الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سعد بن عبادة الجريح:
وقد كان سعد بن عبادة (1) رجع مجروحًا وجعل يستبطئ أصحابه، وجعل صاحب راية المهاجرين يستبطئ أصحابه ويقول: أنتم، وأنتم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن اليهود جاءهم الشيطان فقال لهم: إن محمدًا يقاتلكم على أموالكم نادوهم، قولوا: لا إله إلا الله، ثم قد أحرزتم بذلك أموالك ودماءكم، وحسابكم على الله، فنادوهم بذلك (والقتال على أشدّه) فنادت اليهود: لا نفعل ونترك عهد موسى والتوراة بيننا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأعطينَّ الراية غدًا رجلًا يحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، ليس بفرّار، أبشر يا محمد بن مسلمة غدًا، إن شاء الله يُقتَل قاتلُ أخيك (وقاتل أخيه، مرحب) وتول عادية اليهود.
فلمَّا أصبح أرسل إلى علي بن أبي طالب وهو أرمد، فقال: ما أبصر سهلًا ولا جبلًا، قال فذهب إليه فقال: افتح عينيك ففتحهما، فتفل فيهما، قال علي: فما رمدت حتى الساعة، ثم دفع إليه اللواء، ودعا له ومن معه من أصحابه بالنصر.
فكان أول من خرج إليهم الحارث أخو مرحب في عاديته فانكشف المسلمون وثبت علي، فضرب ضربات فقتله علي، ورجع أصحاب الحارث إلى الحصن فدخلوه وأغلقوا عليهم، فرجع المسلمون إلى موضعهم. وخرج مرحب وهو يقول:
قد علمت خيبر أنِّي مرحبُ
…
شاكى السلاح بطل مجرَّبُ
أضربِ أحيانًا وحينًا أُضْرَبُ
فحمل عليه فقطرَّه (2) على الباب وفتح الباب، وكان للحصن بابان.
ومن طريق آخر يورد الواقدي أن الذي قتل الحارث (أبا زينب أخا مرحب) هو أبو دجانة (3) وليس علي بن أبي طالب، فقد قال: وحدثني
(1) انظر ترجمة سعد بن عبادة في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(2)
قطره: أي ألقاه على أحد قطريه، كذا قال في الصحاح.
(3)
أبو دجانة فارس أنصارى مشهور واسمه سماك بن خرشة، له مواقف بطولية رائعة في الدفاع عن رسول الله يوم أحد، انظر قصته في كتابنا (غزوة أحد).
ابن أبي سبرة عن خالد بن رباح، عن شيوخ من بني ساعدة قالوا: قتل أبو في دجانة الحارث أبا زينب، وكان يومئذٍ معُلْمًا بعمامة حمراء، والحارث معلم بعمامة فوق مِغفره، وياسر وأسير وعامر (كلهم من قادة اليهود) معلمين.
وحدثني ابن أبي سبرة، عن عمرو بن أبي عمرو، قال: نزلتُ بأريحا، زمن سليمان بن عبد الملك، فإذا حيّ من اليهود، وإذا رجل يهدج من الكِبَر، فقال: ممن أنتم، قلنا من الحجاز، فقال اليهودى: واشوقاه إلى الحجاز، أنا ابنُ الحارث اليهودى فارس خيابر، قتله يوم خيبر رجل من أصحاب محمد يقال له: أبو دجانة، يوم نزل محمد خيبر وكنَّا ممن أجلى عمر بن الخطاب إلى الشام، فقلت: ألا تسلم؟ قال: أما إنه خير لي لو فعلت، ولكن أعيَّر، تعيّرنى اليهود، تقول: أبوك ابن سيِّد اليهود لم يترك اليهودية، قتل عليها أبوك وتخالفه؟
وقال أبو رافع: كنا مع على حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم بالراية فلقى على رجلًا على باب الحصن فضرب عليًّا واتقاه بالتُّرس علي، فتناول علي بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه، فلم يزل في يده حتى فتح الله عليه الحصن.
قال الواقدي: ويقال: إن مرحبًا برز كالفحل الصؤول يرتجز وهو يقول:
قد علمت خيبر إني مرحب
…
شاكى السلاح بطل مجرَّب
أضرب أحيانًا وحينا أُضْرَبُ
يدعو للبراز فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله أنا والله الموتور الثائر، قتل أخي بالأمس فائذن لي في قتال مرحب، وهو قاتل أخي، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم في مبارزته، ودعا له بدعوات، وأعطاه سيفه، فخرج محمد فصاح: يا مرحب، هل لك في البراز؟ فقال: نعم فخرج إليه مرحب وهو يرتجز:
قد علمت خيبر إني مرحب.
وخرج محمد بن مسلمة وهو يقول:
قد علمت خيبر إني ماض حدو
…
إذا شئت وسمّ قاض
قال وبرز كل واحد منهما إلى صاحبه، قال: فحالت بينهما عشرات (1) أصلها كمثل أصل الفحل من النخل وأفنان منكسرة، فكلما ضرب أحدهما صاحبه استتر بالعشر حتى قطع كل ساق لها، وبقى أصلها قائمًا، كأنه الرجل القائم وأفضى كل واحد منهما إلى صاحبه، وبدر مرحب محمدًا، فيرفع السيف ليضربه، فاتقاه محمد بالدرقة، فلحج (2) سيفه، وعلى مرحب درع مشمَّرة فيضرب محمد ساقى مرحب فقطعها، ويقال لما اتقى محمد بالدرقة وشمَّرت الدرع عن ساقى مرحب حين رفع يديه بالسيف، فطأطأ محمد بالسيف فقطع رجليه ووقع مرحب، فقال مرحب: اجهز عليَّ يا محمد! قال محمد: ذق الموت كما ذاقه أخي محمود، وجاوزه ومر به عليّ فضرب عنقه وأخذ سلبه، فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله والله ما قطعت رجليه ثم تركته إلا ليذوق الموت، كما ذاقه أخي، مكث ثلاثًا يموت، وما منعنى من الإِجهاز عليه شيء، قد كنت قادرًا بعد أن قطعت رجليه أن أُجهز عليه، فقال عليّ: صدق، ضربت عنقه بعد أن قطع رجليه، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة سيفه ودرعه ومغفره وبيضته، فكان عند آل محمد بن مسلمة سيفه فيه كتاب، لا يدرى ما هو حتى قرأه يهودى من يهود تيماء فيه:
هذا سيف مرحبْ
…
مَنْ يذُقْهُ يُعطَبْ
وحدثني محمد بن الفضل، عن أبيه عن جابر، وحدثني زكريا بن زيد، عن أبي سفيان، عن أبيه، عن سلمة بن سلامة ومجمّع بن يعقوب، عن أبيه، عن مجمّع بن حارثة، قالوا جميعًا: محمد بن مسلمة قتل مرحبًا.
قالوا وبرز أُسَير، وكان رجلًا إيّدًا، وكان إلى القِصَر، فجعل يصيح من يبارز، فبرز له محمد بن مسلمة فاختلفا ضربات، ثم قتله محمد بن مسلمة، ثم برز ياسر، وكان من أشدّائهم، وكانت معه حربة يحوش (3)
(1) العشرات: جمع عشر، وهو شجر يسيل منه -عند كسره رطيبًا- سائل أبيض لزج كالصمغ.
(2)
لحج السيف إذا نشب، فلا يخرج.
(3)
يحوشهم: أي يسوقهم (كذا في الصحاح).
بها المسلمين حوشًا، فبرز له على فقال الزبير: أقسمت عليك إلَّ خليت بيني وبينه، ففعل عليّ، وأقبل ياسر بحربته يسوق بها الناس، فبرز له الزبير، فقالت صفية (عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم): ابنى يقُتْلَ يا رسول الله فقال: بل ابنك يقتله، قال: فاقتتلا، فقتله الزبير، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فداك عم وخال، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لكل نبي حواريّ، وحواريَّ الزبير وابن عمتى، فلما قتل مرحب وياسر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابشروا، قد ترحَّبت خيبر وتيسرت.
وبرز عامر وكان رجلًا طويلًا جسيمًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين طلع عامر أترونه خمسة أذرع؟ وهو يدعو إلى البراز، يخطر بسيفه وعليه درعان مقنَّع في الحديد يصيح: من يبارز؟ فأحجم الناس عنه فبرز إليه على فضربه ضربات، كل ذلك لا يصنع شيئًا، حتى ضرب ساقيه فبرك، ثم ذفَّف (1) عليه فأخذ سلاحه.
فلما قتل الحارث ومرحب وأسير وياسر وعامر، مع ناس من اليهود كثير (2) ولكن إنما سمّى هؤلاء المذكورون، لأنهم كانوا أهل شجاعة، وكانوا هؤلاء جميعًا في حصن ناعم.
ولما رمى محمود بن مسلمة من حصن ناعم، حمل إلى الرجيع (معسكر الجيش) فمكث ثلاثة أيام يموت، وكان الذي دليّ عليه الرحا مرحب، فجعل محمود يقول لأخيه محمد: يا أخي، بنات أخيك لا يتبعن الأفياء (3) يسألن الناس، فيقول محمد بن مسلمة: لو لم تترك مالًا لكان لي مال، ومحمود كان أكثرهما مالًا -ولم تنزل يومئذ فرائض البنات- فلما كان اليوم الذي مات فيه محمود بن مسلمة، وهو اليوم الذي قتل فيه مرحب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يبشر محمود بن مسلمة أن الله قد أنزل فرائض البنات، وأن محمد بن مسلمة قد قتل قاتله فخرج جعالة بن سراقة إليه فأخبره، فسرّ بذلك، وأمره أن يقرئ رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام منه، قال: فأقرأته من
(1) تذفيف الجريح: الإجهاز عليه، قاله ابن الأثير في النهاية.
(2)
هنا سقط واضح يظهر أنه حدث من النساخ، فالجملة غير كاملة. ويظهر أنه أراد أن يقول: فلما قتل الحارث ومرحب الخ ضعفت مقاومة اليهود واستولى المسلمون على حصن ناعم أو كلامًا هذا معناه.
(3)
الأفياء: جمع فئ وهو ظل الجدار وما شابهه.