الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصحابة في معرفة الدين أصولاً وفروعًا (1) .
ثانيًا الدليل العقلي:
ففضلاً عن النصوص المستفيضة عن الصحابة رضي الله عنهم في التفسير، والتي تدل على فهمهم للقرآن الكريم وتدبرهم، وإحاطتهم بالأدلة التي قدمها كالآيات وضرب الأمثلة واستخدام الأقيسة العقلية، فإن استخدامنا للدليل العقلي يبرهن أيضًا على أن حواريي الرسل وصحابتهم هم أكثر الناس فهمًا لرسالتهم من غيرهم بأصولها الكبرى وفروعها ودقائقها أيضًا، وأن المتأخرين هم أكثر الناس بعدًا عن الرسالات وفهمها باستثناء القلة الحريصة على اتباع السابقين عليهم بمنهج النقل الدقيق كما فعل أهل الحديث والسنة.
وهذا هو التفسير المنطقي المعقول الذي يشهد به تاريخ الدعوات الدينية، فهي (تقوم إبان نشأتها على معتنقين اتجهوا نحوها بقلوبهم وتفاوتوا فيها بأرواحهم. وكم روى التاريخ من أخبار الرسول صلوات الله عليه وأن إشارته كانت تقابل بالتنفيذ من الجميع، فإذا ما فترت الدعوة وضعفت العقيدة وخمدت حرارة الإيمان الأولى، أخذ الناس يبحثون في معتقداتهم ويعللون ويناقشون ويعارضون)(2) .
ولم نذهب بعيدًا في التعليل والتفسير بينما كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما سباقًا إلى تعليل اختلاف المسلمين متنبئًا بما سيحدث في العصور التالية لعصر الصحابة مفسرًا إياه بنقص درايتهم بالقرآن وافتقادهم لفهمه على الوجه الصحيح فقد خلا عمر رضي الله عنه ذات يوم فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة وكتابها واحد؟ فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، إنما أنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيما أنزل وأنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن ولا يدرون فيما نزل، فيكون لهم فيه رأي فإذا كان كذلك اختلفوا فيكون لكل قوم فيه رأي..
(1) لم يكن تقسيم الدين إلى أصول وفروع معروفًا في عصر الصحابة والتابعين ولكن هذا التفريق ظهر من جهة المعتزلة.
(2)
د. إبراهيم مدكور: في الأخلاق والاجتماع ص 26 ط الهيئة العامة للنشر.
فإذا اختلفوا اقتتلوا (1) .
وكانت طرق استدلال الصحابة مستمدة من النظر في المخلوقات والتأمل في عجائب صنع الله تعالى وما يطرأ عليها من تغيرات على مدار الأزمنة، فأيقنوا أنها لا بد أنها مخلوقة من رب حكيم، أحسن كل شيء خلقه وأتقن صنع كل شيء. عن الحسن البصري قال:(كانوا - يعني الصحابة - يقولون: الحمد لله الرب الرفيق الذي لو جعل هذا الخلق خلقًا دائمًا لا ينصرف لقال الشاك في الله: لو كان لهذا الخلق رب لحادثه (2) وإن الله قد حادثه بما ترون من الآيات: إنه جاء بضوء طبق ما بين الخافقين، وجعل فيها معاشا وسراجا وهاجا، ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق وجاء بظلمة طبقت ما بين الخافقين وجعل فيها سكنًا ونجومًا وقمرًا منيرًا، وإذا شاء بني بناء جعل فيه من المطر والبرق والرعد ما شاء وإذا شاء صرف ذلك وإذا شاء جاء ببرد يقرقف الناس (من القرقفة أي: الرعدة) ، وإذا شاء ذهب بذلك وجاء بحر يأخذ بأنفاس الناس، ليعلم الناس أن لهذا الخلق رباً يحادثه بما يرون من الآيات، كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالآخرة.
وترى الصحابة - طبقًا لهذا الاستدلال - قد سلكوا الطريق الفطري المطابق لطريق البرهان العقلي في إثبات وجود الله سبحانه وتعالى، وأنه خالق كل شيء وهو سبحانه المحدث الفاعل بمشيئته وقدرته، ولم يفعلوا كما فعل بعض فلاسفة اليونان عندما فسروا صدور الكون بأنه معلول يقارن علته (فإن ذلك يمتنع محادثته أي: إحداث الحوادث فيه) (3) .
من هذا يتبين أيضًا أن أدلة الشرع أدلة عقلية، فقد فطر الله تعالى عباده على معرفة الحق وقد بعث الرسل - كما يصفهم ابن تيمية - بتكميل الفطرة قال تعالى:(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)[فصلت، الآية: 53]
(1) الشاطبي: الاعتصام ج 2 ص 107 ط دار الشعب.
(2)
حادثه أي جدد وجوده فهو (حادث) ويتعدى بالألف فيقال: (أحدثه) .
(3)
ابن تيمية - جامع الرسائل- المجموعة الأولى ص 139 تحقيق محمد رشاد سالم 1389 هـ /1969 م ط المدني بالقاهرة.
وتفسيرها (أنه سبحانه أخبر أنه سيريهم الآيات الأفقية والنفسية المبينة، لأن القرآن الذي أخبر به عباده حق، فتتطابق الدلالة البرهانية العيانية ويتصادق موجب الشرع المنقول والنظر المعقول)(1) .
والتفسير العقلي أيضًا يبرهن على تجاوبهم الكامل مع العقيدة التي تغلغلت إلى نفوسهم فإن الدارس لأحوالهم وسلوكهم خلال سنوات الأزمات والجهاد الشاق على النفس وعلى الهوى وفي مواجهة الأهل والأصحاب والعادات المألوفة والعقائد الوثنية الباطلة بعد أن تلقوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد كل هذا يمكن وصفهم بأنهم الأعلم والأحكم من كل من جاء بعدهم.
ونكتفي بواقعة واحدة للمقارنة، تلك هي موقعة تبوك حيث بلغت بهم الشدة مبلغها.
يقول ابن كثير: (ومن هنا تتبين فضيلة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وعدم تعنتهم كما كانوا معه في أسفاره وغزواته منها عام تبوك في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد لم يسألوا خرق عادة ولا إيجاد أمر مع أن ذلك كان سهلاً على الرسول صلى الله عليه وسلم لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم فجمعوا ما معهم فجاء قدر مبرك الشاة فدعَا فيه وأمرهم فملأوا كل وعاء معهم. وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى فجاءت سحابة فأمطرتهم، فشربوا وسقوا الإبل وملأوا أسقيتهم ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر فهذا هو الأكمل في الاتباع أي: المشي مع قدر الله مع متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم (2) .
وهل نتصور أن أهل العصور التالية كانوا أكثر فهمًا للدين وأصوله من الصحابة؟ أو أنهم أفقه وأورع منهم؟ إن ذلك يعد قلبًا للأوضاع وتبديلاً لموازين القياس الصحيح، إذ سجل لنا التاريخ فضائل أعمال الجيل الأول بمثاليتهم في الفهم والتطبيق فلم يشغلهم عن الجهاد؛ والأعمال الصالحة تنطوي في ذاتها على عمق الإدراك والوعي بالرسالة والتحرك بها فانصرفوا عن الجدال واهتموا بالأعمال، ولكن الأوضاع
(1) منهاج السنة ج 1 ص 82.
(2)
ابن كثير: التفسير ج 1 ص 139 ط الشعب.
انقلبت بعدهم، فظهر الجدل في الدين على حساب العمل، أو كان بداية لفرقة وحدة المسلمين وتفتيت جماعتهم وظهور علامات الوهن بين صفوفهم.
لذلك اعتبر علماء الحديث ظهور الجدل الكلامي لونًا من الردة، وعللوه بقلة الفقه في الدين وذهاب العلماء لقول الدارمي:(وكانوا مقموعين أيام الصحابة والتابعين مقهورين بسلطان الدولة وحجج العلماء، ولكنهم عندما بعد الزمن وجدوا الفرصة لنشر مذاهبهم عندما وجدوا من الرعاع جهلاً ومن العلماء قلة)(1) .
لقد بحث المتكلمون ونقبوا في تاريخ الصحابة وأيامهم فلم يجدوا آثارًا تدل على خوض الصحابة فيهم، فاستنتجوا أنهم لم يعرفوها وهذا منهج خاطئ في البحث والتصور لقول السفاريني:
ولما كان عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان خاليًا من البدع الكلامية والشبه الخيالية والخصوم المعتزلية، لم تكن أدلة علم أصول الدين مدونة هذا التدوين (2) . كما تمادى المتكلمون بالطعن في الصحابة فزعموا أنهم كانوا مشغولين بالجهاد عن تناول أمهات أصول الدين والحق أن الجهاد كان ثمرة العقيدة وتجسيدًا وتعبيرًا عن تمكنها من النفوس والقلوب.
ولا يمكن تفسير الانتصارات المذهلة للصحابة إلا في ضوء استجابتهم لعقيدة الإسلام وفهمها حق الفهم وتطبيقها عمليًا فاجتذبوا غيرهم من الشعوب ذات الحضارات العريقة فكان الصحابة في وضع الطلائع والصفوة الممتازة.
ولما كانت حضارة الإسلام منتصرة وسائدة لا انتصارًا عسكريًا فحسب فإن - ذلك يعبر عن المقدمات - ولكن تغلغلا إلى أعماق الشعوب عقائديًا ونفسيًا؛ لأن حملة العقيدة الجديدة كانوا هم الأفضل والأجدر بالاتباع والانقياد.
وظهرت حروب الردة لتكشف معادن الرجال مبرهنة على أن قوة الإيمان في صف أبي بكر والصحابة وقد وقفت سدًا مانعًا لمواجهة أية ثغرة في العقيدة، وكانت
(1) عقائد السلف (نقد الدارمي على المريسي) .
(2)
مختصر السفاريني، ص 5 تحقيق محمد زهري النجار - دار الكتب العلمية بيروت
1403 هـ/ 1983 م.
محكًا لأثر الإيمان في النفوس والفهم الصحيح لعقائد الإسلام، فقد كشفت الردة عن (حقيقة التصور الإلهي في أذهان المسلمين وسلوكهم حين تحول إلى أعمال وحرب حتى لا يتمكن المرتدون من تشويه العقيدة، أو انتقاص المنهج، أو إدخال شيء من الجاهلية في الإسلام)(1) .
إن هذا الفهم الممتزج بالإيمان هو الدافع الحقيقي لجهاد الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسابق للاستشهاد، ومع الصديق رضي الله عنه بعده.
ألا يحق لعلماء أهل السنة والجماعة سلوك طريقهم واعتبارهم الجيل المثالي في العقيدة والسلوك؟
ولن يدهشنا إذًا عندما نرى أحد علمائهم - وهو الدارمِيّ - يقول:
فلم يظهر جهم وأصحابه - وهم أول من قالوا بالجبر ونفوا الصفات الإلهية - في زمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبار التابعين فيروى عنهم فيها أثر منصوص، مسمى ولو كانوا بين أظهرهم مظهرين آراءهم لقتلوا كما قتل علي رضي الله عنه الزنادقة - وهم أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الذين قالوا بتأليه علي وظهروا في عصره، ولقتلوا كما قتل أهل الردة (2) .
ويوضح لنا الدارمي - بهذا الرأي - كيف دارت عجلة التاريخ لتطبيق سننه في رقي الأمم وتدهورها، إذ عبرت الفلول المهزومة في الحضارات المغلوبة عن نفسها بنشر فلسفاتها ونظراتها للألوهية والكون والإنسان، أو إثارة المشكلات العقائدية التي كانت تعاني منها إبان أزماتها.
ومما أذهل عقول مؤرخي التاريخ وفلاسفته أن المسلمين قاموا بغزو بلاد ذات حضارات عريقة، فكان من المنتظر قياسًا على الغزوات المماثلة من قبل كغزوات الإسكندر الأكبر مثلا - حيث لم تجاوز أعماله مجال التعمير الحضاري بمظهرها المادي فقط - كان من المنتظر بقاء الأفكار الفلسفية والدينية للسكان الأصليين كما هي
(1) محمد حسن بريغش: ظاهرة الردة في المجتمع الإسلامي الأول ط مؤسسة الرسالة- بيروت.
(2)
عقائد السلف ص 349.
ولكن ما حدث نتيجة انتصار المسلمين لم يتوقع، لأنه اكتسح ما لاقاه في طريقه كالسيل الجارف، (فتغير كل شيء بين يوم وليلة. ولم يقتصر في هذه المرة على الواجهة السياسية والاقتصادية في المدن الكبرى فقط، وإنما تغلغل في الأعماق النفسية لهذه الشعوب جميعًا: فاللغات والأفكار والقانون والآمال والعادات وتصور العالم وعقيدة الألوهية، كل ذلك قد طرأ عليه تغيير جذري سريع)(1) .
والشواهد أكثر من أن يستدل بها في هذا الموضع وإلا اضطررنا إلى عرض حياة عشرات، بل مئات الصحابة رضوان الله عليهم ومنهم من فسر القرآن الكريم ومنهم من تفقه ومنهم من اختص بالإفتاء والاجتهاد والأمثلة كثيرة على مثل هذه التخصصات.
ولو مضينا في دراسة أنشطتهم العلمية لخرجنا بصورة كاملة عن حقيقة عقائدهم، إذ توصلوا إليها في كافة أوجه أصول الدين من عقيدة التوحيد إلى الصفات الإلهية إلى مسألة القضاء والقدر الإلهي، إلى الإنسان وحقيقته وغايته وأخلاقه، إلى المجتمع ومكوناته والحياة الإنسانية بكافة جوانبها، حتى قال الإمام أحمد بن حنبل:(لقد حدثت أجناس الأعمال في عصر الصحابة) .
وقال الإمام أحمد: (أنه ما من مسألة إلا وقد تكلم فيها الصحابة أو في نظيرها فإنه لما فتحت البلاد وانتشر الإسلام حدثت جميع أجناس الأعمال فتكلموا فيها بالكتاب والسنة، وإنما تكلم بعضهم في مسائل قليلة)(2) .
ويقصد بذلك أنهم أرسوا قواعد الحياة الإسلامية الحقيقية كلها.
هذه الحياة الكاملة التي تتناول العقيدة والعبادات والأخلاق في دائرة واحدة يعبرون عنها بحياتهم اليومية العادية والمعارك العسكرية والمعاملات التجارية والعلاقات الاجتماعية في الأخوة والصحبة والزواج والعتاق والمسرات والأحزان
(1) د. دراز: مدخل إلى القرآن الكريم ص 54 ط دار القلم - الكويت 1391 هـ - 1971 م.
(2)
ابن تيمية: معارج الوصول إلى أن أصول الدين وفروعه قد بينها الرسول ص 43 ط المكتبة العلمية بالمدينة المنورة. والجنس: الضرب من كل شيء والجمع: (أجناس) وهو أعم من النوع.
وهذه المزية ينفرد بها الصحابة دون من جاء بعدهم، لأنه ما إن انقضى عصرهم حتى ظهرت بواكير التحول التدريجي البطيء عن هذه الحياة أقل درجة منها، ثم ظهرت الفتن والقلاقل، شأنه سنن الحياة في النزول عن القمة بعد بلوغها الذروة.
ومن هنا أصبحت تقاس أطوارنا تاريخيًا بالنظر إلى اقترابها أو ابتعادها عن المجتمع الإسلامي في الخلافة الراشدة وما حققته الحضارة الإسلامية في هذا الطور العظيم، فإذا تكلمنا عن الشورى والبيعة والعدالة، وإذا تكلمنا عن المساواة في الحقوق والواجبات بين الناس، وإذا تكلمنا عن الفتوحات ورايات الإسلام الخفاقة المنتشرة في الأرض حينذاك، فلن تجد مصدرا غنيًا كاملاً بكل ما تحقق في هذه الميادين إلا في وقت الخلافة الراشدة والقرون الأولى المفضلة.
ولهذا فإن التاريخ يسجل الصلة العكسية بين ظهور الحضارة الإسلامية واتساع نفوذها وأثر إشعاعها وفتوحاتها، وبين ظهور الفرق وانقسام صفوف المسلمين بين نحل ومذاهب تتطاحن وتتناحر.
وإذا عبرنا بلغة فلسفة التاريخ لفهم تاريخ المسلمين، عثرنا على الرباط الوثيق بين تنفيذ قواعد الشرع وفَهْم الإسلام من واقع مصدريه وبين النصر والظهور للمسلمين وبلوغ حضارتهم إلى الذروة، ففي العصور الأولى عندما كان الصحابة والتابعون يسيرون على طريق الشرع بفهم ووعي، انتصروا في الغزوات وقهروا الأعداء وحققوا مجتمعًا إنسانيًا مثاليًا لم تر البشرية مثله، ثم أصاب الوهن المجتمعات الإسلامية وظهر الضعف في أوصالها على أثر ضعف العقيدة في النفوس وظهور البدع. ولا تخطئ عين الباحث المنقب في كتب التاريخ ملاحظة ما حققه المسلمون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم بقيادته ثم الصحابة التابعون.
وإذا شئنا تفصيلا موجزًا، رأينا أن عصر بني أمية امتلأ بالفتوحات والانتصارات ولكن يعاب على أمرائهم تأخير الصلاة.
وكان أوائل خلفاء بني العباس أفضل ممن سبقهم من بني أمية في أداء الصلاة في أوقاتها وفي عصر المأمون (215 هـ) ترجمت الكتب اليونانية وكان ذلك على حساب العقيدة، فعندما تدخلت المفاهيم الفلسفية اليونانية، انحرفت العقيدة. وزادها انحرافًا غلو التشيع ثم التصوف بمذاهبه المتطرفة كالحلول ووحدة الوجود، واختلط
علم الكلام لدى المعتزلة بمصطلحات الفلسفة اليونانية.
ورويدًا رويدًا ضعفت الذاتية الإسلامية الأصلية - المتضمنة للعقيدة والأعمال - لدى الكثيرين وحلت محلها أفكارٌ فلسفية أجنبية، أو مذاهب كلامية متطرفة، فأضعفت من أثر العقيدة في النفوس، وحولت المسلمين إلى غير أهداف الأجيال الأولى، ونزعت من القلوب الخوف والرجاء والمحبة لله تعالى بأسمائه وصفاته الحسنى التي كان الأوائل يندفعون بها في ميادين الحياة والجهاد وتعمير الأرض والسعي فيها، تحولت إلى مناقشات وجدال، فخمدت الجذوة المشتعلة وتحولت أحيانًا إلى ما يشبه الرماد، فظهر الضعف وتغلب الأعداء.