الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
داود عليه السلام على ما ذكره الطبري وغيره.
وهذا مجرد ترجيح في مجال الافتراض، لأن قصة هجرة الأوس والخزرج إلى يثرب وقصة هجرة اليهود في كلا الفترتين لا يمكن تحديد أي منهما تحديدًا دقيقا لأنهما (كما قلنا) من الأخبار التي تحتمل الصحة والبطلان والتحديد فيهما لا يكون إلا من باب الافتراض، لأن أخبار ما قبل الإسلام لا يمكن الجزم بإثباتها أو نفيها اللهم إلا ما ورد فيه نص إسلامي صريح بهذا النفي أو ذاك الإثبات.
اليهود عنصر دخيل في الجزيرة:
وعلى كل حال -وسواء استوطن اليهود خيبر وباقي المناطق قبل الميلاد أو بعده- فإن المجمع عليه عند جميع المؤرخين (إسلاميين وأجانب) أن اليهود في خيبر ويثرب وباقي المناطق هم أجانب دخلاء مستعمرون لا تربطهم بأي من سكان هذه المناطق في جزيرة العرب آية رابطة من لغة أو دين أو دم، وإنما هم غزاة، أو لاجئون سيطروا على خيبر ويثرب وباقي المناطق في غفلة من الزمن وفي وقت كان العرب الوثنيون فيه تمزقهم روح الجاهلية القبلية الضيقة التي ساهم وجودها وتحكمها في المجتمع العربي .. في التمكين لهؤلاء اليهود الدخلاء في هذه المناطق من جزيرة العرب .. الذين زادوا المجتمعات العربية فسادًا على فساد، كما هي طبيعة العنصر اليهودى الذي لا يكون له نفوذ في أرض إلا وأشاع فيها الفساد وبذر بذور الشحناء وأشعل نيران التفرقة والتخاصم بين أهلها.
وقد ظل العنصر اليهودى الدخيل هذا شأنه منذ استوطن خيبر وباقي الأجزاء الأخرى من الجزيرة العربية حتى اقتلع النبي صلى الله عليه وسلم جذور هذا العنصر نهائيًا بالعمليات الحربية التي قام بها في خيبر وباقي النقاط الأخرى التي كانت واقعة تحت سلطان هؤلاء اليهود المحتلين.
شجاعة يهود خيبر وقوة وحدتهم:
وشئ يجب أن لا يغيب عن بال المؤرخ وهو أن يهود خيبر كانوا (عبر العصور) بالإضافة إلى تفوقهم على جميع اليهود من ناحية الشجاعة والصبر على القتال .. كانوا غاية من الموحدة والتماسك فيما بينهم .. عكس
اليهود الآخرين الذين لم ينجو من آفات الاختلاف -بل والاقتتال فيما بينهم أحيانًا-. كما أن يهود خيبر لم ينشب بينهم وبين جيرانهم العرب الوثنيين أي نزاع مسلح. مما ساهم في جعلهم أقوى قوة يهودية دخيلة في بلاد العرب.
فإذا كان يهود يثرب (مثلًا) لم يسلموا من نشوب حرب أهلية قبلية فيما بينهم فرقت وحدتهم وصدعت كيانهم، كما حدث بين بني قينقاع وبنى النضير من تخاصم وتقاتل وعداء شديد ظل أثره باقيًا بينهما حتى بعد ظهور الإسلام ومخاصمة الفريقين له.
إذا كان يهود يثرب قد تعرضوا لهذه الانشقاقات والاصطدامات الدامية فيما بينهم عبر وجودهم في يثرب .. فإن يهود خيبر لم يرو أحد من المؤرخين (فيما أعلم) أنهم تعرضوا (منذ أن وطئت أقدامهم منطقة خيبر) لشئ مما تعرض له يهود يثرب من اختلافات شديدة واصطدامات دامية.
الأمر الذي جعل يهود خيبر (طيلة وجودهم الاستعمارى) في هذه المنطقة متحدين لم تبدد شيئًا من طاقاتهم العسكرية أو وحدتهم السياسية حروب أهلية أو نزاعات قبلية كما هو الحال بالنسبة ليهود يثرب.
كما أن يهود يثرب، إذا كانوا قد تعرضوا في الفترة التي مرت على وجودهم (قبل الإسلام) لضربات عسكرية عنيفة من جيرانهم العرب كادت تقتلع وجودهم وتهدم كيانهم في يثرب كما حدث لهم في أوائل القرن الأول من الميلاد على أيدى المهاجرين اليمانيين من منطقة (مأرب) - الأوس والخزرج - الذين منذ استقرارهم في يثرب ظلوا ينازعون هؤلاء اليهود السلطان لاستئثارهم بالمناطق الزراعية الخصبة (دونهم) في المدينة. ولنظرة هؤلاء اليمانيين إلى هؤلاء اليهود كعنصر أجنبي دخيل على بلاد العرب، الأمر الذي ساعد على إشعال نار المقت في نفوس اليمانيين، حتى تمكنوا من خضد شوكتهم بمساعدة إخوتهم الغساسنة اليمانيين الذين خفوا لنجدتهم من الشام. ثم من قهرهم نهائيًا بقيادة مالك بن العجلان الذي وضع حدًّا (قبل الإسلام) لسلطان هؤلاء اليهود المطلق على يثرب.
فقد ذكر المؤرخون أن الضربة العنيفة التي أنزلها الأوس والخزرج باليهود بقيادة سيد الأوس والخزرج مالك بن العجلان (قبل الإسلام بعدة
قرون) كادت تستأصل شأفة العنصر اليهودى الدخيل لولا أن زعماء هؤلاء اليهود انحنوا للعاصفة فسلموا بالهزيمة ثم (لكى ينجوا من الهلاك) قبلوا الانضواء (بالحِلف) تحت لواء مختلف القبائل اليمنية المنتصرة عليهم (الأوس والخزرج) فاندمجوا فيهم، وبذلك ضمنوا سلامة أرواحهم وممتلكاتهم، ولكن على حساب التسليم بهدم سلطانهم السياسي والعسكري الذي كان سائدًا على يثرب.
وهكذا فإن يهود يثرب إذا كانت الهزات العنيفة التي زلزلت سلطانهم ومزقت وحدتهم، سواء بسبب تعرضهم لهجمات المهاجرين اليمانيين الضاربة أو بسبب النزاعات القبلية المسلحة التي نشبت بين اليهود أنفسهم قبل ظهور الإسلام بعدة قرون، فإن يهود خيبر ظلوا (طيلة وجودهم الاستعمارى) بمنجاة عن مثل هذه الهزات الخطيرة التي ذهبت بسلطان اليهود في يثرب.
الأمر الذي أبقى على وحدة يهود خيبر وتماسكهم. وذلك دونما شك من أعظم أسباب تفوقهم في القوة والمنعة والشجاعة على جميع العناصر اليهودية الدخيلة المبعثرة في ذلك الركن من جزيرة العرب.
فالمؤرخون مجمعون على أن يهود خيبر أشجع وأقوى العناصر اليهودية المحاربة في جزيرة العرب دونما استثناء.
ولعل أكبر دليل على صحة هذا القول، هو أن يهود يثرب (بالرغم من كونهم أكثر عددًا وأوسع ثراءًا من يهود خيبر) فإنهم قد جبنوا عن مواجهة المسلمين في أية معركة فاصلة، إذ فضّلوا الاستسلام ثم النفي على خوض أية معركة فاصلة عندما وصلوا في عدائهم للمسلمين إلى درجة النزاع المسلح كما حدث لبنى قينقاع ثم بني النضير وأخيرًا بني قريظة (1).
(1) كان لمالك بن العجلان اليمانى فضل كبير (قبل الإسلام) في خضد شوكة اليهود في يثرب وجعلهم تبعًا لليمانيين الذين سماهم الله فيما بعد (الأنصار) وذلك بعد أن كان هؤلاء اليهود الدخلاء ذوي سطوة وجبروت وطغيان في منطقة يثرب، وخاصة ملكهم الطاغية (الفطيون).
فقد ذكر السمهودى في كتابه (وفاء الوفاء ج 1 ص 179) أن (الفطيون) كان قد أجبر سكان يثرب من اليهود وغيرهم على أن لا تزف عروس إلى زوجها حتى تدخل عليه فيفتضها ثم ترسل =
ولن نذهب بعيدًا لتأييد هذا القول فالتاريخ ينبؤنا بأن المسلمين في نزاعهم المسلح مع العناصر اليهودية الدخيلة في بلاد العرب لم يلاقوا من المقاومة مثلما لاقوا من يهود خيبر حيث اشتبكوا معهم في معارك ضارية دافع فيها اليهود عن معاقلهم حصنًا حصنًا .. ولم تستسلم حصونهم إلا بعد أن سقط جميع قادتهم وزعمائهم قتلى في هذه المعارك.
ولقد جعلت هذه الشجاعة والشراسة التي أبداها يهود خيبر في مقاومتهم .. جعلت بعض المؤرخين (منهم بعض الأوروبيين) يعتقدون أن يهود خيبر هم من أصل عربي دانوا (على مدى العصور) باليهودية. وقد ذكر إمام المغازي ابن إسحاق أن أُسرة آل مرحب اليهودية في خيبر هم من قبيلة حمير اليمنية (1).
= لزوجها وظل يمارس هذا العمل الفظيع ردحًا من الزمن فلما نزل الأوس والخزرج يثرب بعد انهدام سد مأرب أراد طاغية اليهود (الفطيون) أن يسير فيهم بتلك السيرة المهينة.
إذ تزوجت أخت مالك بن العجلان اليمانى رجلا من بني سليم في يثرب فأرسل الفطيون رسولًا في ذلك طالبًا أن تدخل عليه العروس كالعادة قبل أن تزف إلى زوجها، وكان مالك أخوها غائبًا، فخرجت هاربة من العار تطلبه، فمرت بقوم فيهم أخوها مالك، فنادته، فقال: لقد جئت بسبة الدهر يا هنتاه، تنادينى ولا تستحى؟ فقالت: الذي يراد بي أكبر، ثم أخبرته بأن الفطيون طلبها قبل أن تدخل على زوجها، فثارت حمية مالك وقال لأخته: أنا أكفيك ذلك، فقالت: وكيف؟ فقال أتزيا بزى النساء وأدخل معك عليه (أي الفطيون) فأقتله .. فلما أمسى مالك اشتمل على السيف ودخل على (الفطيون طاغية اليهود) متنكرًا مع النساء فلما خف من عنده، وثب عليه فقتله، ثم أخذ أخته وانصرف بها إلى دار قومه بعد أن مسح عن سكان يثرب أشنع عار كانوا يوصمون به. فثارت ثائرة اليهود لقتل ملكهم الفطيون وأرادوا أن يوقعوا بالعرب، إلا أن مالك بن العجلان توجه في وفد من قومه إلى من بالشام من قومهم (الغساسنة)، وهناك دخل على ملك الغساسنة (أبي جبيلة) وشكا له طغيان اليهود الدخلاء وغلبتهم على عرب يثرب وأنهم يخشون أن يطردهم اليهود من ديارهم (وخاصة بعد مصرع ملكهم الفطيون) ثم طلب النجدة من ملك غسان، فلبى طلبه وتوجه بنفسه إلى يثرب على رأس جيش عظيم، ولما وصل أبو جبيلة يثرب أوقع باليهود وأحدث فيهم مقتلة عظيمة أبيد فيها أكثر قادة وزعماء اليهود، فعزت الأوس والخزرج بعد ذلك ولم يقم بعد هذه الحادثة لليهود في يثرب أي سلطان يخشاه العرب من الناحية العسكرية حتى جاء الله بالإسلام فعم سلطانه العادل جميع شبه الجزيرة في العهد النبوى فنسخ بذلك ما تبقى لليهود الدخلاء من نفوذ في أي مجال من المجالات (انظر كتابنا، غزوة بني قريظة في الفصل الأول والثاني الخاص بتاريخ اليهود في يثرب).
(1)
سيرة ابن هشام ج 2.