الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقال أتعرف الناسخ من المنسوخ قال لا قال هلكت وأهلكت يريد أنه عرض نفسه وعرض الناس للهلاك ما دام أنه لا يعرف الناسخ من المنسوخ.
لهذه الوجوه الخمسة التي بسطناها يقتضينا الواجب أن نعنى بهذا المبحث وأن نسير فيه بقدر على حذر متوسعين فيما ينبغي التوسيع فيه مقتصدين فيما وراء ذلك وحسبنا الله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
ما هو النسخ
؟
النسخ في اللغة:
يطلق النسخ في لغة العرب على معنيين أحدهما إزالة الشيء وإعدامه ومنه قول الله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ومنه قولهم نسخت الشمس الظل ونسخ الشيب الشباب ومنه تناسخ القرون والأزمان.
والآخر نقل الشيء وتحويله مع بقائه في نفسه وفيه يقول السجستاني من أئمة اللغة والنسخ أن تحول ما في الخلية من النحل والعسل إلى أخرى ومنه تناسخ المواريث بانتقالها من قوم إلى قوم وتناسخ الأنفس بانتقالها من بدن إلى غيره عند القائلين بذلك ومنه نسخ الكتاب لما فيه من مشابهة النقل وإليه الإشارة بقوله تعالى: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون والمراد به نقل الأعمال إلى الصحف ومن الصحف إلى غيرها اهـ.
وقد اختلف العلماء بعد ذلك في تعيين المعنى الذي وضع له لفظ النسخ فقيل إن لفظ النسخ وضع لكل من المعنيين وضعا أوليا وعلى هذا يكون مشتركا لفظيا وهو الظاهر من تبادر كلا المعنيين بنسبة واحدة عند إطلاق لفظ النسخ وقيل إنه وضع المعنى الأول
وحده فهو حقيقة فيه مجاز في الآخر وقيل عكس ذلك وقيل وضع للقدر المشترك بينهما ولكن هذه الآراء الأخيرة يعوزها الدليل ولا يخلو توجيهها من تكلف وتأويل
النسخ في الاصطلاح:
لقد عرف النسخ في الاصطلاح بتعاريف كثيرة مختلفة لا نرى من الحكمة استعراضها ولا الموازنة بينها ونقدها وما دام الغرض منها كلها هو تصوير حقيقة النسخ في لسان الشرع فإننا نجتزئ بتعريف واحد نراه أقرب وأنسب وهو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي.
ومعنى رفع الحكم الشرعي قطع تعلقه بأفعال المكلفين لا رفعه هو فإنه أمر واقع والواقع لا يرتفع والحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين إما على سبيل الطلب أو الكف أو التخيير وإما على سبيل كون الشيء سببا أو شرطا أو مانعا أو صحيحا أو فاسدا والدليل الشرعي هو وحي الله مطلقا متلوا أو غير متلو فيشمل الكتاب والسنة أما القياس والإجماع ففي نسخهما والنسخ بهما كلام تستقبله في موضع آخر.
وقولنا رفع جنس في التعريف خرج عنه ما ليس برفع كالتخصيص فإنه لا يرفع الحكم وإنما يقصره على بعض أفراده وسيأتي بسط الفروق بين النسخ والتخصيص فانتظره.
وقولنا الحكم الشرعي قيد أول خرج به ابتداء إيجاب العبادات في الشرع فإنه يرفع حكم العقل ببراءة الذمة وذلك كإيجاب الصلاة فإنه رافع لبراءة ذمة الإنسان منها قبل ورود الشرع بها ومع ذلك لا يقال له نسخ وإن رفع هذه البراءة لأن هذه البراءة حكم عقلي لا شرعي بمعنى أنه حكم يدل عليه العقل حتى من قبل مجيء الشرع ولا يقدح في كونه حكما عقليا أن الشرع جاء يؤيده بمثل قوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا.
وقولنا بدليل شرعي قيد ثان خرج به رفع حكم شرعي بدليل عقلي وذلك كسقوط التكليف عن الإنسان بموته أو جنونه أو غفلته فإن سقوط التكليف عنه بأحد هذه الأسباب يدل عليه العقل إذ الميت والمجنون والعاقل لا يعقلون خطاب الله حتى يستمر تكليفهم والعقل يقضي بعدم تكليف المرء إلا بما يتعقله وأن الله تعالى إذا أخذ ما وهب أسقط ما وجب ولا يقدح في كون هذا الدليل عقليا مجيء الشرع معززا له بمثل قوله: "رفع القلم عن ثلاث النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق".
توجيهات أربعة:
وإني أوجه نظرك في هذا التعريف إلى نقاط أربع:
أولاها أن التعبير برفع الحكم يفيد أن النسخ لا يمكن أن يتحقق إلا بأمرين أحدهما أن يكون هذا الدليل الشرعي متراخيا عن دليل ذلك الحكم الشرعي المرفوع والآخر أن يكون بين هذين الدليلين تعارض حقيقي بحيث لا يمكن الجمع بينهما وإعمالهما معا أما إذا انتفى الأمر الأول ولم يكن ذلك الدليل الشرعي متراخيا عن دليل الحكم الأول فلا نسخ وذلك كقوله تعالى: {أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فإن الغاية المذكورة وهي قوله إلى الليل تفيد انتهاء حكم الصوم وهو وجوب إتمامه بمجرد دخول الليل ولكن لا يقال لهذه الغاية الدالة على انتهاء هذا الحكم إنها نسخ وذلك لاتصالها بدليل الحكم الأول وهو قوله ثم أتموا الصيام بل تعتبر الغاية المذكورة بيانا أو إتماما لمعنى الكلام وتقديرا له بمدة أو شرط فلا يكون رافعا وإنما يكون رافعا إذا ورد الدليل الثاني بعد أن ورد الحكم مطلقا واستقر من غير تقييد بحيث يدوم لولا الناسخ ولهذا زاد بعضهم تقييد الدليل الشرعي في تعريف الناسخ بالتراخي وزاد بعضهم كلمة على وجه لولاه
لكان الحكم الأول ثابتا وقد علمت من هذا الذي ذكرناه أنه لا حاجة إلى هاتين الزيادتين بل هما تصريح بما علم من التعبير في التعريف بكلمة رفع وأما إذا انتفى الأمر الثاني بأن لم يكن بين الدليلين تعارض حقيقي فإنه لا نسخ لأن النسخ ضرورة لا يصار إليها إلا إذا اقتضاها التعارض الحقيقي دفعا للتناقض في تشريع الحكيم العليم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وحيث لا تعارض هناك على الحقيقة فلا حاجة إلى النسخ لأنه لا تناقض ولا ريب أن إعمال الدليلين ولو بنوع تأويل خير من إعمال دليل وإهدار آخر ولهذا حكم الغزالي في كتابه المستصفى بغلط من زعموا تعارضا وتوهموا نسخا بين قوله سبحانه: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} وبين الخبر الوارد بقبول شهادة الواحد واليمين معتمدين على ما ظهر لهم في الآية من أنها تدل على أنه لا حجة للحكم سوى المذكور فيها من شهادة اثنين مع أن هذا الظاهر لهم غير صحيح لأن الآية لا تدل إلا على كون الشاهدين حجة وعلى جواز الحكم بقولهما أما امتناع الحكم بحجة أخرى كما فهموا فلا تدل الآية عليه حتى يكون تعارض بينها وبين الخبر المذكور بل هو كالحكم بالإقرار وذكر حجة واحدة لا يمنع وجود حجة أخرى.
ثانيتها أن التعريف المذكور يفيد أن النسخ لا يتوجه إلا إلى الحكم وهو كذلك في الواقع ونفس الأمر وتقسيمهم النسخ إلى نسخ تلاوة ونسخ حكم تقسيم صوري للإيضاح فحسب لأن ما أسموه نسخ تلاوة لم يخرج عن كونه نسخ حكم إذ أن نسخ تلاوة الآية لا معنى له في الحقيقة إلا نسخ حكم من أحكامها وهو رفع الإثابة على مجرد ترتيلها وصحة الصلاة بها ونحوهما.
ثالثتها أن هذا التعريف يشمل النسخ الواقع في الكتاب وفي السنة جميعا
سواء أكانت السنة قولية أم فعلية أو وصفية أم تقريرية وسواء منها ما كان نبويا وما كان قدسيا لأنها كلها وحي بالفعل أو بالقوة والرسول صلى الله عليه وسلم أقامه الله في محراب الإمامة لخلقه وجعله الأسوة الحسنة لعباده وأمر الجميع باتباعه فهو إذن لا يمكن أن يصدر فيما يشرع لأمته ابتداء أو نسخا إلا عن إيحاء الله إليه تصريحا أو تقريرا.
مثال نسخ الكتاب بالكتاب قوله سبحانه: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} فإنها نسخت بقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} .
ومثال نسخ السنة بالسنة نسخ الوضوء مما مست النار بأكله صلى الله عليه وسلم من الشاة ولم يتوضأ.
رابعتها أن الإضافة في كلمة رفع الحكم الشرعي الواردة في تعريف النسخ من قبيل إضافة المصدر لمفعوله والفاعل مضمر وهو الله تعالى وذلك يرشد إلى أن الناسخ في الحقيقة هو الله كما يدل عليه قوله سبحانه: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} ويرشد أيضا إلى أن المنسوخ في الحقيقة هو الحكم المرتفع وقد يطلق الناسخ على الحكم الرافع فيقال وجوب صوم رمضان نسخ وجوب صوم عاشوراء وقد يطلق النسخ على دليله كذلك فيقال آية المواريث نسخت آية الوصية للوالدين والأقربين ويقال خبر أكل الرسول صلى الله عليه وسلم من الشاة ولم يتوضأ ناسخ لخبر وضوئه مما مست النار وهلم والخطب في ذلك جد يسير.