الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولتنبيه الناس إلى هذه الدلالة، يعقب الله عز وجل على كل قصة ينتهي من عرضها بما يثير الانتباه إلى أن هذه المعلومات لا يمكن أن تكون قد أتت إلى محمد عليه الصلاة والسلام إلّا من نافذة الوحي المجرد فهو يقول بعد الانتهاء من ذكر قصة مريم وولادتها وكفالة زكريا لها: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (1) ويقول بعد عرض قصة يوسف بتفصيلها الواسع المعروف ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (2).
ويقول، بعد ذكر قصة موسى وفرعون وما يتعلق بهما من أخبار:
كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (3) ويسرد علينا قصة موسى نفسها بتفصيل أوسع، وأسلوب مختلف في سورة القصص، حتى إذا انتهى من بيانها وتصويرها، عاد يخاطب محمدا عليه الصلاة والسلام بهذه الآيات:
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ، وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ، وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا، وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (4).
الأمر الثاني: العبرة والموعظة
، وتأتي في أحد مظهرين:
الأول: بيان مدى قدرة الله تعالى وبالغ جبروته وسطوته، والكشف عمّا حاق بالأمم الماضية من فنون العذاب والهلاك، لتجبّرها وعنادها واستكبارها
(1) آل عمران: 45.
(2)
يوسف: 102.
(3)
طه: 99.
(4)
القصص: 44 و 45 و 46.
على الحق. للتنبيه على أن مثل ذلك يوشك أن يقع بمن أبى إلا أن يمشي على دربهم متّبعا خطاهم.
ومن الأمثلة على ذلك، تلك القصص المتتالية السريعة التي تقرأها في سورة: القمر. فقد سيقت على هذا المساق، وهو الكشف عن جبروت الله وبالغ قدرته، وأن أخذه للظالمين أليم شديد. ولذلك تجده عند ما ينتهي من عرضها، الواحدة إثر الأخرى، ومن بيان ما حاق بكل أمة من الأمم الباغية من أنواع الدمار المختلفة، يتجه بالخطاب إلى الناس قائلا: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ؟ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ؟ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (1).
ومن ذلك ما تقرأه من قصص الأمم الغابرة في سورة هود، فقد أريد منها التنبيه إلى ضرورة عدم الاغترار بشيء مما يتخيله الإنسان في نفسه قوة أو علما أو سلطانا، وإلى أن الله تعالى إنما يمهل
…
فإذا شاء أخذ. وإذا أخذ لم يفلت.
ولذلك ختم البيان القرآني تلك القصص بهذه الآيات:
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ، مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ. وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (2).
المظهر الثاني: التنبيه إلى أن الدين السماوي الذي بعث به الأنبياء واحد، وأن رسالات الرسل والأنبياء واحدة لا تعارض فيها ولا اختلاف.
ومن أمثلة ذلك، ما تقرؤه في سورة مريم من قصة عيسى عليه الصلاة والسلام وكيفية ولادته، فهو يقول في آخرها: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (3).
(1) القمر: 53 و 44.
(2)
هود: 100 و 101 و 102.
(3)
مريم: 34 و 35.