الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعد الله المسلمين بفتح خيبر
ذكرنا في كتابنا (صلح الحديبية) أن الله تعالى قد وعد المسلمين بأنهم سيفتحون خيبر وسيحصلون فيها على غنائم كبيرة، وذلك في قرآن أنزله تعالى على نبيه، وهو راجع من الحديبية بعد إبرام ذلك الصلح التاريخي مع مشركي مكة، وهو قوله تعالى:{وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} (1) أي فتح خيبر (2)، كذا قاله أصحاب المغازي والسير.
ولقد كان هذا الوعد الإلهي بمثابة تطمين للمسلمين وتثبيتًا لعزائمهم، فلم يعد لأحد منهم (وعلى رأسهم نبيهم الكريم) شك في أن الله سيفتح عليهم خيبر ويجعلها بواحاتها الخضراء الواسعة وحدائقها النضرة غنيمة لهم جزاء ثباتهم ووقوفهم إلى جانب نبيهم العظيم في السَّراء والضَّراء، كما أن وعبد الله لهم بفتح خيبر بمثابة عزاء لهم عما لاقوه من كرب نفسي نتيجة قبول النبي صلى الله عليه وسلم للشرط الذي صُدُّوا بموجبه عن المسجد الحرام عام الحديبية.
ابتهاج المسلمين بغزو خيبر:
وعندما أعلن النبي صلى الله عليه وسلم استنفار أصحابه للزحف علي خيبر، عمَّت المسلمين موجة من الفرح والابتهاج، لأنهم كانوا حريصين كل الحرص على الجهاد الذي هو السبيل الوحيد لنيل أعلى الدرجات عند الله تعالى عن طريق الاستشهاد في سبيله.
عدم قبول تجنيد المخلفين:
جاء في كتابنا الخامس (صلح الحديبية) أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتزم القيام بالعمرة إلى مكة في السنة السادسة من الهجرة طلب من كل المنتسبين إلى الإسلام في الحاضرة والبادية أن يصحبوه في هذه العمرة، وأمر مناديًا ينادى بذلك.
(1) الفتح 20.
(2)
انظر تفسير الآية في تفسير ابن كثير والكشاف والطبرى وتفسير الشوكانى، وانظر مغازى الواقدي ج 2 ص 621.
غير أنه بالرغم من كثرة المنتسبين إلى الإسلام في تلك الفترة، فإنه لم يستجب لهذا النداء النبوى إلا عدد قليل من أصحابه الأوفياءُ وهم الصفوة المختارة الذين أعلن الله تعالى رضاءه عنهم وهم يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة في الحديبية بقوله تعالى:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} (1) الآية، وكان عدد الصفوة المختارة من هؤلاء الرجال ألف وأربعمائة.
أما المنافقون من أهل المدينة وضعاف الإيمان من الأعراب (وعدد الجميع غير قليل) وهم الذين سماهم الله بالمخلفين. . فقد تخاذلوا فلم يستجيبوا يومها لنداء الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قرروا عدم مصاحبته في هذه الرحلة التاريخية لأداء العمرة.
وذلك لما رسخ في أذهانهم المريضة من أن النبي صلى الله عليه وسلم سيلاقي متاعب شديدة في هذه الرحلة وأنه ومن معه قد يتعرضون لحرب ضروس تشنها عليهم قريش التي كانت أيامها في حالة حرب مع المسلمين.
ولما كان رصيد هؤلاء المنافقين من الإيمان غير موجود فقد انعدم في نفوسهم باعث التضحية وركوب الأخطار في سبيل الله، عكس المؤمنين الصادقين الذين لبُّوا نداء نبيهم وقرروا الذهاب معه إلى مكة مهما كانت الأخطار التي يتوقعون (دونما شك) أنها ستحف بهذه الرحلة.
وذكرنا في الكتاب الخامس (صلح الحديبية) أن المحلفين من منافقى الأعراب وأهل المدينة (لينجوا بأنفسهم من المخاطر التي قد يتعرض لها النبي صلى الله عليه وسلم ومن يصاحبه في هذه العمرة) تثاقلوا وتخلفوا عن ركب الإيمان، متعللين بشتى الأعذار الكاذبة. . ومن ذلك أن اشتغالهم بأهليهم وأموالهم لا يسمح لهم بأن يكونوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة، وهو عذر باطل فنَده القرآن وردَّه عليهم:{سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ} .
إلى أن قال تعالى كاشفًا دخائل أنفسهم المريضة: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ
(1) الفتح 18.
يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} (1).
ومع هذا التخاذل والتلكُّؤ فقد تركهم النبي صلى الله عليه وسلم وشأنهم فلم يتخذ ضدهم أيَّ إجراء بل وحتى لم يندد بهم حتى أنزل الله فيهم قرآنًا كشف واقعهم السئ المشين.
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لشأنهم وخرجوا من المدينة لأداء العمرة، وقد لقوا كثيرًا من المتاعب إلا أن الله تعالى أيَّدهم بنصره وتوفيقه فعادوا سالمين بعد أن سجلوا أعظم نصر أدبي وسياسي وعقائدي كما فصلناه في كتابنا الخامس من هذه السلسلة - صلح الحديبية -.
وعقب عودة المسلمين من الحديبية عظمت هيبتہم وتعاظم سلطانہهم بعد أن ارتفع رصيدهم من القوة فور توقيعهم على صلح الحديبية التاريخي وبعد أن فرضوا هيبتهم على قريش (عدوهم الرئيسى) بإجبارها على الاعتراف بهم وعقد هدنة تضع الحرب أوزارها بموجبها عشر سنوات.
وعندما أعلن النبي صلى الله عليه وسلم التعبئة بين أصحابه للزحف على خيبر، تقدم هؤلاء المخلفون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأكدوا رغبتهم في الانخراط في سلك الجيش الزاحف على خيبر ومشاركة المسلمين في شرف الجهاد.
ولم يكن هدفهم في الواقع من إبداء هذه الرغبة نيل شرف الجهاد في سبيل الله كما هو شأن الصفوة المختارة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين صاحبوه في عمرة الحديبية. . وإنما كان هدف هؤلاء المخلفين هو المشاركة في الحصول على الغنائم العظيمة التي وعد الله بها المؤمنين في خيبر، والتي أيقن هؤلاء المخلفون أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه سيظفرون بها لا محالة.
غير أن النبي صلى الله عليه وسلم وقد أخبره الله تعالى بحقيقة غايات هؤلاء المخلفين من إبداء الرغبة في الاشتراك في غزو خيبر، وأنها غايات وأهداف مادية دنيوية صرفة بعيدة كل البعد عن نية الجهاد وقصد الاستشهاد في سبيل الله، أبي صلى الله عليه وسلم عليهم أن يشاركوه في هذا الغزو، لأن الله تعالى أنزل فيهم قرآنًا
(1) الفتح 11.
كشف حقيقتهم وأمر نبيه بأن يمنعهم من الانخراط في سلك الجيش الزاحف على خيبر فقال تعالى:
وتنفيذًا لهذا الأمر الإلهى أعلن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لن يشترك معه في غزو اليهود في خيبر إلا أصحاب الشجرة الذين حضروا الحديبية وعددهم ألف وأربعمائة.
أما الذين تخلفوا عن الحديبية (وهم الذين عناهم القرآن بالمنع) فقد قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءوه يستأذنونه في الخروج معه إلى خيبر قال لهم: لا تخرجوا معى إلا راغبين في الجهاد، فأما الغنيمة فلا (2).
وجاء في السيرة الحلبية أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر مناديًا ينادى بأن الذين تخلفوا عنه عام الحديبية ويرغبون في الخروج معه إلى خيبر فإنهم لن يعطوا شيئًا من غنائمها.
وكأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أراد بهذا (على ما يظهر) امتحان هؤلاء المخلفين ومعرفة الصادق منهم من الكاذب.
ذلك أنهم بتخلفهم عن النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الرحلة التاريخية المحفوفة (فعلًا) بالأخطار. . الرحلة التي انتہهت بصلح الحديبية. . أثبتوا أنهم ليسوا على مستوى الإيمان واليقين الذي يحتم عليهم (وقد انتسبوا إلى أسرة الإسلام) أن يكونوا إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم في السراء والضراء وفي المنشط والمكره.
إذ ظهر بما لا يدع مجالًا للشلك أن باعث تخلفهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم عام الحديبية إنما كان (فقط) خوفهم من أن يكون المسلمون عرضة لحرب ضروس تشنها عليهم قريش في هذه الرحلة، وبهذا أدانوا أنفسهم بأنهم
(1) الفتح 15.
(2)
مغازي الواقدي 2 ص 634.