الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل السادس: التصنيف في القرن الثاني وبداية الثالث الهجريين
خطا التأليف والتصنيف خطوة أخرى على يد أئمة عاشوا في القرن الثاني وقليل من القرن الثالث، فقد رأى بعض هؤلاء أن يجمعوا الأحاديث التي رواها كل صحابي في موضوع واحد، فألفوا المسانيد، كما ألفوا في الرواة، وفي علل الحديث.
أولًا: التأليف في المسانيد: ممن ألف في ذلك
أبو داود الطيالسي "133 - 204هـ" وأسد بن موسى "ت212هـ"، وعبيد الله بن موسى "ت213هـ"، ومسدد البصري "ت228هـ"، ونعيم بن حماد "ت128هـ"، وأحمد بن حنبل "164- 241هـ"، وإسحاق بن راهويه "161- 238هـ"، وعثمان بن أبي شيبة "156 - 239هـ".
واقتصرت هذه المسانيد على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أقوال الصحابة والتابعين، وجمعت الحديث الصحيح والضعيف، ويصعب على القارئ التمييز بين هذه الأحاديث إلا إذا كان مؤهلًا لذلك خبرة ودراية1.
وقد كان ذلك مع الاستمرار في المصنفات المرتبة على الموضوعات والتي جمعت الحديث المرفوع وآثار الصحابة والتابعين مثل: مصنف عبد الرزاق الصنعاني "126- 211هـ"، ومصنف عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي "ت235هـ".
ثانيًا: التأليف في الرواة
تبع التدوين الشامل للأحاديث أو تعاصر معه التأليف في رواة الأحاديث وبيان شيوخهم الذين رووا عنهم وتلاميذهم الذين أخذوا منهم، وبيان أسمائهم
1 راجع: السُّنَّة قبل التدوين "ص339"، المدخل إلى توثيق السُّنَّة "ص59".
وكناهم وألقابهم وأنسابهم وموطنهم وتاريخ ولادتهم ووفاتهم، وبيان ما فيهم من جرح وتعديل.
وممن ألف في ذلك في هذه الفترة: يحيى بن معين "158- 237هـ" ألف "تاريخ الرواة" رتبه على حروف المعجم، وخليفة بن خياط الشيباني "ت240هـ" ألف "التاريخ" في عشرة أجزاء، و"طبقات الرواة" ومحمد بن سعد كاتب الواقدي "168- 230هـ" ألف كتابه "الطبقات"، وترجم فيه للصحابة على طبقاتهم فالتابعين، فمن بعده إلى وقته، والإمام أحمد بن حنبل "168- 241هـ" ألف "التاريخ" و"لكنى" و"الجرح والتعديل"، وعلي بن المديني "161 - 234هـ" ألف "الأسامي والكنى"، و"معرفة من نزل من الصحابة على سائر البلدان"1.
ثالثًا: التأليف في علل الحديث
ألفت في تلك الفترة مؤلفات تكشف الخلل الخفي في الإسناد أو المتن، وتميز الحديث الصحيح من غيره، وممن ألف في العلل:
الإمام يحيى بن سعيد القطان "ت198هـ" ألف كتاب "العلل"، والإمام يحيى بن معين "158- 237هـ" ألف "التاريخ والعلل" ذكر فيه بعض الرواة وبعض رواياتهم وبيَّن عللها، وعلي بن المديني "161- 234هـ" ألف "العلل"، والإمام أحمد بن حنبل "168- 241هـ" ألف "علل الحديث ومعرفة الرجال".
وقد جاءت هذه المؤلفات بغير ترتيب لا على المسانيد ولا على الأبواب2.
رابعًا: التأليف في الموطآت
ممن ألف في الموطآت:
أ- الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي،
1 راجع: السُّنة قبل التدوين "ص261 - 276"، المدخل إلى توثيق السُّنة "ص60".
2 راجع: نشأة علوم الحديث ومصطلحه "ص223، 224"، المدخل إلى توثيق السُّنة "ص61".
أبو عبد الله المدني الفقيه، إمام دار الهجرة، ورأس المتقين، وكبير المحدثين "93 - 179هـ".
وقد مكث الإمام مالك في تأليف كتابه "الموطأ" أربعين سنة كاملة ينقحه ويهذبه، ورتبه على الأبواب الفقهية، ومن عادته أنه يذكر عقب عنوان الباب الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم ما ورد فيه من الآثار عن الصحابة والتابعين، وخاصة من أهل المدينة؛ لأنه لم يرحل عنها، وأحيانًا يذكر ما عليه العمل، أو المجمع عليه في المدينة، وقد يتبع الحديث أحيانًا بتفسير كلمة لغويًّا أو بعض الجمل.
فالموطأ خلاصة لجهود هذا الإمام المحدِّث الكبير خلال أربعين عامًا، فكان متقنًا في بابه، وكان -رحمه الله تعالى- يتحرى في المتون وينتقي في الأسانيد، وقد بيَّن العلماء -سلفًا وخلفًا- أن أحاديث الموطأ كلها صحيحة، وأن أسانيده وردت متصلة جميعًا، فلا يوجد في الموطأ حديث مرسل ولا منقطع إلا وقد اتصل سنده من طرق أخرى، كما قرر العلماء، ومنهم أبو عمر بن عبد البر في كتابه "التقصي في مسند حديث الموطأ ومرسله".
وقديمًا قال الإمام الشافعي: "ما على الأرض كتاب هو أقرب إلى القرآن من كتاب مالك"، وفي رواية:"ما بعد كتاب الله أكثر صوابًا من موطأ مالك"، وفي رواية:"ما بعد كتاب الله أنفع من الموطأ"، وفي رواية:"ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك".
ب- عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، مولاهم، أبو محمد، المصري، الفقيه، الحافظ، العابد "125- 197هـ"، وكتابه "الموطأ" أشار إليه غير واحد من الأئمة والحفاظ منهم ابن حجر العسقلاني في "التلخيص الحبير"، والزيلعي في "نصب الراية".
ولم يطبع "موطأ" عبد الله بن وهب كاملًا إلى الآن1.
ولم يلتزم ابن وهب في هذا المصنف برواية الأحاديث الصحيحة والمرفوعة؛ وإنما جمع فيه الصحيح والحسن، والضعيف، والمرفوع، والمرسل، والموقوف، والمقطوع.
1 وقد شرفت بتحقيق جزء منه بالاشتراك مع فضيلة الدكتور/ رفعت فوزي عبد المطلب، طبع ونشر دار الوفاء بالقاهرة، وموطأ ابن وهب مرتب على الأبواب الفقهية، مثل موطأ الإمام مالك، وقد بلغ عدد الروايات في هذه القطعة من موطأ ابن وهب "526" خمسمائة وستًّا وعشرين رواية.
كما طبع جزء آخر منه بتحقيق الدكتور مصطفى حسن حسين محمد أبو الخير بجامعة الأزهر "رسالة الدكتوراه له".
وجاء في مجلدين واشتمل على "717" حديثًا، منه الصحيح، ومنه الحسن، ومنه الضعيف "دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع بالمملكة العربية السعودية" الطبعة الأولى "1416هـ-1996م".