الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وذكر المؤرخون أن منطقة (الشق) بها حصون كثيرة أخرى لليهود (1) ولكن هؤلاء المؤرخين لم يذكروا منها - فيما بلغني - سوى هذين الحصنين (حصن أُبيّ وحصن البزاة)، ويظهر أن ذلك راجع إلى أن المسلمين استولوا على حصون الشق كلها (ما عدا حصن أُبى وحصن البزاة) بدون قتال الأمر الذي جعل المؤرخين يكتفون بالإشارة إلى هذه الحصون فقط.
وكل من حصرن النطاة وحصون الشق تقع كما قلنا في القسم الأول من مدينة خيبر وتمثل خط الدفاع الأول والأهم عن هذه المدينة، حيث دارت أعنف المعارك بين المسلمين واليهود.
تحويل المعسكر النبوى إلى مكانه الأول:
ذكرنا فيما مضى من هذا الفصل (وفي بداية الحديث عن معارك خيبر): أن النبي صلى الله عليه وسلم عند بدء القتال قد عنه عسكر بجيشه في أعلى النطاة، فجعل مقر قيادته في منطقة تقع بين حصون النطاة وحصون الشق (2)، فصار جيشه لذلك عرضة لأن يباغته اليهود في أية لحظة وخاصة أثناء الليل، وذلك لكونه عسكر بجيشه بين سلسلة من حصون منطقتى النطاة والشق (3)، وفي موقع تكتنفه أحراش النخيل التي تُسهّل لوحدات من الجيش اليهودى أن تتسلل من حصونهم وتهاجم المسلمين ليلًا بسهولة، والهجوم الليلى هو الذي يسمّونه بالبيات.
الأمر الذي حمل الخبير العسكري الشهير الحباب بن المنذر -كما تقدم- على أن ينصح النبي صلى الله عليه وسلم ويقترح عليه تغيير مقر قيادته ونقل معسكره من هذه المنطقة بعيدًا عن حصون اليهود قائلًا: (يا رسول الله: دنوت من الحصون ونزلت بين ظهرى النخل والنّز مع أن أهل النطاة لي بهم
(1) انظر مغازى الواقدي ج 2 ص 667 والبداية والنهاية ج 4 ص 198 وإمتاع الأسماع ص 319.
(2)
انظر مغازى الواقدي ج 2 ص 641 - 642.
(3)
النطاة والشق بها سلسلة من القلاع الحربية لليهود وفيهما (فقط) دارت أعنف المعارك التي بها تقرر مصير اليهود.
معرفة ليس قوم أبعد مدى سهم منهم ولا أعدل رمية منهم، وهم مرتفعون علينا، وهو أسرع لانحطاط نبلهم مع أنه لا أمن من بياتهم (أي عملياتهم الهجومية في الليل) يدخلون في خَمَر النخل تحوّل يا رسول الله إلى موضع برئ من النز ومن الوباء، نجعل الحَرَّة بيننا وبينهم حتى لا ينالنا نبلهم).
وكان المكان الذي عسكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم بجيشه بين الشق والنطاة (أول نزوله خيبر) يقال له: (المنزلة)(1) - وكما تقدم تفصيله في هذا الفصل عمل النبي صلى الله عليه وسلم بنصيحة الحباب بن المنذر واتبع مشورته، فتحول بعسكره من المنزلة (أعلى النطاة بينها وبين الشق) إلى وادي الرجيع فجعل فيه معسكر جيشه ومقر قيادته، وصار من هذا الوادي يجرّد حملاله العسكرية ضد اليهود - وما زال كذلك - حتى تمكنت قواته من السيطرة على جميع حصون النطاة وخاصة الحصون الحربية القوية الرئيسية الثلاثة (حصن ناعم، وحصن الصعب بن معاذ، وحصن الزبير).
وباستيلاء الجيش النبوى على حصون هذه المنطقة (النطاة) انتقل النبي صلى الله عليه وسلم بجيشه من وادي الرجيع (أسفل النطاة) إلى أعلاها، وهناك وفي المكان الأول الذي اتخذ منه معسكرًا لجيشه يومًا واحدًا فقط (أول نزوله خيبر) .. هناك في (المنزلة) عسكر بجيشه للمرة الثانية، ليدير عملياته الهجومية ضد اليهود في حصون الشق، الواقعة في القسم المتبقى من الشطر الأول من مدينة خيبر.
وكان سبب انتقاله إلى (المنزلة) بين حصون النطاة والشق (المكان الذي اضطر بناءً على مشورة الحباب بن المنذر إلى التخلّى عنه في بداية الحرب) هو أن جيشه (بعد سيطرته على قلاع النطاة) لم يعد واقعًا بين نارين كما كان عندما اتخذ من هذه المنطقة أول معسكر لجيشه، في وقت كانت فيه حصون النطاة المنيعة لا تزال في أيدى اليهود الذين يعتبرون أشجع يهود
(1) مغازى الواقدي ج 2 ص 643.