المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أبو هريرة راوية الإسلام - منهاج المحدثين في القرن الأول الهجري وحتى عصرنا الحاضر

[على عبد الباسط مزيد]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌التمهيد

- ‌الفصل الأول: منكرو السنة والرد عليهم

- ‌المبحث الأول: مزاعم منكري السنة قديما، والرد عليها

- ‌المبحث الثاني: منكرو السُّنَّة حديثًا، وتفنيد مزاعمهم

- ‌الفصل الثاني: مكانة السُّنَّة في التشريع الإسلامي

- ‌الباب الأول: مناهج المحدثين في القرن الأول الهجري

- ‌الفصل الأول: مظاهر اهتمام الصحابة بالسنة

- ‌الفصل الثاني: كتابة السُّنَّة في العهد النبوي

- ‌الفصل الثالث: أشهر الصحف والكتابات في العهد النبوي

- ‌الفصل الرابع: الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم

- ‌الفصل الخامس: بواعث كتابة الحديث في القرن الأول الهجري

- ‌الفصل السادس: مظاهر احتياط الصحابة في قبول الحديث الشريف

- ‌الفصل السابع: منهج الصحابة في رواية الحديث الشريف

- ‌الفصل الثامن: الصحابة المكثرون لرواية الحديث الشريف

- ‌أبو هريرة راوية الإسلام

- ‌ عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما

- ‌ أنس بن مالك رضي الله عنه

- ‌ عائشة رضي الله عنها

- ‌ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما

- ‌ جابر بن عبد الله

- ‌ أبو سعيد الخدري

- ‌الفصل التاسع: أسباب تفاوت الصحابة في رواية الحديث الشريف

- ‌الفصل العاشر: دور أمهات المؤمنين في خدمة الحديث الشريف

- ‌مدخل

- ‌دور أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في رواية الحديث:

- ‌دور أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها في رواية الحديث:

- ‌دور أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها في رواية الحديث:

- ‌دور أم المؤمنين حبيبة رضي الله عنها

- ‌دور أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنها:

- ‌دور أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها:

- ‌دور أم المؤمنين صفية رضي الله عنها:

- ‌دور أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها:

- ‌دور أم المؤمنين سودة بنت زمعة رضي الله عنها:

- ‌الفصل الحادى عشر: أسباب تفاوت أمهات المؤمنين رضي الله عنها في الرواية

- ‌الباب الثاني: مناهج المحدثين في القرن الثاني الهجري

- ‌الفصل الأول: المستجدات في هذا العصر

- ‌الفصل الثاني: التدوين الشامل للسنة في هذا العصر ومنهج العلماء في التصنيف

- ‌الفصل الثالث: جهود التابعين في توثيق السُّنَّة وحفظها وتدوينها في النصف الأول من القرن الثاني الهجري

- ‌الفصل الرابع: أشهر الصحف والكتابات في القرن الثاني الهجري

- ‌الفصل الخامس: ضوابط الرواية عند التابعين

- ‌الفصل السادس: التصنيف في القرن الثاني وبداية الثالث الهجريين

- ‌الفصل السابع: الأئمة الأربعة، وأثرهم في الحديث وعلومه

- ‌مدخل

- ‌الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي

- ‌الإمام الشافعي "150-204ه

- ‌الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، أبو عبد الله المروزي ثم البغدادي "164-241ه

- ‌الباب الثالث: منهاج المحدثين في القرن الثالث الهجري وحتى عصرنا الحاضر

- ‌الفصل الأول: مناهج المحدثين في القرن الثالث الهجري

- ‌المبحث الأول: أهم المشكلات التى واجهت المحدثين في القرن الثالث الهجري

- ‌المبحث الثاني: تدوين الحديث وعلومه في القرن الثالث الهجري

- ‌المبحث الثالث: مناهج العلماء في تدوين الحديث في القرن الثالث الهجري

- ‌المبحث الرابع: أئمة القرن الثالث الهجري ومناهجهم

- ‌أولًا: الإمام البخاري "194-256ه

- ‌مقارنة بين الصحيحين:

- ‌ثالثًا: أبو داود السجستاني "202-275ه

- ‌خامسًا: أحمد بن شعيب النسائي "215-303ه

- ‌سادسًا: ابن ماجه "209-273ه

- ‌سابعًا: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل "164-241ه

- ‌الفصل الثاني: مناهج المحدثين في القرن الرابع الهجري

- ‌ابن خزيمة

- ‌الطحاوي:

- ‌الدارقطني:

- ‌الطبراني:

- ‌ابن حبان:

- ‌ابن السكن:

- ‌الحاكم النيسابوري "321-405ه

- ‌الفصل الثالث: منهج التصنيف في القرن الخامس إلى السقوط الخلافة العباسية [من عام "400هـ" حتى عام "656ه

- ‌الجمع بين الصحيحين

- ‌ الجمع بين الكتب الستة

- ‌ الجمع بين أحاديث من كتب مختلفة:

- ‌ كتب منتقاة في أحاديث الأحكام والمواعظ، ومنها:

- ‌ كتب الأطراف:

- ‌الفصل الرابع: منهج التصنيف من سقوط الخلافة العباسية إلى عصرنا الحاضر

- ‌المبحث الأول: السنة من عام 656هـ حتى عام 911 ه

- ‌مدخل

- ‌أولًا: منهج العلماء في خدمة السُّنَّة في هذه الفترة:

- ‌ثانيًا: طريقة العلماء في خدمة الحديث الشريف في هذه الفترة

- ‌المبحث الثاني: دور العلماء في خدمة السُّنَّة بعد عام "911هـ" حتى آخر القرن الرابع عشر الهجري

- ‌المبحث الثالث: دور أشهر الممالك التي كان لها أثر ملموس في خدمة السُّنَّة في هذا العصر

- ‌ دور مصر في العناية بالسُّنَّة وعلومها:

- ‌ دور علماء الهند في العناية بالسُّنَّة:

- ‌ دور المملكة العربية السعودية في خدمة السُّنَّة:

- ‌المبحث الرابع: جهود علماء المسلمين في خدمة السُّنَّة في العصر الحاضر

- ‌قائمة بأسماء المصادر والمراجع:

- ‌الفهرس:

الفصل: ‌أبو هريرة راوية الإسلام

‌الفصل الثامن: الصحابة المكثرون لرواية الحديث الشريف

‌أبو هريرة راوية الإسلام

الفصل الثامن: الصحابة المكثرون لرواية الحديث الشريف

هناك كوكبة من الصحابة الأخيار الذين أكثروا من رواية الحديث الشريف، وقد اعتبر العلماء أن من رَوى أكثر من ألف حديث يُعد مكثرًا، وأشهر هؤلاء الصحابة سبعة هم على الترتيب: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، والسيدة عائشة، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- وفيهم أُنْشِدَ:

سبْعٌ من الصحب فوق الألف قد نقلوا

من الحديث عن المختار خير مضر

أبو هريرة سعد جابر أنس

صدِّيقة وابن عباس كذا ابن عمر

1-

أبو هريرة راوية الإسلام 1:

هو عبد الرحمن بن صخر بن ثعلبة بن سُليم بن فهم بن غنم بن دوس اليماني، وكان اسمه في الجاهلية "عبد شمس"، وقيل غير ذلك، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم "عبد الرحمن"، وأمه "ميمونة بنت صخر" وقيل "أميمة"، وكنيته "أبو هريرة"، و "أبو هِر" بسبب هرة حملها في كُمه، أو هرة كان يداعبها.

وهو من قبيلة دَوْس اليمنية، تُوفي والده وهو صغير فنشأ يتيمًا، وكان بعيد المنكبين، أبيض، ذا ضفيرتين، أفرق الثنيتين، يُخضب شيبه بالحمرة.

1 راجع ترجمته في: طبقات ابن سعد "4/ 1/ 157-176"، "52/ 2/ 4"، الإصابة "3/ 287"، جمهرة أنساب العرب "ص360، 361"، الاستيعاب "4/ 1768"، سير أعلام النبلاء "2/ 578-632"، البداية والنهاية "8/ 103"، تذكرة الحفاظ "1/ 31"، تهذيب التهذيب "12/ 262"، الكامل في التاريخ "3/ 88"، تاريخ الطبري "3/ 389"، تاريخ الإسلام "2/ 339".

ص: 91

أسلم قديمًا قبل الهجرة وهو بأرض قومه على يد "الطفيل بن عمرو الدوسي"، وكان رجلًا شريفًا شاعرًا مضيافًا، وكانت قريش تعرف منزلته في قومه.

وهاجر من اليمن إلى المدينة في أيام فتح خيبر، وقد لازم النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخر حياته، وكان يلازمه في حله وترحاله في ليله ونهاره حتى حمل عنه الحديث الكثير

وقد أسلمت أمه بعد الهجرة وفرح بإسلامها فرحًا شديدًا.

وقد أرسله النبي صلى الله عليه وسلم مع العلاء الحضرمي إلى البحرين؛ لنشر الإسلام وتعليم الناس أمور دينهم.

وكانت خيبر أول غزوة شارك فيها مع الرسول صلى الله عليه وسلم ثم شهد جميع غزواته بعدها، وقاتل مع أبي بكر في حرب الردة، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في مسنده: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا

" الحديث، وفيه المناقشة التي دارت بين أبي بكر وعمر، وفي آخره: "قال أبو هريرة: فقاتلنا معه، فرأينا ذلك رشدًا"1. ولما وُلِّيَ عمر استعمله على البحرين، ودافع عن عثمان في الفتنة.

وفي عهد "معاوية" ولاه على المدينة، كما ولى "مروان بن الحكم"، فكان إذا غضب من أبي هريرة ولى مروان، وإذا غضب من مروان ولى أبا هريرة.

ورَوى عنه نحو ثمانمائة من الصحابة والتابعين.

وتوفي بالمدينة سنة سبع وخمسين من الهجرة عن ثمانية وسبعين عامًا، وقيل: توفي "58هـ"، وقيل:"59 هـ".

لقد كان أكثر الصحابة حفظًا للحديث ورواية له، وذلك ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم2.

1 مسند الإمام أحمد "1/ 181" بإسناد صحيح.

2 راجع "أبو هريرة راوية الإسلام" لمحمد عجاج الخطيب، و"دفاع عن أبي هريرة" لعبد المنعم صالح العلي.

ص: 92

وأبو هريرة كغيره من الصحابة مُعدَّل بتعديل الله تعالى له في كتابه، ومُنزه عن الكذب والتقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة جميعًا ملتزمون بما وعَوْه من توجيهات وتحذيرات نبوية، وخاصة قوله صلى الله عليه وسلم:"من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"1.

- محفوظات أبي هريرة:

لقد بلغت محفوظات أبي هريرة رضي الله عنه حدًّا يثير الدهشة والإعجاب، إلا أنها دهشة تزول وإعجاب ينمحي حين يعلم المرء أن ذلك ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بكثرة الحفظ وعدم النسيان.

ولم يُحدِّث أبو هريرة بكل ما علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو هريرة: "حفظت من رسول الله وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقُطع هذا البلعوم"2.

وقال أيضًا: "لو أنبأتكم بكل ما أعلم لرماني الناس بالخرق3 وقالوا: أبو هريرة مجنون".

وفي رواية: "لو حدثتكم بكل ما في جوفي لرميتموني بالبعر"، قال الحسن راوي الحديث عن أبي هريرة: صدق والله! لو أخبرنا أن بيت الله يُهدم أو يُحرق ما صدقه الناس4.

وفي رواية: "يقولون: أكثرت يا أبا هريرة، والذي نفسي بيده لو حدثتكم بكل شيء سمعتُه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لرميتموني بالقشع -يعني بالمزابل- ثم ما نظرتموني"5.

1 صحيح البخاري "9/ 133".

2 طبقات ابن سعد "4/ 2/ 57"، "118/ 2/ 2"، وفتح الباري "1/ 277"، وحلية الأولياء "1/ 381"، والبداية والنهاية "8/ 105"، وتذكرة الحفاظ "1/ 34"، وسير أعلام النبلاء "2/ 430".

3 المراد: الكذب، ففي لغة أنها من التخلق بالكذب، والْخُرْق: الجهل والحمق.

4، 5 طبقات ابن سعد "4/ 2/ 57، "119/ 2/ 2".

ص: 93

- مرويات أبي هريرة:

اجتمعت عدة أسباب جعلت أبا هريرة أحفظ الصحابة وأكثرهم حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

1-

حبه للرسول صلى الله عليه وسلم.

2-

دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم له بالحفظ.

3-

ملازمته له صلى الله عليه وسلم.

4-

حرصه على طلب الحديث.

5-

جرأته في السؤال.

6-

مذاكرته لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

7-

وأنه عاش "78" عامًا أتاحت له فرصة رواية قدر كبير من الحديث الشريف.

- له في الصحيحين "609"، منها "326" متفق عليها، و"93" انفرد البخاري بروايتها له، و"190" انفرد مسلم بروايتها له.

- وروى له أصحاب السنن الأربعة والإمام مالك في الموطأ "1609".

- وروى له الإمام أحمد في مسنده "3848" بالمكرر، ويصفو له بعد حذف المكرر عدد كبير جدًّا.

- وروى له الإمام بقي بن مخلد "201-276هـ" في مسنده "5374".

- وجمع أبو إسحاق إبراهيم بن حرب العسكري "ت282هـ" مسند أبي هريرة، وتوجد نسخة منه في خزانة كوبرلي بتركيا1.

1 راجع تاريخ الأدب "3/ 154".

ص: 94

روى الشيخان أن أبا هريرة قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، إني كنت امرأً مسكينًا، صحبت النبي صلى الله عليه وسلم على بطني، وكان المهاجرون تشغلهم التجارة في الأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من النبي صلى الله عليه وسلم مجلسًا، فقال:"مَن يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه إليه فلن ينسى شيئًا سمعه مني"؟ فبسطت ردائي عليَّ حتى قضى حديثه ثم قبضتها إليَّ، فوالذي نفسي بيده لم أنسَ شيئًا سمعته منه صلى الله عليه وسلم1.

ورَوى النسائي وغيره أن رجلًا جاء إلى زيد بن ثابت فسأله عن شيء فقال: عليك بأبي هريرة؛ فإني بينما أنا جالس وأبو هريرة وفلان في المسجد ذات يوم ندعو الله ونذكره إذ خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم حتى جلس إلينا فسكتنا فقال: "عودوا إلى الذي كنتم فيه". قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمن على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك ما سألك صاحباي وأسألك علمًا لا يُنسى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"آمين"، فقلنا: يا رسول الله، ونحن نسأل الله علمًا لا يُنسى، فقال: سبقكم بها الغلام الدوسي2.

وقد شهد له إخوانه من الصحابة بكثرة أحاديثه التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك:

أن رجلًا جاء إلى طلحة بن عُبيد الله رضي الله عنه، فقال: يا أبا محمد، أرأيت هذا اليماني -يعني أبا هريرة- أهو أعلم بحديث رسول الله منكم، نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم، أم هو يقول عن رسول الله ما لم يقل؟

قال: أما أن يكون سمع ما لم نسمع فلا أشك، سأحدثك عن ذلك: إنا

1 فتح الباري "1/ 224"، مسند أحمد "12/ 270".

2 فتح الباري "1/ 266"، سير أعلام النبلاء "2/ 432"، تهذيب التهذيب "12/ 266"، حلية الأولياء "1/ 381"، البداية والنهاية "8/ 111".

ص: 95

كنا أهل بيوتات وغنم وعمل، كنا نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار، وكان مسكينًا ضيفًا على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم يده مع يده، فلا نشك أنه سمع ما لم نسمع، ولا نجد أحدًا فيه خير يقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل1.

وفي رواية: قد سمعنا كما سمع، ولكن حفظ ونسينا2.

فقد كان أعلم الصحابة بالسُّنة وأحفظهم لها، ومما يدل على ذلك ما رُوي عن أبي هريرة بسند صحيح أنه قال: أخذَتِ الناسَ ريحٌ بطريق مكة، وعمر بن الخطاب حاج، فاشتدت عليهم فقال عمر لمن حوله: من يحدثنا عن الريح، فلم يرجعوا إليه شيئًا، فبلغني الذي سأل عنه عمر من ذلك، فاستحثثت راحلتي حتى أدركته فقلت: يا أمير المؤمنين، أُخبرتُ أنك سألت عن الريح، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"الريح من رَوْح الله، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، واستعيذوا به من شرها"3.

وكان هذا الحديث دليلًا قاطعًا على قناعة عمر رضي الله عنه بحفظ أبي هريرة بالرغم من كثرة حديثه4.

وروى الوليد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة حدَّث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى على جنازة فله قيراط، ومن صلى عليها وتبعها فله قيراطان"، فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: انظر ما تُحدِّث، فإنك تكثر من الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده، فذهب به إلى عائشة فسألها عن ذلك فقالت: صدق أبو هريرة! ثم قال: يا أبا عبد الرحمن، إنه والله ما كان يشغلني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفق في الأسواق، إنما كان يهمني كلمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمنيها، أو

1 البداية والنهاية "8/ 109"، سير أعلام النبلاء "2/ 436"، فتح الباري "1/ 225".

2 فتح الباري "8/ 77".

3 مسند أحمد "14/ 52" رقم "7619"، والأدب المفرد للبخاري برقم "312"، وأبو داود برقم "5097"، وابن ماجه برقم "3727".

4 أبو هريرة راوية الإسلام "ص148" هامش.

ص: 96

لقمة يطعمنيها1. وفي رواية: إنه لم يكن يشغلني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس بالوادي وصفق بالأسواق2. فقال ابن عمر رضي الله عنهما: "أنت أعلمنا يا أبا هريرة برسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظنا لحديثه"3. وفي رواية: "أنت كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظنا لحديثه"4.

وعن أشعث بن سُليم عن أبيه قال: سمعت أبا أيوب "الأنصاري" يحدث عن أبي هريرة، فقيل له: أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحدث عن أبي هريرة؟! فقال: إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع، وإني أن أحدث عنه أحب إليَّ من أن أحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يعني: ما لم أسمعه منه5.

ومن أهم العوامل التي أتاحت له كثرة مسموعاته وضخامة مروياته ملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم:

روى قيس بن حازم عن أبي هريرة: صحبت النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين، ما كنت سنوات قط أعقل مني، ولا أحب إليَّ أن أعي ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهن6.

ومن العوامل التي ساهمت في كثرة مسموعاته وأتاحت له كثرة رواياته:

- جرأته في سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم:

قال أُبي بن كعب: كان أبو هريرة جريئًا على النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن أشياء لا نسأله عنها7.

1 طبقات ابن سعد "4/ 2/ 57" ونحوه في مسند أحمد "12/ 175" رقم "7188" بسند صحيح.

2 طبقات ابن سعد "2/ 2/ 118"، والبداية والنهاية "8/ 107".

3 المصدرين السابقين.

4 سنن الترمذي "5/ 642""50" كتاب المناقب "47" باب مناقب أبي هريرة رضي الله عنه حديث رقم "3863"، وقال: هذا حديث حسن.

5 البداية والنهاية "8/ 109"، سير أعلام النبلاء "2/ 436".

6 طبقات ابن سعد "4/ 2/ 54".

7 سير أعلام النبلاء "2/ 451".

ص: 97

ومن العوامل أيضًا: المداومة على مراجعة ما يحفظ ويأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو هريرة: إني لأجزِّئ الليل ثلاثة أجزاء: جزءًا للقرآن، وجزءًا أنام، وجزءًا أتذكر فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم1.

- ثبات حفظه وقوة ذاكرته:

قال أبو الزعيزعة كاتب مروان: دعا مروان أبا هريرة فجعل يسأله، وأجلسني خلف السرير، وجعلت أكتب عنه، حتى إذا كان رأس الحول دعا به، فأقعده من وراء حجاب، فجعل يسأله عن ذلك الكتاب، فما زاد ولا نقص ولا قدم ولا أخَّر2، وقد شهد له بذلك الصحابة والتابعون وأهل العلم من بعدهم3.

- هل وضع أبو هريرة الأحاديث كَذِبًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قد اتهم عبد الحسين وأبو رية أبا هريرة بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم إرضاء للأمويين ونكاية بالعلويين4، وأبو هريرة بريء من كل هذا، وقد أوردا أخبارًا ضعيفة وموضوعة لا أصل لها5.

مواقف عملية تتنافَى مع اتهامه بالكذب في السُّنة لأهواء شخصية:

هناك العديد من المواقف التي تحسب لأبي هريرة رضي الله عنه وتتنافى مع أي تهمة توجه إليه بالكذب أو التهاون في الحديث الشريف، ومنها ما يأتي:

1 تاريخ دمشق لابن عساكر، ترجمة أبي هريرة "ص129" طبع دار صادر - بيروت.

2 البداية والنهاية "8/ 106"، سير أعلام النبلاء "2/ 431".

3 السنة قبل التدوين "ص427"، وأبو هريرة راوية الإسلام "ص158".

4 راجع: أبو هريرة لعبد الحسين "ص35" وما بعدها، وأضواء على السنة المحمدية لأبي رية "ص190" وما بعدها.

5 السنة قبل التدوين "ص441".

ص: 98

الأول: أنه كان معروفًا بكثرة العبادة والنسك والزهد، قال أبو هريرة: إني لأجزئ الليل ثلاثة أجزاء: جزءًا للقرآن، وجزءًا أنام، وجزءًا أتذكر فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم1.

الثاني: أنه عارض مروان بن الحكم -والي المدينة- يوم أراد المسلمون دفن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما مع جده سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقال لمروان: تدَّخَّل فيما لا يعنيك؟!

الثالث: وقف ضد الثوار مع الصحابة يدافع عن عثمان بن عفان رضي الله عنه.

الرابع: وقف محايدًا في الفتنة التي قامت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما ولم ينضم مع أحد الفريقين.

قال الدكتور رفعت فوزي: "وكان موضع ثقة من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وكانت أحاديثه محل عناية الفقهاء وأئمة المجتهدين في مختلف أمصار الإسلام"2.

ودخل رجل على "طلحة بن عبيد الله" فقال: يا أبا محمد، والله ما ندري! هذا اليماني -يعني أبا هريرة- أعلم برسول الله منكم، أو يقول على رسول الله ما لم يسمع أو ما لم يقل؟ فقال طلحة: والله ما نشك أنه قد سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا قومًا أغنياء لنا بيوتات وأهلون، وكنا نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار ثم نرجع، وكان يدور معه حيثما دار، فما نشك أنه علم ما لم نعلم، وسمع ما لم نسمع.

وفي رواية: كان أبو هريرة رجلًا مسكينًا يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل معه، فوالله ما أشك أنه قد سمع ما لم نسمع، ولا نجد أحدًا فيه خير يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم3.

1 تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، ترجمة أبي هريرة "ص129" طبع دار صادر - بيروت.

2 المدخل إلى توثيق السنة "ص212".

3 العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد بن حنبل "1/ 72".

ص: 99

ولقد كان أبو هريرة رضي الله عنه أحرص الصحابة على سماع الحديث، ومما يدل على ذلك ما جاء في الصحيح عن أبي هريرة قال: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أولَى منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة: من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه"1.

ومما يدل على حرصه على رواية الحديث الشريف قوله: "إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثًا، ثم يتلو: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَاّعِنُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 159، 160] 2 إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق في الأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون"3.

فإذا كان أبو هريرة ألزم الصحابة بالرسول صلى الله عليه وسلم وأنه كان يدور معه حيثما دار ويحضر ما لا يحضرون -بشهادة الصحابة أنفسهم- فمن البدهي إذن أن يكون أكثر الصحابة حفظًا للحديث الشريف، ومعرفة بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحرصه على التبليغ كان انطلاقًا من الآيات التي تحذر من كتم العلم، وانطلاقًا من قول النبي صلى الله عليه وسلم في مواقف عديدة:"اللهم هل بلغت، فليبلغ الشاهد الغائب"

1 صحيح البخاري "1/ 203".

2 وفي رواية: "وايم الله، لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبدًا، وتلا الآية 159 من البقرة". صحيح البخاري "1/ 244 فتح".

3 صحيح البخاري "1/ 40، 41".

4 راجع: صحيح البخاري "أحاديث: 67، 105، 1739، 1741، 1832، 4295، 5550، 7447"، وصحيح مسلم "حديث رقم 1679".

ص: 100

وقوله: "نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فبلغه كما سمعه، فرُبَّ مبلَّغ أوعى من سامع" 1، وقوله:"من سئل عن علم فكتمه أُلجم بلجام من نار يوم القيامة" 2، ونحو ذلك.

فلهذا كان من الطبيعي أن يبلغ أبو هريرة الناس أكثر مما يبلغهم غيره؛ فهو أكثر الصحابة سماعًا للحديث وأكثرهم رواية له، وقد أقرت الصحابة بذلك ولم يشكوا في سماعه البتة.

ومن جهة أخرى، قال فضيلة الدكتور رفعت فوزي:"إن أحاديث أبي هريرة قد محصها أئمة السنة وبينوا ما صح منها وما هو ضعيف أو موضوع، ولم تصح نسبة حديث واحد من الموضوع أو الضعيف إلى أبي هريرة، وإنما كان ذلك من بعض الرواة، والصحيح منها إذا دُرس وقُورن بأحاديث الصحابة تبين أنه لم ينفرد إلا بالقليل منه، فسمنده شائع في المسانيد كلها"3.

- أصح الطرق عن أبي هريرة:

ذكر العلماء هذه الطرق4:

- حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة.

- أبو الزناد، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة.

- ابن عون وأيوب، عن محمد بن سيرين، عنه.

1 رواه الترمذي في سننه "حديث رقم 2657"، وابن ماجه "حديث رقم 233"، وأحمد في مسنده "4157" من حديث عبد الله بن مسعود، ورواه أبو داود في سننه "حديث 366"، والترمذي في سننه "2658" وحسنه، وابن ماجه "230" من حديث زيد بن ثابت، ورواه الحاكم في المستدرك "1/ 294" كتاب العلم، وابن ماجه "231" من حديث جبير بن مطعم، ورواه ابن ماجه "236"، وأحمد في مسنده "13349" من حديث أنس بن مالك.

2 مسند أحمد "14/ 5" رقم "7561" بإسناد صحيح.

3 المدخل إلى توثيق السنة "ص213".

4 راجع: تدريب الراوي "1/ 101/ 106"، الكفاية "ص398"، توضيح الأفكار "1/ 35"، سير أعلام النبلاء "2/ 438"، مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر "1/ 149، 150".

ص: 101

- مالك، وسفيان بن عيينة، ومعمر، ويونس، وعقيل عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عنه.

- إسماعيل بن أبي حكيم، عن عبيدة بن سفيان الحضرمي، عنه.

- معمر، عن همام بن منبه، عنه.

- يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.

- الثناء على أبي هريرة والشهادة له بالحفظ والضبط:

لقد حظي أبو هريرة رضي الله عنه بثناء الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة ومن تبعهم من كبار الأئمة والعلماء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لقد ظننت لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث" 1، وفي رواية:"والذي نفس محمد بيده، لقد ظننت أنك أول من يسألني عن ذلك من أمتي لما رأيت من حرصك على العلم" 2، وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه المرفوع:"أبو هريرة وعاء من العلم"3.

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد نهى أبا هريرة وغيره من الإكثار من الحديث؛ لأن الكثرة مظنة الخطأ، وخوفًا من أن يشتغل الناس بالحديث عن القرآن، ولكن عمر رضي الله عنه سمح لأبي هريرة بعد ذلك بالتحديث، فروى الذهبي في السير عن أبي هريرة قال: بلغ عمر حديث، فأرسل إليَّ، فقال: كنتَ معنا يوم كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت فلان؟ قلتُ: نعم، وقد علمتُ لأي شيء سألتني. قال: ولم سألتك؟ قلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" قال: أما لا فاذهب فحدث4، وفي رواية قال عمر: حدِّث الآن عن النبي صلى الله عليه وسلم ما شئت5.

1 مسند أحمد "15/ 208".

2 فتح الباري "1/ 203"، وسير أعلام النبلاء "2/ 430" بسند صحيح.

3 سير أعلام النبلاء "2/ 430"، وفي سنده زيد العمي مختلف فيه. انظر: الميزان "1/ 363".

4 سير أعلام النبلاء "2/ 434" وفي سند يحيى بن عبد الله مختلف فيه. انظر: الميزان "3/ 297"، وقد رُوي من طرق أخرى ثابتة.

5 تاريخ دمشق لابن عساكر "47/ 487".

ص: 102

وقال عبد الله بن عمر: يا أبا هريرة، كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمنا بحديثه1.

وقيل لعبد الله بن عمر: هل تنكر مما يحدث به أبو هريرة شيئًا؟ فقال: لا؛ ولكنه أجترأ وجَبُنا2، وفي رواية قال ابن عمر: أبو هريرة خير مني، وأعلم بما يحدث3، وكان يكثر الترحم عليه ويقول: كان ممن يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين4.

وقال أُبي بن كعب: كان أبو هريرة جريئًا على النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن أشياء لا نسأله عنها5.

وقال طلحة بن عبيد الله: لا نشك أنه سمع ما لم نسمع6، وفي رواية: قد سمعنا كما سمع؛ ولكنه حفظ ونسينا7.

وقال محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم: فعرفت يومئذ أنه أحفظ الناس عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم8- وذلك حين حضر مجلسه الذي كان فيه مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدثهم، فلا يعرف بعضهم الحديث ثم يتراجعون فيه فيعرفونه.

وقال أبو صالح السمان: كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم9-

1 سير أعلام النبلاء "2/ 435"، طبقات ابن سعد "118/ 2/ 2" فتح الباري "1/ 225"، وسنن الترمذي "2/ 224" وقال الترمذي: حديث حسن.

2 سير أعلام النبلاء "2/ 437"، تاريخ دمشق "47/ 492".

3 الإصابة "7/ 204"، سنن الترمذي "2/ 224".

4 سير أعلام النبلاء "435/ 2"، البداية والنهاية "8/ 107"، تاريخ دمشق "47/ 493"، طبقات ابن سعد "4/ 2/ 63".

5 سير أعلام النبلاء "2/ 451".

6 سير أعلام النبلاء "2/ 436"، الإصابة "7/ 204".

7 فتح الباري "8/ 77".

8 سير أعلام النبلاء "2/ 444"، فتح الباري "1/ 225".

9 تذكرة الحفاظ "2/ 34"، تاريخ دمشق "47/ 481".

ص: 103

وفي رواية عنه: ما أزعم أن أبا هريرة كان أفضلهم -يعني الصحابة- ولكن كان أحفظ1.

وقال الإمام الشافعي: أبو هريرة أحفظ مَن روى الحديث في دهره2.

وقال الإمام البخاري: روى عنه نحو ثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث في عصره3.

وقال ابن عبد البر "368-463هـ": كان أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار؛ لاشتغالهم بالتجارة والأنصار بحوائجهم4.

وقال ابن الأثير الجزري "555-630هـ": أبو هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرهم حديثًا عنه5.

وقال الحافظ الذهبي "673-748هـ": أبو هريرة الإمام الفقيه المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو هريرة الدوسي اليماني سيد الحفاظ الأثبات6، وقال أيضًا: أبو هريرة إليه المنتهى في حفظ ما سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم، وأدائه بحروفه7، وقال أيضًا: كان أبو هريرة وثيق الحفظ، ما علمنا أنه أخطأ في حديث8.

وقال الحافظ ابن كثير "701-774هـ": وقد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم9، وقال

1 تاريخ دمشق "47/ 482".

2 سير أعلام النبلاء "2/ 432"، تاريخ دمشق "47/ 483".

3 تهذيب التهذيب "12/ 1771".

4 الاستيعاب "4/ 1771".

5 أسد الغابة "5/ 315".

6 سير أعلام النبلاء "2/ 417".

7 المصدر السابق "2/ 445".

8 المصدر السابق "2/ 446".

9 البداية والنهاية "8/ 110".

ص: 104

أيضًا: روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثير الطيب، وكان من حفاظ الصحابة1.

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني "773-852هـ": إن أبا هريرة كان أحفظ كل من يروي الحديث في عصره، ولم يأتِ عن أحد من الصحابة كلهم ما عنه2.

وقال المؤرخ عبد الحي أحمد "ابن العماد" الحنبلي "1032-1089هـ":

كان كثير العبادة والذكر، وحَسَن الأخلاق، ولِيَ إمرة المدينة، وكان حافظ الصحابة وأكثرهم رواية 3.

وقال يحيى بن أبي بكر العامري "816-893هـ": أبو هريرة كان عريف أهل الصفة، حلفاء الفقر والصبر، وكان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ملازمًا له في جميع الأحوال، لا يشغله عنه دنيا ولا أهل ولا مال، ولملازمته لوصيته الأخرى في الحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكثر الصحابة رواية على وأحفظهم، وقال: وكان حافظًا مثبتًا ذكيًّا مفتيًا، صاحب صيام وقيام4.

- أبو هريرة وبعض الباحثين 5:

قد كشفت الصورة الصادقة التي رسمها التاريخ لأبي هريرة عن مناقب جمة كثيرة، والتي منها: تقواه وورعه في شبابه وهرمه وغناه وفقره، ومواقفه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتزامه بالسنة، واعتزاله وحبه للجماعة وسعيه للخير، وأخلاقه النبيلة، وسجاياه الكريمة، وكثرة وقوة حافظته.

إن بعض الباحثين لم يسرهم أن يروا أبا هريرة في هذه المكانة السامية

1 السابق "8/ 103".

2 التهذيب "12/ 266".

3 الذهب "1/ 63".

4 المستطابة "ص70".

5 أبو هريرة راوية الإسلام "ص201-269"، وانظر: رد الدارمي على المريسي.

ص: 105

والمنزلة الرفيعة، فدفعتهم ميولهم وأهواؤهم إلى تزييف هذه الصورة الواقعية الصادقة، فرأوا في صحبته للرسول صلى الله عليه وسلم غايات خاصة له؛ حيث يشبع بطنه ويروي نهمه، وصوروا أمانته خيانة، وحديثه الكثير كذبًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهتانًا، ورأوا في فقره مطعنًا وعارًا، وفي تواضعه ذلًّا، وفي أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لونًا من المؤامرات لخداع العامة، ورأوا في اعتزاله الفتن تحزُّبًا، فهو صنيعة الأمويين الذين طوَوْه تحت جناحهم، فكان أداتهم الداعية لمآربهم السياسية فكان لذلك من الكاذبين الواضعين للأحاديث على الرسول صلى الله عليه وسلم افتراء وزورًا.

هكذا كان أبو هريرة في نظر بعض أهل الأهواء مثل: النظام: إبراهيم بن سيار النظام، والمريسي: بشر المريسي، والبلخي، وأحمد أمين.

وتابعهم في هذا العصر بعض المستشرقين مثل: "جولد تسيهر" و "شبرنجر".

ومن دعاة العلم عبد الحسين شرف الدين العاملي "الإمامي" في كتابه "أبو هريرة"، ومحمود أبو رية في كتابه "أضواء على السنة المحمدية" الذي استقى كتابه هذا من أستاذه عبد الحسين، فكان أشد تعنتًا ومجانبة للصواب، وغيرهم.

وقد زعموا أن أبا هريرة أكثر فأفرط، وروى عنه أصحاب الصحاح والمسانيد فأكثروا وأفرطوا، وتصوروا أن أحاديثه موضوعة ومكذوبة، وقد تغلغلت في أصول الدين وفروعه وغفل عنها المسلمون، فلا بد من الدفاع عن الشريعة الغراء وحمايتها من الأكاذيب والأوهام.

وتصوروا غموض نسبه في الجاهلية والإسلام، وأنه شب جاهليًّا لا يستضيء بنور بصيرة، وصعلوكًا قد أخمله الدهر، ويتيمًا أزرى به الفقر، مؤجِّرًا نفسه بطعام بطنه حافيًا عاريًا راضيًا بهوان الذل، وأنه لم يكن مذكورًا في عهد أول خليفتين؛ بل كان مهملًا، ولم يذكروا له سوى أن عمر بعثه واليًا على البحرين ثم عزله سنة إحدى وعشرين، وفي سنة ثلاثين عزله وولَّى عثمان بن أبي العاص الثقفي، وانتزع منه عشرة آلاف درهم سرقها من مال الله.

ص: 106

وهذه المزاعم كلها باطلة، ويكذبها الواقع التاريخي والأمانة في التوثيق والاستقراء، فقد اشترك في حرب الردة في عهد أبي بكر، وروى الإمام أحمد في مسنده:"فلما كانت الردة قال عمر لأبي بكر: تقاتلهم وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا؟ فقال أبو بكر: والله لا أفرق بين الصلاة والزكاة، ولأقاتلن من فرَّق بينهما، قال أبو هريرة: فقاتلنا معه، فرأينا ذلك رشدًا"1.

واستشهدوا برواية مجردة من السند وفيها: أن عمر اتهم أبا هريرة وهو على البحرين بسرقة مال المسلمين، وأنه ضربه بالدرة حتى أدماه.

والثابت أن عمر قال لأبي هريرة: فمن أين هي لك؟ قلتُ: خيل نتجت، وغلة رقيق لي، وأعطِيَة تتابعت عليَّ، فنظروا فوجدوه كما قال2، وفي رواية أن عمر أخذ منه اثني عشر ألفًا3، وفي رواية أن عمر عزل أبا موسى الأشعري عن البصرة وشاطره ماله، وعزل أبا هريرة عن البحرين وشاطره ماله4.

ويصورونه مستغلًّا للفتنة في عهد عثمان، وأنه راح يضع الأحاديث التي روجها بنو أمية وأولياؤهم للاحتجاج بها لتحقيق مآربهم.

وفي عهد علي صوروا أبا هريرة بان صوته خفت وخمل، وأن معاوية جنده للقيام بأعمال ترضيه.

وأنه في عهد معاوية وضع الأحاديث التي تشيد بفضل معاوية وحدث بأحاديث لا يقبلها عقل ولا يرضاها ضمير، وله في صحيحي البخاري ومسلم أحاديث أفرغها على هذا القالب وحاكها على هذا المنوال

، إلى غير ذلك من المزاعم والأباطيل التي دللوا عليها بالروايات المكذوبة والأخبار الموضوعة والآثار التي لا أصل لها.

1 مسند أحمد "1/ 181" بسند صحيح.

2 تاريخ الإسلام "2/ 338"، البداية والنهاية "8/ 111"، حلية الأولياء "1/ 380".

3 طبقات ابن سعد "4/ 2/ 59".

4 العقد الفريد "1/ 33".

ص: 107