاب في هذه الآية الفاصلة موجّه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، يأمره فيها- وقد سمع ما أخبر به عن قصص تلك الأمم التي حاق بها الهلاك والدمار وأولئك الأنبياء الذي لاقوا من أقوامهم صنوف الإيذاء- أن يحمد الله عز وجل على أن خصّ أمته هذه بالرحمة واللطف فقضى أن لا يهلكها بمثل ما أهلك به أولئك الآخرين، رغم تشابه الإعراض والإيذاء في كثير من الحالات، وأن يسلّم على أولئك الذين اصطفاهم الله لتبليغ رسالته فعذبوا واضطهدوا ولم يمنعهم ذلك من القيام بأمر الله عز وجل.

ص: 279

ثم يأمره بعد هذا أن يتوجه إلى المشركين الذين من حوله سائلا: هل الإيمان بالإله الحقّ الذي فعل كل ما قد ذكر بالأمم السابقة أفضل أم الإيمان بما تؤلهونه من المخلوقات أيّا كانت؟ وهذا الاستفهام جار على قصد التقريع للمشركين وتسفيه آرائهم السقيمة، وإلا فمن الواضح أنه لا يوجد أيّ تلاق في جنس الخيرية بين الأوثان التي يؤمنون بها والإله الواحد جل جلاله، حتى يتصور معنى التفاضل والسؤال عن الأفضل منهما، فهو كما تقول لمن سلك مسالك الغواية والشقاء: ويحك هل الشقاء خير أم السعادة؟! ولما كانت هذه الخيرية، رغم وضوحها، خفية عن أذهان الكافرين، أو كالخفية بسبب تكبرهم وعنادهم في الباطل الذي لا يريدون التحوّل عنه، عقّب الله هذا الاستفهام بآيات تكشف عن مظاهر ألوهية الله عز وجل وتفرّده في الخلق والإبداع والتحكّم في مقاليد الكون، ليتّضح للمشركين أيّهما خير: الله عز وجل أم ما يؤلهونه من المخلوقات أيّا كانت؛- أمّن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها، أإله مع الله، بل هم قوم يعدلون.

هذه أول آية من هذه الآيات التي سيقت مساق الكشف عن بعض مظاهر ألوهية الله جل جلاله، تأتي بأسلوب الاستفهام ليكون فيها معنى الاحتجاج والمناقشة والدفع إلى التأمل وإعمال الفكر.

وأم التي في أولها، أم المنقطعة، بمعنى بل، وهي للإضراب الانتقالي عن الكلام السابق إلى سؤال آخر: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ

الآية.

والسماوات هنا كل هذه الأجرام العلوية بما فيها من كواكب وغيرها، والسماء في قوله: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً هو جهة العلو، إذ كل ما علاك فأظلّك فهو في اللغة سماء.

وكان من مقتضى نسق الآية أن يقول: فأنبت به حدائق، فلماذا وقع الالتفات عن ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم؟

ص: 280

إن الذي اقتضى ذلك هو أن أحدا لا ينسب إلى نفسه خلق السماوات وإنزال الأمطار، فحسب السؤال عن خالقها ومنزّلها، بهذا الأسلوب، منبها إليه جل جلاله. أما إنبات

الزرع والأشجار فكثيرا ما ينسبه صاحب البذر والسقي إلى نفسه فيقول: أنبت الزرع والبستان، فناسب الالتفات به إلى ضمير المتكلم تأكيدا لاختصاص الإنبات بذاته تعالى وإشعارا بأن ظهور النبات يشق باطن الأرض بألوانه الزاهية وطعومه المختلفة وخصائصه المتنوعة إنما هو من فعل الخالق جل جلاله، ومن أجل المزيد من تقرير هذه الحقيقة قال بعد ذلك:

ما كان لكم أن تنبتوا شجرها.

وجواب الاستفهام محذوف، دلّ عليه حكم العقل والكون، على أن الذين ينتظر منه الجواب هم المخاطبون. ولقد رتّب الله على هذا الجواب المعلوم استفهاما آخر متفرعا عنه ومرتبطا به: أءله مع الله، أي أءله آخر مع الله جل جلاله.

ويتلفت الخطاب عنهم بعد ذلك، مضربا عن حديثه معهم وسؤاله إيّاهم، ليحكي صفتهم وحالهم العجيبة للآخرين قائلا: بل هم قوم يعدلون أي كأنه يقول ملتفتا: ولكن ما الجدوى من نقاشهم والبحث معهم؟ إنهم قوم يعدلون عن الحقّ، أو هم يعدلون بالله غيره من الأوثان والمخلوقات!.

* أمّن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا، أإله مع الله، بل أكثرهم لا يعلمون.

إضراب آخر، أريد به الانتقال إلى دليل كوني آخر متعلق بكثير من خصائص الأرض وسماتها الواضحة من حولهم وأمام أعينهم. أي لنترك أمر السماوات وحديث المطر والإنبات إلى حقيقة أخرى. من هذا الذي جعل لكم الأرض قرارا؟ وكلمة «قرارا» هذه تعني كل ما قد أودع الله الأرض من الخصائص التي تجعلها قارّة بنفسها وتجعل الناس متمكنين من القرار عليها، سواء فيما يتعلق بلينها وصلابتها وطبيعة الإنبات المودعة فيها وضبط ثقلها وخفّتها ومدى بعد الشمس عنها، ونظام الجاذبية التي فيها، وغير ذلك مما

ص: 281

لا يزال العلم يكتشفه وينتبه إليه، كلّ ذلك عبّر عنه البيان الإلهي بالكلمة الجامعة: قرارا.

ومن جعل على وجه الأرض أنهارا تتخللها كتخلّل الشرابين في الجسد إذ تمدّه بالقوة والحياة؟

ومن أقام عليها جبالا ثوابت ثقالا تمنعها أن تميد بأهلها، وتتكون في باطنها كنوز المعادن وتحتفظ في جوفها بالينابيع الثرة من المياه، وعبّر عن الجبال بكل ما فيها من الصفات، بالرواسي وهي جمع راسية، أي مستقرة وثابتة، وأنت لا تطلق هذه الكلمة على كل ما يستقر إلا إذا كان ثقيلا جسيما، فلا تقول أرسيت الكأس مثلا، وإنما تقول أرسيت الصخرة أو البناء أو نحو ذلك.

ومن جعل بين البحرين حاجزا؟ وتثنية البحرين من التغليب، أي البحار والأنهار، ومعلوم أن الحكمة الإلهية اقتضت أن تكون البحار أخفض من مستوى الأنهار حتى لا تنصبّ فيها مياه البحار فيفسد طعمها، وحينما تنصبّ مياه الأنهار في البحر فإنها تتخذ لنفسها في عرضه طريقا مستقلا يمتد أشواطا كثيرة دون أن يمتزج كلّ من الماءين بالآخر. والذي اقتضى ذلك اختلاف طبيعة الماءين التي قدّرت بخلق الله وحكمته حتى تؤدي كلّ من البحار والأنهار خدمات نوعية مستقلة لهذا الإنسان.

وتقف الآية هنا أيضا عن الإجابة على هذا السؤال انتظارا لإجابة المخاطبين، وإتاحة للفكر المتأمل أن ينصت خاشعا إلى الجواب ينبعث من فم الكون كله: إنه الله وحده.

ويأتي السؤال مرة أخرى مرتبا على هذا الجواب المعروف: أإله مع الله؟!. أبعد هذا كله يوجد أي إله آخر إلى جانب الله جل جلاله؟

ويلتفت الخطاب عنهم مرة أخرى ليحكي حالهم العجيبة للآخرين: بل أكثرهم لا يعلمون؛ ولما كانت المسائل المستفهم عنها يتوقف الفهم والتقدير التام لها على العلم، قال في حكاية حالهم المسبّبة لغرورهم وجحودهم: بل أكثرهم لا يعلمون. وفيه ما لا يخفى من حمل الناس على التأمل في دقائق الكون

ص: 282

ومعرفة ما يقوم عليه من النظام ودقة الخلق والصنع.

* أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ، أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ، قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ.

وينتقل الحديث بإضراب ثالث إلى أدلة من نوع آخر، قائمة في كيانهم ومستقرة في نفوسهم.

إنّ من خصائص الإنسان أنه إذا نزلت به شدة من الشدائد وحز به أمر من بلاء أو مصيبة، والتفت من حوله فافتقد الوسيلة المنقذة والصديق المساعد وضاق عليه الخناق، أخذ يرمق السماء بطرفه يسأل الله عز وجل في ضراعة وذل، ولعلّه كان لا يعرف الله في أوقات الصفو والرخاء.

وهذه الطبيعة الكامنة في الإنسان من أعظم الأدلة على أنه مفطور في حقيقته على العبودية لله عز وجل والإيمان به، وأن كل انحرافاته التي تبعده عن هذه الفطرة إنما تأتي بسبب غاشية من الغفلة أو سكرة من الكبرياء الكاذب أو الشهوات المتأججة، وسرعان ما يرتدّ إلى فطرته الأصيلة إذ يهتز كيانه بسبب بلاء خانق أو كرب مطبق فيتساقط عنه كل ما قد تعلق به من غواشي الغفلة ومسكرات الشهوات والأهواء.

فمن الذي يستجيب لهذا المضطر إذا دعاه متضرعا له آئبا إليه؟

والسؤال، فيه تذكير كما ترى بهذه الفطرة الإنسانية، وفيه بيان أن الإنسان إذا أصابه ضرّ شديد ضلّ عنه كل من يدعوه ويعتمد عليه إلا الله جل جلاله، و «أل» في المضطر للجنس لا للاستغراق، فلا يلزم أن تكون الاستجابة من الله عامّة لكل الداعين من المضطرين.

ومن الذي يكشف السوء عنكم بكل أصنافه ومظاهره؟

ومن الذي يجعلكم خلفاء الأرض؟ أي تتوارثون سكناها والتصرّف فيها جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن؛ وكم في هذه المظاهر من دلائل العظمة الإلهية في تنظيم حياة هذه

الخليقة على وجه الأرض!. دفعة من بني الإنسان تأتي إثر أخرى، هذه تأتي من باب الولادة، وتمضي الأخرى من باب الموت. ولو

ص: 283

تجمعت هذه الدفعات البشرية مع بعضها لضاقت بها الأرض وفسد نظام الحياة، وتخلّفت الحكمة الكبرى من الإيجاد والخلق. وانظر، فإن في هذه الجملة المختصرة المثيرة للفكر: ويجعلكم خلفاء الأرض، تعبيرا عن هذه الحقيقة كلها، فما أعجب البيان القرآني وما أروع!

وتقف هذه الآية أيضا عن الجواب الذي تنطق به الفطرة الإنسانية في أوضح بيان

ليكرر السؤال المترتب على الجواب المعرف: أإله مع الله؟ وهنا أيضا يحكي حالتهم التي تصدّهم عن الإيمان بالبدهيات، ولكنه لا يقول هذه المرة: بل أكثرهم لا يعلمون، كما ذكر في الآية السابقة، ذلك لأن هذه الدلائل القائمة في فطرة الإنسان وكيانه، لا تحتاج إلى علم مجهول، وإنما تحتاج إلى تذكّر شيء معلوم متلبس بالإنسان نفسه، ولذلك قال: قليلا ما تذكّرون، أي تذكرا قليلا ما تذكّرون: وهو تعبير خاص أريد به عدم التذكّر مطلقا.

* أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ، تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ.

إضراب انتقالي إلى نوع آخر من الأدلة يحاجج بها الجاحدين ويناقشهم.

من المعلوم أن الإنسان يتعرض لتيه من الضلال تتضاءل عنده حيلة الإنسان ويظهر فيه ضعفه في حالتين اثنتين: عند ما يغشيه الظلام المطبق بليل في فلاة، وعند ما يتيه في زرقة لا حدود لها من زرقة البحر والسماء، وما رؤي الإنسان أقرب إلى التعرّف لحقيقة الضعيفة وعبوديته لله عز وجل، منه في إحدى هاتين الحالتين. فمن الذي يهدي الإنسان في كلّ من هاتين الظلمتين.

ولك أن تفهم من الظلمات معناها الحقيقي وذلك إذ يلتقي تيه كلّ من الفلاة والبحر بظلمة الليل البهيم، وأن تفهم منها معناها المجازي، إذ جعل مفاوز البرّ التائهة ولجج البحار الهائلة كأنها ظلمات مطبقة يضلّ فيها الإنسان ولا يقع على علم يتعلق به أو يهديه.

ومن يرسل الرياح بشرا، أي مقدمة تبشّر بالخير، بين يدي رحمة الأمطار إذ يبعثها الله على الأرض لتخرج ما في بطنها ولتقدّم خيراتها لمن على ظهرها؟

ص: 284

والرياح تطلق على ما يأتي بالخير من المطر وغيره، فإذا قلت: ريح فهي ما يحمل في طواياه الشر على اختلاف درجاته وأشكاله ولقد كان من شأن النبي صلى الله عليه وسلم كلما رأى هبوب الهواء أن يقول: اللهمّ اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا.

ويعيد البيان الإلهي نفس السؤال السابق: أإله مع الله؟ ويلتفت عن الخطاب لهم مرة أخرى، ليقرر تنزيه الذات الإلهية عن لغو الجاحدين وضلالهم قائلا: تعالى الله عمّا يشركون:

* أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.

نوع آخر من الاستدلال والتنبيه، تنطوي فيه قصة هذه الخليقة في بدئها ومستقرها، وفيه- مع اختتام ألوان الحجاج والنقاش- إلماح بالإنذار والتهديد وتأكيد ليوم البعث والحساب.

والسؤال هنا عن ذاك الذي بدأ الخلق من العدم، والذي يعيده مرة أخرى إلى الوجود.

فأما الشطر الأول من السؤال فواضح، والشأن فيه أن يكون معلوما لكل عاقل أنه الله عز وجل، أما الشطر الثاني، فيردّ عليه- في الظاهر- أن الجاحدين لا يؤمنون بالإعادة فكيف يتجه السؤال إليهم عن ذلك؟ غير أن التعبير القرآني يريد أن يوضح للأذهان المتأملة أن الإيمان بالخلق الأول يستلزم الإيمان بالإعادة، ذلك لأن الإعادة أهون من البدء فيما يقرره العقل، ولأن قصة هذه الحياة الدنيا تظل ناقصة، وتظل- بأحداثها ووقائعها- فصلا واحدا من قصة طويلة. إذ في هذه الحياة طغاة لم يجدوا القصاص العادل في حقهم، وفيها مستضعفون مظلومون لم يصلوا إلى ما ينصفهم من ظالميهم. ولا ريب أن الذي أبدع هذه الخليقة وتركها تتصرف كما تشاء في حرية وإرادة، سوف يعيدها إلى حياة أخرى يسود فيها الحق ويستقر فيها العدل.

فمن أجل ذلك أظهرت الآية الرابطة المتمكنة بين الخلق الأول والإعادة الثانية.

ص: 285

ثم تسأل الآية: ومن يرزقكم من السماء والأرض، أي بأسباب سماوية وأرضية مرتبة على بعضها، وأنت تعلم أن إليهما مردّ كل الأرزاق التي يعيش بها الإنسان.

أإله مع الله بعد كل ذلك؟ ويأتي الالتفات عنهم هنا ليختم هذه الحجاج والبراهين السابقة كلها بقوله مخاطبا الرسول صلى الله عليه وسلم: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ

أي هذه هي براهين وجود الله ووحدانيته وألوهيته يقرّها العقل ويدركها المنطق، فقدموا بدوركم براهينكم التي تعتمدونها في جحودكم وإنكاركم لهذه الحقائق.

هذا، ولك أن تذهب في إعراب «أمّن» التي صدّرت بها الآيات السابقة، مذهبا آخر، فتعتبر من موصولة على الابتداء وتقدّر خبره على ضوء الجملة الأولى في أول الآيات: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ فيكون المعنى: بل أألذي جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا

خير أم ما يشركون. وتحلّل سائر الآيات الأخرى على هذا التقدير. وقد ذهب معظم المفسرين هذا المذهب في إعراب الكلمة.

غير أن الذي ألحظه من سياق الآيات، وأشعر به من ذوق المعنى ومقتضاه أن الطريقة التي اعتمدناها في إعراب الآيات من اعتبار «من» استفهامية، أقوى دلالة وأقرب

استساغة وأبعد عن التكلّف. وإذا دارت الجملة بين التقدير وعدمه فعدم التقدير أولى، ومثله في القرآن قوله عز وجل في سورة الملك:

أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ.

* ولما ختم الحديث عن البراهين على وجود الله ووحدانيته بالحديث عن عود الناس إلى الحياة من بعد الموت، وكان في هذا ما ينهض الجاحدين إلى استبعاد الحشر والمطالبة ببيان الأدلة والعلامات التي توضح ميقات ذلك اليوم وأجله- قال جل جلاله مخاطبا نبيّه عليه الصلاة والسلام: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ أي ليس لأحد مطمع في الاطّلاع على ما استأثر الله بعلمه من المغيبات، ومن أهمها الميقات

ص: 286

المحدد في علم الله لقيام الساعة، وليس الإيمان بها متوقفا عقلا على معرفة زمانها وميقاتها.

* ثم تختم الآيات بهذه الآية الأخيرة التي فيها التحليل والوصف الدقيق للاضطراب الفكري الذي يطوف في أذهان الملحدين، وفيها التقريع العجيب لهم والسخرية بحالهم: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها، بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ.

ففي الآية- كما ترى- إضراب عن كل ما قد سلف من النقاش، ليقول من ورائه بأسلوب الحكاية عنهم: إن هؤلاء قد تجمعت لديهم أقصى ما يمكن أن يفهموه عن الآخرة وأدرك بعضه بعضا، ووصلوا من ذلك إلى الغاية التي لا حاجة لهم عندها إلى علم جديد يلقّونه ويبصّرون به؛ وهذا تصوير لبعض الحالات التي تعتري الملحد من الاعتداد بفكره وفهمه حتى ليخيل إليه أن قد تداركت وتجمعت في ذهنه الحقائق العلمية كلها.

ولكنه لا يلبث أن يضرب عن هذا الوصف، ليصفهم بحالة أخرى: بل هم في شكّ منها، أي إن الظنون والأوهام تأخذهم وتردّهم في أمرها فهم يتساءلون: ألعلّ ما يقوله المؤمنون هو الحق؟ لا ليس كذلك!. ولكن من المحتمل! .. وهو مظهر للاضطراب الفكري القلق الذي يبعث في النفس عذابا لا يتصور شدّته إلا من يعانيه. وهذا تصوير لحالة تنتاب الجاحد والملحد

ثم ينتقل البيان إلى آخر وصف؛ هو الوصف الثابت الحق في شأنهم وهو مدار الحالات الأخرى التي تعتريهم: بل هم عنها عمّون؛ إنهم من الآخرة في عماهة مطلقة يتخيلون معها ذبذبات الظلام علما وفهما، ويتصورون معها أنهم حينما يشكّون ويضطربون إنما يبحثون ويتأملون وهيهات منهم ذلك.

والله سبحانه أعلم.

***

ص: 287