الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
آية إلا بشاهدين يجتمعان عليها من حيث اللفظ والأداء وهما الحفظ والكتابة، رغم أنه كان هو نفسه في مقدمة حفّاظ القرآن غيبا، فكان في غنىّ عن أن يحمّل نفسه هذا الجهد، ولكن الورع في الدين والحيطة في النقل حمّلاه على أن يضع نفسه- من أجل أنه هو الذي تولى الكتابة- في الموضع الأخير بعد عامّة الصحابة.
وهذا المنهج الشديد الذي اتّبعه زيد، هو الذي يفسر لك معنى قوله أنه لم يجد الآيات الأخيرة من سورة التوبة إلا مع أبي خزيمة الأنصاري. فليس معنى كلامه هذا أنه اعتمد في كتابتها على خبر الواحد فقط وهو أبو خزيمة، وإنما هو مزيد في الحيطة منه، فهو لا يكتفي بحفظه وحفظ بقية الصحابة لها باللسان، بل لا يكتفي مما كتب أيضا إلا بالذي كان داخلا منه تحت إشرافه عليه الصلاة والسلام وتولى كتابته أحد كتّاب الوحي أنفسهم. فمن أجل ذلك ظلّ متوقفا عن تسجيل هذه الآيات رغم حفظه لها ورغم وجودها في صدور عامّة الصحابة إلى أن عثر لها على الشاهد الثاني أيضا وهو الكتابة الموثوقة الصحيحة.
قال أبو شامة: وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، لا من مجرد الحفظ، قال ولذلك قال في آخر سورة التوبة لم أجدها مع غيره- أي غير أبي خزيمة الأنصاري- أي لم أجدها مكتوبة مع غيره. لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة (1).
ثالثا- ما جدّ من ذلك في خلافة عثمان:
وقد ظلّ الأمر على ما قام به أبو بكر رضي الله عنه، مدة خلافته، ثم مدة خلافة عمر رضي الله عنه، وفي صدر من خلافة عثمان رضي الله عنه. إلا أنه حدث بعد ذلك أمر نبّه المسلمين إلى ضرورة وجود نسخ متعددة من هذا المصحف الإمام الذي اعتمده الخلفاء، لتوزيعها في الأمصار وجمع الناس عليها، كي لا يكون للعجمة واللهجات المختلفة سبيل إلى اختلاف الناس في القراءة أو إلى تحريف شيء من القرآن لفظا أو أداء.
(1) انظر الإتقان: 1/ 58، وفتح الباري: 9/ 12.
ولننقل لك مرة أخرى ما رواه البخاري بسنده في ذلك: (عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدّثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن حارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم. ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق)(1).
وإنك لتدرك من هذا النص أن هنالك فرقا من ثلاثة وجوه بين ما فعله عثمان رضي الله عنه وما كان قد فعله من قبله أبو بكر رضي الله عنه.
الأول: أن السبب فيما فعله عثمان إنما هو ما رآه من اختلاف بعض المسلمين في قراءة القرآن، من أثر اتساع الفتوحات ودخول قدر كبير من الأعاجم في الإسلام، يدلك على ذلك ما قاله حذيفة بن اليمان وقد أفزعه ما رآه من بادرة الاختلاف في قراءة القرآن، وهذا ما حمله رضي الله عنه على أن يتشدد في المسألة فيأمر بإحراق كل ما يوجد من صحف ومصاحف أخرى في أيدي الناس، حصرا للاعتماد وحيطة في الضبط، وإنما كان ذلك منه بعد أن جمع المهاجرين والأنصار وجلّة أهل الإسلام وشاورهم في الأمر، فاتفقت كلمتهم على استنساخ المصاحف المتعددة من الأصل المعتمد واطراح ما سواها.
روى القرطبي عن عمير بن سعيد قال علي رضي الله عنه: لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان (2).
(1) صحيح البخاري: 6 - 99.
(2)
انظر تفسير القرطبي: 1 - 52، و 5، والبرهان: 1 - 230.
أما ما فعله أبو بكر فإنما كان ذلك بسبب مصرع كثير من حفّاظ القرآن، كما قد رأيت.
الثاني: اعتمد عثمان رضي الله عنه في كتابة المصاحف على لجنة مكونة من أربعة أشخاص من كبار القرّاء والحفّاظ، من بينهم زيد بن ثابت. أما الجمع الأول فقد اعتمد فيه أبو بكر كما قد رأيت على زيد بن ثابت فقط، ولعلّ سبب هذا الفرق مضاعفة الجهد هنا بسبب كتابة النسخ المتعددة.
الثالث: الصحف التي جمعت في المرة الأولى، إنما كان المراد منها أن تبقى في دار الخلافة معتمدا ومرجعا للدولة، إذ لم يكن في البال ما تسرب إلى بعض الألسنة أخيرا من الاختلاف في قراءة القرآن بسبب شيوع العجمة واتساع الرقعة الإسلامية. أما هذه الكتابة الثانية فإنما أريد منها اعتمادها ثم توزيعها في الأمصار لتتوحد القراءة على أساسها.
إلا أن الباحثين اختلفوا في عدد المصاحف التي استنسخها، والراجح الذي عليه أكثرهم أنها سبعة مصاحب، استبقى واحدا منها عنده وهو الذي سمي بالمصحف الإمام ووزع سائرها على الكوفة والبصرة والشام واليمن ومكة والبحرين (1).
ثم إنك إذا تأملت في قصة هذا الجمع الثاني وقفت على حقيقتين لا بدّ من إدراكهما:
الأولى: ترتيب مصاحف عثمان ورسمها إنما كان على نسق ما كتبه زيد بن ثابت في الجمع الأول، إذ إن الصحف التي اعتمد عليها إنما كانت كما علمت من كتابة زيد، بعد أن أمره كلّ من أبي بكر وعمر بذلك، وزيد بن ثابت هذا هو من أشهر الصحابة ضبطا للقرآن وحفظه، وهو صاحب العرضة الأخيرة للقرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيل وفاته، فأقرّه الرسول عليه الصلاة والسلام، وأمر الناس بأخذ القرآن عنه، ومن هنا قطع كافة العلماء والباحثين
(1) البرهان: 2 - 240.
بأن هذه المصاحف التي وزّعها عثمان في الأقطار هي الصورة المحققة الدقيقة للقرآن الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي كان يتلى به.
الثانية: أن القرآن إنما نزل بلهجة قريش فينبغي أن يكتب أيضا برسمهم وطريقة كتابتهم، تفهم ذلك من قول عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن- أي إملاء ولهجة- فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم.
وقد تم هذا العمل العظيم الذي قام به عثمان بن عفان رضي الله عنه في عام 25 للهجرة. أما ما قام به أبو بكر رضي الله عنه فقد كان بعد موقعة اليمامة في العام الثاني عشر للهجرة.
ثم إن الصحف التي أعادها عثمان رضي الله عنه إلى حفصة، بقيت عندها إلى وفاتها. ومن هنا تعلم أن هذه الصحف لم تكن من بين الصحف أو المصاحف التي أحرقت. قالوا وقد حاول مروان بن الحكم في عام 65 أن يأخذها منها ليحرقها، فأبت، حتى إذا توفيت أخذ مروان الصحف وأحرقها، وقال مدافعا عن وجهة نظره: إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف الإمام، فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب (1).
وما هو إلا أن توزعت هذه المصاحف في البلدان الإسلامية حتى أحرق كل امرئ ما كان عنده من قبل. وأقبلوا يعكفون على استنساخ المصاحف من هذه الأصول الوثيقة المعتمدة، إلى جانب دراستها وتلقّيها مشافهة من كبار القرّاء الذين كان يبعثهم عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار ليتلقى الناس منهم كتاب الله عز وجل.
هذا ونستطيع أن نقطع بأن واحدا من المصاحف العثمانية كان باقيا في دمشق بمسجد بني أمية الكبير حتى القرن الثامن الهجري، حيث يقول ابن كثير
(1) مباحث علوم القرآن للدكتور صبحي الصالح نقلا عن كتاب المصاحف لابن أبي داود ص:
74.
في كتابه فضائل القرآن: (أما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله)(1).
أما بعد ذلك، فالحديث عن تحقيق هذه النسخ ونقلها بين المكتبات والمتاحف والبلدان، أمر يطول ولسنا بصدد هذا البحث.
فإذا تأملت في هذه الخلاصة التي سردناها من تاريخ هذا الكتاب العظيم، منذ نزوله على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى وصوله إلينا اليوم من حيث الأدوار التي تدرج فيها كتابة وجمعا، وتلقيا ودرسا- تصورت أنك من هذا الكتاب المبين أمام شمس واضحة مشرقة تسير أمام عينيك في قبة السماء الصافية، ليس حولها مزقة سحاب تغشي عليها وليس بينك وبينها أي زوبعة أو ضباب يحجبها عنك.
سلسلة متصلة من التدوين الكتابي الدقيق، والتلقّي الشفهي السليم، يسيران جنبا إلى جنب في مطابقة واتفاق، منذ بزوغ فجر هذا التنزيل إلى هذه الساعة من يومنا هذا، لا ترى فيها حلقة مفقودة أو ثغرة ينفذ منها الشك أو اختلافا يبعث على الريبة.
فأي خبر أو كتاب سار خلال القرون في مثل هذا النفق المحكم العجيب من الحفظ والوقاية؟ اللهمّ إن العقل لا يفهم من ذلك إلا أنه تصديق الدهر والقرون لقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وقوله تعالى:
كتاب لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
(1) انظر المرجع السابق: 90.