الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد أيَّد هذا الحكم الإمام أحمد لما سئل عن الحديث نفسه، فقال عَبْدُاللهِ بْن أحمد بن حنبل: " سَألت أبِي عَنْ حديث حدثناه الفضل بن زياد الذي يقال له الطسي، قال حدثنا إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم:((لا يَقْرَا الْجُنُبُ وَلا الْحَائِضُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ)).
فَقَالَ أَبِي: هذا باطل أنكره على إسماعيل بن عياش، يعني أنَّه وهم من إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ " (1).
قلتُ: فظهر بذلك مدى أهمية ودقة قرينة ضعف الثقة في بعض البلدان، وكيف كان النُّقادُ يعتمدون على التعليل بها، ولاشك أنَّ معرفة ذلك للباحث في مناهج المتقدمين من أهم المهمات للوقوف على القرائن المعتمدة عند أهل النقد.
المطلب الثالث: قرينة ضعف الثقة في بعض الأحوال
.
وهذه القرينة من أدق وأهم الأدلة التي كان الدارقطني يستند عليها، وكذلك الأئمة النُّقاد في تعليلهم للأحاديث، وتحدث هذه القرينة عندما يكون الراوي الثقة قوياً وثبتاً في الرواية في أحوال معينة دون غيرها، كالمختلطين لهم أحكام من روى عنهم قبل الاختلاط ومن روى عنهم في زمن الاختلاط، أو كمن احترقت كتبه له حكمان كذلك، وغيرها
من الأحوال التي قد تدل على خلل في الراوي أو المرويَّات، ولذا اهتم المؤرخون بمثل هذه الأحداث وأَرَّخُوا لها، ليتمكن النُّقاد من معرفة أحوال الرجال وبالتالي الحكم على الأحاديث والآثار، وسوف أجتهد في توضيح ذلك بضرب الأمثلة الآتية:
المثال الأول: قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -: " عن حديث روي عن أبي عبدالرحمن السلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ ذَكَرَ الله عز وجل فِي نَفْسِهِ ذَكَرَهُ اللهُ فِي
(1) الإمام أحمد: العلل ومعرفة الرجال، (ج3/ص381)، سؤال رقم (5675).
نَفْسِهِ، وَمَنْ ذَكَرَ اللهَ فِي مَلأ)) (1)، الحديث وفيه تقرب إلى الله
…
الحديث.
فقال - الدارقطني -: يرويه عطاء بن السائب، واختلف عنه فرواه جرير، عن عطاء عن أبي عبدالرحمن، عن أبي هريرة، وخالفه حماد بن سلمة، فرواه عن عطاء بن السائب عن سلمان الأغر (2)، عن أبي هريرة. هذا من عطاء بن السائب؛ لأنَّه اختلط في آخر عمره " (3).
قلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الدارقطني هي: اختلاط عطاء بن السائب في آخر عمره، وثبت أنَّ جرير، وحماد بن سلمة سمع منه بآخرٍ، وأبو عبدالرحمن وهو عبد الله ابن حبيب السلمي، ولم يرجح الدارقطني رواية جرير وهو ابن عبدالحميد بن قرط، ولا رواية حماد بن سلمة؛ لأن جرير وحماد سمعا من عطاء بن السائب بعد الاختلاط، قال أبو سعيد العلائي: " وذكر العقيلي أن حماد بن سلمة ممن سمع منه بعد الاختلاط.
قال ابن القطان: وكذلك جرير وخالد بن عبد الله وابن علية وعلي بن عاصم وبالجملة
أهل البصرة فإنَّ أحاديثهم عنه مما سمع بعد الاختلاط لأنَّه قدم عليهم في آخرة عمره" (4)
وقال أيضاً: " وثقه أحمد بن حنبل مطلقاً، وأحمد بن عبدالله العجلي وقال: من سمع منه بأخرةٍ فهو مضطرب الحديث. منهم: هشيم، وخالد بن عبدالله "(5).
(1) أخرجه أبو عبدالله الحاكم: في المستدرك (ج4/ص275)، برقم (7625)، من طريق جرير، عن عطاء، عن أبي عبدالرحمن، عن أبي هريرة وقال:"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي في التلخيص، قلتُ: بل ليس بصحيح؛ فإنَّ جرير ممن سمع منه بآخرة عمره.
(2)
هو سلمان الأغر، أبو عبد الله المدني، مولى جهينة (ت:؟)، ثقة من الطبقة الثالثة، الوسطى من التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج4/ ص122).
(3)
أبو الحسن الدارقطني، كناب العلل (ج8/ص287 - 288)، سؤال رقم (1574).
(4)
العلائي: خليل بن كيكلدي بن عبدالله، صلاح الدين أبو سعيد العلائي (ت:761 هـ)، المختلطين، طبعة مكتبة الخانجي، بالقاهرة سنة 1996م، (ص28) ترجمة رقم (33).
(5)
المصدر السابق: (ص28) ترجمة رقم (33).
المثال الثاني: قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -:" عن حديث روي عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة:((لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ)) (1).
فقال - الدارقطني -: يرويه محمد بن عبدالرحمن مولى آل طلحة عنه، واختلف عنه فرواه مسعر عنه موقوفاً، واختلف عن المسعودي فرفعه عنه قوم، ووقفه وكيع عنه، وقيل عن ابن عيينة عن مسعر مرفوعاً ولا يثبت " (2).
قلتُ: وقرينة العلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنّ المسعودي وهو عبدالرحمن بن عبدالله بن عتبة الكوفي (3)، اختلط قبل موته، وكان ممن سمع منه قبل الاختلاط وكيع ابن الجراح، فالقوم الذين رفعوا الحديث عن المسعودي أخطئوا في رفعه، وقد رجَّح الدارقطني الموقوف.
قَالَ عبدُاللهِ بن أحمد بن حنبل: " سمعت أبي يقول سماع وكيع من المسعودي بالكوفة قديما وأبو نعيم أيضا، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالبصرة والكوفة فسماعه جيد "(4).
وقال ابن رجب في ترجمة المسعودي: " وأما يزيد بن هارون وحجاج ومن سمع منه ببغداد في الاختلاط إلا من سمع منه بالكوفة يعني أن سماع من سمع منه بالكوفة صحيح،
(1) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الغبار في سبيل الله، (ج4/ص 171)، برقم (1633)، وقال:" حديث حسن صحيح "، وأخرجه غيره.
(2)
أبو الحسن الدارقطني، كناب العلل (ج8/ص336)، سؤال رقم (1606).
(3)
عبدالرحمن بن عبدالله بن عتبة بن عبدالله بن مسعود الكوفي (ت: 160 وقيل 165 هـ)، صدوق اختلط قبل موته، وضابطه أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط، من الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، أخرج له الأربعة والبخاري تعليقاً، تهذيب التهذيب (ج6/ ص190).
(4)
الإمام أحمد: العلل ومعرفة الرجال، (ج1/ص 325)، سؤال رقم (575).
ومن سمع منه ببغداد كيزيد بن هارون، وحجاج فهو بعد الاختلاط " (1).
ولقد علّل النُّقاد قبل الدارقطني أحاديث بعلة تغير الأحوال منهم الأئمة: أحمد بن حنبل والبخاري، والترمذي وغيرهم في مصنفاتهم، وسنضرب بعضاً منها على سبيل المثال:
المثال الأول: قَالَ الترمذي: "حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد الرزاق عن مَعْمر عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هُرَيرة رضي الله عنه قال: ((كَانَ لِنَعِلِ رسُول اللهِ قِبَالَانِ (2)) (3).
سألت مُحمدًا - يعني البخاري -: عن هذا الحديث فلم يعرفه، قال: قلتُ كيف صالح مولى التوأمة (4)؟، قال: قد اختلط في آخر أمره من سمع منه قديماً سماعه مقارب وابن أبي ذئب ما أرى أنه سمع منه قديماً يروي عنه مناكير " (5).
قلتُ: والعلة التي صرح بها البخاري وهي اختلاط صالح مولى التوأمة في آخر أمره، وقد رواه عنه ابن أبي ذئب وهو ممن سمع منه بعد الاختلاط، فصار هذا الإسناد معلول بهذه العلة، وإلا فمتن الحديث صحيح أخرجه البخاري وأصحاب السنن، والله الموفق.
المثال الثاني: قال البزار: " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ يَعْنِي ابْنَ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ جُرَيِّ بْنِ كُلَيْبٍ، رَجُلٍ مِنْهُمْ، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُضَحَّى بِأَعْضَبِ الْقَرْنِ وَالأُذُنِ.
(1) ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص399 - 400).
(2)
أَي زِماما القِبال: وهو السير الذي يكون بين الإِصبعين، لسان العرب (ج11/ص 534).
(3)
أخرجه الطبراني على الوجه المعلول: في المعجم الكبير (ج1/ص219)، برقم (596).
(4)
صالح بن نبهان، أبو محمد المدني، مولى التوأمة (ت: 125 أو 126 هـ)، صدوق اختلط، من الطبقة الرابعة، أخرج له الأربعة إلا النَّسائي، تهذيب التهذيب (ج4/ ص 355).
(5)
الترمذي: ترتيب علل الترمذي الكبير (ج1/ص107).
قَالَ: فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَقَالَ: نَعَمِ الْعَضَبُ النِّصْفُ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ" (1).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها البزار هي اختلاط سعيد بن أبي عروبة قبل موته، وقد ثبت أنَّ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ سمع منه بعد الاختلاط، قال الحافظ ابن رجب:" قال أبو نعيم الفضل بن دُكَين: كتبت عن سعيد، جاء ابن أبي عدي إلى ابن أبي عروبة بآخره يعني وهو مختلط "(2).
وقد أرَّخ الإمام أحمد لتاريخ الاختلاط فقَالَ عبدُاللهِ بن أحمد: " قال أبي ومن سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الهزيمة فسماعه جيد ومن سمع بعد الهزيمة (3)، كأن أبي ضعفهم. فقلت له: كان سعيد اختلط؟ قال: نعم، ثم قال من سمع منه بالكوفة مثل محمد بن بشر، وعبدة فهو جيد، ثم قال قدم سعيد الكوفة مرتين قبل الهزيمة "(4).
قلتُ: وليس كل من اختلط أو تغير حاله أرَّخ له النُّقاد، بل يوجد بعض ممن طرأ على حاله الاختلاط أو التغير، ولم يحدد النُّقاد تاريخ ذلك التغير، إلا إنَّ لهم مؤشرات أخري يعتمدون عليها لتحديد من سمع قبل الاختلاط، ومن سمع بعده، وبنهاية هذا المطلب ينتهي مبحث القرائن الإسنادية، يظهر لنا أهمية معرفة أحوال الرواة عند الدارقطني والنُّقاد المتقدمين، والله الموفق.
(1) الإمام البزار: المسند (البحر الزَّخار)، (ج1/ص496)، رقم (875).
(2)
ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص397).
(3)
قال الإمام أحمد: في العلل ومعرفة الرجال (ج1/ص 163)"وكانت الهزيمة في سنة خمس وأربعين ومائة "، قلتُ: فيكون بداية الاختلاط من سنة (145هـ)، فمن سمع بعدها فلا يثبت حديثه، ومن سمع من سعيد بن أبي عروبة قبلها فحديثه صحيح مقبول.
(4)
الإمام أحمد: العلل ومعرفة الرجال، (ج1/ص 163)، سؤال رقم (86).
نتائج هامة:
- بمقارنة منهج الدارقطني في استعمال القرائن الإسنادية بغيره من أئمة النقد المتقدمين نجده لا يختلف كثيراً عنهم، فإنَّه كثيراً ما كان يستند للقرائن والدلائل التي كان النُّقاد يستعملونها في إعلال المرويَّات من جهة الإسناد.
- ولا شك أنَّ قرائن التعليل الإسنادية كثيرة ومتعددة، ولا يمكن حصرها إلا بعد جهد كبير وسبر لأقوال الأئمة النُّقاد، ودراسة الدلائل التي كانوا يستندون عليها ولم أرَ أنَّ أحداً جمع مثل هذا في مصنف واحد، والله أعلم.
- إنَّ دراسة أحوال الرواة من أهم الوسائل والدلالات لمعرفة العلل الكامنة في الآثار والأخبار، ولقد اهتم النُّقاد بتحقيق وتحديد أنواع الخلل الذي قد يطرأ على الرواة والمرويّات، لاستخراج الأدلة على بطلان الأخبار الضعيفة والمكذوبة.