الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، أبو عبد الله المروزي ثم البغدادي "164-241ه
ـ" 1:
خُرج به من مرو حملًا، وولد بغداد، ونشأ بها، ومات بها، وطاف البلاد في طلب العلم، ودخل الكوفة، والبصرة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام، والجزيرة، والمغرب، والجزائر، والعراق، وفارس، وخراسان، وغيرها.
ومناقبه -رحمه الله تعالى- أكثر من أن تُحصى أو تستقصى، ويمكننا الوقوف على بعض هذه المناقب من خلال تأمل بعض ما جاء على ألسنة الأئمة وأهل الفضل والعلم، وما نقله الحافظ الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء" في ترجمة الإمام أحمد.
قال عبد الرزاق الصنعاني: ما رأيت أحدًا أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل.
وقال قتيبة بن سعد: خير أهل زماننا ابن المبارك، ثم هذا الشاب -يعني أحمد بن حنبل- وإذا رأيت رجلًا يحب أحمد، فاعلم أنه صاحب سُنة، ولو أدرك عصر الثوري والأوزاعي والليث، لكان هو المقدم عليهم. فقيل لقتيبة: يُضم أحمد إلى التابعين؟ قال: إلى كبار التابعين.
وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلًا أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل.
وعدَّه الشافعي من عجائب الزمن، وعلل ذلك بأنه كان صغيرًا وكلما قال شيئًا صدقه الكبار2.
1 راجع ترجمته في: تهذيب الكمال "1/ 437- 470"، سير أعلام النبلاء "11/ 177- 358"، طبقات ابن سعد "7/ 354، 355"، التاريخ الكبير "2/ 5"، التاريخ الصغير "2/ 375"، الجرح والتعديل "1/ 292- 313"، "2/ 68- 70"، حلية الأولياء "9/ 161 - 233"، تاريخ بغداد "4/ 412- 423"، طبقات الحنابلة "1/ 4- 20"، تهذيب الأسماء واللغات "1/ 110 - 112"، وفيات الأعيان "1/ 63- 65"، تذكرة الحفاظ "2/ 431"، العبر "1/ 435"، تذهيب التهذيب "1/ 22"، الوافي بالوفيات "6/ 363- 369"، مرآة الجنان "2/ 132"، طبقات الشافعية للسبكي "2/ 27 - 37"، البداية والنهاية "10/ 325- 343"، النجوم الزاهرة "2/ 304 - 306"، طبقات الحفاظ "ص186"، شذرات الذهب "2/ 96 - 98"، طبقات المفسرين "1/ 70"، التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة "1/ 69 - 71".
2 راجع: التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة "1/ 69" لأبي المحاسن محمد بن علي الحسيني "715-765هـ" الناشر مكتبة الخانجي - بتحقيق أ. د. رفعت فوزي عبد المطلب.
وقال علي بن خَشْرم: سمعت بشر بن الحارث يقول: أنا أُسأل عن أحمد بن حنبل؟ إن أحمد أُدخل الكير فخرج ذهبًا أحمر.
وقال عمرو الناقد: إذا وافقني أحمد بن حنبل على حديث، لا أبالي من خالفني.
وقال محمد بن يحيى الذهلي: جعلت أحمد إمامًا فيما بيني وبين الله.
وساق الحافظ ابن كثير أيضَا في "تاريخه"1 جملة من ثناء أهل العلم عليه، فقال:
قال يحيى بن سعيد القطان شيخ أحمد: ما قدم عليَّ من بغداد أحد أحب إلَيَّ من أحمد بن حنبل.
وقال علي بن المديني: إن الله أيد هذا الدين بأبي بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة2.
وقال أيضًا: إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمد بن حنبل، لم أبالِ إذا لقيت ربي كيف كان.
وقال أيضًا: إني اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله عز وجل.
وقال يحيى بن معين: كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط، كان محدثًا، وكان حافظًا، وكان عالمًا، وكان ورعًا، وكان زاهدًا، وكان عاقلًا.
وقال أيضًا: أراد الناس أن نكون مثل أحمد بن حنبل، والله ما نقوى أن نكون مثله، ولا نطيق سلوك طريقه.
وقال أبو بكر بن أبي داود: أحمد بن حنبل مُقدَّم على كل مَن يحمل بيده قلمًا ومحبرة.
1 البداية والنهاية "10/ 350".
2 التذكرة "1/ 69".
وقال أبو زرعة الرازي: ما أعرف في أصحابنا أفقه منه.
ولأحمد بن حمدان الحراني في كتابه "صفة الفتوى والمفتي والمستفتي"1 كلام حسن أعقبه بنقل بعض أقوال الأئمة والعلماء في الإمام أحمد ثم مؤلفات الإمام أحمد.
قال أحمد بن حمدان: ولما كان من اللازم الالتزام بأهل الدين وعلماء الشريعة المبرزين، وأكابر الأئمة المتبعين المتبوعين، والمشهورين من المحققين المحقين المتدينين الورعين، والموفقين المسددين المرشدين، وكان الإمام العالم السالك الناسك الكامل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه قد تأخر عن أئمة المذاهب المشهورة، ونظر في مذاهبهم ومذاهب من قبلهم، وأقاويلهم وسبَرَها وخبرها، وانتقدها واختار أرجحها وأصحها، ووجد من قبله قد كفاه مؤنة التصوير والتأصيل والتفصيل، فتفرغ للاختيار والترجيح والتنقيح والتكميل والإشارة بين الصحيح، مع كمال آلته وبراعته في العلوم الشرعية، وترحجه على مَن سبقه لما يأتي، ثم لم يوجد بعده من بلغ محله في ذلك، كان مذهبه أولى من غيره بالاتباع والتقليد، وهذا طريق الإنصاف والسلامة من القدح في بعض الأئمة، وقد ادعى الشافعية ذلك في مذهب الشافعي أيضًا، وأنه أولى من غيره.
ونحن نقول: كان الإمام أحمد أكثرهم علمًا بالأخبار، وعملًا بالآثار، واقتفاء للسلف، واكتفاء بهم دون الخلف، وهو من أجلهم قدرًا وذكرًا، وأرفعهم منزلة وشكرًا، وأسدهم طريقة وأقومهم سطرًا، وأشهرهم ديانة وصيانة وأمانة وأمرًا، وأعلمهم برًّا وبحرًا، قد اجتمع له من العلم والعمل والدين والورع والاتباع والجمع والاطلاع والرحلة والحفظ والمعرفة والشهرة بذلك كله ونحوه ما لم يجتمع مثله لإنسان، وأثنى عليه أئمة الأمصار، وأهل الأعصار وإلى الآن، واتفقوا على إمامته وفضيلته واتباعه لمن مضى بإحسان، وأنه إمام في سائر علوم الدين، مع الإكثار والإتقان، وكان أولى
1 انظر: كتاب صفة الفتوى والمفتي والمستفتي "ص74-80" لأحمد بن حمدان الحراني الحنبلي "603-695هـ" طبع المكتب الإسلامي - بيروت.
بالاتباع، وأحرى بالبعد عن الابتداع، وقد صنف الناس في فضائله ومناقبه كتبًا كثيرة، تدل على أمانته ورجحانه على غيره؛ فلذلك ونحوه تعين الوقوف على بابه، والانتماء إليه، والاقتداء به، والاهتداء بنور صوابه، والاهتداء بهديه في وروده وإيابه، والاقتفاء لمطالبه وأسبابه، والاكتفاء بصحبة أصحابه، ولأن مذهبه من أصح المذاهب وأكمل، وأوضح المناهج وأجمل؛ لكثرة أخذه له من الكتاب والسنة، مع معرفته بهما وبأقوال الأئمة، وأحوال سلف الأمة، وتطلعه على علوم الإسلام، وتطلعه من الأدلة الشرعية والأحكام، ودينه التام وعلمه العام، والثناء عليه من أكابر العلماء وشهادتهم له بالإمامة والتقدم على أكثر القدماء، وإطنابهم في مدحه وشكره، وإسهابهم في نشر فضله وذكره، ولم يشكوا في صحة اعتقاده وانتقاده، وأن الصحة تحصل بإخباره، والنفرة بإنكاره، والعبرة باعتباره، والخبرة باختباره؛ بل يرجعون في دينهم إليه، ويعولون عليه، ويرضون بما ينسب إليه، ولو كذب عليه. فلله الحمد إذ وفقنا لاتباع مذهبه، والابتداء بتحصيله وطلبه، وللانتهاء إلى الرضاء به لصحة مطلبه.
وهذا وأمثاله قليل من كثير، ونقطة من بحر غزير، والغرض الحث على اتباعه ومعرفة أتباعه في العلوم واتساع باعه رضي الله عنه، وجعلنا من أتباعه، وحشرنا في زمرة أتباعه، وقد ذكرنا جملة من مناقبه وكلام العلماء في مدحه وإمامته في كتب أخرى، ولو لم يقل فيه الناس سوى ما نذكره الآن لكان فيه أبلغ غاية وأنهى نهاية، وفي بعضه كفاية:
قال الشافعي: أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في القرآن، إمام في اللغة، إمام في السُّنة، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في الفقر.
وقال: خرجت من بغداد وما خلفت بها أورع ولا أتقى ولا أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل.
وقال لأحمد: أنتم أعلم منا بالحديث، فإذا كان الحديث كوفيًّا أو شاميًّا فأعلموني حتى أذهب إليه.
وقال: كل مافي كتبي: حدثني الثقة
…
فهو أحمد بن حنبل.
وقال يحيى بن معين: والله ما تحت أديم السماء أفقه من أحمد بن حنبل، ليس في شرق ولا غرب مثله.
وقال إبراهيم الحربي: رأيت أحمد كأن الله قد جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف، يقول ما شاء ويدع ما شاء، وعد الأئمة وقال: كان أحمد أفقه القوم.
وقال أبو القاسم الختلي: كان أحمد بن حنبل إذا سئل عن المسألة كأن علم الدنيا بين عينيه.
وقال الخلال: كان أحمد بن حنبل إذا تكلم في الفقه تكلم بكلام رجل قد انتقد العلم فتكلم على معرفة.
وقال أحمد بن سعيد: ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أحمد.
وقال عبد الرزاق: ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أورع، وما رأيت مثله، وما قدم علينا مثله، قال أبو يعقوب: وما رحل إلى أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رحل إلى عبد الرزاق.
وقال أبو عبيد: انتهى العلم إلى أربعة: علي بن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، وكان أحمد أفقههم فيه.
وقال قتيبة بن سعيد: لو أدرك أحمد عصر الثوري ومالك والأوزاعي والليث ونظر إليهم لكان هو المقدَّم، وقيل: تقيس أحمد إلى التابعين؟ فقال: إلى كبار التابعين كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وقال: أحمد وإسحاق إماما الدنيا.
وقال أبو بكر بن داود: لم يكن في زمن أحمد مثله، وقال عبد الوهاب الوراق: كان أحمد أعلم أهل زمانه، وهو من الراسخين في العلم، وما رأيت مثله، قال: وقد أجاب عن ستين ألف مسألة بأخبرنا وحدثنا، وقال أبو ثور:
أجمع المسلمون على أحمد بن حنبل، وقال: كنت إذا رأيته خيل إليك أن الشريعة لوح بين عينيه.
وقال إسحاق بن راهويه: أنا أقيس أحمد إلى كبار التابعين كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وهو حجة بين الله وبين عبيده في أرضه، ولا يدرك فضله.
وقال ابن مهدي: لقد كاد هذا الغلام أن يكون إمامًا في بطن أمه.
وقال أبو زرعة: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث، قيل: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب، وقال: حزرنا استشهادات أحمد في العلوم فوجدناه يحفظ سبعمائة ألف حديث فيما يتعلق بالأحكام، وقال: ما أعلم في أصحابنا أسود الرأس أفقه منه، وما رأيت أكمل منه، اجتمع فيه فقه وزهد وأشياء كثيرة، وما رأيت مثله في فنون العلم والفقه والزهد والمعرفة وكل خير، وهو أحفظ مني، وما رأيت من المشايخ المحدثين أحفظ منه.
وقال عبد الله بن أحمد: كان أبي يذاكرني بألفي ألف حديث.
وقال مهنا: ما رأيت أجمع لكل خير من أحمد، وما رأيت مثله في علمه وفقهه وزهده وورعه.
وقال الهيثم بن جميل: إن عاش هذا الفتَى سيكون حجة على أهل زمانه.
وقال أحمد: رحلت في طلب العلم والسُّنة إلى الثغور والشامات والسواحل والمغرب والجزائر ومكة والمدينة والحجاز واليمن والعراقين جميعًا وفارس وخراسان والجبال والأطراف، ثم عدت إلى بغداد، وقال: استفاد منا الشافعي أكثر مما استفدنا منه.
وقال أبو الوفاء علي بن عقيل: قد خرج عن أحمد اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم، وخرج عنه من دقيق الفقه ما ليس نراه لأحد
منهم، وانفرد بما سلموه له من الحفظ وشاد لهم، وربما زاد على كبارهم، وله التصانيف الكثيرة؛ منها:"المسند" وهو بزيادة ابنه عبد الله أربعون ألف حديث إلا أربعين حديثًا، ومنها التفسير، وهو مائة ألف وعشرن ألفًا، وقيل: بل مائة ألف وخمسون ألفًا، ومنها الزهد، وهو نحو مائة جزء، ومنها الناسخ والمنسوخ، ومنها المقدم والمؤخر في القرآن، وجوابات أسئلة، ومنها المنسك الكبير والمنسك الصغير، والصيام والفرائض، وحديث شعبة، وفضائل الصحابة، وفضائل أبي بكر، وفضائل الحسن والحسين، والتاريخ، والأسماء والكنى، والرسالة في الصلاة، ورسائل في السُّنة والأشربة، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، والرد على الزنادقة والجهمية وأهل الأهواء في متشابه القرآن، وغير ذلك كثير1.
ومشايخه أعيان السلف، وأئمة الخلف، وأصحابه خلق كثير، قال الشريف أبو جعفر الهاشمي: لا يحصيهم عدد، ولا يحويهم بلد، ولعلهم مائة ألف أو يزيدون، وروى الفقه عنه أكثر من مائتي نفس، أكثرهم أئمة أصحاب تصانيف، وروى عنه الحديث أكابر مشايخه؛ كعبد الرزاق، وابن عُليَّة، وابن مهدي، ووكيع، وقتيبة، ومعروف الكرخي، وابن المديني، وخلق غيرهم، وما من مسألة في الفروع والأصول إلا له فيها قول أو أكثر، نصًّا أو إيماء، وهو من ولد شيبان بن ذهل لا من ولد ذهل بن شيبان، يلتقي نسبه بنسب رسول الله صلى الله عليه وسلم في نزار. اهـ.
1 وقد ذكر له ابن النديم في "فهرسته""ص285""العلل والرجال"، وذكره العقيلي أيضًا في كتابه:"الضعفاء الكبير""3/ 239".