الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة الكتاب بقلم الكولونيل عبد الله التل
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وبعد، لقد سرنى أن اطلعت على مسودة (غزوة خيبر) .. الكتاب السادس من السلسلة التاريخية التي شرع الأخ الأستاذ محمد أحمد باشميل في إصدارها تحت اسم (معارك الإسلام الفاصلة).
لقد رأيت في هذا الكتاب (كما في غيره من مؤلفات الأخ باشميل التاريخية) كنوزًا ثمينة من التاريخ الإسلامي الطافح بالبطولات والأمجاد .. نقب عنها قلم الأستاذ باشميل وأزال عنها الأتربة السميكة الحاجبة لها .. ثم عرضها على (حقيقتها الأصيلة الناصعة) عرضًا شيقًا وبأسلوب سهل يجعل القراء (على اختلاف درجاتهم الثقافية) يفهمون - دونما عناء أو إرهاق للذهن - حقيقة التاريخ الإسلامي المجيد.
إن الأخ الأستاذ محمد أحمد باشميل لم يأت بجديد في التاريخ (من حيث الجوهر)، فالتاريخ لا يحتمل الاختراع بأن يضيف إليه الكاتب ما ليس في طياته. الأمر الذي ابتعد عنه المؤلف مخالفًا بذلك كثيرًا من الكتاب الذين تناولوا التاريخ الإسلامي بالعرض والتحليل، وسمحوا للخيال (لا الحقيقة) أن يلعب دورًا كبيرًا فيما كتبوا كما فعل جورجى زيدان في سلسلته التاريخية المشهورة.
ولكن الجديد الذي أتى به الأخ الأستاذ باشميل هو الاستقراء الدقيق والعرض الواسع الأدق للتاريخ الإسلامي، ولكن داخل إطار جوهر هذا
التاريخ .. إذ لم يخرج (في أية ناحية من نواحى عَرضه وبحثه وتحليله في مؤلفاته) عن إطار هذا الجوهر، الأمر الذي أعطى سلسلته التاريخية هذه قيمة تاريخية أكبر.
لأنه لم يُخْرج هذه السلسلة كقصص للتسلية وقتل الوقت، يتخللها الحديث عن الحب الموهوم والغرام المتخيَّل بقصد تشويق القارئ وجذبه لا أقل ولا أكثر .. وإنما أخرجها كمراجع حقيقية لتاريخ حقيقى يرجع إليها واثقًا من يريد الرجوع إليها والاستدلال بها.
أسأل الله تعالى أن يجزى الأخ الأستاذ باشميل خير الجزاء على هذا المجهود الذي يبذله خدمة للتاريخ الإسلامي، في وقت يتعرض فيه هذا التاريخ المشرق المجيد لحملات ظالمة يشنها عليه مفكرون محسوبون على العرب والمسلمين، قاصدين من وراء ذلك أن يقطع المسلمون (والعرب خاصة) صلتهم بهذا التاريخ الخالد الوضّاء، ولكن الله بالمرصاد لهؤلاء العملاء المأجورين فسيكبتهم انتصارًا لدينه حتى ينقلبوا خاسرين إن شاء الله.
***
إن معركة خيبر -كما سيراها القارئ في هذا الكتاب - هي من أعظم المعارك الحاسمة في تاريخ الإسلام، وهي -كما يقول المؤلف- أطول معركة خاضها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام في عهد النبوّة. وآخر معركة انتهى بها الوجود اليهودى الذميم في جزيرة العرب.
لقد عرض المؤلف في كتابه هذا لتاريخ اليهود في خيبر- منذ وطئت أقدامهم الدخيلة هذه التربة العربية حتى تم تطهير الجزيرة من أوضارهم بالتصفية العسكرية الشاقة التي قام بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتي هي موضوع هذا الكتاب.
كذلك أثبت المؤلف في الفصل الأول من كتابه هذا أن العنصر اليهودى، عنصر دخيل على الجزيرة العربية، لا تربطه بعرب الجزيرة أية رابطة من دم أو لغة أو دين.
كما نوه عن أحقاد اليهود وتعصبهم وخبثهم وعزلتهم وانطوائهم على أنفسهم ومكرهم وخداعهم، مما جعل صلاتهم بعرب الجزيرة محدودة إلا
في مجال التآمر والغدر والتواطؤ مع الوثنيين على ضرب المسلمين والإطاحة بهم.
وعرض المؤلف لأهمية خيبر وخطورتها (في ذلك العهد) على الإسلام والمسلمين، ولا سيما بعد أن نزح إلا من يثرب يهود بني النضير الأغنياء الأقوياء الذين هم (بين اليهود) في منزلة السادة والأشراف.
وقد تحدَّث المؤلف في شيء من التفصيل المفيد عن كيف تحولت خيبر إلى قاعدة خطيرة للعدوان والتآمر على الإسلام والمسلمين، وكيف كانت هي المُخَطط والمدَبّر والمنطلَقَ الحقيقي لغزوة الأحزاب الرهيبة التي كادت قوات الأحزاب المتحالفة فيها أن تعصف بكيان المسلمين وتقتلع جذور الإسلام كليًّا لولا عناية الله تعالى التي أنقذت الإسلام والمسلمين بمعجزة.
كما فصَّل الأسباب التي جعلت النبي صلى الله عليه وسلم ينتهج سياسة الشدة في معاملة هؤلاء اليهود، ويقرر نقل المعركة إلى عقر دارهم في خيبر لتصفيتهم تصفية نهائية عن طريق الحرب، بعد أن تأكد لديه أن اللين والتسامح مع هؤلاء اليهود لا يزيدهم إلا جرأة في مجال الغدر والعدوان والتآمر على المسلمين.
ثم شرح المؤلف بشيء من التفصيل المرغوب المعارك التي دارت للاستيلاء على حصون خيبر، وأثبت بالأسانيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قمة في الشجاعة والإقدام، وقدوة في التسامح والرحمة، وأن صحابته عليه الصلاة والسلام كانوا نماذج نادرة في التاريخ كله من حيث الصبر والطاعة والإيمان والشجاعة. وأثبت كذلك أن القلة المؤمنة الصابرة تغلب الكثرة الكافرة. فلم يخض المسلمون تحت قيادة محمد عليه الصلاة والسلام معركة إلّا كانوا قيها قلة مؤمنة منتصرة. ولم يطمس المؤلف الحقائق التي عرفت عن يهود خيبر من حيث شجاعتهم واستماتتهم في الدفاع عن حصونهم، وإنما شرح ذلك بأسلوب صادق صريح جعل للمعارك أهمية ورونقا وطعمًا.
ولكم تمنيت أن يصل هذا الكتاب وكتب الأستاذ باشميل الأخرى إلى أيدى ضباطنا وجنودنا في الجيوش العربية كافة، ليطلعوا على صحائف
مشرقة من تاريخ نبيهم العظيم وصحابته الأبطال البررة الذين قبسوا من شجاعة الرسول وسماحته وكرم أخلاقه ما جعلهم يوطدون دعائم الإسلام في ظروف قاسية مريرة رغم ما لاقوه من أحقاد اليهود وجبروتهم وطغيانهم ومكرهم وغدرهم، ولكى يقارن ضباط الجيوش العربية وجنودها بين بطولات كتائب المسلمين الأولى وهزائمنا في حزيران يوم هرب أكثر من ربع مليون ضابط وجندى أمام قلة قليلة من هؤلاء اليهود، مما ألحق بالمسلمين عارًا أبديًا لا يمحوه إلا عودة هذه الأمة لدينها وتاريخها وأصولها العريقة ونبذ المبادئ الزائفة المستوردة من أعداء أمتنا وديننا.
وتحية إلى الأستاذ محمد أحمد باشميل الذي كرس حياته للدفاع عن دينه وأمته ووطنه والإسهام في إحياء التراث الإسلامي بأسلوب شائق وقلم حر صادق هو في صراع دائم مع الباطل، راجيًا له دوام التوفيق، مؤملًا أن يواصل إصدار الكتب عن معارك الإسلام الحاسمة كالقادسية واليرموك وحطين وعين جالوت.
عمان
عبد الله التل
قائد معركة القدس سنة 1948