المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌مقدّمة الطبعة الثّالثة

- ‌تمهيد أوّل تعريف بهذا الكتاب وأهمّ ابحاثه

- ‌تمهيد ثان بتعريف أهمّيّة القرآن في الأدب العربيّ ووجوه ذلك

- ‌السبب الأول

- ‌السبب الثاني

- ‌السبب الثالث:

- ‌السبب الرابع:

- ‌تاريخ القرآن

- ‌القرآن تعريفه، وحقيقته

- ‌نزول القرآن منجّما والحكمة في ذلك

- ‌حكمة نزول القرآن منجّما:

- ‌أسباب النّزول

- ‌أولا- حكمة ارتباط الآيات بأسباب النزول:

- ‌ثانيا- أمثلة لأسباب النزول

- ‌ثالثا- أهمية معرفة أسباب النزول:

- ‌رابعا- اهتمام العلماء بالكتابة في «أسباب النزول»

- ‌كيفيّة جمع القرآن وكتابته والأدوار الّتي مرّت على ذلك

- ‌أولا- ترتيب القرآن وكتابته في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌ثانيا- ما جدّ من ذلك في عهد أبي بكر:

- ‌ثالثا- ما جدّ من ذلك في خلافة عثمان:

- ‌رسم القرآن والمراحل التحسينية الّتي ندرّج فيها

- ‌فأما الظاهرة الأولى:

- ‌أما الظاهرة الثانية:

- ‌الأحرف السّبعة

- ‌علوم القرآن

- ‌تمهيد

- ‌ ما هي علوم القرآن

- ‌(علوم القرآن) اصطلاح خاص:

- ‌متى ظهر هذا الاصطلاح:

- ‌التّفسير‌‌ حقيقته، نشأته وتطوّره، مذاهبه وشروطه

- ‌ حقيقته

- ‌نشأته وتطوره:

- ‌الطائفة الأولى: وهم أصحاب عبد الله بن عباس، من علماء مكة المكرمة

- ‌الطائفة الثانية: وهم أصحاب عبد الله بن مسعود، من علماء الكوفة

- ‌الطائفة الثالثة: وهم أصحاب أنس بن مالك وغيره

- ‌مذاهبه وشروطه:

- ‌المكّيّ والمدنيّ تعريف كلّ منهما، خصائص كلّ منهما، الفائدة من معرفة ذلك

- ‌تمهيد:

- ‌تعريف المكّي والمدني:

- ‌خصائص كلّ منهما:

- ‌الفائدة من معرفة هذا العلم:

- ‌المبهم والمتشابه في القرآن

- ‌تمهيد:

- ‌المبهم: أنواعه، أمثلة له، الحكمة منه:

- ‌النوع الأول: الأحرف المقطعة التي افتتح بها بعض السور

- ‌النوع الثاني: جمل وألفاظ

- ‌المتشابه: المقصود به، حكمه

- ‌القراءات والقرّاء لمحة دراسيّة سريعة في ذلك

- ‌منشأ القراءات:

- ‌الحكمة من مشروعيتها:

- ‌ما معنى تحديدها بالسبعة ومتى حددت بهذا العدد:

- ‌الضابط العلمي لاعتماد القراءات:

- ‌الفرق بين القراءات المتواترة والشاذة:

- ‌حكم القراءات الشاذة:

- ‌أسلوب القرآن دراسة عامة لخصائصه

- ‌الخاصّة الأولى (جريانه على نسق بديع خارج عن المألوف):

- ‌الخاصّة الثانية (جريانه على مستوى رفيع واحد على الرغم من تنوع المعاني والموضوعات):

- ‌الخاصّة الثالثة (صلاحية صياغته لمخاطبة الناس عامة على اختلاف ثقافاتهم وعصورهم):

- ‌الخاصّة الرابعة (ظاهرة التكرار للألفاظ والمعاني):

- ‌فالنوع الأول منه:

- ‌وأما النوع الثاني منه:

- ‌الخاصّة الخامسة (تداخل بحوثه وموضوعاته):

- ‌إعجاز القرآن تعريفه، وجوهه، دليله، مظاهره

- ‌تمهيد لا بدّ منه:

- ‌تعريف إعجاز القرآن:

- ‌الدليل على ثبوت الإعجاز في كتاب الله في الجملة:

- ‌وجوه الإعجاز القرآني

- ‌أولا: الإعجاز اللفظي أو البلاغي:

- ‌مصدر الإعجاز البلاغي في القرآن:

- ‌المظهر الأول (الكلمة القرآنية):

- ‌المظهر الثاني: الجملة القرآنية:

- ‌أولا: الاتساق اللفظي والإيقاع الداخلي:

- ‌ثانيا: دلالتها بأقصر عبارة على أوسع معنى:

- ‌ثالثا: إخراج المعنى المجرد في مظهر الأمر المحسوس:

- ‌ثانيا: الإعجاز بالغيبيات:

- ‌ثالثا: الإعجاز بالتشريع:

- ‌رابعا: مظهر جلال الربوبية:

- ‌الذين كتبوا في إعجاز القرآن

- ‌موضوعات القرآن وطريقة عرضه لها

- ‌التّصوير في القرآن مظهره ورسائله

- ‌تمهيد:

- ‌الأمثال في القرآن

- ‌القصّة في القرآن أغراضها، خصائصها

- ‌الأمر الأول: إثبات الوحي الإلهي والرسالة النبوية لرسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌الأمر الثاني: العبرة والموعظة

- ‌الأمر الثالث: تثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم في مجال الدعوة

- ‌منهج القصة في القرآن:

- ‌ القيمة التاريخية لقصص القرآن:

- ‌المنهج التّربويّ في القرآن

- ‌النّزعة الإنسانيّة في القرآن

- ‌أولا- النزعة الإنسانية في القرآن من حيث الموضوع:

- ‌ثانيا- النزعة الإنسانية في القرآن من حيث الأسلوب:

- ‌فلسفة القرآن عن الكون والإنسان والحياة

- ‌نظرة القرآن إلى الكون:

- ‌نظرة القرآن إلى الإنسان:

- ‌نظرة القرآن إلى الحياة:

- ‌هل من الممكن ترجمة القرآن

- ‌تمهيد

- ‌في الإلهيّات (من سورة الرعد، من آية 8: إلى آية 14)

- ‌تعريف عام بالآيات:

- ‌شرح الآيات:

- ‌في الوصف (من سورة غافر. من آية: 10 إلى آية: 20)

- ‌تعريف عام بالآيات:

- ‌شرح الآيات:

- ‌في المبادئ والإنسانيّات (من سورة الإسراء من آية: 23 إلى آية 29)

- ‌تعريف عام بالآيات:

- ‌شرح الآيات:

- ‌في القصص (من سورة هود، من آية: 35 إلى آية: 49)

- ‌ تعريف عام بالآيات:

- ‌شرح الآيات:

- ‌في الحجاج والنّقاش (من سورة النمل من آية: 59 إلى آية: 66)

- ‌تعريف عام بالآيات:

- ‌شرح الآيات:

- ‌كلمة أخيرة

الفصل: ‌الأمثال في القرآن

‌الأمثال في القرآن

ضرب المثل في غضون الكلام، يعتبر لونا متميزا من ألوان التشبيه ويعتبر أحيانا لونا خاصّا من ألوان الاستعارة، فإن كان الممثل له مذكورا في الكلام كان تشبيها، وإن كان محذوفا فهو استعارة.

وبين المثل الذي يضرب والقصة التي تورد، فارق كبير، وإن كان يجمعهما قدر مشترك من تنبيه الذهن إلى أخذ العبرة وقياس الحال على الحال.

فالأمثال لا يشترط صحتها على أنها واقعة تاريخية ثابتة: وإنما يشترط فقط إمكان صحتها أي وقوعها، حتى يتسنى للذهن تصورها كما لو أنها وقعت فعلا، فمن أجل ذلك يمكن الربط بين المثال والمعنى الممثل له، حيث يلبس نسيجا ماديا محسوسا يتصوره الذهن ويألفه الخيال.

ولكن الأمثال لا يشترط أيضا عدم صحتها في نطاق الواقع التاريخي فربما ضرب المثل بقصة واقعة. وفي القرآن من ذلك كثير. وإنما تسمى القصة عندئذ تمثيلا، لأنها سيقت مساق التمثيل بها، ولم تورد على أساس الإخبار عنها.

وفي القرآن نافذة عريضة كبرى على هذه الأمثلة. بل قلّما يخلو معنى من المعاني التي يعرضها القرآن، من الارتباط بمثال مقرّب يكسوه ثوبا يحسّ به ويتجسد فيه.

ولسنا الآن بصدد تحليل القيمة البلاغية لضرب الأمثال، وبيان كيفية استعمالها والاستفادة منها في أنواع الحديث وأصول المخاطبات. وإنما الذي

ص: 181

يهمنا في هذا الصدد أن نتلمس أبرز الخصائص التي تظهر في أمثلة القرآن، وعلاقة ذلك ببلاغته وإعجازه.

ونستطيع أن نوجز هذه الخصائص في الأمور التالية:

أولا- تعتبر أمثلة القرآن على اختلافها، لوحات فنية رائعة لتصوير مشاهد الطبيعة بأشكالها وأنواعها المختلفة، وفي هذه اللوحات مشاهد ألفتها العرب وعرفتها في حياتها النوعية الخاصة، وفيها ما لم تعرفه ولا رأته ولا سمعت به مما قد يعرفه بعض الأمم والشعوب الأخرى. فالقرآن إذ يضرب الأمثلة بهذه المشاهد المنتزعة من مظاهر الكون وصوره، يؤلّف بين القيم والمبادئ المجردة التي تنزل من أجلها، والمشاهد الطبيعية التي يعيش الإنسان في أكنافها؛ وفي ذلك من إبراز وحدة الحقائق الكونية وترابطها الكلي ببعضها ما يطول شرحه ويعظم خطره، وليس لنا في هذه العجالة سبيل إلى بسط القول في ذلك.

ثانيا- تأخذ الأمثلة في أغلب الأحيان طابع القصة في عرض الجزئيات وتفصيل صفاتها، وذلك على خلاف المألوف عند العرب من تكثيف المثال وعرضه في أقل قدر ممكن من الكلمات. فالعرب قد يضربون المثل للشيء الخادع بالسراب، دون تعريج على أيّ تفصيل في المثال أو بسط لصورته، ولكن القرآن عند ما يضرب به المثل يبسط منه صورة حيّة يتراءى فيها كيف ينخدع الظمآن به، ثم يسعى وراءه، حتى إذا جاءه فوجئ بأنه ليس شيئا، ووجد بدلا عنه ثمرة انخداعه من الجهد الضائع والانقطاع عن الرفقة والطريق:

وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (النور: 39).

ثالثا- كثيرا ما تأتي أمثلة القرآن كلاما كاملا مستقلا بذاته، أي دون ذكر للمعنى الممثل له على غرار ما هو معروف في مألوف اللغة العربية وأسلوبها.

وإنما يكون المعنى الممثّل له في هذه الحال مطويا، يشار إليه في تضاعيف المثال ذاته، بحيث لا يجهل السامع أو القارئ المعنى الكلي الذي سيق له

ص: 182

المثال، وذلك على غرار الاستعارة وكيفية دلالتها على المعنى الأصلي المقصود.

ولا ريب أن سوق المثال بهذا الأسلوب يأتي أبلغ وألصق بالمعنى المراد، إذا لم يكن في سياق الكلام ما يدعو إلى التصريح به.

فمن هذا القبيل قوله عز وجل: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ، هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ (1) فقد ضرب الله مثال البحرين للمؤمن والكافر، والحديث عن المؤمن والكافر مطوي في تضاعيف المثال، يدلّ عليه السياق.

ومنه أيضا قوله عز وجل: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ، هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا (2) فهو مثال للفرق بين من لم يتخذ مع الله شريكا فهو لا يبغي الخير ولا يتقي الضرّ إلّا من قبله، ومن ثم فهو لا يسعى لإرضاء غيره، ومن اتخذ مع الله شركاء له فقلبه أوزاع بينهم، وهم فيما بينهم متشاكسون متنافسون على مكاسب الألوهية ومقتضياتها، فهو لا يدري بأيّهم يربط قلبه ولأيّهم يعطي ولاءه!

ولكن هذا المعنى المقصود مطوي في المثال الذي ضربه الله تعالى، وهو مثال رجلين أحدهما يتعلق به شركاء متشاكسون متنافسون كلّ يدّعي انفراده بالسلطان الكامل عليه، والآخر موصول الولاء بشخص واحد فهو سلّم له ومسئول تجاهه.

ومنه أيضا قوله عز وجل: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (الأعراف:

58). وإنما هو مثال للقلوب، فقلب سليم يقبل الموعظة والذكرى، وقلب فاسق قاس ينبو عن ذلك.

هذه أبرز خصائص الأمثال في كتاب الله تعالى.

ولنعرض الآن نماذج مختلفة لهذه الأمثلة، نتلمس من خلالها القيمة

(1) فاطر: 13.

(2)

الزمر: 29.

ص: 183

البلاغة التي فيها، وسمة الإعجاز التي تتميز بها، والأسلوب القرآني في تقريب البعيد، وتجسيد المجردات، وتهويل ما ينبغي تهويله من معاني التهديد والوعيد:

1 -

يقول الله تعالى في تمثيل حال المنافقين:

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً، فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ، يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

فهما مثالان، يدل كلّ منهما في الجملة على أن شأن المنافق أن يتحلّى بظاهر من الدين ليكسب منه غنائمه ويتقي مغارمه، ولكنه يبوء بنهاية تنقلب غنائمه فيها وبالا عليه، فلا تكسبه خيرا ولا تحرز له نفعا.

وانظر كيف يعبّر عن ذلك المثال الأول: إن حالهم أشبه بحال من أشعل نارا ليستضيء بها، ولكنها ما كادت تضيء ما حوله وما كاد يطمئن إلى إمكان الاستفادة منها، حتى انطفأت وعاد ما حولها إلى ظلام وبقي صاحبها يتيه بين الوحشة والحسرة.

وهذا هو معنى المثال الثاني: أو إن حالهم كحال أصحاب مطر غزيرة في ليلة ظلماء مليئة بوميض البرق وزمجرة الرعد، إذا أومض عليهم البرق كاد أن يتخطف منهم أبصارهم وإذا داهمهم قصف الرعد جعلوا أصابعهم في آذانهم من مخافته واتقائه. وهم أثناء ذلك يحاولون أن يستفيدوا من ومضات النور الذي يلمع لهم بين الحين والآخر، فيسيرون في ضيائه كلما أومض، ويتربصون بأنفسهم كلما أظلم.

أي إنهم متلبسون في ظاهرهم بالإسلام الذي هو كصيّب من المطر، ولكنهم في قلق شديد من تبعاته ووظائفه وأحكامه، وعلى طمع من التعلّق بمنافعه وخيراته الدنيوية، فهم لا يزالون كذلك: يسرعون للاستفادة من

ص: 184

ثماره كلما لاحت لهم، وينكمشون أو يتوارون من تبعاته ووظائفه وزواجره كلما أقبلت تواجههم! ..

والتمثيل هنا مسوق في تفصيل صوره وأجزائه مساق وصف قصصي كما ترى، وهو من خصائص أمثلة القرآن كما قد ذكرنا آنفا. ثم هو مبني على تشبيه مجموع حالة بمجموع حالة أخرى دون النظر إلى مقارنة أو تشبيه أجزاء الحالين ببعضهما.

قال الزمخشري في شرح هذين التمثيلين: [والصحيح الذي عليه علماء البيان لا يتخطونه، أن التمثيلين جميعا من جملة التمثيلات المركبة دون المفرقة، لا يتكلف لواحد واحد شيء يقدر شبهه به، وهو القول الفحل والمذهب الجزل. بيانه أن العرب تأخذ أشياء فرادى معزولا بعضها عن بعض، لم يأخذ هذا بحجزة ذاك، فتشبهها بنظائرها

وتشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامّت وتلاصقت حتى عادت شيئا واحدا بأخرى مثلها

] (1).

2 -

يقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً، وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ. أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ، ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (النور: 39، 40).

يشبه الله تعالى ما قد يبدو أنه مبرور من أعمال الكفار، في عدم فائدته وانقطاع الجدوى منه- إذ كان مؤسسا على باطل من الكفر بالله عز وجل بمثالين اثنين، أحدهما سراب (2) يراه الناظر بالفلاة، وقد غلبه العطش فيحسبه ماء، حتى إذا أضنى نفسه في المجيء إلى مكانه ضاع عنه

(1) الكشاف: 1/ 212 و 213.

(2)

السراب: ما يرى في الفلاة من ضوء الشمس وقت الظهيرة يسرب على وجه الأرض كأنه ماء يجري. والقيعة والقاع المنبسط المستوى من الأرض.

ص: 185

ولم يجده شيئا. ويمزج البيان الإلهي في آخر هذا التمثيل بين المشبّه والمشبه به، أو قل إنه يؤلف بينهما في الربط بنهاية واحدة، وذلك عند ما يقول:

ووجد الله عنده فوفّاه حسابه. فقد كان الحديث إلى ما قبل هذه الجملة عن ظمئان اغترّ بسراب، وفي نهاية المثل اتضح أن الظمآن لم يكن غير هذا الكافر الذي اغترّ بظاهر أعماله الإنسانية، وراح ينتظر ثمراتها وآثارها الخيّرة، حتى إذا جاء يوم الحساب وحانت ساعة القطاف، راعه أنه لم يجد لأعماله الصالحة أثرا، بل وجد بدلا منها إله الذي لم يكن يتوقع أن يراه، ووفّاه حسابه على الحقائق التي كان يبطنها في قلبه لا على المظهر الزائف الذي كان يتجلى به بين قومه وأصحابه.

أما المثال الثاني فهو بحر هائل بعيد الغور تكاثفت فوقه ظلمات متراكمة تألفت من ظلمة البحر ذاته وظلمة أمواجه العاتية وظلمة السحب الداكنة من فوقه؛ فهي ظلمات ثلاث تراكمت بعضها فوق بعضها إلى أن غشيت جو السماء وكاد الرجل أن يضلّ فيها حتى عن ذاته.

وإنما الظلام في المعنى الممثّل له ظلام الكفر بالله عز وجل؛ وإنما القصد أن الكفر إذا حاق بالقلب اصطبغت الأعمال كلها بلونه وتأثرت بظلامه ولم يعد في شيء منها بصيص ضياء، فهي لا تزيد صاحبها إلا ضلالا ولا تكسبه إلا مزيدا من الغواية والخذلان!

والمثل- كما تعلم- لا يعرفه إلا من يعبر المحيطات من البحارة وأمثالهم، فهناك يتكاثف مثل هذا الظلام تبعا لحالات وظروف معينة فهو شيء لا يعرفه سكان الجزيرة العربية ولا ما حولها. فالتمثيل به ينطوي على دليل من أهم أدلة الإعجاز، ويؤكد ما ينبغي أن يعلمه كل مسلم من أن هذا الكتاب إنما هو كلام الله عز وجل، لم يتدخل في صياغة شيء منه أي بشر من الناس كائنا من كان.

3 -

قال الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها، فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ، وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ

ص: 186

وَاتَّبَعَ هَواهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ، ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (1).

ضرب الله تعالى هذا النبأ مثلا لكفار بني إسرائيل، إذا علموا نبوّة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حتى إنهم كانوا يستفتحون به على المشركين، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به.

والنبأ في الآية، نبأ واحد من علماء بني إسرائيل وقيل من الكنعانيين اسمه بلعام بن باعوراء، أوتي علم بعض كتب الله تعالى، ولكنه انسلخ منها وركب متن الضلالة، إذ أخلد إلى متاع الدنيا وفضّل الركون إلى أهوائها وشهواتها.

فلم ينفعه إذ ذاك علمه. وغدا في تعلقه بالدنيا كالكلب يلهث في كل حال إن جاع أو شبع، إن اهتاج أو ترك، وهو من أبرز الحيوانات التي تعرف بهذا الشأن. أي فغدا الرجل يلهث وراء الدنيا ومغانمها في كل حال لا يقعده عن ذلك شبع ولا غنى.

فمثل هؤلاء اليهود في ضلالتهم عن الحق الذي لم يجهلوه، بسبب ميلهم إلى المغانم الدنيوية، كمثل ذلك الرجل الذي لم ينفعه علمه لما أخلد إلى الدنيا وأهوائها، بل لم يعد يغنيه امتلاؤه وشبعه عن مواصلة السعي وراءها والانحطاط في شهواتها.

وهذا المثل- كما ترى- منتزع من قصة واقعة، وليس مجرد فرضية مؤلفة.

فهو مثال وقصة بآن واحد، وإنما عدّدناها في الأمثال لا في القصص لأنها سيقت مساق المثل، إذ جردت من تفاصيلها القصصية واعتصرت منها معالم العبرة مكثفة موجزة، ولأن الله سمّاه مثلا إذ قال في نهاية الآية: ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا.

ومن هذا القبيل قوله عز وجل: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (2) إلى آخر

(1) الأعراف: 175 - 176.

(2)

الكهف: 31 - 42.

ص: 187

قوله تعالى: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ

الآية. فهي قصة ذات تفصيل وأحداث ومراحل، ولكنها سيقت مساق المثل فكانت مثالا من أمثلة القرآن، وكانت في الوقت نفسه قصة واقعة يجب التصديق بها.

ومنه أيضا قوله عز وجل: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ

(1) إلى آخر الآيات. فهي أيضا قصة واقعة ولكنها سيقت مساق المثل ولم تورد على أساس مجرد الإخبار عنها.

ولقد اشتهى بعض الكاتبين أن يصطنع اللبس بين المثل الفرضي الذي يورده القرآن والقصة الواقعية التي يخبر عنها، ثم حلّ المشكلة المصطنعة بأن اعتبر قصص القرآن كلها مجرد أمثال سيقت للبيان والتقريب، ولم تذكر للحمل على التصديق بما في مضمونها! ..

والحقيقة أنه لا يوجد أي لبس بين المثال الفرضي والقصة الحقيقة، وما رأينا عالما ولا مفسرا ممّن مضى قبلنا أحسّ بشيء من هذا اللّبس أو تكلم عنه.

فما من عاقل إلا وهو يدرك أن قصة يوسف، وموسى، ونوح، ومريم، وعاد، وثمود، ومدين، أخبار ثابتة لا يلحقها الريب ولا يطولها التأويل، وما من قصة منها إلا ويوجد بين يديها أو من خلفها ما ينبّه القارئ إلى واقعيتها وصدقها وإلى أنها ليست فرضية من فرضيات الوهم والخيال، وكقوله تعالى: نحن نقصّ عليك نبأهم بالحق (2). وكقوله: نحن نقصّ عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن (3). وكقوله عز وجل: ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون (4). وكقوله: تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين (5).

(1) ن: 17 - 32.

(2)

الكهف: 13.

(3)

يوسف: 3.

(4)

يوسف: 102.

(5)

هود: 49.

ص: 188

ولكن الكاتب الذي فعل هذا، شاقه أن يخلد سخافة صاحب «في الشعر الجاهلي» عسى أن يطبّل الناس له، كما قد طبّلوا لذاك، سواء جاء ذلك التطبيل ضربا على القفا أو صفعا من الأمام، ما دام أنه تطبيل يذهب بالصيت ويشهره بين عامة الناس.

وبعد، فأحسب أنني لست بحاجة إلى أن أطيل في عرض النماذج من أمثلة القرآن. فالاستقصاء عسير، والنموذج يكتفي فيه بأقلّ مما أوردناه.

والغرض أن تدرك من وراء هذا الذي ذكرناه مدى أهمية الأمثلة في كتاب الله تعالى، وقد أفردها بالتأليف الإمام أبو الحسن الماوردي (364 - 450) وأن تتنبه إلى أن جانبا كبيرا من الإعجاز القرآني إنما يطلّ من هذه الأمثال من ناحيتي الأسلوب والمضمون، وأن تعلم بأن المعنى مهما ألبس ثوبا مطرزا من البيان والإشراق، فإنه يظل بعيدا عن مرأى العين والخيال حتى يتجسد في مثال مما يمسّه الحسّ والشعور.

ولأضع أمامك تحقيقا لهذا الحق وخاتمة لهذا البحث، وهو خلاصة ما قاله الشيخ عبد القاهر الجرجاني في هذا المقام:

[واعلم أن ما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو أبرزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها أبّهة، وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها وشبّ من نارها

فإن كان مدحا كان أبهى وأفخم

وإن كان اعتذارا كان إلى القبول أقرب وللقلوب أخلب، وإن كان وعظا كان أشفى للصدر وأدعى إلى الفكر

وإن أردت أن تعرف ذلك، فانظر إلى قول البحتري:

دان على أيدي العفاة وشاسع

عن كل يد في الندى وضريب

كالبدر أفرط في العلو وضوؤه

للعصبة السارين جدّ قريب

وفكّر في حالك وحال المعنى معك، وأنت في البيت الأول لم تنته إلى الثاني ولم تتدبر نصرته إياه وتمثيله له فيما يملي على الإنسان عيناه ويؤدي إليه

ص: 189

ناظراه، ثم قسهما على الحال وقد وقفت عليه وتأملت طرفيه، فإنك تعلم بعد ما بين حالتيك، وشدّة تفاوتهما في تمكّن المعنى لديك، وتحبّبه إليك، ونبله في نفسك؛ وتوفيره لأنسك، وتحكم لي بالصدق فيما قلت، وبالحق فيما ادّعيت] (1).

(1) من أسرار البلاغة للشيخ عبد القاهر الجرجاني باختصار: ص 101 و 102.

ص: 190