الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتقع خيبر في الشمال الشرقي للمدينة وعلى بعد حوالي سبعين ميلا منها ..
متى جاء اليهود إلى خيبر:
منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة كانت منطقة يثرب والمناطق الشرقية والغربية وكل المنطقة الشاسعة الممتدة في الحجاز من يثرب حتى الحدود الشمالية المتاخمة للشام خاضعة لسلطان العمالقة، وهم قوم جبابرة من العرب البائدة (1).
بل كانت المناطق التي تشمل كل ساحل الخليج العربي وعمان ونجد والحجاز حتى الشام كانت خاضعة لسلطان العمالقة منذ تبلبلت الألسنة وبعد التفرق بعد عهد النمرود بن كنعان بن حام بن نوح.
أما صلة بني إسرائيل بمنطقة خيبر فهناك اختلاف بين المؤرخين في الوقت الذي اتصل فيه هذا العنصر الدخيل بخيبر.
فبعضهم يقول: إن الوجود اليهودى الدخيل في خيبر يعود إلى التاريخ الذي استوطن فيه اليهود منطقة يثرب بعد وفاة نبي الله موسى عليه السلام على أثر عودة الحملة العسكرية التي ذكر الإخباريون الإِسلاميون أن نبي الله موسى أرسلها (قبيل موته) لإِخضاع وإبادة جبابرة العمالقة الذين يقطنون يثرب والمناطق الشمالية والشرقية والغربية من الحجاز بما في ذلك خيبر. هذه الحملة التي (كما يقول المؤرخون الإِسلاميون) مات نبي الله موسى
(1) يقسم مؤرخو العرب، الأجيال العربية إلى أنواع ثلاثة:
1 -
العرب البائدة، وهم الذين انقرضوا انقراضًا كاملًا ولم يبق لهم من عقب أو نسل، ومن هؤلاء طسم وجديس وعاد وثمود والعمالقة وعبيل.
2 -
العرب العربي، وهم القحطانيون الذين كانوا أول من تكلم العربية وموطنهم الأصلي اليمن وحضرموت.
3 -
العرب المستعربة، وهم العدنانيون وكل أبناء نبي الله إسماعيل منهم، لأن لغة إسماعيل الأصلية (لغة أبيه إبراهيم عليه السلام) السريانية، إلا أن إسماعيل جد العدنانيين كان أول من تكلم العربية لغة أصهاره القحطانيين الذين تزوج منهم ونشأ بينهم في مكة.
انظر تفصيلا أوسع عن قصة اتصال اليهود بجزيرة العرب، في الفصل الأول من كتابنا الرابع (غزوة بني قريظة).
وهي في طريق عودتها من الحجاز بعد أن أبادت جميع العمالقة المفسدين فلم يسمح لها خلفاء النبي موسى عليه السلام بالإقامة في الشام بسبب أن رجال هذه الحملة أبقوا على أسير واحد من العمالقة لم يقتلوه، وذلك مخالف لشريعة اليهود، التي تقضى كما في الإصحاح العشرين من سفر التثنية في التوراة بإعدام جميع أسرى العدو.
ويقول هؤلاء المؤرخون أن رجال هذه الحملة لما منعهم خلفاء النبي موسى من دخول الشام عادوا إلى الحجاز واستوطنوا يثرب والمناطق الشمالية والشرقية من الحجاز وأن يهود خيبر، هم من بقايا رجال هذه الحملة التي استوطنت يثرب وخيبر منذ حوالي سنة 1200 قبل الميلاد.
وقد ذكر هذا القول ابن خلدون وأبو الفرج الأصبهاني والسمهودى (1) وغيرهم.
ويرى الفريق الآخر من المؤرخين (وبينهم بعض الأوربيين) أن الوجود اليهودى في خيبر لم يكن إلا بعد الميلاد بحوالى ثمانين سنة.
ومن هذا الفريق الإمام الطبري الذي ذكر في تاريخه أن أول قدوم اليهود إلى الحجاز إنما كان بعد أن وطئ بختنصّر الشام وخرّب بيت المقدس.
وقد أشار الدكتور جواد علي في كتابه (تاريخ العرب قبل الإسلام) ج 6 ص 17 قائلًا: (وزعم أن يهود خيبر من نسل (ركاب) المذكور في التوراة - الملوك الثاني الإصحاح العاشر الآية 15 - 28 - وأن يونادب (جندب) تبدّى مع أبنائه ومن اتبعه وعاش عيشة تقشف وزهد وخشونة وأن نسلهم هاجر بعد خراب الهيكل الأول إلى الحجاز حتى بلغوا خيبر فاستقروا بها واشتغلوا بزراعة النخيل والحبوب وأقاموا فيها قلاعًا وحصونًا تحميهم من غارات الأعراب عليهم وقد أُخرجوا منها وأُجلوا عنها في زمان عمر بن الخطاب) اهـ.
وبعض المؤرخين يذكرون أن يهود خيبر ليسوا من بني إسرائيل، وإنما
(1) انظر كتاب العبر لابن خلدون القسم الأول المجلد الثاني ج 2 ص 168 والأغانى للأصبهانى قصة اليهود ج 19 ووفاء الوفاء للسمهودى ج 1 ص 156 وما بعدها.
هم من أبناء العرب الذين دانوا باليهودية، وقد ذكر ابن إسحاق (كما رواه عنه ابن هشام) أن عائلة مرحب فارس خيبر المشهور الذي قتله علي بن أبي طالب هو من قبيلة حمير.
وهناك رأي آخر يشير إلى أن صلة بني إسرائيل بخيبر ويثرب كلها إنما كانت في عهد نبي الله الملك داود، (أي بعد موسى وقبل المسيح).
وقد ذكر هذا الرأي السمهودى في كتابه (وفاء الوفاء) ج 1 ص 158 فقال:
إن نبي الله داود غزا العماليق في المدينة فسلط الله عليهم الدود في أعناقهم فهلكوا عن آخرهم.
وذكر بعض المؤرخين أن سبب نزول اليهود خيبر والحجاز هو أن بعض علمائهم كانوا يجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة وأنه يهاجر إلى بلد فيه نخل بين حرتين فأقبلوا من الشام يطلبون الصفة، فلما رأوا تيماء وفيها النخل، نزلها طائفة منهم، وظن طائفة أنها (خيبر) فنزلوها ومضى أشرافهم وأكثرهم إلى يثرب فنزلوها واستوطنوها.
نقل هذا (أيضًا) السمهودى في كتابه (وفاء الوفاء) ج 1 ص 160 عن ابن النجار، إلا أنه (كما هي عادة المؤرخين القدامى) لم يحدد التاريخ الذي جاء فيه هؤلاء اليهود إلى خيبر ويثرب. وإنما اكتفى بذكر السبب فقط.
والذي لا جدال فيه (حسب ما رواه الإخباريون الإسلاميون) هو أن اليهود لجأوا إلى الحجاز (وخيبر من الحجاز) في فترتين رئيسيتين:
الفترة الأولى حوالي عام 1200 قبل الميلاد بعيد وفاة نبي الله موسى عليه السلام.
والفترة الثانية بعد الميلاد عقب استيلاء الرومان على فلسطين وتخريب الهيكل عام 70 ميلادية وعقب تنكيل (هيدريان) بالعبرانيين عام 122 م.
وقد أشار سفر (صموئيل الأول) من التوراة إلى أن اليهود سكنوا يثرب وأعالى الحجاز (وخيبر من أعالى الحجاز) سكنوها (كما يقول السفر)
منذ العهد الذي أرسل فيه نبي الله موسى ذلك الجيش لإبادة العمالقة في منطقة يثرب وخيبر وكل أعالى الحجاز (1).
وقد جزم الدكتور جواد على الذي هو أكثر المؤرخين اعتناء بتاريخ العرب قبل الإسلام جزم في كتابه (تاريخ العرب قبل الإسلام)(2) بعدم صحة ما تناقَله الإخباريون من أن الوجود اليهودى في خيبر وكل أعالى الحجاز يرجع إلى أواخر عهد النبي موسى عليه السلام قائلًا:
أما متى دخل اليهود منطقة يثرب وكيف استقروا في خيبر والمناطق الأخرى فعلم ذلك عند الله. وليس الذي يرويه أهل الأخبار عن إرسال موسى جيشًا إلى الحجاز واستقرار ذلك الجيش في يثرب بعد فتكه بالعماليق وبعد وفاة موسى، ثم ما يذكرونه من هجرة داود مع سبط يهوذا ثم عودته إلى إسرائيل (3) .. وأمثال هذا إلا قصصًا من هذا النوع الذي ألفنا قراءته في كتب أهل الأخبار، لا أستبعد أن يكون مصدره يهود تلك المنطقة أو من أسلم منهم لإثبات أنهم ذوو نسب وحسب في هذه الأرضين قديم .. وأنهم كانوا ذوي بأس شديد، وأن تاريخهم في هذه البقعة يمتد إلى أيام الأنبياء وابتداء إسرائيل وأنهم لذلك الصفوة المختارة من العبرانيين.
غير أن الدكتور جواد على إذا كان قد نفى أن يكون اليهود قد استوطنوا خيبر ويثرب وباقي مناطق الشمال قبل الميلاد (كما يذكر المؤرخون الإسلاميون) فإنه أكد صحة أخبار استيطانهم لهذه المناطق بعد الميلاد على أثر ظهور الرومان واستيلائهم على فلسطين فقد قال في كتابه المذكور: (4)
(أما ما ورد في روايات أهل الأخبار عن هجرة بعض اليهود إلى أطراف يثرب وأعالى الحجاز على أثر ظهور الروم في بلاد الشام وفتكهم بالعبرانيين وتنكيلهم بهم مما اضطر ذلك بعضهم إلى الفرار إلى تلك الأنحاء الآمنة البعيدة عن مجالات الروم، فإنه يستند إلى أساس تاريخي صحيح)
(1) تاريخ العرب قبل الإسلام ج 6 ص 10.
(2)
ج 6 ص 9 وما بعدها.
(3)
انظر تاريخ الطبري وكتاب الأغانى ج 19 ص 94 وما بعدها الطبعة القديمة، ووفاء الوفاء ج 1 ص 160.
(4)
تاريخ العرب قبل الإسلام ج 6 ص 10.
ولست أدرى لماذا اعتبر الدكتور جواد على أخبار المؤرخين الإسلاميين التي تقول بوجود اليهود في خيبر وكل مناطق الشمال قبل الميلاد أخبارًا غير صحيحة، وجزم بصحة روايات الإخباريين الذين قالوا: أن هجرة اليهود إلى خيبر وغيرها من المناطق إنما كان بعد الميلاد؟
إن الدكتور جواد على لم يقدم لنا دليلا قاطعًا على صحة ما ذهب إليه، سوى الافتراض والافتراض لا يكون أساسًا صحيحًا من الناحية التاريخية.
لقد قال الدكتور جواد علي: فالذي نعرفه أن فتح الرومان لفلسطين أدى إلى هجرة عدد كبير من اليهود إلى الخارج، فلا يستبعد أن يكون أجداد يهود الحجاز من نسل أولئك المهاجرين اهـ.
والحقيقة أن كل أخبار ما قبل الإسلام من تاريخ الأمم الغابرة لا يمكن الجزم بصحتها أو ببطلانها، بل هي محتملة أن تكون قد حدثت وأن لا تكون قد حدثت فهي دائما (سواء ما كان منها قبل الميلاد أو بعده) محل الافتراض، اللهم إلا ما ورد بها نص صريح في القرآن أو الحديث يؤكد صحتها.
وعليه فإنه إذا كان (كما قال الدكتور جواد علي): يحتمل أن يكون يهود خيبر وباقي المناطق هم من نسل المهاجرين الفارين من اضطهاد الرومان بعد الميلاد عام 70، أو 122، فإنه يحتمل كذلك أن يكون هؤلاء اليهود هم من نسل الذين عادوا إلى الحجاز قبل الميلاد عقيب وفاة النبي موسى عليه السلام، وأنهم استوطنوا خيبر ويثرب وباقي المناطق قبل الميلاد كما يقول الطبري وابن إسحاق وصاحب الأغانى وكل الإخباريين الإسلاميين.
لأن الذين رووا هجرة بعض اليهود إلى الحجاز عقب خراب الهيكل بعد الميلاد، هم أنفسهم الذين رووا هجرة بعض هؤلاء اليهود عقيب وفاة النبي موسى عليه السلام قبل الميلاد.
وإذا كان شيوع قصة خراب الهيكل بعد الميلاد هو سند الدكتور جواد على في تصحيح ما ذهب إليه أو رجحه من أن هجرة اليهود إلى خيبر
إنما كانت بعد الميلاد، وإبطال ما ذكره المؤرخون الإسلاميون من وجود اليهود في خيبر والحجاز قبل الميلاد، فإن هناك قصة روتها أصدق المصادر (وهو القرآن) وهي قصة انهيار سد مأرب ونزوح اليمانيين إلى يثرب عقيب هذا الانهيار .. هذه القصة التي هي أكثر شيوعًا بين المؤرخين العرب أصحاب الاختصاص من قصة خراب الهيكل ترجح أكثر فأكثر أن العنصر اليهودى الدخيل كان موجودًا في المنطقة قبل الميلاد وقبل خراب الهيكل وقبل تنكيل هدريان باليهود في فلسطين.
ذلك أن قصة هجرة أجداد الأوس والخزرج من اليمن إلى منطقة الحجاز عقيب انهيار سد مأرب وسكناهم إلى جانب اليهود في يثرب وصراعهم معهم حتى تغلبوا عليهم تكاد تكون (بين عامة المؤرخين) من الأخبار المتواترة.
فهذه القصة - مع افتقارها إلى التحديد الدقيق في الوقت بالسند الصحيح - هي على كل حال ترجح كفة القائلين بوجود اليهود في المنطقة قبل الميلاد أكثر من كفة القائلين بأنهم لم يهاجروا إلى خيبر وباقي المناطق إلا بعد خراب الهيكل وهو ما قال الدكتور جواد على أنه يستند إلى أساس صحيح.
نقول هذا لأنه يكاد يكون من المتواتر أن انهيار سد مأرب في اليمن وهجرة الأوس والخزرج إلى الحجاز وتصارعهم مع اليهود في يثرب إنما كان قبل خراب الهيكل بعشرات السنين، إذ أنه كان على أقل تقدير في أوائل السنة الميلادية.
وهذا يعني أن اليهود كانوا موجودين في خيبر ويثرب قبل الميلاد، لأن سلطان اليهود الدخيل لا يمكن أن يكون على تلك القوة في المنطقة إلا بعد أن يكون قد مر عليهم عشرات السنين قبل الميلاد .. إذ لم يكن هناك خلاف بين المؤرخين في أن الأوس والخزرج الذين هاجروا من اليمن في أوائل القرن الميلادي الأول إلى الحجاز قد وجدوا اليهود هناك وظلوا ينازعونهم السلطان عشرات السنين حتى تغلبوا عليهم في يثرب .. وهذا (دونما شك) يرجح ما ذهب إليه المؤرخون الإسلاميون من أن اليهود قد استوطنوا خيبر ويثرب إما عقيب وفاة النبي موسى عليه السلام وإما في عهد الملك (النبي)