المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الوجه الرابع عشر: تأثير القرآن ونجاحه - مناهل العرفان في علوم القرآن - جـ ٢

[الزرقاني، محمد عبد العظيم]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الثاني

- ‌المبحث الثاني عشر: في‌‌ التفسيروالمفسرين وما يتعلق بهما

- ‌ التفسير

- ‌ أقسام التفسير

- ‌ التفسير المأثور

- ‌ المفسرون من الصحابة

- ‌ تفسير ابن عباس

- ‌ الرواية عن غير ابن عباس من الصحابة

- ‌ المفسرون من التابعين

- ‌ ضعف الرواية بالمأثور وأسبابه

- ‌ تدوين التفسير بالمأثور

- ‌ التفسير بالرأي

- ‌العلوم التي يحتاجها المفسر

- ‌ منهج المفسرين بالرأي

- ‌ قانون الترجيح عند الاحتمال

- ‌ أوجه بيان السنة للقرآن

- ‌ التعارض بين التفسير بالرأي

- ‌ أهم كتب التفسير بالرأي

- ‌ تفاسير الفرق المختلفة

- ‌ تفاسير المعتزلة

- ‌ تفاسير الباطنية

- ‌ تفاسير الشيعة

- ‌ التفسير الإشاري

- ‌ نصيحة خالصة

- ‌ تفاسير أهل الكلام

- ‌ مزج العلوم الأدبية والكونية

- ‌كلمة ختامية

- ‌المبحث الثالث عشر: في ترجمة القران وحكمها تفصيلا

- ‌مدخل

- ‌القرآن ومعانيه ومقاصده

- ‌مقاصد القرآن الكريم

- ‌حكم ترجمة القرآن تفصيلا

- ‌ترجمة القرآن بمعنى تفسيره بلغة أجنبية

- ‌فوائد الترجمة بهذا المعنى

- ‌دفع الشبهات عن هذه الترجمة

- ‌ ترجمة القرآن بمعنى نقله إلى لغة أخرى

- ‌دفع الشبهات الواردة على منع هذه الترجمة

- ‌حكم قراءة الترجمة والصلاة بها

- ‌توجيهات وتعليقات

- ‌موقف الأزهر من ترجمة القرآن الكريم

- ‌فذلكة المبحث

- ‌المبحث الرابع عشر: في النسخ

- ‌أهمية هذا المبحث:

- ‌ما هو النسخ

- ‌ما لا بد منه في النسخ

- ‌الفرق بين النسخ والبداء

- ‌الفرق بين النسخ والتخصيص

- ‌النسخ بين مثبتيه ومنكريه

- ‌أدلة ثبوت النسخ عقلا وسمعا

- ‌حكمة الله في النسخ

- ‌شبهات المنكرين للنسخ ودفعها

- ‌طرق معرفة النسخ

- ‌ما يتناوله النسخ

- ‌أنواع النسخ في القرآن

- ‌شبهات أولئك المانعين ودفعها

- ‌النسخ ببدل وبغير بدل

- ‌شبهة ودفعها

- ‌نسخ الحكم ببدل أخف أو مساو أو أثقل

- ‌شبهات المانعين ودفعها

- ‌نسخ الطلب قبل التمكن في امتثاله

- ‌شبهات المنكرين ودفعها

- ‌النسخ في دورانه بين الكتاب والسنة

- ‌نسخ القياس والنسخ به

- ‌نسخ الإجماع والنسخ به

- ‌موقف العلماء من الناسخ والمنسوخ

- ‌منشأ غلط المتزيدين تفصيلا

- ‌الآيات التي اشتهرت بأنها منسوخة

- ‌المبحث الخامس عشر: في محكم القرآن ومتشابهه

- ‌معنى محكم القران ومتشابه

- ‌آراء العلماء في معنى المحكم والمتشابه

- ‌منشأ التشابه وأقسامه وأمثلته

- ‌أنواع المتشابهات

- ‌متشابه الصفات

- ‌دفع الشبهات الواردة في هذا المقام

- ‌المبحث السادس عشر: في اسلوب القران الكريم

- ‌معنى الاسلوب

- ‌خصائص أسلوب القرآن:

- ‌تعليق وتمثيل:

- ‌الشبهات الواردة على أسلوب القرآن

- ‌المبحث السابع عشر: في إعجاز القرآن وما يتعلق به

- ‌مدخل

- ‌وجوه إعجاز القرآن

- ‌الوجه الأول لغته وأسلوبه

- ‌الوجه الثاني: طريقة تأليفه

- ‌الوجه الثالث: علومه ومعارفه

- ‌الوجه الرابع: وفاؤه بحاجات البشر

- ‌الوجه الخامس: موقف القرآن من العلوم الكونية

- ‌الوجه السادس: سياسته في الإصلاح

- ‌الوجه السابع: أنباء الغيب فيه

- ‌الوجه الثامن آيات العتاب

- ‌الوجه التاسع: ما نزل بعد طول انتظار

- ‌الوجه العاشر: مظهر النبي صلى الله عليه وسلم عند هبوط الوحي عليه

- ‌الوجه الحادي عشر: آية المباهلة

- ‌الوجه الثاني عشر: عجز الرسول عن الإتيان ببدل له

- ‌الوجه الثالث عشر: الآيات التي تجرد الرسول من نسبتها إليه

- ‌الوجه الرابع عشر: تأثير القرآن ونجاحه

- ‌وجوه معلولة

- ‌شبهة القول بالصرفة

- ‌دفع الشبهات الواردة في هذا المقام

- ‌خلاصة

- ‌كلمة الختام

الفصل: ‌الوجه الرابع عشر: تأثير القرآن ونجاحه

‌الوجه الرابع عشر: تأثير القرآن ونجاحه

ومعنى هذا أن القرآن بلغ في تأثيره ونجاحه مبلغا خرق به العادة في كل ما عرف من كتب الله والناس وخرج عن المعهود في سنن الله من التأثير النافع بالكلام وغير الكلام وبيان ذلك أن الإصلاح العام الذي جاء به القرآن والانقلاب العالمي الذي تركه هذا الكتاب ما حدث ولم يكن ليحدث في أي عهد من عهود التاريخ قديمه وحديثه إلا على أساس من الإيمان العميق القائم على وجدان قوي بحيث يكون له من السلطان القاهر على النفوس والحكم النافذ على العواطف والميول ما يصد الناس عن نهجهم الأول في عقائدهم التي توارثوها وعبادتهم التي ألفوها وأخلاقهم التي نشؤوا عليها وعاداتهم التي امتزجت بدمائهم وما يحملهم على اعتناق هذا الدين الجديد الذي هدم تلك الموروثات فيهم وحارب تلك الأوضاع المألوفة لديهم.

وهذا الأساس الذي لا بد منه تقصر عنه في العادة جميع الكتب التعليمية التي يؤلفها العلماء والمصلحون وتعجز عن إيجاده كافة القوانين البشرية التي يضعها القادة والمشترعون لأن قصارى هذه الكتب والقوانين إذا وفقت أن تشرح الحقائق وتبين الواجهات

ص: 405

لا أن تحمل على الإيمان والإذعان وتدفع إلى العمل بوحي هذا الإيمان وإذا فرض أن يؤمن بها أصحاب الاستعداد السليم فإيمان مجرد حينئذ من قوة الدفع ودفعة التحويل ولا سبيل في العادة إلى التأثير بها على الجماهير ونجاحها فيهم نجاحا عاما إلا بأمرين أحدهما تربية الأحداث وترويضهم عليها علما وعملا من عهد الطفولة والآخر قوة حاكمة تحمل الكبار على احترامها حملا بالقوة والقهر ومع هذا وذاك فتربية الصغار على هذا الغرار هيهات أن تكون تربية استقلالية بل هي تقليدية تفقد الدليل والبرهان وكذلك إجبار الكبار هيهات أن يصل إلى موضع الإذعان والوجدان!.

لكن القرآن الكريم وحده وهو الذي نفخ الإيمان في الكبار والصغار نفخا وبثه روحا عاما وأشعر النفوس بما جاء فيه إشعارا ودفعها إلى التخلي عن موروثاتها ومقدساتها جملة وحملها على التحلي بهدية الكريم علما وعملا على حين أن الذي أتى بهذا القرآن رجل أمي لا دولة له ولا سلطان ولا حكومة ولا جند ولا اضطهاد ولا إجبار إنما هو الاقتناع والرغبة والرضا والإذعان {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} أما السيف ومشروعية الجهاد في الإسلام فلم يكن لأجل تقرير عقيدة في نفس ولا لإكراه شخص أو جماعة على عبادة ولكن لدفع أصحاب السيوف عن إذلاله واضطهاده وحملهم على أن يتركوا دعوة الحق حرة طليقة حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.

هذا الأساس الذي وضعه القرآن وحده هو سر نهضته وإن شئت فقل هو نار ثورته بل هو نور هدايته والروح الساري لإحياء العالم بدعوته وذلك عن طريق أسلوبه المعجز الذي هو النفوس والمشاعر وملك القلوب والعقول وكان له من السلطان ما جعل أعداءه منذ نزوله إلى اليوم يخشون بأسه وصولته ويخافون تأثيره وعمله أكثر مما يخافون الجيوش الفاتحة والحرب الجائحة لأن سلطان الجيوش والحروب لا يعدو هياكل

ص: 406

الأجسام والأشباح أما سلطان هذا الكتاب فقد امتد إلى حرائر النفوس وكرائم الأرواح بما لم يعهد له نظير في أية نهضة من النهضات!.

ولقد أشار القرآن نفسه إلى هذه الوجه من وجوه إعجازه حين سمى الله كتابه روحا من أمره بقوله {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا} وحين سماه نورا بقوله: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} وحين وصف بالحياة والنور من آمن به في قوله: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} وفي قوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} وفي قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} .

هذا التأثير الخارق أو النجاح الباهر الذي نتحدث فيه أدركه ولا يزال يدركه كل من قرأ القرآن في تدبر وإمعان ونصفه حاذقا لأساليبه العربية ملما بظروفه وأسباب نزوله أما الذين لم يحذقوا لغة العرب ولم يحيطوا بهذه الظروف والأسباب الخاصة فيكفيهم أن يسألوا التاريخ عما حمل هذا الكتاب من قوة محولة غيرت صورة العالم ونقلت حدود الممالك وعن طريق استيلائها على قلوب المخاطبين به لأول مرة استيلاء أشبه بالقهر وما هو بالقهر وأفعل من السحر وما هو بالسحر سواء في ذلك أنصاره وأعداؤه ومحالفوه ومخالفوه وما ذاك إلا لأنهم ذاقوا بسلامة فطرتهم العربية بلاغته ولمسوا بحاستهم البيانية إعجازه فوجد تياره الكهربائي موضعا في نفوسهم لشرارة ناره أو لهطول غيثه وانبلاج أنواره!.

تأثيره في أعدائه:

أما أعداؤه المشركين فقد ثبت أنه جذبهم إليه بقوته في مظاهر كثيرة نذكر بعضها على سبيل التمثيل:

ص: 407

الأجسام والأشباح أما سلطان هذا الكتاب فقد امتد إلى حرائر النفوس وكرائم الأرواح بما لم يعهد له نظير في أية نهضة من النهضات!.

ولقد أشار القرآن نفسه إلى هذه الوجه من وجوه إعجازه حين سمى الله كتابه روحا من أمره بقوله {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا} وحين سماه نورا بقوله: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} وحين وصف بالحياة والنور من آمن به في قوله: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} وفي قوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} وفي قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} .

هذا التأثير الخارق أو النجاح الباهر الذي نتحدث فيه أدركه ولا يزال يدركه كل من قرأ القرآن في تدبر وإمعان ونصفه حاذقا لأساليبه العربية ملما بظروفه وأسباب نزوله أما الذين لم يحذقوا لغة العرب ولم يحيطوا بهذه الظروف والأسباب الخاصة فيكفيهم أن يسألوا التاريخ عما حمل هذا الكتاب من قوة محولة غيرت صورة العالم ونقلت حدود الممالك وعن طريق استيلائها على قلوب المخاطبين به لأول مرة استيلاء أشبه بالقهر وما هو بالقهر وأفعل من السحر وما هو بالسحر سواء في ذلك أنصاره وأعداؤه ومحالفوه ومخالفوه وما ذاك إلا لأنهم ذاقوا بسلامة فطرتهم العربية بلاغته ولمسوا بحاستهم البيانية إعجازه فوجد تياره الكهربائي موضعا في نفوسهم لشرارة ناره أو لهطول غيثه وانبلاج أنواره!.

تأثيره في أعدائه:

أما أعداؤه المشركين فقد ثبت أنه جذبهم إليه بقوته في مظاهر كثيرة نذكر بعضها على سبيل التمثيل:

ص: 408

في المدينة هما مصعب بن عمير وعبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنهما وقد نجح هذان في مهمتهما أكثر نجاح وأحدثا في المدينة ثورة فكرية أو حركة تبشيرية جزع لها سعد بن معاذ سيد قبيلة الأوس حتى قال لابن أخيه أسيد بن حضير ألا تذهب إلى هذين الرجلين اللذين أتيا يسفهان ضعفاءنا فتزجرهما فلما انتهى إليهما أسيد قال لهما ما جاء بكما تسفهان ضعفاءنا ثم هددهما وقال اعتزلا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة رضي الله عن مصعب فقد تغاضى عن هذه التهديد وقال لأسيد في وقار المؤمن وثباته أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كفننا عنك ما تكره ثم قرأ مصعب القرآن وأسيد يسمع فما قام من مجلسه حتى أسلم ثم كر راجعا إلى سعد فقال له والله ما رأيت بالرجلين بأسا فغضب سعد وذهب هو نفسه ثائرا مهتاجا فاستقبله مصعب بما استقبل به أسيدا وانتهى الأمر بإسلامه أيضا ثم كر راجعا فجمع قبيلته وقال لهم ما تعدونني فيكم قالوا سيدنا وابن سيدنا فقال سعد كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تسلموا فأسلموا أجمعين!.

تأثير القرآن في نفوس أوليائه:

تلك مظاهر لفعل القرآن بنفوس شانئيه فهل تدري ماذا فعل بهم بعد أن دانوا له وآمنوا به وأصبحوا من تابعيه ومحبيه لعلك لم تنس ما فعل القرآن بعمر وسعد وأسيد الذين نوهنا بهم بين يديك ألم يعودوا من خيرة جنود الإسلام ودعاته من يوم أسلموا بل من ساعة أسلموا وهناك مظاهر أربعة لهذا الضرب أيضا.

المظهر الأول تنافسهم في حفظه وقراءته في الصلاة وفي غير الصلاة حتى لقد طاب لهم أن يهجروا لذيد منامهم من أجل تهجدهم به في الأسحار ومناجاتهم العزيز الغفار وما كان هذا حالا نادرا فيهم بل ورد أن المار على بيوت الصحابة بالليل كان يسمع لها دويا كدوي النحل بالقرآن وكان التفاضل بينهم بمقدار ما يحفظ أحدهم من القرآن وكانت

ص: 409

المرأة ترضى بل تغتبط أن يكون مهرها سورة يعلمها إياها زوجها من القرآن؟.

المظهر الثاني: عملهم به وتنفيذهم لتعاليمه في كل شأن من شؤونهم تاركين كل ما كانوا عليه مما يخالف تعاليمه ويجافي هداياته طيبة بذلك نفوسهم طيعة أجسامهم سخية أيديهم وأرواحهم حتى صهرهم القرآن في بوتقته وأخرجهم للعالم خلقا آخر مستقيم العقيدة قويم العبادة طاهر العادة كريم الخلق نبيل المطمح!.

المظهر الثالث: استبسالهم في نشر القرآن والدفاع عنه وعن هدايته فأخلصوا له وصدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه وهو مدافع عنه ومنهم من انتظر حتى أتاه اليقين وهو مجاهد في سبيله مضح بنفسه ونفيسه ولقد بلغ الأمر إلى حد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرد بعض من يتطوع بالجندية من الشباب لحداثة أسنانهم وكان كثير من ذوي الأعذار يؤلمهم التخلف عن الغزو حتى يضطر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتخلف معهم جبرا لخاطرهم ويرسل سراياه وبعوثه بعد أن ينظمها ويزودها بما تحتاجه ولا يخرج معهم روى مالك والشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل"!.

المظهر الرابع: ذلك النجاح الباهر الذي أحرزه القرآن في هداية العالم فقد وجد قبل النبي صلى الله عليه وسلم أنبياء ومصلحون وعلماء ومشترعون وفلاسفة وأخلاقيون وحكام ومتحكمون فما تسنى لأحد من هؤلاء بل ما تسنى لجميعهم أن يحدثوا مثل هذه النهضة الرائعة التي أحدثها محمد في العقائد والأخلاق وفي العبادات والمعاملات وفي السياسة والإدارة وفي كافة نواحي الإصلاح الإنساني وما كان لمحمد ولا لألف رجل غير محمد أن يأتوا بمثل هذا الدستور الصالح الذي أحيا موات الأمة العربية في أقل من عشرين سنة ثم نفخ فيهم من روحه فهبوا بعد وفاته ينقذون العالم ففتحوا ملك كسر وقيصر ووضعوا رجلا

ص: 410

في الشرق ورجلا في الغرب وخفقت رايتهم على نصف المعمور في أقل من قرن ونصف قرن من الزمان.

أفسحر هذا؟ أم هو برهان عقلي لمحه المنصفون من الباحثين فاكتفوا من محمد صلى الله عليه وسلم بهذا النجاح الباهر دليلا على أنه رسول من رب العالمين.

هذا فيلسوف من فلاسفة فرنسا يذكر في كتاب له ما زعمه دعاة النصرانية من أن محمدا لم يأت بآية على نبوته كآيات موسى وعيسى ثم يفند هذا الزعم ويقول إن محمدا كان يقرأ القرآن خاشعا أواها متألها فتفعل قراءته في جذب الناس إلى الإيمان به ما لم تفعله جميع آيات الأنبياء الأولين!

أجل لقد صدق الرجل فإن فعل القرآن في نفوس العرب كان أشد وأرقى وأبلغ مما فعلت معجزات جميع الأنبياء وإن شئت مقارنة بسيطة فهذا موسى عليه السلام قد أتى بني إسرائيل بآيات باهرة من عصا يلقيها فإذا هي ثعبان مبين ومن يد يخرجها فإذا هي بيضاء للناظرين ومن انفلاق البحر فإذا هو طريق يابسة يمشون فيها ناجين آمنين إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في مصر وفي طور سينا مدة التيه فهل تعلم مدى تأثير هذه الهدايات في إيمانهم بالله ووحدانيته وإخلاصهم لدينه ونصرة رسوله إنهم ما كادوا يخرجون من البحر بهذه المعجزة الإلهية الكبرى ويرون بأعينهم عبدة الأصنام والأوثان حتى كان منهم ما حكاه الله في القرآن: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} .

ثم لما ذهب موسى إلى مناجاة ربه واستخلف عليهم أخاه هارون عليهما السلام نسوا الله تعالى وحنوا إلى ما وقر في نفوسهم من الوثنية المصرية وخرافاتها فعبدوا العجل كما تحدثت سورة الأعراف بذلك: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ

ص: 411

خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ولما دعاهم موسى إلى قتال الجبارين ودخول الأرض المقدسة التي كتب الله لهم أبوا وخالفوا وفضلوا القعود والاستخذاء على الجلاد والنزول إلى ميادين الجهاد {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} !.. هؤلاء أصحاب موسى فانظر إلى أصحاب محمد كيف تأثروه بالقرآن حتى ليحدث التاريخ عنهم أنهم قطعوا شجرة الرضوان وهي تلك الشجرة التاريخية المباركة التي ورد ذكرها في القرآن وما هذا إلا لأن الناس تبركوا بها فخاف عمر إن طال الزمان بالناس أن يعودوا إلى وثنيتهم ويعبدوها فأمر بقطعها ووافقه الصحابة على ذلك!.

وكذلك يذكر التاريخ أن محمدا صلى الله عليه وسلم استشار أصحابه حين عزم على قتال المشركين في غزوة بدر فقالوا: والله لو استعرضت بنا هذا البحر يريدون البحر الأحمر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد إنا لا نقول لك ما قال قوم موسى لموسى {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} : ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون هكذا كانوا يفضلون مصافحة المنايا في ميادين الجهاد ويتهافتون على الغزو طمعا في الاستشهاد وهكذا حرصوا على الموت فوهبهم الله الحياة وأتقنوا صناعة الموت فدانت لهم الملوك وعنت الكماة {وَ َمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} . {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} .

ص: 412