الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عصر القرآن أسماء لا تكاد تنحطّ على معنى واضح متفق عليه. وإنما بلاغة كل جماعة أو قبيلة ما تستسيغه وتتذوقه، ولذلك كانت المنافسات البلاغية تقوم فيما بينهم وتشتد ثم تهدأ وتتبدد، دون أن تنتهي بهم إلى نتيجة، إذ لم يكن أمامهم مثل أعلى يطمحون إليه ولا صراط واحد يجتمعون عليه، ولم يكن للبلاغة العربية معنى إلا هذا الذي يصدرون هم عنه من كلام في الشعر والنثر، وهم إنما يذهبون في ذلك طرائق قددا، ويتفرقون منه في أودية متباعدة يهيمون فيها.
وهيهات، لو استمر الأمر على ذلك، أن توجد للبلاغة والبيان العربي حقيقة تدرك أو قواعد تدرس، أو قوالب أدبية تهذب العربية وتحافظ عليها.
فلما تنزل القرآن، والتفتوا إليه فدهشوا لبيانه، وسجدوا لبلاغته وسموّ تعبيره، وأجمعوا على اختلاف أذواقهم ومسالكهم ولهجاتهم أن هذا هو البيان الذي لا يجارى ولا يرقى إليه النقد- كان ذلك إيذانا بميلاد مثلهم الأعلى فيما ظلوا يختلفون فيه ويتفرقون عليه، وأصبحت بلاغة هذا الكتاب العزيز بعد ذلك هي الوحدة القياسية التي تقاس إليها بلاغة كل نص وجمال كل تعبير، ثم تعاقبت الدراسات عليه من أرباب هذا الشأن وعلمائه، فاستخرجوا منه قواعد البلاغة ومقوّمات البيان ومسالك الإعجاز فكانت هذه العلوم البلاغية التي امتلأت بها المكتبة العربية، وأصبحت فنا مستقلا بذاته. ولولا القرآن لما عرف هذا الفن ولا استقامت تلك الأصول والقواعد، ولتبدّد المثل البلاغي الأعلى في أخيلة فصحاء العرب وشعرائهم
…
فكيف يستقيم مع ذلك، أن يدرس هذا الفن وأصوله بمنأى عن مثله الأعلى ومصدره العظيم الأول؟
السبب الرابع:
أن متن هذه اللغة، كان مليئا قبل عصر القرآن بالكلمات الحوشية الثقلية على السمع المتجافية عن الطبع. ولو ذهبت تتأمل فيما وصل إلينا من قطع النثر أو الشعر الجاهلي، لرأيت الكثير منها محشوّا بهذه الكلمات التي وصفت وإن كنت لا تجد ذلك إلا نادرا في لغة قريش.
وإليك هذه القطعة النثرية نموذجا لكلامهم في الجاهلية، أو لكلام الأعراب الذين أدركوا الإسلام ولكن ألسنتهم ظلت على ما انطبعت عليه في نشأة الجاهلية، وهي كلمات قالها أعرابي وقف بين الناس يستجدي مالا.
(أما بعد فإني امرؤ من الملطاط الشرقي المواصي أسياف تهامة، عكفت علينا سنون محش، فاجتبّت الذرى وهمشت العرى وجمشت النجم وأعجّت البهم، وهمّت الشحم، والتحبت اللحم، وأحجنت العظم، وغادرت التراب مورا، والماء غورا، والناس أوزاعا والضّهل جراعا، والمقام جعجاعا، فخرجت لا أتلفّع بوصيدة، ولا أتقوّت بمهيدة، فالبخصات وقعة والركبات زلعة، والجسم مسلهم، والنظر مدرهم، فهل من آمر بمير أو داع بخير)(1).
فلما تنزل القرآن، وأقبلت إليه الآذان، أخذت هذه الكلمات الجافية تختفي عن ألسنة العرب رويدا رويدا، وأصبح متن اللغة العربية كله مطبوعا بالطابع القرآني، ونما ذوق عربي في نفوس العرب أنبته لديهم القرآن وأسلوبه.
ومردّ ذلك إلى أن كلمات هذا الكتاب المبين، رغم أنها كانت عربية لم تتجاوز حدود هذه اللغة وقاموسها، تمتاز، في صياغتها وموقع كلّ منها مما قبلها وبعدها بجرس مطرب في الآذن لم يكن للعرب عهد به من قبل، هذا إلى أن كثيرا من الاشتقاقات والصيغ الواردة فيه، تكاد تكون جديدة في النطق العربي، وهي مع ذلك توحي بمعناها إلى الفطرة والطبع، قبل أن يهتدي السمع إليها بالمعرفة والدرس. وسنسهب في إيضاح هذا إن شاء الله عند حديثنا عن إعجاز القرآن.
(1) الملطاط، حرف من أعلى الجبل أو جانب منه. والمواصي، أي المتصل. وأسياف جمع سيف يقال لساحل البحر. ومحش بمعنى محرق أي أحرقت الزرع والكلأ. وفاجتبت بمعنى قطعت. والعرى جمع عروة وهي القطعة من الشجر وجشت بمعنى حلقت، والنجم النبات الذي لا يستقيم على ساق، وأعجت البهم أي جعلتها عجايا وهي جمع عجي وهو ما فقد أمه من الإبل، وهمت الشحم: أذابته، والتحبت اللحم أي قشرته عن العظم أي عوجته فصيّرته كالمحجن. وغادرت التراب مورا أي يمور مورا بمعنى يجيء ويذهب، والغور: الغائر، والأوزاع: الأقسام المشتتة، والضهل: الماء القليل، وجراعا جمع جرع وهو ما لا يروي من الماء، والجعجاع: المكان الذي لا يطمئن من قعد فيه. لا أتلفع: لا أشتمل، بوصيدة: أي بأي شيء منسوج، والمهيدة: حب الحنظل، والبخصات جمع بخص: لحم باطن القدم، ووقعه من قولهم وقع الرجل إذا اشتكى لحم باطن قدمه، والزلعة جراحة فاسدة تكون من تشقق اللحم في القدم أو الركبة. ومسلهم:
ضامر متغير. ومدرهم من ضعف بصره بسبب جوع أو نحوه، والمير: العطية من الطعام. هذا وراجع المزهر للسيوطي لتقف على نماذج كثيرة من هذا القبيل.
فكان من أثر ذلك أن انصرفت الأذواق إلى الاستفادة من كلماته والجديد من صياغته، وهجرت تدريجا ما استثقل وغلظ من الألفاظ والتراكيب.
وإنك لتدرك هذا جيدا حينما نعرض للمقارنة نصّا أدبيا من العصر الجاهلي وآخر من العصر الإسلامي. فستجد أن الأول يمتاز بتضاريس من الجمل والكلمات الثقيلة الخشنة وأن الثاني قد صقلته البلاغة القرآنية في كلّ من الأسلوب والجمل والكلمات.
فهذه خلاصة عن وجوه أهمية دراسة هذا الكتاب العظيم وأثرها في دراسة الأدب العربي.
وإذا كنت تؤمن اليوم بهذا الذي ذكرناه من الناحية النظرية والعقلية المجردة؛ فلسوف تؤمن بذلك على أساس من البرهان التجريبي والتطبيقي عند ما تمارس هذا الكتاب الإلهي تلاوة مستمرة ودراسة دقيقة وتأملا هادئا.
القسم الأول تاريخ القرآن وعلومه