الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأن خيابر (أي يهود خيبر) قد جمعت الجموع، فمحمد لا يفلت، إلى أن قال عباس: من شاء بايعته، لا يفلت محمد، فقلت: أنا أخاطرك (أي أراهنك)، فقال صفوان بن أمية: أنا معك يا عباس، وقال نوفل بن معاوية (1) أنا معك يا عباس، وضوى (أي مال) إليّ نفر من قريش فتخاطرنا (مائة بعير) خماسًا إلى مائة بعير، أقول أنا وحيِّزى:"يظهر محمد"، ويقول عباس وحيِّزه: تظهر غطفان (واليهود)، فاضطرب الصوت (أي ارتفع لشدة الجدال) فقال أبو سفيان بن حرب: خشيت واللات حيِّز عباس بن مرداس، فغضب صفوان (2) وقال: أدركتك المنافية! فأسكت أبو سفيان، وجاءه الخبر بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حويطب وحيِّزه (3) الرهن.
قالوا: وكانت الأيمُنُ تُحْلَفُ عن خيبر، وكان أهل مكة حين توجَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر قد تبايعوا بينهم، نهم من يقول: يظهر الحليفان أسد غطفان واليهود بخيبر، وذلك أن اليهود أوعبت في حلفائها، فاستنصروهم وجعلوا لهم تمر خيبر سنة، فكانت في ذلك بينهم بيوع عظام.
قصة الحجاج بن علاط:
وكان الحجاج بن علاط (4) السلمي ثم البهزى قد نجرج يغير في بعض غاراته، فذكر له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فأسلم وحضر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، وكانت أم شيبة بنت عمير بن هاشم أخت مصعب العبدرى امرأته، وكان الحجاج مكثرًا، له مال كثير، - معادن الذهب التي بأرض
(1) هو نوفل بن معاوية بن عروة الدؤلى البكرى الكنانى، أسلم يوم الفتح، قال ابن حجر في الإصابة: عاش ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام، توفى بالمدينة في خلافة يزيد بن معاوية.
(2)
انظر ترجمة صفوان بن أمية في كتابنا غزوة بدر الكبرى.
(3)
الحيز: بفتح أوله وتشديد ثانيه مع الكسر، في الأصل الناحية واستعير هنا للفريق المناصر.
(4)
هو الحجاج بن علاط (بكسر العين) ابن خالد السلمي ثم الفهرى كان أول من بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة من معدن بني سليم، حضر معارك الشام وكان مبعوث أهل الشام إلى عمر بن الخطاب حين كتب إلهم أن ابعثوا إلى برجل من أشرافكم، مات الحجاج في خلافة عمر.
بني سليم (1) -، فقال: يا رسول الله، ائذن لي حتى أذهب فآخذ مالى عند امرأتى، فإن علمت بإسلامى لم آخذ منه شيئًا، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لا بد لي يا رسول الله من أن أقول. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ما شاء.
قال الحجاج: فخرجت فلما انتهيت إلى الحرم هبطت فوجدتهم بالثنية البيضاء، وإذا بهم رجال من قريش يتسمعون الأخبار، قد بلغهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سار إلى خيبر، وعرفوا أنها قرية الحجاز ريفًا وَمَنعَة ورجالًا وسلاحًا، فهم يتحسّسون الأخبار مع ما كان بينهم من الرهان، فلما رأونى قالوا: الحجاج بن علاط عنده والله الخبر! ، يا حجاج، إنه قد بلغنا أن القاطع (2) قد سار إلى خيبر بلد اليهود وريف الحجاز. فقلت: بلغني أنه قد سار إليها، وعندى من الخبر ما يسرُّكم. فالتبطوا (3) بجانبي راحلتى يقولون: يا حجاج أخبرنا، فقلت: لم يلق محمد وأصحابه قوما يحسنون القتال غير أهل خيبر. كانوا قد ساروا في العرب يجمعون له الجموع، وجمعوا له عشرة آلاف، فهُزِمَ هزيمة لم يسمع قط بمثلها، وأُسِرَ محمد أسرًا. فقالوا: لن نقتله حتى نبعث به إلى أهل مكة فنقتله بين أظهرهم بمن قتل منا ومنهم! ولهذا فإنهم يرجعون إليكم يطلبون الأمان في عشائرهم ويرجعون إلى ما كانوا عليه، فلا تقبلوا منهم وقد صنعوا بكم ما صنعوا، قال: فصاحوا بمكة وقالوا: قد جاءكم الخبر، هذا محمد إنما ينتظر أن يقدم به عليكم وقلت: أعينونى على جمع مالى على غرمائى، فأنا أريد أن أقدم فأصيب من محمد (4) وأصحابه قبل أن تسبقنى التجار إلى هناك. فقاموا فجمعوا إليّ مالى كأحسن جمع سمعت به، وجئت صاحبتى (زوجته) وكان لي عندها مال فقلت لها: مالى، لعلى ألحق بخيبر فأصيب من البيع قبل أن يسبقنى التجار إلى من انكسر هناك من المسلمين.
(1) بنو سليم الذين بن منهم الحجاج بن علاط، تقع منازلهم في المنطقة التي فيها وادي فاطمة، وهذا يعني أن معدن الذهب المشار إليه هو في هذه المنطقة من الحجاز.
(2)
يعنون قاطع الأرحام أي النبي صلى الله عليه وسلم.
(3)
التبط القوم به. قال في القاموس المحيط: أي طافوا به ولزموه.
(4)
في سيرة ابن هشام: من فل محمد، والفل (بفتح أوله) القوم المنهزمون.
وسمع ذلك العبّاس بن عبد المطلب، فقام، فانخذل ظهره فلم يستطع القيام، فأشفق أن يدخل داره فيؤذَى، وعلم أن سيؤذى عند ذلك، فأمر بباب داره يفتح وهو مستلق، فدعا بابنه قثم وكان يشبه النبي صلى الله عليه وسلم، فجعله يرتجز ويرفع صوته ألّا يشمت به الأعداء، وحضر باب العبَّاس بين مَغِيظ محزون، وبين شامت، وبين مسلم ومسلمة، مقهورين لظهور الكفر والبغى، فلمَّا رأى المسلمون العباس طيّبة نفسه طابت أنفسهم واشتدت منّتهم (1) ودعا غلامًا يقال له أبو زبينة، فقال له: إذهب إلى الحجاج فقل: يقول العباس: "الله أعلى وأجل من أن يكون الذي تخبر خقًا) فجاءه فقال الحجاج: قل لأبي الفضل: أجلَّنى في بعض بيوتك حتى آتيك ظهرًا ببعض ما تحب فاكتم عنى. فأقبل أبو زبينة يبشر العباس "أبشر بالذي يسرّك" فكأنه لم يمسه شيء، ودخل عليه أبو زبينة فاعتنقه العبَّاس وأعتقه وأخبره بالذي قال، فقال العباس: لله عليَّ عتق عشر رقاب! فلمَّا كان ظهرًا جاءه الحجاج فناشده الله: لتكتمَنَّ عليَّ ثلاثة أيام. فواثقه العبَّاس على ذلك قال: فإني قد أسلمت ولى مال عند امرأتى ودين على الناس، ولو علموا بإسلامى لم يدفعوا إليَّ، تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فتح خيبر، وجرت سهام الله ورسوله فيها وانتثل ما فيها (2)، وتركته عروسًا بابنة حييّ بن أخطب وقتل ابن أبي الحُقيق.
قال: فلمَّا أمسى الحجاج من يومه خرج، وطال على العبَّاس تلك الليالى، وجعل العبَّاس يقول: يا حجاج، انظر ما تقول فإني عارف بخيبر هي ريف الحجاز أجمع وأهل المَنعَة والعُدَّة في الرجال. أحقّ ما تقول؟ قال: أي والله، فاكتم عنى يومًا وليلة.
قال الواقدي: حتى إذا مضى الأجل والناس يموجون في شأن ما تبايعوا (أي تراهنوا) عليه، عمد العبَّاس إلى حلَّة فلبسها وتخلَّق الخلوق (أي تطيَّب) وأخذ في يده قضيبًا ثم أقبل يخطر حتى وقف على باب الحجاج بن عِلاط، فقرعه فقالت زوجته: لا تدخل، أبا الفضل! قال: فأين
(1) المنة بضم الميم: القوة.
(2)
انتثل الشيء: استخرجه وأخذه.
الحجاج؟ قالت: انطلق إلى غنائم محمد ليشترى منها التي أصابت اليهود منه قبل أن تسبقه التجار إليها.
فقال لها العباس: فإن الرجل ليس لك بزوج إلا أن تتبعى دينه، إنه قد أسلم وحضر الفتح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما ذهب بماله هاربًا منك ومن أطك أن يأخذوه. قالت: أحقًا يا أبا الفضل؟ قال: أي والله! قالت: والثواقب إنك لصادق، ثم قامت تخبر أهلها.
وانصرف العباس إلى المسجد، وقريش يتحدّثون بما كان من حديث الحجاج، فلما نظروا إلى العباس وإلى حاله تغامزوا، وعجبوا من تجلده، ثم دخل في الطواف بالبيت، فقالوا: يا أبا الفضل هذا والله التجلد لحرّ المصيبة! أين كنت منذ ثلاث لا تطلع؟ .
قال العباس: كلا والذي حلفتم به، لقد فتح خيبر وترك عروسًا على ابنة ملكهم حييّ بن أخطب، وضرب أعناق بني أبي الحقيق البيض الجعاد الذين رأيتموهم سادة النضير من يثرب، وهرب الحجاج بماله الذي عند امرأته. قالوا: من خبَّرك بهذا؟ قال العباس: الصادق في نفسي، الثقة في صدرى، فابعثوا إلى أهله! فبعثوا، فوجدوا الحجاج قد انطلق بماله واستكتم أهله حتى يصبح، فسألوا عن ذلك كله فوجدوه حقًّا، فكُبِتَ المشركون وفرح بذلك المسلمون، ولم تلبث قريش خمسة أيام حتى جاءهم الخبر بذلك (1).
(1) مغازي الواقدي ج 2 ص 702 وما بعدها.