الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولأصحاب هذا المذهب الثاني تأويلات وتحليلات مختلفة، لا نستبعد أن تكون كلها مقصودة كما قال ابن فارس وغيره (1)، إذ هو الشأن الغالب على معظم ألفاظ القرآن: تحتمل اللفظة معاني مختلفة كلها يصلح أن يكون مرادا، إذ كلها مصداق للحقيقة التي تعبّر عنها الآية. وهذا من أبرز مظاهر الإعجاز في القرآن، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
غير أنّا نذكر من هذه التأويلات أقربها إلى النظر وأسرعها إلى الذهن وأكثرها شيعة وأنصارا، فقد ذهب قطرب والفرّاء والمبرّد وعامّة علماء العربية وجمع عظيم من المحققين إلى أن هذه الأحرف المقطعة إنما افتتحت بها السور، لتدل على أن القرآن ليس إلّا كتابا ألّف من هذه الأحرف الهجائية: أ. ب.
ت. ث .. إلخ، هي تلك التي تبنون كلامكم وأشعاركم منها، ومع ذلك فلن تستطيعوا أن تؤلفوا من هذه الأحرف كلاما مثله (2). ويدلّ على سلامة هذا التفسير ووضوحه أن الكلمة التي تلي هذه الفواتح تحمل معنى الكتاب وتقع في معظم الأحيان موقع الخبر منها كقوله تعالى في سورة البقرة: الم، ذلِكَ الْكِتابُ وفي سورة الأعراف: المص، كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وفي سورة يونس: الر، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ وفي سورة هود: الر، كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ وفي سورة النمل: طس، تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ.
ولا يبعد أن تكون هذه الأحرف المقطعة تحمل إلى جانب هذه الدلالة أسرارا معينة، وأن تكون قد سيقت مساق القسم بها، وأن يكون موقعها في صدر السورة موقع التنبيه للأسماع والأذهان إلى الكلام الذي يعقبها.
النوع الثاني: جمل وألفاظ
، هي من حيث تركيبها وظاهر دلالتها أمر واضح ومعلوم؛ ولكن فيها إبهاما من حيث الزمن المتعلق بها، أو من حيث تعيين أسماء المشار إليهم فيها، أو من حيث نكارة وغرابة المتحدّث عنه فيها،
(1) انظر البرهان: 1 - 180.
(2)
انظر تفسير القرطبي: 1 - 67، وتفسير الفخر الرازي: 1 - 230، والجامع لأحكام القرآن:1.
105، والبرهان. 1 - 185.
فهذه ثلاثة أصناف للإبهام في نوعه الثاني، نذكر لكل صنف منها مثالا:
مثال الصنف الأول، الآيات المتعلقة بقيام الساعة، من مثل قوله تعالى:
…
إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها الآية، فالجمل التركيبية في هذه الآية واضحة المعنى ولكن فيها إبهاما تتطلع إلى كشفه النفس، وذلك من حيث تحديد الزمن الذي ستقوم فيه الساعة أي يوم القيامة، ولا شك أنه أمر مبهم ستره الله حتى عن علم الأنبياء والمقرّبين إليه.
ومثال الصنف الثاني، قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ، قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (المائدة: 27).
فالجمل والكلمات في هذه الآية واضحة الدلالة والمعنى، ولكن فيها إبهاما من حيث تعيين المقصود بولدي آدم فمن هما ولدا آدم اللذان كان من شأنهما ما أخبر به عنهما؟ وهو إبهام كشفت عنه السنة وما وصلنا من تفسير الصحابة رضوان الله عليهم، فالمقصود بولدي آدم في الآية: قابيل، وهابيل، وهما ولدا آدم لصلبه.
ومثال الصنف الثالث، قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا، يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (1). فمن هم يأجوج ومأجوج ومتى يحين وقت ظهورهم وما هو شأنهم وعملهم؟ ذلك أيضا من المبهم الذي لم تكشف عنه الآية بأكثر من الإخبار عنه وأنه من الغيب الذي سيقع في حينه المقدّر له في علم الله.
ومثاله أيضا قوله تعالى: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (النمل: 82). فما هي هذه الدابة التي ستخرج إلى الناس تكلمهم وتحدّثهم؟ لا تزيد الآية على
(1) الأنبياء: 96 و 97.
الإخبار بهذا الغيب الذي سيقع، وتفصيل الأمر فيه من المبهم الذي لا يكشف عنه إلا الواقع الذي يأتي في حينه.
فهذه أمثلة لأصناف المبهم الذي وقع في القرآن، وإذا تأملت فيها علمت أن منها ما أمكن تفسيره وكشفه عن طريق الوقوف على تفسير السنّة له، ومنها ما ظل مبهما مكنونا في غيب الله عز وجل، لا يكشفه إلا الواقع الذي أخبرت عنه الآيات.
بقي أن تعلم الحكمة من وجود مثل هذه المبهمات في كتاب الله عز وجل.
فأما الإبهام المتعلق بفواتح بعض السور، فقد علمت مما ذكرناه، أن مذهب جمهور العلماء والباحثين أن لهذه الفواتح معنى يمكن الوصول إليه بالنظر والبحث، فالإبهام فيها إنما هو بمعنى الغموض والخفاء اللذين يمكن إزالتهما والوصول إلى ما وراءهما، وليس بمعنى انغلاق اللفظ على المعنى واستحالة وصول القارئ أو المتدبر إلى المقصود.
غير أنك قد تسأل: ففيم هذا الغموض والخفاء وإنما هو كتاب أنزل للقراءة والفهم؟.
فالجواب: أن القرآن- كما يقول ابن قتيبة- إنما نزل بألفاظ العرب ومعانيها ومذاهبها في الإيجاز والاختصار، والإطالة، والتوكيد، والإشارة إلى الشيء، وإغماض بعض المعاني حتى لا يظهر عليه إلا اللقن (سريع الفهم) وإظهار بعضها وضرب الأمثال لما خفي.
ولو كان القرآن كله ظاهرا مكشوفا حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل لبطل التفاضل بين الناس وسقطت المحنة وماتت الخواطر (1).
ولا شك إن من فوائد ما تلبّست به هذه الفواتح من الإبهام، ما تراه من الأبحاث المختلفة الجليلة، التي أقامها العلماء على هذه الفواتح سواء منها ما
(1) انظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة: 62.
يتعلق بطبائع هذه الحروف ووجه اتّساقها مع بعضها، وما يتعلق بالعلوم المستخرجة منها والدلالات المشيرة إليها، حتى غدت هذه الفواتح مصدر علم قائم برأسه من علوم القرآن. وإنما اندفع العلماء الباحثون إلى استخراج كل ذلك والبحث فيه بسبب ما يكتنفها من الغرابة والغموض الحاملين على النظر والفكر.
وإنما يأتي الكشف والإبداع من وراء الحاجة وضيقها. وإنما يقع الخمول والبلادة من الشعور بالاستغناء والكفاية.
والإعجاز القرآني في جملته، قائم على البحث والنظر في أمور منها الخفي والجليّ، ومنها الدقيق والأدق، واللطيف والألطف، وإلا فكيف تنبع المعاني للجملة الواحدة من وراء بعضها، وكيف تأتي الدهشة لها إذا كان جميعها من الظهور بحيث تنكشف لكل قارئ وناظر مهما تفاوتت درجة العلم ورتبة الفهم؟
واعلم أننا إنما نصدر في هذا الذي نقول، عن المذهب الذي تمسك به جمهور الباحثين من أن ما قد يوجد في القرآن من المبهم أو المتشابه يمكن للراسخين في العلم أن يفهموا منه فهما صحيحا ويقعوا منه على علم، حاشا المغيبات التي أشار القرآن إليها أو تحدّث عن طرف منها وأبهم منها طرفا آخر.
ونقول في هذا ما قاله ابن قتيبة في كتابه، تأويل مشكل القرآن:
[ولسنا ممّن يزعم أن المتشابه في القرآن لا يعلمه الراسخون في العلم.
وهذا غلط من متأوليه على اللغة والمعنى. ولم ينزل الله شيئا من القرآن إلا لينفع به عباده ويدلّ به على معنى أراده. فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره، للزمنا للطاعن مقال وتعلق علينا بعلّة.
وهل يجوز لأحد أن يقول: رسول الله لم يكن يعرف المتشابه وإذا جاز أن يعرفه مع قول الله تعالى وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ جاز أن يعرفه الربانيون من الصحابة، فقد علم عليّا التفسير ودعا لابن عباس فقال: اللهمّ علّمه التأويل وفقهه في الدين].
ثم قال ابن قتيبة:
[وبعد فإنّا لم نر المفسرين توقفوا عن شيء من القرآن فقالوا: هذا لا يعلمه إلا الله، بل أمرّوه كله على التفسير، حتى فسروا الحروف المقطعة في أوائل السور مثل: الر،
وحم، وطه، وأشباه ذلك. فإن قال قائل: كيف يجوز في اللغة أن يعلمه الراسخون في العلم والله تعالى يقول: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ وأنت إذا أشركت الراسخين في العم انقطعوا عن يَقُولُونَ وليس هاهنا واو نسق توجب للراسخين فعلين، وهذا مذهب كثير من النحويين في هذه الآية، ومن جهته غلط قوم من المتأولين- قلنا له: إن يَقُولُونَ هاهنا بمعنى الحال، كأنه قال: والراسخون في العلم قائلين: آمنّا به. ومثله في الكلام: لا يأتيك إلا عبد الله وزيد يقول: أنا مسرور بزيارتك، يريد لا يأتيك إلا عبد الله وزيد قائلا أنا مسرور بزيارتك] (1).
وأما الإبهام في النوع الثاني: وهو الجمل المفهومة من حيث ظاهر دلالتها وتركيبها، ولكن فيها إبهاما من حيث تعيين الزمن أو تعيين الأسماء أو نكارة المتحدّث عنه وغرابته- فمردّ ذلك إلى أحد أسباب ثلاثة:
السبب الأول: عدم تعلق أي غرض بتفصيله والكشف عنه كالذي يكون في مساق ذكر بعض القصص والأحداث، من إبهام أسماء الأشخاص وعدم تعيين الأمكنة أو الأزمنة المتعلقة بها. فهذه القصص والأحداث إنما تساق للاتعاظ بها وأخذ العبرة منها. وتحقيق ذلك يتوقف على عرض الجانب الذي يحمل معنى العظة والعبرة، دون غيره، مما يشتت الذهن عن المطلوب ويبعد المتأمل عن القصد. ولذلك لم يتعلق الغرض القرآني بالكشف عن اسم ولدي آدم وهويتهما في الآية المذكورة، ومن أجل ذلك أيضا يقوم أسلوب القصة في القرآن على توجيه القارئ إلى مكان العبرة منها وتحويل ذهنه عن اللحاق بجزئياتها وهوامشها التاريخية المجردة. وسنفصّل القول في ذلك إن شاء الله عند الحديث عن القصة في القرآن.
(1) تأويل مشكل القرآن: 73 و 74.